بيرسيفون وهاديس ورحلة النضج

النهاردة هنتكلم عن بيرسيفون وهاديس، وقصة الاختطاف/الاغتصاب الشهيرة.

نبدأ من الأول.. زيوس Zeus كان مخلف من أخته ديميتر Demeter إلهة الزراعة والخصوبة بنت اسمها بيرسيفون  Persephone. بيرسيفون – كالعادة – كانت جميلة جدًا لدرجة إنها كانت بتخطف قلب أي حد يشوفها بجمالها وبراءتها. مين بقى اللى شافها واتهبل عليها؟ بالظبط.. هباب البرك هاديس Hades إله الموتى والعالم السفلي واللي كان برضه عمها وخالها في نفس ذات الوقت لإنه أخو زيوس وديميتر. هاديس راح لزيوس قاله أنا عيني من بيرسيفون وعايزها. زيوس مكانش ممانع بس مشكلته كانت مع ديميتر لإنه عارف إنها متعلقة جدًا ببنتها واستحالة تسمح لهاديس إنه يأخدها معاه العالم السفلي.

في يوم من الأيام وبيرسيفون بتلعب مع الحوريات في الحقول، شافت وردة بديعة ملفتة للنظر جدًا وجريت علشان تقطفها. أول ما بيرسيفون قطفت الوردة الأرض اتشقت وطلع هايدس من باطن الأرض بكامل هيبته وجبروته وأخد بيرسيفون معاه ونزل تاني. طبعًا هايدس أغتصب بيرسيفون وقرر إنها تفضل معاه كزوجة في العالم السفلي.

ديميتر بقى لما سمعت صرخة بنتها جالها هلع وجريت تدور عليها زي المجنونة بس لا حس ولا خبر ولا حد عايز يقولها بنتها راحت فين. فراحت لزيوس وقعدت تشرشحله والتاني عمل نفسه عبيط. الفكرة إن زيوس كان عارف تفاصيل الاختطاف إن مكانش هو اللي مخططه بنفسه مع هاديس. يُقال إن زيوس اتفق مع جدته جايا Gaia – اللي هي الأرض – علشان تنبت الوردة اللي أغرت بيرسيفون وسمحت لهاديس بالخروج واختطافها (عيلة زبالة قولنا).

المهم ديميتر فضلت دايخة على بنتها وتسأل هنا وهناك لحد ما صعبت على هيليوس Helios إله الشمس وحكى لها اللي حصل بالتفصيل. ديميتر شاطت وقالت لزيوس عليا وعلى أعدائي! فسابت جبل الأوليمب ونزلت الأرض ومنعت المحاصيل والمزروعات إنها تطلع وخلتها دندرة على دماغ البشر لمدة سنة. سنة بحالها الأرض بور والبشر مش لاقيين يأكلوا وعايشين في مجاعة، فزيوس قلق طبعًا وكلم هاديس قاله رجع البنت بقى يا زفت البشر هيروحوا مننا ومش هنلاقي حد نحكمه. في الأول هاديس فضل راكب دماغه ولكن بعد مفاوضات بين هاديس وديميتر، زيوس قدر يحدد يوم ويقنعهم يتقابلوا كلهم فيه علشان يحلوا المشكلة.

قبل اليوم الموعود، هاديس السوسة أقنع بيرسيفون إنها تأكل كام حبة رمان من عنده، وبالفعل البنت أكلت علشان كانت جعانة غير مدركة إنها أكلت من طعام العالم السفلي واللي بيأكل منه بيرتبط بالعالم السفلي للأبد.

جيه اليوم المتفق عليه وهاديس طلع جبل الأوليمب ومعاه بيرسيفون علشان يقابلوا زيوس وديميتر. طبعًا لولا وجود زيوس كانت ديميتر هتطبق في زمارة رقبة هاديس. أول حاجة عملها زيوس هو إنه سأل بيرسيفون إذا كانت عايزة تفضل مع هاديس في العالم السفلي ولا تطلع فوق الأرض مع مامتها ديميتر.. في وسط ذهول الجميع، بيرسيفون المسكينة أختارت هايدس. ديميتر أتجننت طبعًا ورفضت إنها توافق على حاجة زي كده وهددت إنها تمنع الزرع من الأرض تاني. المهم بعد جهد جهيد، زيوس اقترح اقتراح حلو وكلهم وافقوا عليه على مضض: الحل هو إن بيرسيفون هتقعد مع هاديس ست شهور (ويُقال أربعة) وهتطلع تقعد مع ديميتر بقية السنة.

ومن ساعتها كل ما بيرسيفون بتسيب العالم السفلي وتطلع فوق، الأرض بتطرح زرع والنباتات بتزهر، ولما بترجع تاني لهاديس الأوراق بتقع والنباتات بتموت.. ومن هنا أصبح وجود بيرسيفون مرتبط بفصلي الصيف والربيع وغيابها مرتبط بالشتاء والخريف، وبقت أسطورة بيرسيفون وهاديس هي الحدوتة اللي بيستخدمها القدماء لتفسير تعاقب الفصول ودورة الموت والحياة اللي بتمر بيها الأرض.

بالرغم من إن الأسطورة بسيطة ونهايتها مش نهاية تراجيدية تليق بالأساطير الإغريقية إلا إن فيها تلات محاور مهمين جدًا من خلالهم نقدر نعيد قراءة الأسطورة.

المحور الأول هو ديميتر.

بما إن عيد الأم كان قريب وكتير هنا كانوا بيتكلموا إزاي إن فيه أمهات علاقاتهم بأولادهم غير صحية بسبب الحب المفرط، حسيت إن ديميتر نموذج مناسب جدًا للنوع ده من الأمهات. حد ممكن يقولي بس حب ديميتر لبيرسيفون مش مفرط ولا حاجة.. دي واحدة بنتها أتخطفت وأغتُصبت وليها حق في كل حاجة عملتها. طبعًا ليها حق لو تعاملنا مع الأسطورة على إنها من تأليف أسامة أنور عكاشة، لكن لو بصينا على الأسطورة كقصة رمزية هنفهم إن اغتصاب بيرسيفون ونزولها للعالم السفلي مع هاديس ما هو إلا إشارة لمرحلة نضوج الابن\الابنة وانفصالهم عن العالم الطفولي الوردي الآمن اللي كانت الأم موفراه ليهم منذ الولادة. انفصال بيرسيفون عن ديميتر مكانش انفصال مكاني فقط ولكن انفصال عاطفي كمان، وده اللي جنن ديميتر وأثار غضبها: البنت فقدت براءتها واكتشفت إن فيه عالم تاني خارج نطاق العالم اللي ماكنتش تعرف غيره واللي الأم بالضرورة جزء منه، وانفصالها عن العالم ده يعني الانفصال عن الأم.

لو شوفنا الموضوع من وجهة نظر ديميتر هنلاقي طبيعي إن الانفصال ده أتصور في شكل اغتصاب أو انتهاك للبراءة وإن بنتها “نزلت” لمكان أسوأ المتمثل في الحياة في العالم السفلي مع هاديس. انفصال الابن\الابنة عن الأم مش بالضرورة بيكون بالبشاعة دي ولكن الأم المفرطة في الحب والحماية بتشوفه كده وبتتخيل إن الانفصال ده أقرب إلي الموت، وكأن الابن\الابنة مش هيقدروا يكملوا حياتهم من غيرها وخارج العالم الآمن بتاعها. وعلشان كده نهاية الأسطورة مُرضية إلى حد كبير لإنها بترغم ديميتر على تقبل الوضع وتقبّل فكرة إن بنتها مش ملكها وإنها مش هتقدر تحتفظ بيها وببراءتها طول العمر. من الأخر، ديميتر كأم بتتعلم إن انفصال بنتها عنها الجسدي والعاطفي ضرورة حتمية وجزء من نضوجها كشخصية مستقلة.

المحور التاني هو هباب البرك هاديس.

ملحوظة ملهاش علاقة بأي حاجة: هاديس من أكتر الآلهة المثيرة للاهتمام بالنسبة لي لأن شخصيته مركبة جدًا وذات عمق مالقتهوش في أي إله تاني. ده غير إنه ذكي وواسع الحيلة (فاكرين عمل إيه مع أورفيوس؟) وفيه كل صفات الanti-hero المنبوذ. ما علينا.. نبقى نتكلم عنه بالتفصيل بعدين.

انجذاب هاديس لبيرسيفون تحديدًا له دلالات كتيرة. أولاً، هي بنت زيوس، والعداوة بينه وبين زيوس قديمة قدم الأزل بسبب اختلافهم على مين هيحكم إيه، فطبيعي إن اختطاف بنته واغتصابها فيه شعرة انتقامية وكأنه أخد جزء منه وتملكه. ثانيًا، لو فكرنا فيها هنلاقي إن بيرسيفون هي نقيض هاديس في كل حاجة، فإذا كان هو الخبث والدهاء والقبح والدونية فهي البراءة والطهارة والجمال والسمو، فتملكه لبيرسيفون هو انعكاس لرغبته في تملك الصفات دي، ومش قصدي بالتملك إنه عايز الصفات دي تبقى فيه ولكن علشان يثبت وجوده ويثبت لنفسه إن له اليد العليا. كتير من الشخصيات الشريرة في الأفلام والروايات بيكون دافعها لارتكاب الشر مفيهوش أي مصلحة غير إنهم يثبتوا إن الشر هو السائد وإن كلنا قابلين للفساد. رغبة شريرة ومرعبة جدًا لكنها بتفسر ليه أفشل طالب في الفصل بيبقى دايمًا عايز يعلم أشطر طالب الانحراف والفشل.. هي رغبة في الvalidation وإثبات الوجود.

بغض النظر تفهمنا دوافع هاديس ولا لأ هتفضل علاقته ببيرسيفون غير سوية. خصوصًا إن موضوع الرمان ده لما قرأته فكرني بالعلاقات اللي بتبقى قائمة على الابتزاز العاطفي emotional blackmail. وده نوع من العلاقات بيبقى فيه طرف متحكم ومسيء للطرف التاني اللي غالبًا بيكون مدرك للإساءة اللي بيتعرض لها بس مابيقدرش يبعد أو يمشي بسبب ارتباطه العاطفي بالشخص المتحكم فيه، وغالبًا الارتباط ده بيبقى قائم على الخوف أو عقدة الذنب المتمثلة في حبات الرمان اللي هاديس أكّلها لبيرسيفون وأجبرتها إنها تفضل معاه كزوجة للأبد. ناس كتير بتبقى في علاقات زي الزفت على دماغها بس مابتقدرش تمشي بسبب خوفها إنها لو مشيت مش هيلاقوا حد يحبهم أو يرغب فيهم تاني أو بسبب عقدة الذنب بإنهم مدينين للطرف المسيء بشكل من الأشكال.

المحور التالت هو بيرسيفون.

أكيد لاحظتوا إن بيرسيفون في الأسطورة مهمشة وملهاش حضور قوي. تفسيري للموضوع ده إن بيرسيفون مش محتاجة يكون لها حضور قوي لإنها هي الأسطورة نفسها، وكل الشخصيات التانية أجزاء منها. يعني إيه الكلام ده؟

الصراحة وأنا بقرأ الأسطورة ماقدرتش أبعد عن دماغي نظرية فرويد عن النفس البشرية وإن قصة بيرسيفون هي أوضح تمثيل لها. فرويد وهو بيشرح الفرق بين الوعي واللاوعي قال لنا إن النفس البشرية بتنقسم لتلات أجزاء بيتحكموا في شخصية الفرد وتصرفاته: الهو Id والأنا Ego والأنا العليا Super-ego. وببساطة شديدة، الهو ده الجزء اللاوعي القائم على مبدأ اللذة واتباع الشهوات بغض النظر عن أي أخلاق أو عواقب، والأنا العليا هي الجزء العقلاني الأخلاقي اللي بيحط القيم والمبادئ قبل كل شيء، وأخيرًا الأنا وده الجزء اللي بيحاول يوازن بين الاتنين أو يشبع رغبات الإنسان ولكن في إطار عقلاني أخلاقي. طبعًا الأنا بيطلع عين اللي خلفوها علشان تقدر توصل للتوازن ده وبتفضل في صراع بين الهو والأنا العليا.

مش محتاجة أقول إن الهو في الأسطورة هو هاديس، والأنا العليا ديميتر، والأنا اللي بتعمل كوسيط بين الاتنين هو زيوس، وإن التلاتة بيتخانقوا علشان يحددوا مصير بيرسيفون.. النفس البشرية اللي التلاتة جزء منها. هاديس “الهو” عايز يخطف بيرسيفون وينزل بيها “تحت”، في حين إن ديميتر “الأنا العليا” عايزاها تفضل معاها على طول “فوق”، وزيوس “الأنا” بيحاول يتوسط بينهم علشان يوصلوا لقرار يرضي جميع الأطراف وهو إن بيرسيفون توازن بين الاتنين، وده بالظبط اللي النفس البشرية السوية المفروض توصله: الموازنة بين إشباع الشهوات والغرائز وإتباع القيم الأخلاقية أو المجتمعية أو الدينية.

فيه تفسير نفسي تاني للأسطورة بيقول إن بيرسيفون هي رمز لنضوج المرأة اللي مابيتمش إلا من خلال تجربتها الجنسية وتواصلها مع الجانب الحسي فيها وتقبلها له. اتكلمنا قبل كده إزاي إن اختطاف هاديس لبيرسيفون هو علامة على انفصال الابن\الابنة عن الأم.. الاختطاف ده برضه قد يكون علامة على انفصال المرأة عن ذاتها الطفولية. طبعًا فكرة الاغتصاب هنا متطرفة ولكن المقصود بيها في الأسطورة فكرة التخلي عن البراءة الجنسية اللي بتتشاف مجتمعيًا على إنها حاجة متطرفة ودونية. وكأن القصة بتقولنا إن المرأة لازم تتواصل مع الجانب الحسي فيها علشان تقدر تزهر وتتفتح، وده اللي كان بيحصل مع بيرسيفون فعلاً لما كانت الأرض بتزدهر أول ما بتطلع من عند هاديس.. وقد يكون ده كناية بسيطة عن الخصوبة والحمل اللي مابيحصلش إلا بعد المرور بالتجربة الجنسية، بس أنا شايفة الكناية دي مقيدة ومحدودة جدًا الصراحة، وإن “الازدهار” و”الخصوبة” المقصود بيهم النضج العقلي والنفسي والقدرة على التواصل مع الذات وبالتالي الإبداع.

دمتم متوازنين، مُزهرين، مبدعين.

عن الخيال

النهاردة هنتكلم عن الخيال وهنبتدي من عند شهريار..

كلنا عارفين الملك شهريار طبعًا، وإزاي إنه بعد اكتشافه خيانة مراته له قرر إنه ينتقم من النساء كلها بإنه يتجوز واحدة كل يوم ويعدمها في الصباحية. وفضل بالمنظر ده لحد ما في يوم من الأيام بنت الوزير طلبت من والدها إنه يجوزها للملك. طبعًا الوزير رفض في الأول لإنه عارف مصيرها هيكون إيه بس البنت أصرت وألحت. البنت دي هي شهرزاد، واللي في أول ليلة لها مع شهريار حكت له حدوتة لحد ما الصبح طلع عليهم من غير ما تكملها، فشهريار قرر إنه مايعدمهاش ويديها يوم كمان.. في الليلة التانية شهرزاد كملت الحدوتة وابتدت واحدة تانية وبرضه ماخلصتهاش، فالملك اللي كان منبهر بقصصها وأسلوبها في الحكي سمح لها تعيش ليلة كمان. فضل الوضع ده يتكرر ليلة ورا ليلة لحد ما وصلوا لألف ليلة وليلة، وساعتها كان شهريار سَلم نِمر خلاص وبقى متيم بحب شهرزاد.

شهرزاد ماستخدمتش القوة علشان تمنع الملك من قتل زوجة جديدة كل يوم، ولا حاولت تقنعه بالعقل والمنطق. اللي عملته شهرزاد أذكى من كده بمراحل.. شهرزاد استخدمت قدرتها على تطويع الخيال في إنها تربط واقع الملك بعوالم أخرى غريبة عنه، فانتزعت من قلبه الغضب (من تأثير خيانة مراته الأولى) واستبدلته بانبهار الأطفال. فكان بيبقى معاها زي الطفل.. بيشوف أبعد من الواقع المحدود بتاعه.

ليه لما بنعوز الأطفال يقتنعوا أو يعملوا حاجة بنحكي لهم قصص ونخلق لهم حاجات مش موجودة؟ ليه علشان نخلي الطفل يأكل خضار بنقعد نحكيله حدوتة عن الأستاذ قلقاس وإزاي إنه محتاج يدخل جوه بطنه علشان يدور على ولاده القلاقيس الصغيرين؟ (لو عندي طفل وقولت له كده هيرمي القلقاس في وشي ويسيبلي البيت ويمشي تقريبًا) ليه بنحكيلهم قصص قبل ما يناموا؟

الفكرة إن الطفل بيحتاج الحواديت والخيال ده علشان يساعده يتعامل مع الواقع اللي بالنسبة له غير منطقي أو غير مفهوم. الخيال مش بينفي واقعه، ولكنه بيخلي له معنى أحلى وأكبر وسهل التحكم فيه كمان.

وده بالظبط اللي شهرزاد عملته مع شهريار.

كتير من الناس بيشوفوا إن الخيال بالمعنى ده ما هو إلا كدب وتضليل، وده كان رأي كتير من الفلاسفة زمان. واحد زي أفلاطون Plato مثلاً في كتابه “الجمهورية” The Republic قال إن الخيال بيساعد على نشر الكدب والخديعة وبيبعد الأطفال عن مفاهيم فاضلة زي الحقيقة والأمانة. بس لو فكرنا فيها كده هنلاقي إن الخيال في حد ذاته طبيعة بشرية وحاجة الإنسان مايقدرش يستغنى عنها. الخيال مش بيمسك الواقع يرميه من البلكونة ويقول ده غلط أو مش موجود، الخيال بيساعدنا نخلق مفهوم خاص بينا عن الواقع وبيملأ الفجوة الكبيرة بين المعرفة والخبرة.

الخيال لا يتعارض مع الواقع أو المنطق خالص! بالعكس، ده بيساعدنا مانتوهش وسط الأوجه اللامتناهية من الحقيقة. كنت اتكلمت قبل كده في الموضوع بتاع بودریار Baudrillard ومدرسة ما بعد الحداثة Postmodernism  إزاي إن مفيش حاجة اسمها “واقع” أصلاً وإن اللي احنا بنختبره ده هو محاكاة لواقع آخر اللي بدوره محاكاة لواقع آخر وهكذا. من الأخر كده مفيش حقيقة واحدة متأصلة عن حياتنا والكون ومعناه ممكن تتطبق على كل الناس اللي عاشوا واللي عايشين واللي لسه هيعيشوا. فلو شوفنا الواقع من المنطلق ده هنفهم إن الخيال وسيلة مهمة، وضرورية كمان، علشان نعرف نعيش أصلاً لأنه بيساعدنا نفهم ونخلق معنى مناسب لنا عن الحياة بالرغم من محدودية المنطق وهشاشة ما يسمى ب”الحقيقة”.

وعلشان كده مدارس كتير في علم النفس بيعترفوا بدور الخيال في تشكيل وعي الإنسان وفي فهم النفس البشرية، ولنفس السبب فرويد  Freudويونج Jung اعتمدوا بشكل كبير على تحليل الأساطير والقصص الشعبية علشان يفهموا اللاوعي الفردي والجمعي.

وبعيدًا عن علم النفس، فيه كاتب وباحث اسمه كيران إيجان Kieran Egan بيقولنا إن الخيال بيلعب دور كبير في مراحلنا التكوينية الأولى. إيجان بيقول إن الطفل علشان يتعلم أي كلمة جديدة لازم يربط بين الرمز (الكلمة لغويًا) والشيء اللي بتشير إليه الكلمة في الواقع. يعني مثلاً علشان يتعلم كلمة “قطة” لازم حد يقول الكلمة قدامه ويشاور على الكائن نفسه أو صورة للقطة. الفكرة بقى إن العملية دي بتبقى أصعب لما بتكون الكلمة بتشير لحاجة معنوية أو حاجة وجودها المادي مش واضح.. ساعتها الطفل بيلجأ لأسلوب ملء الفراغات عن طريق وضع المفهوم الجديد ده بين حاجتين واضحين بالنسبة له أو اختبرهم قبل كده. يعني إيه الكلام ده؟ كلمة زي “فاتر”.. إزاي أعلم الطفل مفهوم المياه الفاترة؟ لو قعدت أشرحله أو أخليه يلمس مياه فاترة من هنا للصبح برضه مش هيفهم. اللي بيحصل بقى إن الطفل لازم يكون الأول عارف مفهوم “سخن” و”بارد” وعلى أساسه بيحط “فاتر” في الفراغ بين الاتنين فتبقى مفهوم “فاتر” بالنسبة له حاجة مش سخنة أوي ولا باردة أوي. وحاجات كتير جدًا في حياتنا بنتعلمها، ككبار أو أطفال، بأسلوب ملء الفراغات ده. المشكلة بقى إن الحياة بتفشل في أوقات كتير إنها توفر لنا الحاجة اللي نملأ بيها الفراغ ده، وهنا بقى يجي دور الخيال. الواقع موفرلنا “فاتر” كحاجة بين السخن والبارد.. طيب إيه اللي بين “ميت” و”حي”؟ إيه اللي بين “إنسان” و”سمكة”؟ حاجات كتيرة جدًا وفراغات لا تُعد ولا تُحصى الواقع مابيقدرش يملأها.. ساعتها بنلجأ للخيال اللي بيقولنا إن بين الميت والحي ممكن يكون فيه “شبح” أو”زومبي” وإن بين الإنسان والسمكة ممكن يكون فيه” عروسة بحر” وإن بين الإنسان والسرير ممكن يكون فيه “سرنسان”.. وهكذا.

العظيم ج. ر. ر. تولكين J. R. R. Tolkien صاحب قصة “سيد الخواتم”  Lord of the Ringsبيأكد على فكرة إن الخيال بيساعدنا على ملء الفراغات اللغوية والمعرفية. بيقول إن عقل الإنسان عنده القدرة على تفصيص المعطيات وخلطها لإنتاج معطيات أخرى جديدة، وبما إن محدودية الواقع عمرها مابتواكب المقدرة دي فلازم يلجأ للخيال. وبيدي مثال وبيقول لما بنشوف “عشب أخضر” احنا مابنستوعبهوش على بعضه كده.. عقلنا لازم يفصصه لملمس وشكل وحجم ولون، فممكن جدًا ناخد اللون من “العشب الأخضر” ونحطه على “القمر الأبيض” فيبقى عندنا “قمر أخضر” ودي حاجة مش موجودة في الواقع ولكن وصلنا لها عن طريق النزعة الطبيعية في عقولنا للخيال وإن دي مقدرة مهولة لو الإنسان عرف يقدّرها ويوظفها صح.. وهنا طبعًا كان قصده القدرة على الإبداع.

وعلشان كده الأطفال هم أكتر كائنات مبدعة في الدنيا لأنهم مؤمنين إيمان تام بقدرة الخيال على إعادة تشكيل واقعهم، ودي الحاجة اللي إحنا كبالغين معظمنا بيفتقدها للأسف. واحنا بنكبر بنفقد إيماننا بقدرة الخيال وبنستسلم لمحدودية وضغوط الواقع غير مدركين إننا بنحشر عقولنا وقدراتها غير المحدودة جوه علبة كبريت.

فيه كاتبة اسمها مارينا وارنر Marina Warner بتقول إن فى أحد العروض المسرحية ل”بيتر بان” Peter  Pan اتطلب من الجمهور يصقفوا لو عايزين الجنية الطيبة تينكر بيل Tinker Bell  تعيش بعد ما اتسممت. وارنر بتقول إن الأطفال صقفوا بلا تردد في حين إن الكبار ضحكوا أو اترددوا أو صقفوا بعد فترة، وقالت إن ده سببه إن احنا ككبار بقينا غير قادرين على الانغماس في الخيال وبالتالي فقدنا الإيمان بقدرتنا على تغيير أي شيء.

وده وضحلي ليه أنا دايمًا بربط بين الأشخاص اللي عندها القدرة على الخيال والإبداع أو تذوق الخيال والإبداع وبين طهارة الروح لأن الأشخاص دول لسه الدهشة الطفولية عايشة جواهم ومازنقوش أرواحهم جوه علبة الكبريت وسابوها تكمكم.

وده اللي عملته شهرزاد مع شهريار.. بخيالها نقّت روحه من الغل ورجعت قلبه قلب طفل تاني.

حدوتة “ملكة الثلج”  “The Snow Queen”لهانس كريستيان أندرسن Hans Christian Andersen بتنتهي إن الجدة بتقرأ للأطفال أبطال القصة سطر بديع من إنجيل متّى:

“Except ye become as little children, ye shall not enter into the kingdom of heaven”

وترجمته: “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات”

ممكن الواحد يبقى دايس عليه ترللة في الواقع بس مجرد مابيسيب نفسه للخيال والإبداع روحه بترقى.. حتى لو للحظات قصيرة، وبيشوف اللي مابيشوفهوش غيره بدهشة طفولية كأنه بيري العالم لأول مرة.

ملكوت السماوات في تفسيري المتواضع هو النشوة الناتجة عن تحرير العقل والروح من ثقل المنطق والواقع.. لما بندرك إن الكون جوانا أوسع مليون مرة من اللي أجسامنا محبوسة فيه.

ولكم في الخيال حياة..

خاتم جيجس والعدالة

النهاردة هنتكلم عن خاتم جيجس The Ring of Gyges
خاتم جيجس هي قصة إفتراضية لها أصول تاريخية ذكرها أفلاطون Plato في كتابه “الجمهورية” The Republic علشان يتكلم من خلالها عن فكرة العدالة من منظور فلسفي.

القصة بتقول إن كان فيه راعي غنم بيسط اسمه جيجس.. في يوم من الأيام جيجس عثر على كهف مهجور اكتشف إنه مقبرة. المهم إنه لقى في المقبرة دي خاتم شكله قيّم فأخده ولبسه وكمل طريقه عادي. جيجس بعد كده اكتشف إن الخاتم اللي معاه ليه قدرات خارقة وهي إنه لما يتلف بيخفي الشخص اللي لابسه. طبعًا جيجس في الأول كان مبهور ومتلخبط ومش عارف يعمل إيه، فبدأ يمشي في السوق بين الناس وهو مختفي وياخد حاجات بسيطة من البياعين، بعد كده بقى يدخل بيوت التجار وياخد دهبهم، وأخيرًا استخدم قدرته على الاختفاء علشان يدخل القصر الملكي ويغوي الملكة ويقتل الملك.

والقصة بتخلص. بس كده. طيب إيه علاقة القصة اللي ملهاش لازمة دي بالعدالة؟

أفلاطون استخدم القصة دي علشان يثير جدال حول مفهوم العدالة. دلوقتي معظم الناس شايفة إن العدالة من القيم الأخلاقية الرفيعة اللي بتحقق للإنسان السعادة في حد ذاتها، بمعنى إن السعادة هتتحقق بمجرد تحقق العدالة، في حين إن فيه رأي تاني بيقول إن العدالة مابتحققش السعادة للإنسان، بالعكس دي بتكدره وتنكد عليه لأنها بتقف حائل بينه وبين رغباته ومصالحه الذاتية. أومال الناس بتسعى للعدالة ليه؟ علشان خايفين من العواقب\العقاب مش أكتر. وحدوتة جيجس مثال واضح لدعم الرأي التاني.

جيجس كان راجل طيب وفي حاله لكن بمجرد إن الفرصة أُتيحت له إن أفعاله مايبقاش ليها عواقب (الخاتم أو القدرة على الاختفاء وفروله ده) رمى فكرة العدالة من الشباك وأبتدى يعمل حاجات هتعود بالنفع عليه هو بس.

طيب نتوقف هنا شوية ونحاول نفهم يعني إيه خير سواء في إطار ديني أو أخلاقي. لما بتعمل حاجة شايف إنها كويسة أو خير، مابتسألش نفسك إيه دوافعك؟ غالبًا الدوافع دي يُمكن تصنيفها في فئتين:

أولاً: فيه حاجات بنعملها رغبًة في الثواب، والرغبة في الثواب دي ممكن تتمثل في إننا بنعمل الخير علشان ندخل الجنة أو ربنا يرضى عنا أو علشان حد معين يشوفنا بشكل معين أو علشان إحنا نرضى عن نفسنا أو علشان نشعر بالسعادة.. إلخ. مثال على كده الأعمال الخيرية، الواحد ممكن يتبرع بمبلغ كبير من فلوسه لأسرة فقيرة علشان ينال رضا ربنا أو علشان يحس هو بالرضا عن نفسه (كل أفعال الخير فيها شعرة نرجسية على فكرة سواء اعترافنا بده أو لأ).

ثانيًا: فيه حاجات تانية بنعملها خوفًا من العقاب أو العواقب، بنخاف ربنا يعاقبنا أو القانون يعاقبنا أو الناس تشوفنا بشكل وحش أو إحنا نشوف شكلنا بشكل وحش (وبالتالي الشعور بالذنب كعقاب)، ومثال على ده العدالة زي ما ذُكر في كتاب أفلاطون. الإنسان لو ضَمَن إن أي حاجة هيعملها مش هيبقى ليها عواقب سيئة هنلاقيه بيعمل كل حاجة تفيده وتحققله السعادة هو بس، بغض النظر عن الآخرين.

ممكن حد يقول طيب ليه غياب العواقب مرتبط بالأنانية؟ مثلاً أنا لو معايا خاتم زي ده ممكن أعمل بيه أفعال نبيلة وبالتالي هفيد الآخرين من ناحية وهشعر بالرضا عن نفسي من الناحية التانية. كلام جميل جدًا، وأنا شخصيًا فكرت إن لو معايا حاجة زي كده أول حاجة هعملها إني هشيل المنغصات من حياة الناس اللي بحبها علشان يعيشوا في سعادة. الفكرة بقى إن حتى أكثر أفعالنا نبلاً لو اتشافت من وجهة نظر ذاتية منفردة هتبقى ماتختلفش كتير عن أفعال الشر. يعني الحاجة النبيلة اللي هعملها وأنا لابسة الخاتم علشان أسعد صديقتي دي آه هتفرحها وهتفرحني بس غالبًا هتأذي أشخاص تانيين. يبقى كده مفهوم العدالة ضروري علشان يضمن إن النفع بيعود على الكل من وجهة نظر موضوعية بعيدًا عن الأهواء والمصالح الذاتية.

كلام جميل؟ لأ مش جميل!

خلونا ناخد مثال.. دلوقتي واحد قتل واحد تاني. العدالة بتقول إن القاتل يُعاقب سواء بالإعدام أو السجن. طيب هل القرار ده بيحقق العدالة التامة لكل الأطراف؟ لو القاتل ده عنده أطفال صغيرين كانوا متعلقين بيه، فين العدالة إنهم يعاقبوا بالحرمان من والدهم على ذنب لم يقترفوه؟ وده خلاني أسأل نفسي هل العدالة نفسها عادلة؟ هل العدالة ملهاش عواقب سيئة؟

مش عايزة الموضوع يحود بينا على الأخلاق الواجبة والعواقبية مرة تانية بس الخلاصة كلها إن القيم الأخلاقية مش مطلقة في خيرها، وأن تحقيقيها لا يعني تحقق الخير المطلق بغض النظر عن الدوافع والنتائج، وده لأن القيم نفسها متغيرة ومحدودة بأطر متغيرة غير مستقلة.

فكرة إن العدالة قيمة إنسانية موضوعية تحقق النفع بذاتها بشكل شامل كده صعب الاقتناع بها. العدالة علشان تُحقق في حياتنا الإنسانية البائسة محتاجة إطار ديني أو أخلاقي أو قضائي، والشخص أو المؤسسة أو الفكر اللي بيتحكم في الإطار ده هو جيجس وهو لابس الخاتم.. لأنه بيهيأ الإطار على حسب منفعته الذاتية بدون أدنى اعتبار للعواقب على ذاته.

معلومة قد لا تفيد أي حد: فيه ناس كتير بتربط بين خاتم جيجس وبين خاتم سورون في Lord of the Rings بس ده هسيبه لخيال القارئ بقى هو يربط بين الاتنين براحته.

إيجيوس وإدمان المعاناة

النهاردة هنتكلم عن إيجيوس Aegeus وأسطورة إيجيوس من الأساطير اللي قريتها زمان جدًا وعدت عليا مرور الكرام لأسباب هنعرفها حالاً لكن لما رجعتلها تاني ابتديت أشوفها بشكل مختلف.

إيجيوس كان ملك مدينة أثينا في وقت ما وكان شايل طاجن سِتُّه لإنه مابيخلفش بالرغم من إنه أتجوز مرتين، فده معناه إنه مش هيبقى عنده ابن يشيل اسمه ويمسك الحكم من بعده خصوصًا إن أثينا كانت من أكتر المدن الإغريقية المتنازع عليها. إيجيوس في يوم قال مابدهاش بقى وقرر يزور معبد أبوللو (نفس المعبد الشؤم اللي راحه أبو سايكي، فاكرين؟) علشان يعرف من العرافة هيتصرف إزاي. المهم إن النبوءة اللي سمعها من العرافة بعد ما حكى لها مشكلته كانت غريبة جدًا وده نَصها:

“Do not untie the bulging mouth of the wineskin, oh best of men, until you have reached the height of Athens, lest you die of grief.”

ولو ترجمناها ممكن تبقى حاجة زي: “أوعى تفتح وعاء الخمر يا سيد الرجالة قبل ما توصل لأثينا أحسن تموت من الحزن يا كبدي”

طبعًا أيجيوس خرج من المعبد مش فاهم إيه علاقة العبط ده بإنه عايز يخلف ولد، فقرر في طريق عودته يعدي على ملك مدينة ترويزن Troezen واللي كان معروف عنه الحكمة علشان يفسرله النبوءة الغريبة دي. وفعلاً راح وحكى للملك كل حاجة. في الحتة دي من الأسطورة مش واضح بقى إذا كان ملك ترويزن فهم النبوءة وأستعبط ولا فعلاً مافهمش حاجة هو كمان وحب يحوّر على إيجيوس.. المهم إن الملك سمع النبوءة وقاله طيب سيبك من الكلام ده دلوقتي وتعالى اأكلك وأشربك ده أنت ضيفي يا راجل مايصحش! وطبعًا قعد يشرّبه في خمرة لحد ما إيجيوس بقى في البطيخ خالص ومش شايف قدامه، ساعتها بقى الملك نده على بنته إيثرا Aethra وقالها تستغل إن إيجيوس سكران وتنام معاه (ونعم الأبهات)، وده اللي عملته إيثرا فعلاً (علشان طاعة الوالدين برضه). الجميل في الموضوع بقى يُقال إن إيثرا في نفس ذات الليلة نامت مع بوسيدون Poseidon إله البحر وواضح إنها عيلة منتجة مابتضيعش وقت.

إيجيوس بعد ما فاق وأستوعب عملته السودا راح لإيثرا بكل براءة وقالها إنها لو حملت منه وجابت ولد لازم تبعت له الولد ده لما يكبر على أثينا، وراح سايبلها الدرع والسيف والصندل بتوعه ودفنهم تحت صخرة على أساس الحاجات دي هتبقى الأمارة اللي هيعرف بيها الولد لما يجيله.

إيجيوس رجع أثينا وهو ناسي موضوع النبوءة ده خالص أصلاً وعاش حياته لحد ما في يوم من الأيام زار المدينة شاب قوي ومغوار وطبعًا إيجيوس هيتعرف عليه من الصندل والدرع بتاعه وهيكتشف إن ده ابنه من إيثرا (مع إنه ممكن يكون ابن بوسيدون أصلاً). الابن ده هو البطل الشهير ثيسيوس Theseus.

نتوقف هنا شوية علشان لازم نشير إن في الوقت ده أثينا كانت في صراعات مع مدينة كريت Crete بسبب إن ابن ملك كريت أتقتل في أثينا. المهم إن إيجيوس وملك كريت مينوس Minos فضلوا في صراع فترة طويلة لحد ما توصلوا لهدنة بتشترط على إيجيوس يبعت كل سنة سبعة شباب وسبع شابات من أثينا علشان يُقدموا كأضحية للمينوتور Minotaur الكائن اللي كان نصه إنسان ونصه ثور واللي كان محبوس في المتاهة الشهيرة في كريت.

طبعًا لما ثيسيوس عرف بالموضوع طلع زي الفسقلة كده وطلب من باباه إنه يبعته ضمن الشباب علشان يقتل المينوتور ويوقف المهزلة دي. إيجيوس وافق على مضض ولكن بشرط غريب جدًا وهو إن لو ثيسيوس انتصر يغير لون شراع السفينة بتاعته من أسود لأبيض وهو راجع.

الجزء ده من الأسطورة معظمنا عارفه.. ثيسيوس بينجح في قتل المينوتور بمساعدة من ابنة مينوس اللي وقعت في حبه (هنبقى نحكى الموضوع ده بعدين) وبيرجع أثينا تاني. المشكلة بقى إن ثيسيوس كان مقضيها احتفالات وعربدة على السفينة وهو راجع لدرجة إنه نسي يغير شراع السفينة زي ما إيجيوس قاله.

فإيجيوس اللي كان واقف ومستني على نار أي أخبار من كريت شاف من بعيد سفينة ابنه وشراعها الأسود ففهم على طول إن ابنه مات فراح هوب رمى نفسه في البحر والبحر من ساعتها اتسمى على اسمه “بحر إيجة” the Aegean Sea.

أنا مدركة طبعًا إن كل الأساطير غير منطقية بس الأسطورة دي بالذات لما قريتها أول مرة حسيت بجرعة مكثفة من العبط وده اللي خلاني أعدي عليها بسرعة.. حسيت ساعتها إن إيجيوس مثال للشخص المغفل، اللي هو النبوءة بتقول كذا طيب يالا أعمل عكسها، واحد ماعرفهوش جاي يقول إنه ابني يالا أتعلق بيه، ابني الوحيد رجعلي بعد ماعرفش كام سنة يالا ابعته يصارع المينوتور، السفينة شراعها أسود يا نهار أسود يالا أرمي نفسي في البحر بسرعة وأموت. سلسلة من القرارات المغفلة والعبيطة!

بس مؤخرًا ابتديت أستوعب أبعاد أخرى في شخصية إيجيوس كانت تايهة عني، وأدركت إنه مش مغفل زي ما كنت فاكرة وإنما نموذج شخصيته بيمثل كتير مننا وطريقتنا في التعامل مع الحياة.

إيجيوس مكانش شخص حزين علشان الحاجات الوحشة اللي كانت بتحصله وإنما هو كان بيدور على كل حاجة وحشة علشان يبرر حزنه ومعاناته. خلونا نبدأ من الأول: إيجيوس حياته كلها كانت بتتمحور حوالين النقص اللي عنده – عدم وجود أولاد – وده طبعًا كان مسبب له حزن عظيم وده اللي خلاه يروح المعبد من الأساس علشان يسمع النبوءة، ولنا هنا وقفة.

من يومين كده كنت بتكلم مع واحدة صاحبتي على موضوع الرؤى والأحلام وإزاي بالرغم من طبيعتها الرمزية التنبوئية أحيانًا إلا إنها بتعكس رغباتنا ومخاوفنا الدفينة. على سبيل المثال وبدون الدخول في تفاصيل، أعرف شخص معتقد إنه شاف رؤية بإن فيه أربع مشاكل كبيرة جدًا هتقابله في المستقبل القريب – مع العلم إن عنده أربعة أولاد – ومن ساعتها وهو بيفسر أي مصيبة تحصل لأولاده أو بسببهم على إنها واحدة من المشاكل دي وإن الرؤية كانت صادقة. طبعًا واضح جدًا إن “الرؤية” اللي شافها دي كانت انعكاس واضح وصريح لخوفه على أولاده (ومنهم كمان!). الفكرة إن عقله الباطن أنتجله الرؤية علشان يستخدمها كمُبرِر لخوفه غير المُبَرَر، أو بمعنى أصح، علشان يدي لنفسه الvalidation إنه يستمر في خوفه. زيه زي الناس اللي بتشوف حاجة حلوة في الحلم وده بيخليها تصبر وسط المعاناة لأنهم مؤمنين إن اللي في الحلم أو الرؤية هيتحقق، برضه الحلم بيعكس رغبتهم في تحسن الأمور وبيديهم الإيمان المؤقت اللي فشلت النتائج المنطقية في التوصل إليه.

فلو طبقنا ده على إيجيوس هنلاقي إن النبوءة اللي سمعها في المعبد ما هي إلا انعكاس لرغبته الدفينة: الاستغراق في المعاناة. لو رجعنا للنبوءة تاني كده هنلاقيها بتحذره بشكل واضح وصريح من إنه مايشربش الخمر ومايمارسش الجنس (لو فسرنا الbulging mouth of the wineskin دي على إنها عضوه الذكري) إلا لما يرجع أثينا وإلا هيموت من الحزن. إيجيوس على فكرة ماكدبش لما قال إنه مافهمش النبوءة، لإنه بعقله الواعي فعلاً ماستوعبهاش، إنما بعقله اللاواعي رسم خريطة لنفسه يمشي عليها علشان يوصل للنتيجة اللي عايزها ومش قادر يواجه نفسه إنه عايزها ألا وهي المعاناة والموت. وعلشان كده هو خرج من المعبد من هنا وراح بالظبط عمل اللي النبوءة حذرته منه: سكر وتوه عقله ومارس الجنس مع ابنة الملك.

من البداية وإيجيوس بشكل لاواعي كتب على نفسه الحزن والمعاناة.. راح لمعبد أبوللو اللي معروف إن نبوءاته كلها شؤم بنت لذينة.. راح يسكر ويعط مع ست غير مراته وخلاها تحمل منه.. ارتبط عاطفيًا بولد ممكن جدًا مايكنش ابنه أصلاً.. وبعد كده سمحله يروح برجليه للموت.. ولما ابنه رجع تاني ماقدرش يستنى خمس دقايق بالظبط يتأكد وراح ناطط في البحر.

طيب إيه اللي يخلي إنسان يدور على الحزن والمعاناة من غير ما باخد باله بالشكل ده؟

الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي Fyodor Dostoyevsky في روايته العبقرية “مذكرات من العالم السفلي” Notes from Underground بيقولنا إن الإنسان بطبيعته بيستمتع بالمعاناة سواء الجسدية أو النفسية على الرغم من عدم اعترافه بده. بس إيه اللي ممكن يدفع الإنسان إنه يلاقي لذة في الألم (ماتخليش دماغكم تروح شمال) واستمتاع في الحزن؟ فيه أسباب كتيرة ومختلفة: أولاً، المعاناة بتكسب الإنسان تعاطف الآخرين وده شعور محبب ولطيف جدًا بالنسبة لكتير مننا (بدون الدخول في أسبابه اللي أتكونت في مرحلة الطفولة). ثانيًا، التعبير عن المعاناة عند البعض بيتحول لطاقة إبداعية وده بيخليهم يحبوا المعاناة نفسها (فاكرين لما أثينا خرجت من دماغ زيوس؟). ثالثًا، المعاناة بتعمل نوع من تطهير الذنوب للي عايشين بعقدة ذنب ما مش قادرين يتخلصوا منها، فعقلهم اللاواعي بيخلق المشاكل ويحطهم فيها بدافع شعور خفي باستحقاق المعاناة. رابعًا، وأعتقد دي كلنا بنشترك فيها، المعاناة في اللاوعي الجمعي الإنساني ليها هيبة كده، فغصب عننا بنربط الحزن\الشجن بالحكمة والعمق، على عكس السعادة اللي دايمًا أصحابها بيتشافوا أنهم تافهين وسطحيين. ده غير إن المعاناة أحيانًا بتساعدنا على إيجاد معنى للحياة وعبثيتها بشكل أو بآخر.

فيه روايات للأسطورة بتقول إن إيجيوس كان مُتبَنَى على عكس إخواته اللي تخلص منهم بعد سيطرتهم على أثينا علشان هو يمسك الحكم لوحده. أعتقد إن ده سبب كافي جدًا يخلي إيجيوس عايش طول عمره بعقدة الذنب والشعور بعدم الاستحقاق. معاناة إيجيوس الأساسية هي إنه مكانش بيخلف أولاد، وعلى الرغم من كده كان شايف إنه يستحقها. مش بس كده، ده إغراقًا في تعذيب نفسه مهّد ليها كل الطرق إنه يجيب فعلاً ابن علشان يخسره ويحس بالمعاناة أكتر وأكتر.. دي مش مبالغة، اللي عايشين بعقدة ذنب عارفين قد إيه الموضوع ممكن يبقى self-destructive أو مدمر للذات بشكل مفزع، الذنب أحيانًا بيخليهم يتعلقوا باللي هيكسرهم ويمهدوا الأسباب لفشلهم بأيديهم.

لو ده فعلاً اللي بيبرر أفعال إيجيوس، يبقى المشهد الأخير من الأسطورة وجع قلب، ومش قادرة أحدد إذا كان إيجيوس نط في البحر علشان فعلاً ماقدرش يستحمل فكرة فقدانه لابنه ولا علشان أدرك حقيقة نفسه وتعلقه المستميت بالمعاناة. السفينة كانت على مرمى بصره، يعني لو كان استناها شوية على الشط كان هيتأكد من خبر موت ابنه من عدمه، لكن ده زي ما يكون ما صدق.

أنا حطيت نفسي مكان إيجيوس لثواني وتخيلت إن الأفجع من أن يكون ابني مات هو إنه يطلع عايش واضطر أواجه نفسي بحقيقة إنه مكانش السبب في معاناتي، وإني مش مرتبطة بيه عاطفيًا أصلاً لأن ارتباطي الوحيد هو بالذنب المتأصل جوايا اللي مش عارفة أتخلص منه، وأن حزني ومعاناتي هيستمروا سواء ابني عاش أو مات… أعتقد إدراك زي ده يبرر إقدام إيجيوس على الانتحار.

إيجيوس ماشفش في الشراع الأسود موت ابنه وإنما شاف فيه موت أي أمل له في التصالح مع نفسه ومع الحياة.

دامت أشرعتكم بيضاء.