الإبداع وحالة العزلة

Starry Night (1889), Vincent van Gogh

مقتنعة بأن الشعور بالوحدة صديق دائم لأي حد مبدع مهما كان محاط بناس وبغض النظر الناس دي كانت بتحبه ولا لأ. السبب في ده مش بس إنه بيشوف الحياة بشكل مختلف متفرد بيعبر عنه بشكل رمزي (فنّه)، ولكن بسبب الرغبة المُلحة في فحص وتحليل كل شيء بيدور حواليه بما فيهم المشاعر نفسها. الإبداع بيصاحبه عقل قَلِق – قلوق يعني – مش على بعضه مابيتقبلش الأشياء كما هي وحاطط كل حاجة تحت المايكروسكوب علشان يشرّحها ويفصصها ويعيد تشكيلها في عدد لا متناهي من الاحتمالات والسيناريوهات اللي طبعًا بينتج عنها الفن بتاعه.

كون الوجدان في حالة تأهب دائم كده بيفرض على الشخص المبدع نوع من العزلة لأن رغبته في التحليل دي بيطبقها على نفسه هو شخصيًا.. مهما كان الموقف اللي بيمر بيه أو المشاعر اللي حاسس بيها، تلاقي جزء منه لابس نضارة وواقف بشكل حيادي يرصد ويسجل المشاعر دي. والجزء الراصد أبو نضارة اللي بيحلل ويرصد ويشكك بيَحول بين الشخص المبدع وبين الاندماج التام في مشاعره فبينتج عنه شعور بالعزلة مش بس عن الآخرين ولكن عن نفسه هو كمان، لأنه على طول شايف نفسه من برّه.

كلامي مش معناه إن الشخص المبدع مابيحسش.. بالعكس، ده إحساسه الزايد بالأشياء ورغبته في رصد كل المشاعر وفهمها على أكمل وجه بيحوله لعالِم متحمس طول الوقت حابس نفسه في المعمل علشان يحلل ويجرب ويفهم.

فيلم Iris (2001) اللي بيتكلم عن حياة الكاتبة البريطانية إيريس موردوك Iris Murdoch فيه مشهد إيريس وجوزها بيستقبلوا صديق في بيتهم، فجوزها وهو بيهزر معاه بيقوله ياخد باله من إنه مايقربش من إيريس زيادة عن اللزوم لأنها بتستخدم الناس المقربين لها في كتاباتها. الجملة كانت عابرة وممكن مايكونش ليها معنى بس حسيت إنها بتلقي الضوء على علاقة إيريس بجوزها واللي كانت محور الفيلم. على الرغم من حبهم الشديد لبعض إلا إن إيريس كانت دايمًا منعزلة بمشاعرها، هي مش عزلة على قد ما هي عدم القدرة على الانخراط التام في أي شعور بسبب الجزء الناقد من دماغها، فكل الأشخاص حواليها – بما فيهم هي نفسها – بيتحولوا لمادة ثرية لتحليل الوجدان والمشاعر الإنسانية. إيريس في الفيلم حذرت جوزها قبل مايتجوزوا إنها مش هتقدر تكون اللي هو متوقعه منها وإن هي شخصيًا بتعافر في فهم نفسها اللي كل شوية تتغير وتتحول.

التشكك ده ملازم للفكرة اللي اتكلمنا عليها فوق.. يعني مثلاً الشخص المبدع قد يكون بيمر بموقف مؤلم جدًا ولكن في وسط شعوره بالحزن أو الألم تلاقي برضه جزء منه واقف برّه الموقف خالص قاعد ينقد ويحلل ويسجل وقد يكون الجزء ده متحمس للي بيحصل كمان! الشخص المبدع بيبقى مدرك لوجود الجزء ده وعلشان كده بيتولد عنده نوع من الشعور بالذنب لعدم قدرته على الانخراط التام في مشاعره مع طبعًا التشكك في حقيقية المشاعر دي أصلاً وبالتالي التشكك في نفسه ومصداقيته كإنسان وفنان.

مؤخرًا ابتديت في قراءة The Sandman الرواية المصورة الشهيرة لنيل جايمان Neil Gaiman وفيها جزء خيالي عن شكسبير وابنه هامنت اللي كان بيشتكي إن باباه على الرغم من وجوده معاه إلا إنه دايمًا بعيد وكأنه مش موجود معاهم فعلاً.. كأن وجودهم هي المادة اللي بيستخدمها علشان يخلق قصصه. الجميل إن بعد موت هامنت، جايمان بيصور شكسبير وهو بيعترف إن جزء منه كان متحمس للشعور بالحزن اللي حس بيه بعد موت ابنه.. كأنه وصل فعلاً للشعور اللي الناس قاعدة تتكلم عليه ده وأخيرًا هيعرف يحلله ويستخدمه في قصصه.

المثال متطرف شوية بس بيوضح نوع العزلة اللي بيبقى عايش فيها الفنان. قد تكون العزلة دي هي الضريبة اللي لازم يدفعها الشخص المبدع مقابل خياله ورغبته الجامحة في فهم – والتشكيك في – كل شيء.

فاكرين لما أتكلمنا عن تايريسيس وإن موضوعيته كانت هي لعنته؟ موضوعية تايريسيس واختباره لجميع الحالات الإنسانية حتى المتضاد منها ماتختلفش كتير عن رغبة المبدع في رصد واختبار كل شيء، واللي بتخليه بيبان للأشخاص الآخرين كأنه شخص غريب أو غير موجود أو غير حاضر.

عندي مثال تاني متطرف شوية، وأتمنى مايتخدش بشكل حرفي علشان المرارة. في مهرجان كان Cannes 2011 المخرج حبيبنا ابن المجنونة لارس فون تريير Lars von Trier قال كلمتين اتسببوا في منعه من المهرجان لمدة سبع سنين. فون تريير كان بيتكلم عن أصوله الألمانية اليهودية وإزاي إنه كان يهودي ومابقاش يهودي وإنه لو بص لأصول عيلته هيُعتبر نازي، وقال إنه سعيد بكل ده وبالرغم من إنه ضد الحرب بس هو قادر يتفهم دوافع واحد زي هتلر. طبعًا الكلمتين دول خلوا الدنيا تقوم وتقعد عليه.

أولاً فون تريير مش متحدث لبق خالص ومابيعرفش يعبر عن نفسه إلا من خلال أفلامه.. الكلام هو فاشل فيه جدًا. لما شوفت الفيديو حقيقي صعب عليا مش بس علشان لخفنته في الكلام ولكن علشان محاولته إنه يعبر عن اللي في دماغه في وسط النظرات اللي كانت بترمقه شذرًا وإحساسه بالرفض. بس ممكن الكلمتين اللي قالهم دول يكونوا بيعبروا عن رغبة الفنان في تفهم واختبار كل حاجة حتى لو الحاجة دي هي الشر ذات نفسه وحتى لو النتيجة إنه هيفضل متشاف على إنه إنسان بعيد وغريب. ودي بالظبط الضريبة اللي دفعها تايريسيس مقابل معرفته بالرجل والمرأة، بالحاضر والمستقبل، بالحياة والموت.

في النهاية أحب أُشير لكافكا وقصته القصيرة “A Hunger Artist”.. القصة بتتكلم عن فنان كل عروضه بتتمثل في إنه بيحبس نفسه في قفص ويفضل مجوع نفسه لمدة 40 يوم تقريبًا والناس تقعد رايحة جاية عليه وتتفرج. بعد ما الناس زهقت منه ومن العروض بتاعته نسيوه خالص وهو فضل مكمل في الإضراب عن الطعام في نهاية القصة وهو بيموت جيه واحد سأله أنت ليه بتعمل كده؟ خلاص مفيش حد بيتفرج عليك! الفنان قاله علشان أنا مابمتنعش عن الأكل علشان حد يتفرج عليا.. فالراجل استغرب وقاله طيب ليه ده كله؟ الفنان رد عليه وقاله لأني لحد دلوقتي مالقتش الأكل اللي أقدر أحبه…

ممكن تكون في النهاية رغبة الفنان في رصد واختبار كل شيء ما هي إلا رغبة في مطاردة المُحال وكل ما يعجز الواقع عن تقديمه لصاحب هذا الوجدان المبدع.. لصاحب الخيال.

دول رابطين لقصة كافكا للي حابب يقرأها (بالإنجليزي والعربي):

A Hunger Artist (1922)

فنان الجوع

تايريسيوس والمعرفة الكاملة

النهاردة هنتكلم عن تايريسيوس Tiresias، واحد من أكثر الشخصيات المثيرة للاهتمام في الميثولوجيا الإغريقية وده نظرًا لتكرار ظهوره في العديد من الأساطير ولاختلاف الروايات حول القصة بتاعته ذات نفسه، ولكن أنا شايفة أهميته ترجع لحاجة تانية هنعرفها مع بعض دلوقتي.

نبتدي من الأول..

تايريسيوس هو أشهر عراف في الأساطير الإغريقية ودايمًا الأبطال كانوا بيروحوا له لما يكونوا محتاسين وعايزين يعرفوا مستقبلهم أو أي حاجة غايبة عنهم. بس قبل ما يكون عراف قد الدنيا، تايريسيوس كان شخص عادي جدًا وكان ابن لراعي غنم وحورية من حوريات الإلهة أثينا Athena ومكانش عنده القدرة على معرفة الغيب ولا أي حاجة خالص.

تايريسيوس قبل ما الآلهة تهبه القدرة على رؤية المستقبل حصلت له حادثة ظريفة جدًا لازم نعدي عليها علشان هتلعب دور مهم في مصيره وتكوين شخصيته. في يوم من الأيام، تايريسيوس كان بيتمشى في الأحراش وشاف تعبانين (ثعبانين) – لا مؤاخذة – بيتزاوجوا وأخر انبساط، وبعزيمة داعشية عظيمة راح جاب غصن شجرة وقعد يضرب فيهم لحد ما ماتوا! شيء عبثي جدًا وملهوش أي تفسير الصراحة بس لما هيرا Hera إلهة التزاوج والولادة وزوجة زيوس Zeus شافت اللي حصل عاقبت تايريسيوس عقاب جميل بإنها حولت جنسه من ذكر لأنثى وخلته يعيش كاِمرأة لمدة سبع سنين. خلال السبع سنين دول تايريسيوس أتجوز – أتجوزت بقى – راجل وخلفت منه كمان.

المهم بعد مرور السبع سنين، تايريسيوس رجع ذكر مرة تانية وهنا نيجي بقى لحادثة فقدان بصره.

الرواية الأولى بتقول إن بعد مرور سنين على حادثة التعابين والتحول الجنسي، هيرا وزيوس في مرة اتخانقوا مين بيستمتع بالجنس أكتر، الراجل ولا الست؟ هيرا كانت شايفة إنه الراجل وزيوس كان شايف إنه الست (واضح طبعًا إنهم كانوا بيلقّحوا على بعض بسبب خيانتهم المتكررة لبعض)، فعلشان يحسموا الجدل هيرا استدعت تايريسيوس علشان تعرف رأيه في الموضوع بما إنه الإنسان الوحيد اللي مارس الجنس كرجل وكاِمرأة. تايريسيوس قال لهم إن الست طبعًا هي اللي بتستمتع بالجنس أكتر. هيرا أتكبست لما سمعت كده ومن غضبها سلبت تايريسيوس بصره وخلته أعمى للأبد. زيوس بقى أشفق عليه – الراجل ملهوش ذنب برضه، ده جاي يجاوب سؤال وغطاه وحاجة أنا مالي يا لمبي خالص! – وقرر إنه يعوضه عن فقدان بصره بمنحه القدرة على رؤية المستقبل.

الرواية التانية بتقول إنه في يوم كان بيتمشى في الأحراش برضه وبالصدفة شاف الإلهة أثينا وهي بتستحمى. أثينا لما عرفت إنه شافها عريانة حرمته من بصره. أم تايريسيوس، اللي هي حورية من حوريات أثينا، لما عرفت راحت لأثينا تترجاها ترفع عن ابنها اللعنة وده عيل وغلط ومعلش يا ست الكل. بعد الصعبنيات والمحايلة، أثينا ما رجّعتش لتايريسيوس بصره بس عوضته بمنحه القدرة على التنبؤ وعلى فهم لغة الطيور.

الرواية التالتة بتقول إن تايريسيوس كان مقرب من الآلهة ولما عرفوا إنه بيستخدم معرفته بأسرارهم لمساعدة بني آدم أخدوا منه بصره بس بعد كده منحوه القدرة على رؤية المستقبل علشان يساعد الناس كعراف.

يُقال إن تايريسيوس فضل عايش مئات السنين وعاصر الكثير من الأجيال، ولما مات ونزل مملكة الموتى كان هو البشري الوحيد اللي فضل محتفظ بروحه وعقله وقدراته لدرجة إن في ملحمة الأوديسة البطل أوديسيوس Odysseus بناءً على أوامر من أثينا نزل لتايريسيوس مملكة الموتى علشان يعرف منه مستقبله ويعرف يرجع لبيته إزاي.

زي ما قولنا فوق، تايريسيوس ظهر في أساطير كتيرة. يعني مثلاً بجانب دوره في رحلة أوديسيوس كان ليه دور مهم في أسطورة أوديب Oedipus هنعرفه لما نيجي نتكلم عنها، ولو تفتكروا كمان في أسطورة نارسيس Narcissus كان هو العراف اللي حذر الأب والأم من معرفة طفلهم لنفسه.

اختلاف الروايات حول تايريسيوس جعلت منه شخصية غامضة وتصويرها في الأساطير كان برضه غامض ومتضارب.. شوية راجل وشوية ست، شوية بيشوف وشوية مابيشوفش، شوية حي وشوية ميت بس مش ميت أوي وحاجة أخر لخبطة.

هل اللخبطة اللي حصلت في حياة تايريسيوس دي ليها أي معنى؟ وهل ليها علاقة بجريمته الأولى (قتل التعبانين)؟

أعتقد لازم نرجع لجزء قتل التعبانين ده علشان نفهم أكتر.

التعبان في الحضارة الإغريقية، زيها زي الحضارات القديمة الأخرى، حيوان مقدس وبيتشاف كرمز للألوهية والاستمرارية. وأعتقد إن احنا قبل كده اتكلمنا، مش فاكرة في أنهي ثريد، عن ثعبان الأوروبوروس Ouroboros المقدس اللي دايمًا بيتصور وهو بياكل ديله كرمز للاستمرارية والتجدد والتحام الماضي مع المستقبل. حاجة كمان، التعابين لما بتيجي تتزاوج – وده اللي شافه تايريسيوس – الذكر والأنثي بيلتفوا حوالين بعض في شكل أشبه بالضفيرة.. رمز آخر مقدس للالتحام، ولكن التحام الذكر والأنثى. هل ممكن يكون ده سبب غضب تايريسيوس وقتله للتعبانين؟ إنه شاف فيهم رمز للألوهية واللامحدودية وهو كان ناقم على كل ما هو مقدس مثلاً بسبب إنسانيته المحدودة؟

التفسير ده هيخلي طبيعة عقاب الآلهة له على فعلته منطقية أكتر. إذا افترضنا إن تايريسيوس شاف في التعابين فكرة الـ omnipotence أو المعرفة\القدرة الكاملة، القدرة إني أعرف كل حاجة وإني أكون أي حد وكل حد وأي حاجة وكل حاجة كله مع بعضه، فالآلهة كانت “عقابها” له إنها أديته جزء من القدرة الكاملة دي. حتى ناخد بالنا إن الأسباب الأخرى اللي ذُكرت في الروايات المختلفة واللي بسببها تايريسيوس فقد بصره كلها ليها علاقة بحصول تايريسيوس على معرفة ماكنش المفروض يمتلكها، سواء بإرادته أو من غير. حد ممكن يقول لي بس هو ده كده عقاب إني أديله الحاجة اللي نفسه فيها؟!.. هسيب لكم السؤال ده تفكروا فيه في الأخر.

بتحويله لواحدة ست لمدة سبع سنين، تايريسيوس بقى عنده المعرفة اللي تقدر تجمع بين الذكورة والأنوثة.. وبمنحه القدرة على التنبؤ، تايريسيوس بقى عنده المعرفة اللي تقدر تجمع بين الحاضر والمستقبل. ده غير قدرته على الجمع بين لغة البشر والطيور وبين البصر والبصيرة وبين الحياة والموت. يعني من الأخر تايريسيوس جرّب أو عرف يعني إيه تبقى راجل وست.. يعني إيه تبقى أعمى وبصير.. يعني إيه تبقى حي وميت.. يعني إيه تشوف الحاضر والمستقبل. امتلاك واختبار تايريسيوس لكل المتناقضات دي هي أقرب ما يكون للقدرة الكاملة.

في قصيدة توماس ستيرنز إليوت T. S. Eliot “الأرض الخراب” أو “The Wasteland” شخصية تايريسيوس بتلعب دور الراوي والمتحكم في خطوط القصيدة من غير ما يتكلم عن نفسه غير في جزء واحد بس صغير جدًا. الدكتورة اللي درست لي القصيدة دي كانت بتقولنا إن وجود تايريسيوس في القصيدة عامل زي وجود الإله صاحب القدرة الكاملة.. وجوده محسوس بس مش متشاف. وبدون الدخول في تفاصيل الشعر الحداثي، وجود تايريسيوس في القصيدة كراوي بيحافظ على ترابطها بالرغم اتباعها للشكل المتشرذم اللي اشتهر بيه الأدب الحداثي، والسبب في ده امتلاكه للمعرفة الكاملة وقدرته على الجمع بين أحداث وشخصيات وأساليب قد تبدو غير مرتبطة.

طيب بعيدًا عن الأساطير والشعر، نحاول نقرّب الموضوع شوية وندخل له من مزنق فلسفي..

 مشكلة حياتي الدائمة كإنسانة نكِرة عايشة في فترة زمنية محدودة جدًا بمعارف محدودين وخبرات قليلة مخليني دايمًا متشككة في قدرتي على الموضوعية ومؤمنة إن الموضوعية دي حاجة كده خيال علمي أو قدرة خارقة استحالة أي إنسان هيقدر يوصلها، وشئت أم أبيت هتفضل وجهة نظري ذاتية محدودة حقيرة وبالتالي مليش حق إني أطلق أحكام على أي حد أو أي حاجة. وبعد كده أرجع أسأل نفسي طيب هو أنا ليه عايزة أكون موضوعية أصلاً؟ ويا ترى لو كان عندي القدرة الخارقة على الموضوعية دي كنت هبقى مبسوطة وهقدر فعلاً أطلق الأحكام وضميري مرتاح؟

هنا تحديدًا بقى ممكن نربط بين “عقاب” تايريسيوس ومعضلتنا الوجودية دي. لو افترضنا إن الموضوعية بتتطلب الـ omnipotence أو القدرة الكاملة اللي تايريسيوس قدر يحصل على جزء منها، هل فعلاً ده اللي إحنا عايزينه؟ أو بمعنى أوضح، هنقدر نتعايش مع حاجة زي كده؟ هل نقدر بأجسمنا وعقولنا المحدودة نفهم كل وجهات النظر ونقدّر كل دوافع الناس ونحس بكل الخبرات؟

تخيل كده واحد ومراته اتخانقوا وجابوك حكم بينهم، وأنت عندك القدرة على تفهم دوافع كل واحد فيهم تفهم كامل ورؤية وجهة نظره كإنك أنت الشخص ده بالظبط، يا ترى ساعتها وصولك لحكم هيكون أسهل ولا أصعب؟ والسؤال الأهم هل التفهم التام لجميع الأشخاص ده هيتشاف كشيء محمود؟

أحيانًا الإمعان في الموضوعية قد يؤدي إلى طمس الذات نفسها لأنها بتتشرب كل وجهات النظر إلي بتتعرض لها والنتيجة بتكون شخصية مُبهمة بلا ملامح زي تايريسيوس كده.. مش عارفين ده بيشوف ولا مابيشوفش ولا صاحي ولا ميت.. إلخ.

بس برضه مش يمكن طمس الذات ده يكون أول علامات تحول تايريسيوس للألوهية (زي الدور اللي بيلعبه في قصيدة إليوت)؟ مش يمكن تايريسيوس اللي قتل التعابين هو هو تايريسيوس اللي قاعد في مملكة الموتى؟ إدراك واحد بلا وقت محدد؟ حلقة واحدة.. تعبان واحد هيفضل يأكل في ديله للأبد.

تمت (الجزء الأخير ده فيه إحالة واضحة لقصة “البيضة” ومش عارفة إيه اللي وداني هناك والمواضيع دخلت في بعضها كده إزاي).

ثيسيوس وأريادني ومواجهة المينوتور

أسطورة النهاردة بحبها جدًا وكنت وعدت إني هحكيها وأنا بتكلم عن أسطورة إيجيوس Aegeus قبل كده على الرغم من إنها كل مرة بتوقعني في حفرة من الحزن.

النهاردة هنتكلم عن ثيسيوس وأريادني Theseus and Ariadne.

لو تفتكروا إيجيوس كان ملك مدينة أثينا Athens وحصل إنه خلف ولد من واحدة غير مراته وسابها ومشي، وبعد كده الولد ده رجع علشان إيجيوس يعترف بيه بس ميديا Medea الحيزبونة – زوجة إيجيوس وقتها – كانت عايزة تتخلص منه والولد كان عايز يثبت نفسه وشجاعته فقرر يتطوع إنه يقتل المينوتور Minotaur الشهير في مدينة كريت Crete.. طبعًا الولد ده هو البطل الإغريقي اللي اسمه هيُخلد بعد كده ثيسيوس.

أعتقد محتاجين شوية سياق للموضع.

في الوقت ده أثينا وكريت كانوا واقعين مع بعض وبينهم مشاكل وحروب بسبب إن ابن ملك كريت مات في أثينا وهو بيلعب في دورة أوليمبية هناك ولا ماعرفش كان بيهبب إيه على عينه. المهم، بعد الحروب اللي استمرت سنين، إيجيوس ومينوس Minos – ملك كريت – اتفقوا على عقد هدنة بين المدينتين بتنص على إن إيجيوس مُلزم يبعت لمينوس كل سنة سبعة ولاد وسبع بنات من خيرة شباب أثينا علشان يرميهم في المتاهة الشهيرة في كريت كطعام للمينوتور.

طيب هو مين أو إيه المينوتور ده؟ المينوتور كان وحش نصفه السفلي إنسان ونصفه العلوي تور (ثور بالفصحى يعني). اللي حصل إن إله البحر بوسيدون Poseidon أهدى للملك مينوس تور جميل جدًا وطلب منه إنه يضحي بيه، بس مينوس كان مبهور بالتور السماوي ده وقرر يحتفظ بيه ويضحى بأي تور غلبان تاني. فبوسيدون لما عرف عاقب مينوس بإنه حط في مراته رغبة تجاه التور السماوي ده! فمراته مابقتش قادرة تقاوم جمال التور لدرجة إنها راحت نامت معاه – ايوه مع التور – والنتيجة إنها خلفت منه وحش نصفه إنسان ونصفه تور: المينوتور. مينوس علشان يداري العملة السودا دي طلب من المهندس العظيم ديدالوس Daedalus وابنه إيكاروس Icarus (هو بعينه اللي عمل أجنحة من الشمع وساحت لما قرب من الشمس.. الأساطير الإغريقية أوضة وصالة) إنهم يبنوا له متاهة ضخمة ومعقدة لدرجة إن اللي يدخل فيها مايعرفش يخرج منها تاني أبدًا. وفعلاً بعد ما خلصوا المتاهة، مينوس رمى فيها المينوتور وبقى يجيب له فيها أضحية بشرية يتغذى عليها.

نرجع بقى لثيسيوس اللي كان عايز يثبت لإيجيوس والحيزبونة ميديا إنه فعلاً بطل الأبطال وأنا ابن أثينا أنا ضد الكسر، فطلب من والده إيجيوس إنه يبعته مع الشباب اللي هيروحوا كريت كأضحية للمينوتور علشان يموته ويضع حد للشرط البشع ده من الهدنة بين أثينا وكريت. إيجيوس في الأول رفض بس أضطر في الأخر يوافق بعد إصرار ثيسيوس الشديد.

أول ما ثيسيوس راح كريت أريادني بنت الملك مينوس وقعت في حبه وهو كمان حبها فقررت تساعده علشان يقدر يدخل المتاهة يقتل المينوتور ويخرج تاني من غير ما يتوه جواها. أريادني أدت لثيسيوس بكرة خيط كبيرة علشان يربط طرفها عند مدخل المتاهة وبكده مهما أتعمق جواها هيعرف يمشي ورا خيط البكرة ويرجع من نفس الطريق اللي مشي فيه من غير ما يتوه. ده بجانب إنها أدته خريطة بدائية كده للمتاهة كانت واخداها من ديدالوس بنفسه. وقبل ما يدخل المتاهة بيوم، الاتنين اتفقوا إن بعد ما ثيسيوس يقتل المينوتور ويخرج هياخد أريادني معاه لأثينا – من ورا مينوس طبعًا – علشان يتجوزها.

ثيسيوس دخل المتاهة وقتل المينوتور (يُقال إنه قتله بسيف أريادني كانت مدياهوله برضه وفي أقوال أخرى هو كان جاي بالسيف بتاعه اللي هو سيف إيجيوس أصلاً) وبفضل بكرة الخيط بتاعت أريادني عرف يخرج من المتاهة المرعبة بسهولة. أريادني هربت فعلاً مع ثيسيوس، بس في طريقة عودتهم لأثينا ثيسيوس ركن السفينة بتاعته عند جزيرة مهجورة علشان هو واللي معاه ينزلوا يأكلوا ويستريحوا، وأريادني نزلت معاهم وقررت تنام على الجزيرة شوية.

أريادني صحيت من النوم مالقتش لا السفينة ولا ثيسيوس، ولكسرة قلبها اكتشفت إن ثيسيوس أخلى بوعده معاها وسابها على الجزيرة لوحدها ولا كأنه بيسرب قطة المعفن! طبعًا المسكينة مابقتش مصدقة خيانة ثيسيوس ليها وقعدت تندب حظها وافتكرت إنها خلاص هتموت على الجزيرة لوحدها لحد ما شافها ديونيسيوس Dionysius إله الخمر والسكر والعربدة والشخلعة ووقع في حبها، ولما عرف قصتها كمان قرر يتجوزها ورفعها لجبل الأوليمب لتكون واحدة من الآلهة.

طبيعي لأول وهلة نسب ونلعن في ثيسيوس على الموقف الزبالة اللي عمله مع البنت اللي حبته وأنقذت حياته، بس أعتقد لازم نسأل نفسنا الأول هو ممكن يكون عمل كده ليه؟ كان بيضحك عليها ده كله واستغلها ولما بقت عبء عليه قرر يتخلص منها؟ ممكن جدًا، الأساطير مابتقولناش إيه اللي بيدور في دماغ أبطالها، بس ده دورنا احنا.

طيب، تعالوا نتقمص شخصية ثيسيوس لدقايق كده ونحاول نفهم هو ليه تطوع لقتل المينوتور أصلاً. لو رجعنا لأسطورة إيجيوس، وزي ما قولت في الأول، هنعرف إن ثيسيوس مش ابن الملك إيجيوس الشرعي وإن الموضوع ده غالبًا محسسه بالنقص حتى بعد اعتراف والده بيه وعلشان كده كان بيحاول يُقدم على أي عمل بطولي يثبت بيه جدارته لكل اللي حواليه، أو لنفسه قبل أي حد.

اشمعنى قتل المينوتور كان الفرصة المناسبة لثيسيوس إنه يتخلص من شعوره بالنقص؟ المينوتور هو ابن زوجة الملك مينوس.. يعني المينوتور كمان ابن غير شرعي للملكة. ثيسيوس والمينوتور الاتنين أماهتهم خلفوهم من الزنا وعلشان كده الاتنين متشابهين في حملهم لعقدة النقص والذنب، وعلشان كده برضه ثيسيوس شاف في المينوتور انعكاس لعقدته هو.. كرهه لذاته متجسد في شكل وحش، وكأن الشكل المشوه للمينوتور ده هو إسقاط على الصورة اللي ثيسيوس شايف بيها نفسه، الصورة اللي كان عايز يدمرها علشان يتخلص من ألمه وكرهه لذاته.

أما المتاهة فهي رمز واضح جدًا لنفس ثيسيوس. ثيسيوس علشان يتخلص من عقدته والصورة المشوهة دي عن نفسه كان لازم يغطس في متاهة نفسه وعقله اللاواعي وده اللي قدر يعمله بمساعدة أريادني. ناخد بالنا إن أريادني كان ممكن جدًا تدخل المتاهة مع ثيسيوس وتمسك له هي بكرة الخيط وتفكها وهي معاه، بس ده ماحصلش لأن المتاهة هي نفس ثيسيوس اللي ماينفعش حد يدخلها أو يفهمها غيره مهما كان بيحبه، فكل اللي قدرت تعمله إنها دلته على الطريق ووقفت تستناه بره.

أنا شايفة إن أريادني حبت ثيسيوس فعلاً ورغبتها في مساعدته للتخلص من أشباحه وعقده كانت صادقة بدليل إنها عملت كل حاجة ممكن تتعمل علشان تضمن إنه مش هيتوه جوه وهيخرج سليم. دايمًا مساعدتنا للأشخاص اللي بنحبهم ليها حدود لأن في مرحلة ما لازم هما اللي يدخلوا المتاهة بنفسهم، وكل اللي نقدر نعمله إننا نديهم بكرة الخيط.. الأمل والحب اللي هيتعلقوا بيه علشان يعرفوا يخرجوا تاني. مهما الخيط طول ومهما هما بعدوا عننا هنفضل إحنا عند طرف الخيط اللي بيمدهم بالطاقة والحب. كنت قرأت مرة لحد بيتكلم عن الأسطورة دي وشبّه بكرة الخيط اللي أريادني أدتها لثيسيوس بالحبل السري اللي زي ما الجنين بيتخلص من خلاله من فضلاته وبينقلها للأم فهو بيوصل كل المواد الغذائية من الأم للجنين علشان يقدر يعيش. التشبيه كان غريب شوية بس لخص حب أريادني لثيسيوس في الوقت اللي هو كان فيه في ظلمة متاهته.

طيب ليه ثيسيوس يقابل كل الحب ده بالغدر والخيانة؟ هل دخوله المتاهة والخروج منها غيّره؟ طبيعي لو مشينا على التفسير اللي فوق هنقول إنه نجح في قتل أشباحه والتخلص من ذنبه بقتله للمينوتور والمفروض ده يخليه يخرج من المتاهة إنسان أحسن حابب نفسه واللي حواليه. بس مين قال إن قتله للمينوتور كان هو الحل؟ أصل لو المتاهة هي فعلاً نفس ثيسيوس، يبقى المينوتور برغم وحشيته وبشاعته جزء لا يتجزأ منها، وبقتله للمينوتور ثيسيوس قتل جزء من نفسه بدل ما يتصالح معاه. الفكرة إن ثيسيوس – أوالمينوتور – ملهوش ذنب في إحساسه بالنقص أو كونه أتولد ابن غير شرعي.. دي حقيقة كان لازم يتصالح معاها ويجردها من بشاعتها مش يقتلها ويتخلص من وجودها للأبد. الموضوع عامل زي ما يكون واحد عنده صداع فبدل ما يروح للدكتور يكشف ويفهم الألم سببه إيه علشان يعالجه، جاب بلطة وضرب بيها دماغه!

على عكس ما تبدو الأسطورة، ثيسيوس ماخرجش من المتاهة منتصر. ثيسيوس خرج بعد ما فقد جزء من نفسه جوه، وقد يكون ده السبب اللي علشانه هجر أريادني على الجزيرة.. هي حبت ثيسيوس لكن اللي خرج من المتاهة ثيسيوس آخر غير قادر على الحب. وعلشان كده برضه في رحلة عودته لأثينا أنغمس في شرب الخمر لدرجة إنه نسي يغير شراع السفينة زي ما كان متفق مع والده، فأيجيوس أفتكر إنه ابنه مات فرمى نفسه في المياه.

بشراع أو من غير، قد يكون إيجيوس حس إن ابنه مات فعلاً.

فيه روايات تانية للأسطورة بتقول إن ديونيسيوس – وفي روايات أخرى أثينا – ظهر بنفسه لثيسيوس وأمره بهجر أريادني على الجزيرة، وقد يكون ده إشارة لإحساسه اللاواعي بعدم استحقاقه لحب أريادني.

قد إيه الموضوع حزين لأن الأشخاص اللي بيتألموا أو اللي بيفشلوا في التصالح مع أنفسهم بيبانوا عديمي الإحساس غير قادرين على الحب وبيعملوا كل حاجة علشان يطفشوا الناس من حواليهم (هجر أريادني، انتحار إيجيوس) علشان يداروا على ضعفهم وكرههم للمينوتور.

بقتله للمينوتور، ثيسيوس حبس نفسه جوه المتاهة للأبد حتى لو ماديًا قدر يخرج منها. وبرحيل أريادني وبكرة الخيط، مفيش حد هيقدر يساعده يلاقي طريق الخروج غير نفسه.

في النهاية أحب أدعوكم للاستماع للأغنية العظيمة دي اللي بتحكي الأسطورة من وجهة نظر ثيسيوس واللي عرفني عليها صديق البرنامج مايكل:

Asaf Avidan – The Labyrinth Song

دي كلمات الأغنية للي عايز يخرط بصل على قلبه ويشوف إن إزاي ثيسيوس بيطلب من أريادني تسامحه إنه مش عارف يخلص نفسه من متاهته.

جاكسون وتجربة غرفة ماري

هل المعرفة النظرية والأدلة المادية العلمية كافية إنها تمدنا بكل حاجة محتاجين نعرفها عن أنفسنا والكون من حوالينا؟ هل يمكن فهم ظواهر الكون بشكل موضوعي بحت طالما عندنا الأدوات والأرقام والمعادلات.. إلخ؟

الفيلسوف الأسترالي فرانك جاكسون Frank Jackson حاول يجاوب على السؤال ده في مقال كتبه سنة 1982 بعنوان “Epiphenomenal Qualia” واللي طرح فيه تجربة فكرية معروفة باسم “غرفة ماري” Mary’s Room.

التجربة بتقول لنا تخيلوا إن فيه عالمة اسمها ماري متخصصة في علم الأعصاب ووظائف الجسم وتحديدًا الرؤية وتأثير الألوان على العين. المشكلة إن ماري طول عمرها عايشة في أوضة أبيض وأسود وعمرها ما شافت ألوان في حياتها.. يعني ماري عندها المعرفة العلمية النظرية الخاصة بخصائص الألوان وفيزياء المخ والعين وطريقة استقبالهم للألوان وتأثيرها على الأعصاب، ولكن عمرها ما شافت بنفسها ألوان غير الأبيض والأسود. جاكسون بيسألنا تفتكروا إيه اللي هيحصل لو خرجنا ماري من الأوضة بتاعتها وخلينها تختبر رؤية الألوان بنفسها، هل التجربة هتبقى متوقعة بالنسبة لها؟ هل هتكتشف حاجة جديدة؟ هل معرفتها الفيزيائية المادية هتفضل زي ما هي؟

غالبًا الإجابة هتبقى إن ماري هتكتشف إن المعرفة الشعورية الذاتية مختلفة تمامًا عن المعرفة المادية الموضوعية مهما كانت مُلمة بيها وبتفاصيلها. ماري كانت عارفة كل حاجة عن الألوان بس بعد الخروج من الأوضة اكتشفت إن اختبار رؤية الألوان بنفسها أضاف إلي معرفتها العلمية أو غيرتها تمامًا. ومن هنا جاكسون بيستنتج إن أي حاجة\ظاهرة حوالينا، بجانب خصائصها الفيزيائية اللي كلنا متفقين عليها، بيبقى ليها خصائص تانية غير-فيزيائية ذاتية متغيرة بتختلف باختلاف الشخص اللي بيتعرّض للحاجة\الظاهرة.. الخصائص دي بيُطلق عليها “كواليا” qualia. وده معناه إن إدراكنا لأي حاجة في الكون بيعتمد على خصائصها الفيزيائية وعلى الكواليا.

الفكرة دي هي ببساطة جوهر نظرية الـ epiphenomenalism واللي بتقول إن الظواهر من حوالينا ملهاش تأثير موضوعي مباشر على جسمنا وعقلنا، وإلا كلنا كنا مرينا بنفس التجارب الشعورية بالظبط تجاه الألم والخوف وغيره. أبسط مثال على ده لو جيبنا عربية لونها أزرق مثلاً ووريناها لأشخاص مختلفين، كل واحد منهم “هيختبر” اللون بشكل مختلف حسب كيمياء دماغه وتشريح عينه وتجاربه السابقة وثقافته ولغته (أينعم، اللغة بتفرق في إدراكنا للأشياء!). فاكرين لما اتكلمنا على تجربة “الخنفسة في الصندوق” بتاعت فيتجنشتاين؟ دي برضه بتشرح فكرة الكواليا وبتدعم نظرية الـ epiphenomenalism وبتدحض المادية physicalism التامة للأشياء.

طيب تعالوا نغطس شوية في المزنق ده تحديدًا من نظرية المعرفة وناخده من منظور نفسي. خروج ماري من الأوضة الأبيض والأسود مش بس بيمثل تفاعلها المباشر مع المحفزات الخارجية بعد ما كانت علاقتها بيها معرفي نظري بحت، وإنما بيمثل تحول التجربة المعرفية لتجربة شعورية. علشان نفهم الكلام ده محتاجين نغير “الألوان” في التجربة لحاجة تانية. فلنفترض مثلاً إن ماري بنتها ماتت وهي مدركة تمامًا للحقيقة دي كمعلومة نظرية – إن بنتها غير حية أوغير موجودة – لكن الإدراك الكامل للمعلومة دي مش هيتم إلا بعد تحويلها من مجرد معرفة نظرية إلى تجربة شعورية بمعنى إن ماري تتتعامل مع الفقد بشكل ذاتي وتدرك تأثير غياب بنتها عليها نفسيًا وجسديًا.

فيه ناس كتير بتتعامل مع الصدمات في حياتها بنفس طريقة تعامل ماري مع الألوان قبل خروجها من الأوضة.. على إنها مجرد معلومة نظرية وبيتجنبوا – عن قصد أو بدون قصد – التعامل مع الكواليا علشان ماتتحولش لتجربة شعورية ذاتية، وده طبعًا خوفًا من تأثيرها على العقل والجسم نظرًا لحجم الصدمة أو خوفًا من تحول الصدمة دي لتجربة ذاتية وبالتالي ده هيفصلهم عن الفهم المشترك\النظري للتجربة السيئة دي فالشخص بيحس إنه بقى لوحده مع الصدمة كأنه حبس نفسه مع وحش محدش شايفه غيره.

جزء كبير من تصالحنا مع الصدمات والتجارب السيئة في حياتنا بيعتمد على إدراك إن التجربة دي بتاعتنا إحنا بس (مش قصدي نلغي دور الناس التانية) وإن مفيش كتالوج لازم نمشي عليه بالمفروض نحس بإيه أو نقارن مشاعرنا وردود أفعالنا بغيرنا في تجارب مشابهة لأن ده هيدخلنا في متاهة من النكران أو لوم الذات ملهاش أخر. وأعتقد إن ده اللي المعالجين النفسيين بيعملوه.. إنهم بيساعدوا الشخص على التعامل مع الصدمة كتجربة شعورية ذاتية علشان يفهم ليه الحدث – اللي قد يبدو عادي جدًا لغيره – أثر عليه هو تحديدًا بالشكل ده، أو من الأخر علشان يفهم الكواليا بتاعت صدمته.

ماري كان لازم تخرج بره الأوضة مش بس علشان تعمّق معرفتها بالألوان، وإنما علشان تفهم نفسها أكتر.