لوحة: ينبوع أريثيوزا

Arethusa “The Waterer” ― Ian Palmer

اللوحة التجريدية دي مستوحاة من أسطورة من الأساطير اليونانية عن حورية البحر أريثيوزا Arethusa وإله البحر ألفيوس Alpheus..

في يوم من الأيام الحورية أريثيوزا راحت تستحمى عند نهر ألفيوس وإله النهر اللي بيحمل نفس الاسم أُعجب بيها وحاول يطاردها لكن أريثيوزا هربت منه وفضلت تجري وتتوسل للربة أرتيميس Artemis إنها تحميها منه.. أرتيميس استجابت لأريثيوزا وحولتها لمياه (خطة في منتهى الذكاء!) وحفرت في الأرض مجرى جوفي تحت البحر علشان أريثيوزا تقدر تهرب منه بصورتها السائلة وألفيوس مايشوفهاش خالص..

أريثيوزا جريت في الممر الجوفي ده وطلعت على سطح الأرض في صورة ينبوع اتسمى على اسمها ولسه موجود ليومنا هذا في مدينة سرقوسة Siracusa في صقلية، إيطاليا.

نرجع للأسطورة.. المهم بقى أن بعد ما أريثيوزا اتحولت لمياه جوفية يُقال إن ألفيوس نزل وراها بصورته النهرية ومشي في نفس المجرى المائي ده لحد ما وصل للينبوع اللي كونته أريثيوزا واختلط ماؤه بمائها ويٌقال إن هو اللي لسه بيمد ينبوع أريثيوزا بالماء.

فيه ناس بتزور الينبوع ده وبتشوف قصته دليل على الحب الأبدي اللي مهما اتغيرت صورته بيفضل موجود.. بس الحقيقة الأسطورة حزينة جدًا مش بس علشان أريثيوزا اتحولت لبركة مياه للأبد علشان إله قرر يحبها بالعافية، ولكن علشان أريثيوزا اتحولت لنفس الشيء اللي كانت بتحاول جاهدة تهرب منه.

وده يفسر لنا شوية نظرة إيان بالمر المُقبضة للأسطورة في لوحته التجريدية اللي فوق.. هل تحت ظاهرنا الهادئ العاقل بنخفي قبح الأذى اللي اعتقدنا أننا هربنا منه واللي كل يوم بنكتشف أنه بيشغل جزء كبير من وجودنا؟ هل بالتدريج بنصبح من\ما أساء إلينا؟

ايكسيون والعجلة الجهنمية

وفقًا للأساطير الإغريقية، ايكسيون Ixion كان زعيم من زعماء منطقة تساليا Thessaly في اليونان. في يوم قرر أنه يتزوج من الأمير الجميلة ديا Dia وفعلاً راح وطلبها من والدها الملك ووعده بتقديم بعض من خيوله المشهورة كمهر لها.

ايكسيون تزوج من ديا وأخدها تعيش معاه في قصره، الملك والد ديا فضل مستني ايكسيون يبعت له المهر المتفق عليه.. يوم واتنين وتلاتة ومفيش حاجة وصلت! الملك قال مابدهاش بقى وبعت مجموعة من رجاله لقصر ايكسيون علشان ياخدوا الخيل المتفق عليه بالعافية، وحصل فعلاً.

ايكسيون استشاط غضبًا أن حد تجرأ وأخد منه حاجة غصب عنه، فراح فكر في خطة انتقامية وعزم حماه الملك عنده في القصر بنية التصالح وإرجاع المياه لمجاريها، والراجل جيه بحسن نية مش مدي خوانة خالص. ايكسيون استقبل الملك وعزمه على وليمة عملاقة وبعدين وهما بيتمشوا في البلكونة راح زقه والراجل وقع على فحم مشتعل كان ايكسيون محضره مسبقًا.

طبعًا كلنا عارفين أن في الحضارة الإغريقية القديمة قتل الضيف كان بيعتبر من الجرائم الكبرى وإهانة للآلهة ذات نفسهم، فالناس لما عرفت بعملة ايكسيون المهببة في حق ضيفه، وحماه، بقوا يعاملوه كمجرم منبوذ وبيشتموه ويحدفوه بالطوب في الشارع لحد ما ساب المدينة خالص وفضل هايم على وجهه زي المجانين.

هنا بقى كبير الآلهة زيوس Zeus قرر يتدخل بعد ما شعر بالشفقة تجاه ايكسيون (محدش يسألني ليه مع أنه كان بيعاقب ناس على حاجات أهبل من كده بمراحل!) ورفع ايكسيون لجبل الأوليمب علشان يقعد في النعيم مع الآلهة شوية يفك عن نفسه ويتبسط كده. المهم، ايكسيون أول لما شاف هيرا Hera زوجة زيوس اتهبل عليها وفضل يلاحقها ويبصبص لها ويحاول يتقرب منها لحد ما هيرا اشتكته لزيوس وقالت له شوف لك حل في ابن العبيطة اللي أنت جبته ده. وعلشان يتأكد من كلامها، زيوس عمل سحابة على شكل هيرا بالظبط وقال لهيرا تختفي شوية. ايكسيون أول ما شاف السحابة افتكرها هيرا وقعد يتحرش بيها لحد ما مارس معاها الجنس، زيوس أول ما شاف اللي عمله ايكسيون اتجنن وأمر بمعاقبته بعقاب أبدي يليق بفعلته المهببة.

زيوس أمر بربط ايكسيون في عجلة من ايديه ورجليه، والعجلة دي هتفضل تدور للأبد في حقل من النار في تارتاروس Tartarus (الجحيم في الأساطير الإغريقية) وايكسيون هيدور معاها زي الفرخة في شواية الحاتي كده.

عادةً لما بقرأ أي قصة\أسطورة فيها البطل بيتعرض لمشاكل أو مصايب أوعذاب أبدي بتعاطف معاه على طول وبحاول أفهم دوافعه وأحط نفسي مكانه وأشوف إيه اللي ممكن يخلي شخص يتصرف كده، بس حقيقي ايكسيون مثال متوج في العفانة والدونية.. الراجل ماسبش خطيئة ولا مصيبة إلا وعملها: خيانة وحنث بالوعد وقتل وتحرش واغتصاب.. ما شاء الله ماشي بقائمة موبقات في جيبه.. ده مش بطل عنده خطأ\عيب تراجيدي أدى لسقوطه، ده هو كله خطأ أصلاً ماشي على رجلين. وده خلاني أفكر أن ايكسيون في الأسطورة ممكن مايكونش رمز لنموذج بشري مستقل بذاته وإنما هو مجاز لصفة بشرية محددة وهي الرغبة.

لو رجعنا للأسطورة تاني هنلاقي أن ايكسيون هو تجسد للرغبة بغشوميتها وتسرعها وإحساسها بالاستحقاق: شاف واحدة عجبته تزوجها من غير مقابل وكأنها حق مكتسب، واحد أخد منه حاجة مستحقة يقتله، شاف ربّة جميلة عجبته ينام معاها.. كل شيء سهل ومستحق ولازم يتحقق لحظيًا بغض النظر عن الأسباب والنتائج. الرغبة هي وليدة اللحظة دون أي اعتبارات أخرى زي ما اتكلمنا قبل كده في أسطورة أتالانتا.

وعلشان كده الفيلسوف الألماني آرثر شوبينهاور Arthur Schopenhauer استخدم أسطورة ايكسيون وعقابه الأبدي علشان يقول لنا إننا كبشر كائنات مدوفعة برغباتها وده بيخلينا زي ايكسيون كده مربوطين في عجلة طول حياتنا وقاعدين نلف حوالين نفسنا في جحيم من الرغبات اللي مابتتحققش وحتى لو اتحققت بنحس بلحظات قصيرة جدًا لا تُذكر من النشوة ونرجع نلف تاني مع العجلة الجهنمية.

الجميل في الموضوع بقى إن في أسطورة تانية لما أورفيوس Orpheus الشاعر صاحب الصوت العذب الملائكي لما بينزل العالم السفلي علشان يتسعيد زوجته وبيغني لبيرسيفونPersephone  على قيثارته يُقال إن عجلة ايكسيون توقفت عن الدوران والنيران توقفت عن حرق جسده، فقط في اللحظات القليلة اللي أورفيس كان بيغني فيها، وبعدها رجعت العجلة للدوران.. وكأن فعلاً ده بيصدق على كلام شوبينهاور أن العجلة قد تتوقف للحظات خاطفة بسبب قد يثري الروح، زي أغنية أورفيوس، ولكنها سرعان ما تعود للدوران مرة أخرى في حتمية أبدية.

فيه روايات للأسطورة بتقول إن ايكسيون فقد عقله بعد نبذ الناس له وكان بيمشي في الشوارع يزعق ويصرخ، وده بيخليني أفكر أن ممكن تكون الفقرة اللامنطقية بتاعت العفو الإلهي وشعور زيوس بالشفقة تجاهه ورفعه لجبل الأوليمب وتحرشه بهيرا قد تكون كلها كده من وحي خياله وأن عقله المثقل بالذنب حبسه في سيناريو تاني بيقابل فيه الكرم بالإساءة والحب بالفجر، وبكده بيصبح جنونه ده هو العجلة الجهنمية المربوط فيها للأبد.

أتالانتا والتفاح الذهبي

عادةً لما بنتكلم عن النساء في الأساطير الإغريقية بتبقى بطلة القصة يا ضحية مغلوبة على أمرها، يا شخصية شريرة عملت حاجة مهببة.. نادرًا ما بنشوف بطلات صاحبات عزم وقوة تضاهي قوة الأبطال من الرجال مثل هرقل وأخيل..

النهاردة هنتكلم عن البطلة الإغريقية أتالانتا Atalanta

أبو أتالانتا كان ملك مقاطعة أركاديا Arcadia وكان راجل دقة قديمة ودماغه جزمة ونفسه في ولد يشيل اسمه ويرث الحكم من بعده، لما عرف أن مراته خلفت بنت هاج وماج وأخد المولودة ورماها في الغابة علشان يتخلص منها. الطفلة الرضيعة المسكينة فضلت تعيط لحد ما شافتها دبة وأخدتها وأرضعتها من لبنها. أتالاتنا كبرت في الغابة مع الدببة والأسود واتعلمت الجري والوثب والصيد زيهم (كده عرفنا قصة طرزان مستوحاة منين). وفي مرة شافها اتنين من كائنات القنطور Centaurs، اللي نصهم حصان والنص التاني إنسان دول، وانبهروا بجمالها الشرس وحاولوا يغتصبوها، لكن طبعًا أتالانتا صارعتهم وقتلتهم بكل سهولة.

أتالانتا لما كبرت وبقت شابة سابت الغابة وابتدت تتنقل من مدينة للتانية تصارع الأبطال والوحوش وتنجز المهمات الصعبة مقابل الشهرة والمال، وفعلاً ذاع صيتها كبطلة مغوارة لدرجة أن الناس كانوا بيطلبوها بالاسم. أتالانتا مثلاً شاركت البطل جاسون Jason في رحلته الأرجونية مع أبطال آخرين، وكمان صارعت البطل بيليوس Peleus وهزمته شر هزيمة وعرته قدام صحابه الأبطال.

ما علينا، عدت سنين كتيرة وأتالانتا البطلة التي لا تُقهر بقت معروفة في جميع أرجاء اليونان وهنا أبوها المعفن قرر أنه يعترف بيها (ماحدش يسألني عرف أن دي بنته إزاي أصلاً). المهم يعني أتالانتا، اللي عاشت طول عمرها وحيدة من غير لا حبيب ولا قريب ولا غريب، لما عرفت برغبة أبوها لانت وقررت ترجع علشان تبقى أميرة أركاديا. الملك أول ما اتطمن أن أتالانتا رجعت تحت طوعه تاني قال لها احنا لازم نجوزك بقي!.. أي محاولة للسيطرة على بنته وخلاص. أتالانتا طبعًا رفضت وبشدة لأنها كانت واهبة نفسها للربّة أرتميس Artemis ربّة الصيد والبرية وكانت واخدة عهد على نفسها أنها هتفضل عذراء حرة طول حياتها، ده غير إنها كانت غير متقبلة للحياة الزوجية غير المتناسبة مع شخصيتها الجامحة.

المهم فضلت تعارض رغبة والدها وهو يصمم لحد ما وصلوا لحل وسط: أتالاتنا هتسابق أي شخص راغب في الزواج منها ولو قدر يسبقها هتتجوزه لكن لو هي اللي سبقت هتموته. أتالانتا كانت متأكدة أن طبعًا مفيش حد هيقدر يسبقها، وفعلاً عشرات من الراغبين في الزواج منها أقبلوا على السباق وهي كانت كل مرة بتسبق وكانت بتقتلهم واحد ورا التاني لحد ما جيه واحد اسمه هيبومينيس Hippomenes. هيبومينيس كان شاب وسيم شكله ابن ناس ولطيف وأتالانتا أول ما شافته افتكرت أنها هتسبقه بسهولة زي غيره، بس هيبومينيس مكانش زي غيره. قبل ما يروح يتقدم لأتالانتا، هيبومينيس الذكي راح لمعبد ربّة الحب والجمال أفروديت Aphrodite وطلب منها إنها تساعده علشان يفوز في السباق ويتجوز أتالانتا. بعد أيام من الصلاة والتضرع أفروديت وافقت تساعده بشرط إنه يرجع لها بعد ما أمنيته تتحق علشان يظهر الامتنان (أكيد كانت ناوية له على نية سودا، الآلهة وقتها ماكانوش بيهبوا أي حاجة بلا مقابل). هيبومينيس وافق وأفروديت أعطته ثلاث تفحات من الذهب وقالت له يرمي واحدة قدام أتالاتنا كل ما يحس أنها هتسبقه.

يوم السباق هيبومينيس استعد وحط الثلاث تفاحات في جيبه ولما ابتدى السباق وحس أن أتالانتا هتسبقه بسهولة راح رامي أول تفاحة على جانب طريق السباق، أتالانتا لما شافت حاجة لامعة ذهبية بتترمي قدامها توقفت عن الجري وراحت تلتقطها ولما اكتشفت أنها تفاحة من الذهب أخدتها وحطتها في جيبها.. ساعتها كان هيبومينيس اتقدم عليها بحبة حلوين فراحت هي جارية أسرع، فراح هو رامي التفاحة التانية وبرضه ماقدرتش تقاوم ووقفت علشان تلتقطها وتحتفظ بيها، وحصل نفس الكلام في التفاحة التالتة اللي كانت قرب نهاية السباق.. وبالفعل قدر هيبومينيس يسبق أتالانتا بفرق شعرة، أتالانتا ماقدرتش تعترض طبعًا ووافقت على الزواج من هيبومينيس.

ولنا هنا وقفة..

أتالانتا مثال يُحتذى بيه في القوة والمثابرة والذكاء في عالم أبطاله كلهم كانوا من الرجال والمرأة فيه دورها ضئيل جدًا، بس دايمًا أجي عند حتة التفاحات دي واستغرب جدًا من هطلها وسرعة وقوعها في فخ عبيط زي ده. كل القراءات السطحية للأسطورة بتعزي هزيمة أتالانتا إلى طمعها علشان الثلاث تفاحات زغللوا عينيها زي ما بيتقال، بس لو حطينا نفسنا مكانها ممكن نحاول نفهم دوافعها أكتر والمغزى وراء الأسطورة.

الأول نسأل نفسنا اشمعنى تفاح من الذهب؟ ليه هيبومينيس مارماش قدام أتالانتا سبايك ذهب؟ أو مثلاً حرنكش من الذهب أو قفص مانجة عويسي من ذهب؟ اشمعنى التفاح؟

التفاحة متأصلة في الوعي الجمعي كفاكهة الخطيئة بسبب قصة آدم وحواء الشهيرة وأكلهم من الشجرة المحرمة اللي ربنا نهاهم عنها. طيب هم ليه أكلوا منها أصلاً؟ علشان الشيطان استخدم نقطة ضعفهم ضدهم وأغراهم بالخلود والمعرفة. وهنلاقي أن التفاحة المحرمة بتظهر في قصص تانية زي المهام اللي أوكلت لهرقل للتكفير عن ذنبه وإثبات بطولته ومنها مهمة الحصول على التفاح الذهبي اللي استخدمه زيوس Zeus كمهر لزوجته هيرا Hera وهرقل قعد يصارع تنانين وبتاع علشان يوصل له. وفي قصة تالتة هنلاقي أن تفاحة ذهبية كانت السبب في إشعال الضغينة بين الربّات الثلاثة هيرا وأفروديت وأثينا واللي ترتب عنها نشوب حرب طروادة (هنبقى نحكي القصة دي بعدين).

فواضح كده أن التفاح ده عامل مشاكل في كل زمان ومكان.. ولكن العامل المشترك في القصص دي هو أن التفاحة هي رمز لما يرغب فيه الشخص وبالتالي نقطة ضعفه: آدم يرغب في الخلود والمعرفة، هرقل يرغب في الخلود والبطولة، هيرا وأفروديت وأثينا يرغبن في السلطة والتميز، وهنلاقي أن في كل قصة من دول رغبة كل واحد من أبطالها تجسدت في صورة تفاحة بريئة.. وحصولهم على التفاحة جيه على دماغم في الأخر.

طيب ليه أتالانتا سعت وراء التفاح؟ شافت فيه إيه ينقصها؟ أتالانتا التصقت فيها صفة الدونية من ساعة ولادتها بسبب كونها بنت وعلشان كده قضت حياتها كلها بتحاول تثبت أنها مثل الرجال وأفضل، وعلى فكرة اسمها باليونانية يعني equal in weight أو “مساوي في الوزن”.. يعني وجودها كله هو محاولة لإثبات أنها جديرة بالحياة اللي أبوها حرمها منها لمجرد أنها مش رجل، فطبيعي أن رد فعلها يكون أنها تسعى للقوة والبطولة والتميز.. وده اللي هي شافته في التفاح الذهبي.

وهنا احنا مش بنلوم أتالاتنا على رغبتها في البطولة والتميز، ولكن الفخ اللي وقعت فيه ده بيوضح لنا أن أحيانًا بيبقى فيه فرق كبير بين الرغبة في الشيء وتحقيقه وأن مش لازم الاتنين يكونوا متوافقين. الرغبة في أغلب الأوقات بتعمينا عن الطريق اللي المفروض ناخده علشان نوصل للمرغوب فيه، يعني مثلاً واحد عايز يوصل لمنصب معين في شغله بدل ما يشتغل ويتعب ممكن رغبته الشديدة في المنصب ده تدفعه للتحايل والتملق والزنبقة في زمايله.. بالظبط زي آدم وحواء كده، رغبتهم الشديدة دفعتهم لاختيار أقصر الطرق للمعرفة والخلود اللي هم كده كده كانوا هيوصلوا لها. وقد تكون رغبة أتالانتا الجارفة في البطولة – لتعويض النقص اللي تسبب فيه أبوها العرة – هي اللي عمتها عن حقيقة أن الوصول لغايتها هيتم بإكمال السباق مش بالتشتت والمتعة اللحظية بالحصول على شوية تفاح. الروائي نييل جايمان Neil Gaiman في The Sandman بيوصف الرغبة (وهي شخصية من شخصيات الكتاب) بإنها كائن وليد اللحظة “Desire is a creature of the moment” وإنها بتنسى كتير لأنها مابتبصش على الماضي والمستقبل وكل اللي يهمها هو دلوقتي، المتعة اللحظية وأقصر الطرق للوصول إليها، مع أن وجودها ممتد وأبدي وبيلقي بظلاله على الماضي والحاضر والمستقبل.

أنا شايفة إننا دلوقتي وضعنا لا يختلف كثيرًا عن وضع أتالانتا، بنجري في سباق علشان نحقق السعادة أو السلام النفسي (أو أيا كان اللي هيخلينا مبسوطين) والتفاح الذهبي قاعد يتحدف علينا من كل حتة وبنشوف فيه تحقيق لرغباتنا فبنجري وراه زي الهُبل وننسى السباق، ولما نعرف حقيقة التفاح ونحاول نرجع تاني للسباق بنلاقي نفسنا اتأخرنا شوية.. وأحيانًا كتير، وهكذا.

في النهاية أتالاتنا اتجوزت هيبومينيس، بس هيبومينيس نسي يرجع لأفروديت علشان يشكرها زي ما وعدها (فاكرين؟)، وطبعًا بما أن الآلهة مابتنساش، أفروديت انتقمت من الزوجين (أتالانتا المسكينة اتاخدت في الرجلين بذنب جوزها) بإنها وقعتهم في فخ ودفعتهم إنهم يدنسوا معبد من معابد زيوس وبالتالي فقدوا هيئتهم البشرية واتحولوا لأسدين. وعلى الرغم من غرابة وقسوة العقوبة إلا أني مش قادرة أشوفها غير أسعد نهاية تستحقها أتالاتنا الشجاعة الجميلة.. كلنا عارفين إن في أي قطيع من الأسود الأنثي هي اللي بتقوم بالصيد معظم الوقت في حين أن الذكر بيقعد يحمي القطيع، فبكده أتالانتا بتحقق حلمها بأنها تعيش حرة وقوية وتفضل تجري وتصطاد وتثبت أنها أقوى وأشجع من أي رجل.. وكأن حلمها لم يسعه عالم البشر.