في البدء كان الكلمة

بستغرب جدًا من الناس اللي بتتعجب من حدوث سوء تفاهم في التواصل مع غيرها في حين أن حياتنا كلها عبارة عن سوء تفاهم كبير. اللغة اللي احنا بنستخدمها في أبسط صورها علشان ننقل أفكارنا ومشاعرنا معقدة بشكل يتعدى إدراكنا أصلاً. يعني احنا معتقدين أن لو استخدمنا كلمة معينة والكلمة دي ليها معنى وإشارات ومدلولات معينة هتوصل للشخص التاني بنفس معناها ومدلولاتها، وده من المستحيل يحصل.

كلمة بسيطة زي “قطة”.. لو أنا كتبت أو نطقت الكلمة دي ذهني بيبقى مستحضر شكل كائن معين بأربع رجلين وبينونو إلخ.. على الرغم من اتفاقنا على مدلولات الكلمة دي كبني آدمين عايشين في حقبة واحدة وبنتكلم نفس اللغة إلا أن كل واحد هيستحضر في ذهنه شكل قطة مختلف لو سمع الكلمة دي، ده غير المدلولات النفسية المرتبطة بالكلمة دي عند كل واحد.. ممكن كلمة قطة تسعد واحد بس تخوف التاني وتثير التالت وهكذا.

أي كلمة بنستخدمها ليها بعد رأسي وأفقي؛ رأسي يعني تاريخ الكلمة وظهرت ليه وكانت بتستخدم إزاي واتغيرت مدلولاتها لإيه، وأفقي يعني اختلاف دلالة الكلمة من شخص لآخر.. كلمة زي gay مثلًا زمان كانت بتعني شيء مختلف عن اللي بتعنيه دلوقتي، ولحد دلوقتي الكلمة ليها دلالات مختلفة وبتأثر في الناس بشكل مختلف.

المدرسة التفكيكية في الفلسفة واللغويات deconstruction بتشوف اللغة على إنها من أعقد النظم الإنسانية اللي مش بس مرتبطة بعملية التواصل، دي مرتبطة بالوعي الإنساني ككل وإدراكنا لأنفسنا وللحياة حوالينا. واحد زي الأخ ديريدا مثلاً قال إن مفيش حاجة بره النص.. طبعًا هو مش قصده إن كلمة قطة لا تعني وجود كائن بأربع رجلين وبينونو في الواقع، لكنه بيحاول يهدم فكرة سيطرة الواقع على النص/الكلمة لأنه شايف إن لولا وجود الكلمة مكنش هيبقى فيه إدراك لوجود الكائن ده أصلاً.

يعني مثلا تخيل إنك عايش في وجود بلا لغة أو حاجة للتواصل ولقيت قدامك شبشب أخضر وبترتر.. إدراكك لوجود الشيء ده يعتمد على معرفتك لكلمة “شبشب” ولو مش عارفها هيبقى على معرفتك لكلمة “أخضر” و”ترتر”.. بدون المعرفة السابقة دي أنت مش هتدرك وجود الشبشب أصلاً.

خلينا ندى مثال أوقع وعلى نطاق أوسع.. حاجة زي الاكتئاب والهيستيريا والأمراض النفسية، عامًة لو رجعت بالزمن 9000 سنة هتلاقي إن مفيش إدراك بوجود المرض النفسي علشان المصطلح المستخدم للإشارة إليه مش موجود أو ماتطورش لسه.. الكلمة مش موجودة يبقى – حسب إدراكنا – الشيء ده بالتالي مش موجود.

الفكرة إن حاجة بالتعقيد والترسخ ده في وجودنا الإنساني من المستحيل التحكم فيها وتسطيحها لمجرد وسيلة تواصل.

جودايفا ومتعة التلصص

هنبتدي الموضوع النهاردة بحدوتة..

يُقال إن في القرن ال11 أو ال13 (مش مشكلتنا دلوقتي) كان بيحكم مدينة كوفنتري بإنجلترا لورد ظالم اسمه ليوفرك وكان كل يوم عن التاني بيزود الضرايب على أهل المدينة الغلابة. بس مرات اللورد كانت ليدي طيبة وبنت حلال اسمها جودايفا Lady Godiva وطبعًا مكانش عاجبها الوضع وقعدت تقول لجوزها يخفض الضرايب وتترجاه.. يا حبيبي مش كده، طلع عقدك على نفسك مش على الناس! يا موكوس كفاية ضرايب. المهم من كتر الزن اللورد حب يسكتها فقالها طيب أنا هخفض الضرايب بشرط واحد… لو ركبتي حصان ومشيتي بيه في شوارع المدينة في عز الضهر وأنتي عريانة. طبعًا هو قالها الشرط العجيب ده علشان عارف إن مراته ليدي واستحالة تعمل كده.

جيس وات؟ جودايفا ركبت دماغها وفعلاً جت في يوم قلعت هدومها كلها وركبت الحصان بتاعها بس قبل ما تنزل بيه شوارع المدينة بعتت منادي يقول للناس يدخلوا بيوتهم ومايبصوش من الشبابيك. مشيت جودايفا في الشوارع بحصانها كما ولدتها أمها والناس كلها التزمت بكلام المنادي، إلا راجل واحد بس اسمه توم ماقدرش يقاوم يشوف جودايفا وهي عريانة.. يُقال إن توم ده جاتله صاعقة من السما عمته أو موتته (مش فارقة أهو غار في داهية)، وجوز جودايفا أذبهل لما عرف اللي مراته عملته بس التزم بكلمته معاها وخفض الضرايب على الناس فعلاً.

القصة دي مش حقيقية ولكنها أسطورة قايمة على شخصية حقيقية (زي أسطورة الملك آرثر كده). بغض النظر يعني، أنا اللي يهمني من الحدوتة هو توم.. الراجل اللي قرر يتلصص على جودايفا وهي عريانة، لإن توم ده هو مصدر التعبير الشهير peeping Tom أو “توم المتلصص” واللي بيطلق على أي شخص بيثار جنسيًا من التلصص على الآخرين وهما عريانين أو في أوضاع حميمية وده اللي احنا بنسميه دلوقتي voyeurism.

ال voyeurism مش مرض أو اضطراب في الشخصية في حد ذاته علشان أصلا الإنسان بيثار من مشاهدة آخرين في أوضاع حميمية (الأفلام الإباحية نوع واضح وصريح من الvoyeurism)، لكن الأطباء النفسيين بيقولوا إن الحالة دي بتدخل في نطاق الparaphilia أو الاضطرابات الجنسية لما بتتحول لسلوك قهري أو بتكون المصدر الوحيد للإنسان للحصول على المتعة الجنسية.

طيب نرجّع الموضوع PG تاني. مؤخرًا مفهوم الvoyeurism توسع وبقى يشمل ممارسات غير جنسية كمان، العامل المشترك في الممارسات دي إن المُشاهد أو توم المتلصص بيحصل على متعته من مشاهدة حاجات هو المفروض ما يكونش بيشوفها أو مش مسمحوله يشوفها.. فكرة إن أنا لو دخلت على الفيسبوك بتاع واحد معرفهوش بس نشط شوية على مواقع التواصل الإجتماعي وعرفت عنده كام أخ وبيشتغل فين وبيته فيه كام مروحة وملايات السرير لونها إيه دي متعة غزيزية (مش شرط جنسية) في حد ذاتها.. اللي هو أنت متعرفنيش ولا حاسس بوجودي أصلاً بس أنا قادر أتلصص عليك وأعرف تفاصيل حياتك الشخصية، وده بيدي شعور بالقوة ممزوج بالمتعة.. نفس الغريزة اللي بتخلي الأطفال يبصوا من خرم المفتاح أو يحطوا ودنهم على باب الجيران.

طيب ممكن حد يقولي طالما دي غريزة وحاجة طبيعية بتهري في إيه أنتي دلوقتي؟ المشكلة إن النظام الرأسمالي الحبوب بمساعدة التكنولوجيا طبعًا ووسائل الإعلام بقوا يشتغلوا على ال voyeurism كأسلوب تسويق وطريقة للربح والنجاح…

بلاش وسائل التواصل الإجتماعي اللي بقت تتطور كل يوم عن التاني في عملية التلصص دي (الأول كان صور بس وبعد كده فيديو ودلوقتي live streaming)، تعالوا نشوف مثلاً لما بتحصل مصيبة في أي مكان في العالم، كارثة طبيعية أو عمل إرهابي… كل وسائل الإعلام بتشتغل على الvoyeurism وبيتنافسوا مين يحطك في الصف الأول.. لأ وجوا الحدث كمان، في المكان اللي المفروض ماتكونش فيه. كان فيه حادثة دهس في نيس في فرنسا من سنتين أو تلاتة تقريبًا.. المقزز في طريقة نقل الحدث إن معظم القنوات كانوا بيتنافسوا مين هيوريك جثث وأشلاء أكتر.

لو تفتكروا في البوست بتاع جيجك أتكلمت على إن الناس بتحب تتفرج على الحاجات دي علشان توصل لمرحلة من المتعة اسمها ال jouissance ودي اللي بتتحقق لما تقرب من حاجة واقعية جدًا مش مسموح لك تقرب منها. ولنفس السبب الناس بتروح الدييب ويب علشان تتفرج على snuff films وunsimulated pornography

المشكلة إن كلنا اتحولنا لتوم المتلصص وكلنا قاعدين نتفرج على جواديفا وبناكل فيشار بدون ذرة تأنيب ضمير وده بيفقدنا إنسانيتنا حبة في حبة. رغبتنا في إننا نختلس النظر ونبص على حاجات شخصية وناخد أول صف في الأحداث طغى على الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية المصاحبة للمواقف اللي زي دي.

أنا متأكدة إن معظمكم شاف مسلسل بلاك ميرور Black Mirror وهتلاقوا أكتر من حلقة بتتناول موضوع ال voyeurism من أشهرهم White Bear. قصة الحلقة بتدور حول بنت بتصحى تلاقي نفسها مطاردة من ناس شكلهم مجانين عايزين يموتوها. وهي بتحاول باستماتة إنها تهرب منهم بتستنجد بالناس اللي في البيوت واللي في الشارع لكن محدش بينجدها! كل اللي بيعملوه إنهم ماسكين كاميرات وموبايلات وقاعدين يصوروها وهي بتحاول تنقذ حياتها وكإنها في كابوس مش عارفة تصحى منه.

“White Bear,” Black Mirror, 2013

مش هحرق بقية الحلقة للناس اللي ماشفتهاش لكن طبعًا الصورة الكابوسية للقصة بتوضح قد إيه إحنا بقينا مهووسين بالفرجة والتلصص أكتر من المشاركة وده بقى مصدر متعتنا الوحيد.. وكأن العالم بقى حديقة حيوان وبنعامل كل الأشياء والبني آدمين اللي حوالينا على إنهم حيوانات في أقفاص وإحنا بنتلصص عليهم وهم بياكلوا ويشربوا ويناموا وبيمارسوا الجنس.

وأعتقد إني قولت مش فاكرة وأنا بتكلم عن موضوع إيه قبل كده إن الحوار بقى fucked up لدرجة إن الناس بقت تستمتع مش بس بدور المتلصص لأ كمان والمتلصص عليه! some sort of twisted exhibitionism

أحب أكرر بس إن الvoyeurism كغريزة جنسية دي حاجة طبيعية إلا في حالات الاضطرابات الجنسية، لكن لما الموضوع يتطور بالشكل المخيف اللي إحنا عايشينه ولسه هنعيشه يبقى لازم نفتكر توم المتلصص وإيه اللي حصله في القصة.

إيكاروس والوسط الذهبي

كان ياما كان.. كان فيه زمان في بلاد الإغريق راجل مهندس وحرفي إيده تتلف في حرير اسمه ديدالوس Daedalus. ديدالوس ده بناءً على أوامر من ملك كريت بنى متاهة معقدة جدًا اللي يدخل منها مايعرفش يخرج أبدًا. ملك كريت خلى ديدالوس يبني المتاهة دي علشان يحبس فيها وحش اسمه المينوتور…

المهم يعني ديدالوس والملك وقعوا مع بعض علشان ديدالوس ساعد واحد إنه يدخل المتاهة ويقتل المينوتور ويخرج منها (بنت الملك كانت بتحبه فوصت ديدالوس عليه). بعيدًا عن الحوارات دي يعني… الملك طبعًا كان مستحلف لديدالوس لدرجة إن ديدالوس قرر يهرب هو وابنه إيكاروس Icarus (كان شغال معاه في الورشة) من الجزيرة عن طريق صنع أجنحة من الريش والشمع.. طريقة غريبة للهرب بس تقريبًا كان يوم عيد وملاقوش تذاكر على مراكب فاضية اليوم ده.

المهم ديدالوس وإيكاروس لبسوا الأجنحة واستعدوا للطيران بس قبل ما يطيروا ديدالوس حذر ابنه من إنه يطير قريب أوي من البحر علشان رطوبة المياه ماتّقلش الأجنحة ولا إنه يطير قريب أوي من الشمس علشان الشمع مايسحش.. من الأخر قاله حافظ على مسافة متوسطة بين البحر والشمس…

طبعًا كلنا عارفين إيه اللي حصل بعد كده.. إيكاروس انبهر بقدرته على الطيران وقعد يحلق ناحية الشمس لحد ما الشمع ساح واتقلب على وشه في البحر ومات.

الأسطورة في الفلسفة بيتم ربطها بفكرة ال Golden Mean أو الوسط الذهبي (أحيانًا بيُطلق عليها Middle Way). والفكرة دي منتشرة في الفلسفات والأديان القديمة. تعالوا نتكلم عن أرسطو مثلاً..

أرسطو بيقول إن الفضيلة أو الحياة الفاضلة في المطلق بتقع بين شيئين نقيضين وإن من أصعب الحاجات اللي بتواجه الإنسان هي قدرته على المشي في الطريق الوسطي ده من غير ما يتشد لأي من الجانبين، بالظبط زي ما ديدالوس نصح إيكاروس. أرسطو بيقول إن الإنسان الطبيعي جسديًا ونفسيًا فُطر على التوازن وإن دي أنسب وأسعد حالة بيكون فيها، يعني لو أكل كتير جدًا هيتعب ولو أكل قليل جدًا هيتعب.. ولو قعد طول النهار يعيط هيتعب وبرضه لو قعد طول النهار يضحك هيتعب. وعلشان كده هو بيقولنا لاحظوا إن كل صفة إحنا شايفنها فاضلة بتقع بين طرفين نقيضين متطرفين (زيادة ونقص): الكرم يقع بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، والتعاطف بين الهوس واللامبالاة.. وهكذا.

بس أرسطو بيقول لازم ناخد بالنا إن الوسط ده مش حاجة ثابتة وإنه نسبي بيختلف من شخص لآخر ومن موقف للتاني، ممكن حاجة تكون بالنسبة لي إسراف وتطرف بس بالنسبة لشخص تاني وسط واعتدال. يعني مثلاً لو مرتبي 10000 جنيه وبصرف منهم ألف على اللبس مش هيعتبر إسراف.. في حين إن نفس الألف دي هتعتبر إسراف لواحد مرتبه ألفين جنيه. ونقيس على ده المعايير الأخلاقية والفكرية والعقائدية كمان، لو أنا رجل دين أكيد الطريق الوسط بتاعي هيبقى مختلف عن الطريق الوسط بتاع رجل سياسي لا ديني مثلاً (ملهاش علاقة بمين “أحسن” من مين).

الموضوع عامل زي اللي ماشي على الحبل، لو ساب نفسه هيقع بسهولة على اليمين أو الشمال وعلشان كده كل مجهوده رايح في تحقيق التوازن علشان يفضل ماشي على الحبل. طبعًا الموضوع محتاج تدريب وفشل ومحاولة.. مفيش حد بيتولد بيعرف يمشي على الحبل!

في سياق آخر، أسطورة إيكاروس بتستخدم للإشارة للطموح الزائد اللي بيؤدي بصاحبه للهلاك أو رغبة الإنسان في الوصول لحكمة الآلهة، ولكن ده هنتكلم عليه في بوست آخر مع بطل أغريقي آخر.

معلش موضوع النهاردة كان قالب على حكم ومواعظ شوية، بس ده أرسطو وهو أبلة فضيلة في نفسه كده.

البانوبتيكون والمراقبة

أصدقاء البرنامج من ال hardcore gamers أكيد عارفين لعبة Battlefield. فيه مهمة في إصدار اللعبة الرابع – تحديدًا اسمها Operation Locker – بتقع في سجن شديد الحراسة في الصين. السجن ده مبني على طريقة البانوبتيكون Panopticon اللي صممها المفكر الإنجليزي جيريمي بنثام Jeremy Bentham في القرن الثامن عشر.

بنثام جيه في يوم وقال إيه رأيكم يا جماعة لو عملنا سجن بتصميم مختلف عن المعتاد، السجن ده هياخد شكل دائري وهيكون فيه برج مراقبة في النص اللي هيطلعه هيبقى عنده القدرة إنه يشوف كل الزنازين (زنازين ولا زنزانات؟) من مكانه كما موضح بالصور، وسمى بنثام التصميم “البانوبتيكون”.

أهم ما يميز البانوبتيكون إن الزنازين الإضاءة بتاعتها ضعيفة والبرج فيه كشاف قوي جدًا بحيث يمنع المساجين من رؤية الحارس اللي بيراقبهم من البرج. وبالرغم من إن الحارس مش هيقدر يشوف كل المساجين في نفس ذات الوقت (لازم يلف في مكانه يعني) إلا أن عدم قدرة المساجين على رؤيته بتخليهم على طول معتقدين إنه باصص عليهم وإنهم متراقبين وده هيعيشهم في خوف وحذر دائمين.

البانوبتيكون ماتحولش لسجن فعلاً لكنه أتحول لفكرة ترمز للخضوع للمراقبة الدائمة. واحد زي الأستاذ فوكو مثلاً استخدم الصورة اللي صممها بنثام علشان يشرح إزاي السلطة بتتحكم في الخاضعين لها في العصر الحديث وبيقولنا إن السلطة بتفرض سيطرتها على الأفراد عن طريق خلق خوف دائم جواهم بإنهم متراقبين، ودي بالظبط الفكرة اللي قايمة عليها رواية “1984” لجورج أورويل اللي المواطنين فيها كانوا متراقبين حتى داخل بيوتهم من “الأخ الأكبر”.

طيب هل يا ترى ده فعلاً بيحصل وفيه حد قاعد في برج المراقبة بيبص علينا ولا ده كله كلام تنظير؟ الحقيقة إننا لو بصينا حوالينا هنلاقي إنه لا تنظير ولا حاجة.. المجتمعات الحديثة كلها بقت قايمة على فكرة المراقبة. إنزل أي مدينة كبيرة وشوف فيه كام كاميرا مراقبة في الشارع.. أو في المحلات.. أو في الجراجات.. أو في الفنادق.. عدد مهول من كاميرات المراقبة! وبالرغم من إننا عارفين إن مش شرط يكون فيه حد قاعد في الطرف الآخر مركز معانا وبيتفرج علينا إلا إن مجرد وجود الكاميرا اللي موجهة ناحيتنا بيحط جوانا شعور قهري بالانضباط.

حتى وجودنا على شبكات التواصل الإجتماعي بقى نوع من الخضوع لسلطة البانوبتيكون. بغض النظر إن حياتنا كلها بقت متاحة للمشاركة بإرادتنا أو من غير (ممكن تبقى قاعد تلعب في مناخيرك وأنت سرحان مستني المترو هوب تاني يوم تلاقي نفسك في خلفية صورة على الفيسبوك لواحد كان بيتصور سيلفي).. كمان فكرة إن فيه سلطة ما ليها القدرة إنها تشوف هذا الكم من المعلومات والكلام والصور بتجبرنا على التصرف بأسلوب معين ووفق أطر معينة.

وبما إن الإنسان تويستد ابن مجنونة بطبعه، شاف إن فكرة البانوبتيكون والمراقبة الدائمة دي تصلح لمجال الترفيه فظهر عندنا حاجة زي تليفزيون الواقع: هات شوية بني آدمين وحطهم في مكان متراقب على طول بالكاميرات… طبعًا في السيناريو ده إحنا – كمشاهدين – الحارس اللي في البرج، والناس اللي بتتصور هم المساجين اللي معندهمش فكرة مين بيشوفهم وامتى لكن عارفين إنهم متشافين. الجنان في الموضوع بقى إنهم مش مجبرين على الوجود في السجن، والخضوع للمراقبة المستمرة بيحفزهم إنهم يتصرفوا بشكل معين مش علشان مايزعلوش الحارس (إحنا) بقى المرة دي.. لأ، علشان يبسطوه! والموضوع بيتحول لممارسة voyeuristic غريبة برضا الطرفين. وأصدقاء البرنامج الأبرياء اللي مايعرفوش يعني إيه voyeurism فده الشعور بالمتعة من خلال رؤية الآخرين وهم بيمارسوا الجنس أو أي ممارسة تانية حميمية.. والفكرة قايمة على الشعور بالقوة من خلال التلصص..

وبكده يبقى الإنسان المعاصر حول فكرة البانوبتيكون لستربتيز شو.. المساجين قاعدين يرقصوا بإغراء ودلع علشان يلفتوا نظر الحارس اللي هم مش شايفينه أصلاً ويخلوه يريل عليهم (إني آسف على الصورة العجيبة دي). وبالرغم من إن موضوع تليفزيون الواقع ده بياخد الفكرة لمستوى آخر من سحلة الدماغ إلا إنه بيوضحلنا إن ديناميكية السلطة يمكن تغييرها بحيث إن السلطة تبقى في أيد المساجين\الأفراد عن طريق التحكم فيما يراه الحارس\السلطة بدلاً من الخضوع له..

طبعًا الموضوع هيدخلنا في حلزونة من ال identity performance ولكنه بيوضحلنا جانب آخر من البانوبتيكون اللي تخيله الحاج بنثام ألف رحمة ونور عليه.

تمت… خدوا باب البانوبتيكون وأنتم خارجين.

المسئولية الأخلاقية ومعضلة القطار

تخيلوا معايا الموقف ده: دلوقتي أنت واقف بتتشمس عند تحويلة قطر وشوفت عربية قطر جاية من بعيد (السواق بتاعها نايم أو أغمن عليه)، وعلى نفس خط سيرها بس من الناحية التانية فيه 5 عمال واقفين على القضبان ومش واخدين بالهم من عربية القطر، طبعًا صوتك مش هيوصلهم ولا هتلحق تجري تنبههم.. لكن بتلاحظ إن عصاية التحويلة اللي أنت واقف عندها هتغير مسار عربية القطر. المشكلة بقى إن المسار التاني واقف عليه عامل بيشتغل لوحده وبرضه مش واخد باله (الموقف موضح بالصورة)..

فأنت دلوقتي قدامك حل من اتنين:

1- ماتعملش حاجة وتسيب عربية القطر تدوس ال5 عمال (قدرهم بقى هنعمل إيه!)

2- تشد عصاية التحويلة وتحول مسار القطر، وبكده هتتسبب في موت عامل في سبيل إن 5 هيعيشوا

المعضلة الأخلاقية\الفلسفية دي اسمها The Trolley Problem وألفتها فيلسوفة إنجليزية اسمها فيليبا فووت Philippa Foot سنة 1967 علشان توضح طبيعة العمل الأخلاقي وقد إيه هو نسبي وبتتحكم فيه عناصر كتيرة.

طيب نرجع لعربية القطر، معظم الناس طبعًا هتختار الحل التاني (التضحية بحياة إنسان في سيبل إنقاذ خمسة) لأن الموقف اللي هما فيه بيحتم عليهم أخلاقيًا التصرف، والتصرف الأمثل طبعًا هو إنهم مايسيبوش 5 أشخاص يموتوا وهما في إيديهم يمنعوا ده. بس فيه ناس تانية ممكن تقول لأ، المسئولية الأخلاقية هتقع عليا لو اشتركت في تغيير مسار الأحداث.. إنما لو سبت كل حاجة تحصل وكأني مش موجود فده بينفي عني الواجب الأخلاقي بما إن مفيش حد مسئول عن أي حاجة في الموقف اللي زي ده.. يعني كده كده عربية القطر كانت هتدوس ال5 عمال لو أنا مش واقف.

ده غير إن أصحاب المذهب الإنساني شايفين إن تغيير مسار عربية القطر والتضحية بالعامل اللي واقف لوحده فيه استهانة بالحياة البشرية لإننا بنحولها من قيمة إلي مجرد عدد وكم في حين إن كل الحياة البشرية مهمة حتى لو بنتكلم عن حياة إنسان واحد بس.

طيب تحبوا نعقد الأمور شوية؟ تخيلوا نفس السيناريو اللي بس بدل ما أنت واقف عند التحويلة، أنت واقف على جسر فوق القضبان وواقف جنبك راجل ضخم. دلوقتي أنت لو رميت الراجل ده من على الجسر هيقع على القضبان وهيعطل عربية القطر بس طبعًا هيموت، لكن في المقابل ال5 عمال هيعيشوا، هترميه ولا لأ؟

الملفت للنظر بقى في الموضوع إن معظم الناس اللي اختارت الاختيار الثاني في الموقف اللي فوق (تحويل مسار عربية القطر) هيرفضوا رمي الراجل المليان من فوق الجسر مع إننا لو فكرنا فيها هنلاقيها نفس النتيجة! هتسبب في موت واحد مقابل إنقاذ خمسة.

تفسير اللغز ده هو إن اللي إحنا بنقول عليه واجب أخلاقي دي حاجة متغيرة جدًا وبتعتمد على نظرتنا الذاتية للأمور ومدى تورطنا في الأحداث. يعني الناس هتمتنع عن رمي الراجل الضخم علشان ده هيبقى قتل صريح في حين إنها هتقتل الراجل التاني بكل أريحية علشان هم واقفين من بعيد أو إن عملية القتل ما تمتش بشكل مباشر (فاللي هو أنا تمام كده ومليش دعوة بموته).

المعضلة الأخلاقية دي بتخلينا نفكر في حاجات كتير في حياتنا فاكرين إننا جايبين زتونة المسئولية الأخلاقية فيها ومريحين ضميرنا خالص من ناحيتها… ناس كتير هتحس بالذنب لو منعت أكل من شحات في الشارع، لكن نفس الناس مش هيحسوا بأي حاجة لو عرفوا إن الموارد الغذائية اللي بيستهلكوها بإسراف بتتسبب في مجاعات وحروب في مكان تاني في العالم. الموضوع معقد بس بيخلينا نفكر في طبيعة العمل الأخلاقي وفي طبيعتنا إحنا – المنيلة – كبني آدم.

أخيرًا هنهي الموضوع بفيديو لطفل والده عمله معضلة القطر دي باللعب بتاعته علشان يشوفه هيتصرف إزاي (بما إن الأطفال على الفطرة وأحباب الله وكده).. أحب أقول بس إن الطفل ده يمثلني جدًا والله:

A two-year-old’s solution to the trolley problem

كهف أفلاطون

النهاردة هنتكلم عن كهف أفلاطون أو Plato’s Allegory of the Cave، في كتابه “الجمهورية” أفلاطون بيدعونا لتخيل سيناريو ظريف وعجيب جدًا: تخيلوا إن فيه كهف والكهف ده مسجون فيه ناس من زمان لدرجة إنهم ما يعرفوش غيره، المساجين مقيدين بحيث ما يقدروش يشوفوا غير حيطة واحدة من الكهف. المساجين دول وراهم نار وبين النار والمساجين بيجي ناس تانية ماسكة أشكال خيالها بيتعكس على حيطة الكهف اللي قدام المساجين.

لو الوضع صعب التخيل ممكن تبصوا على الصورة دي..

الفكرة إن المساجين دول فاكرين إن الخيالات اللي قاعدين يتفرجوا عليها هي الواقع بتاعهم غير مدركين إنها مجرد صورة أو انعكاس لشيء حقيقي هم مش قادرين يشوفوه. أفلاطون بيكمل السيناريو ويقولنا إن غالبًا هنلاقي أغلب المساجين دول بالرغم من وضعهم المزري قاعدين ومتمزجين باللي بيتفرجوا عليه وفاكرينه واقع ومابيحاولوش حتى يقوموا من مكانهم.. بس برضه هنلاقي سجين أو اتنين بيحاولوا يهربوا من الكهف وبينجحوا فعلاً إنهم يخرجوا للعالم الحقيقي وبيشوفوا الشمس (اللي استخدمها أفلاطون كرمز للحقيقة والمعرفة) وبيشوفوا الأشياء كما هي مش مجرد خيالات وانعكاسات. المهم إن المساجين دول لما بيحاولوا يرجعوا علشان يحكوا للناس اللي جوه عن اللي شافوه ويدعوهم للخروج معاهم بره بيرفضوا ويتهموهم بالجنان.

طبعًا المساجين اللي بيهربوا دول هم الفلاسفة (كانوا بيطلعوا عينهم زمان) أو أي حد بيفكر خارج الأطر المتفق عليها في المطلق، والسلاسل اللي كانوا مربوطين بيها هي الجهل.

في القصة فيه عالمين، داخل وخارج الكهف.. بالنسبة للمساجين، داخل الكهف هو العالم الحالي أو المرئي لكنه قائم على الخيال. اللي بيشوفوه المساجين ده انعكاس أو خيال لحاجة حقيقة مع الوقت بتتحول لمعتقد أو إيمان راسخ. أما العالم خارج الكهف فهو غير مرئي بالنسبة للمساجين لكنه قائم على معطيات منطقية حقيقة ملموسة بتوصلنا للمعرفة.

خلونا ندي مثال، ظاهرة زي السيول والفيضانات مع إنها كانت بتحصل من زمان إلا إن الناس ماكنوش بيشوفوها على ما هي عليه وإنما بيشوفوا صورتها الخارجية فقط (زي الخيال على حيطة الكهف) وتفسيرهم السطحي بإن آلهة البحر زعلانة منهم مع الوقت أتحول لإيمان راسخ وبقوا يقدموا قرابين للبحور والأنهار. بعد ما الناس ما بقى عندها القدرة على رؤية الأمور على حقيقتها باستخدام الفكر والمعطيات الحقيقية عرفوا إن دي ظاهرة طبيعية ليها أسباب تتعلق بسرعة الرياح والمد والجزر وطوروا طرق للتنبؤ بيها وما إلى ذلك.

المهم يعني أفلاطون بيقول إن لازم نمر بالتلات مراحل دول: الوجود في الكهف –الخروج من الكهف – العودة إلى الكهف.

طبعًا كلنا بنتولد في كهوف أي كانت شكلها، كلنا بنتربى على شكل معين من الأفكار والمعتقدات اللي بنفتكر إنها الحقيقة المطلقة، فيه ناس بتفضل في المرحلة دي ومابتسيبش الكهف أبدًا. مرحلة الخروج في الكهف هي مرحلة استكشاف كل ما هو خارج نطاق معتقداتي بجميع أنواعها. أما المرحلة الأخيرة (وأنا شايفة إن دي أهم مرحلة) هي العودة للكهف مرة أخرى.

ممكن حد يسألني طيب آبانشي أنا ما صدقت أخرج من الكهف ابن اللذينة ده أرجعله تاني برجلي ليه؟

الرجوع للكهف مش المقصود بيه الرجوع للحالة الأولى من الوجود للكهف والاستسلام التام للخيالات والمعتقدات الهشة، أفلاطون بيقول إن كل من رأى العالم الخارجي عليه واجب أخلاقي إنه يرجع وينبه الناس اللي لسه في الكهف، وده دور الفيلسوف زي ما هو شايفه..

أنا عن نفسي شايفة إن الرجوع لازم يحصل بغرض إعادة تقييم المعتقدات دي ومقارنتها بالعالم الخارجي. مساجين كتير بيخرجوا من الكهف بس بيتوهوا في العالم الخارجي بكل ما فيه من مؤثرات قوية مقارنةً بمحدودية الكهف لكن التحدي الحقيقي إني أرجع الكهف بتاعي تاني علشان أبص على شكل الكهف نفسه وعلى الخيالات اللي على الحيطة بنظرة مختلفة مستنيرة أقدر من خلالها أوصل لحقيقتي أنا.

تمت… خدوا باب الكهف معاكم وأنتم ماشيين.

الإنسان والمحاكاة

تنويه: موضوع النهاردة هيخلي إيلون مَسك يزغرد

سنة 2003 فيلسوف سويدي اسمه نيك بوستروم Nick Bostrom نشر نظرية تسمى بنظرية المحاكاة. واضح من اسمها إن النظرية دي بتستنتج إن فيه احتمالية كبيرة إننا نكون عايشين في محاكاة من صنع كمبيوتر متطور وقال إن فيه 3 احتمالات ملهمش رابع:

1- إن إحنا كجنس بشري هننقرض قبل ما يبقى عندنا الإمكانيات التكنولوجية لتصميم محاكاة رقمية متطورة

2- إن إحنا هنوصل لمرحلة من السعادة والتصالح (هأو!) لدرجة إننا مش هنحتاج أصلاً نعمل محاكاة

3- الحضارة بتاعتنا وصلت فعلاً للمرحلة دي من التطور وعملت محاكاة رقمية وإحنا عايشين جواها دلوقتي

وبما إن الاحتمال التاني ده أكتر واحد خيال علمي فيهم وبما إننا لسه مانقرضناش وبما إننا ابتدينا فعلاً نطور أنواع متقدمة جدًا من المحاكاة الرقمية ففيه احتمالية كبيرة إن إحنا أصلاً جوه واحدة وإن شخصيات المحاكاة دي (إحنا) عندها وعي قادر على تطوير نفسه…

فيه ناس ممكن تجادل وتقول إن من المستحيل محاكاة الوعي، بس هو إيه الوعي أصلاً؟ ومش ممكن يكون الوعي ده نوع متطور من ال AI؟ يعني إحنا نفسنا الذكاء الاصطناعي اللي اتكلمت عليه في البوست اللي فات. كمان بوستروم بيقول إن لو افترضنا إن الجنس المتقدم ده عمل عدد كبير من المحاكاة للناس اللي قبلهم وجربوها وطوروها على مراحل (زي ما إحنا بنعمل مع أي لعبة افتراضية كده) سماهم بال ancestral simulations…. فمن كل الكائنات اللي عايشة في كل العوالم (واقعي أو محاكاة) نسبة أو احتمالية اللي عايشين في محاكاة هتبقى أكبر بكتبر من احتمالية اللي عايشين في عالم واقعي.

وناس كتير من مؤيدي النظرية بيقولوا إن الطبيعة والكون من حوالينا يمكن إخضاعهم لقوانين فيزيائية ورياضية وإن ده دليل كبير على إننا داخل شيء أو منظومة رقمية متطورة. وكمان بيقولوا إن المنظومة دي بيحصل فيها أخطاء glitches زي بالظبط برامج الكمبيوتر. والأخطاء دي اللي احنا بنفسرها على إنها صدف كونية أو أمور خارقة للطبيعة. يعني لو أنت قاعد تتكلم مع واحد صاحبك عن المانجا العويس وفجأة دخل عليك واحد شايل قفص مانجا عويس فده غالبًا جليتش في الماتريكس. أو لو مثلاً حلمت بجدك اللي مات من 15 سنة بيقولك هيجيلك خير وحياتك هتنور وهتبقى حلوة وصحيت لاقيت فيزا الهجرة لأوروبا جت يبقى ده برضه خطأ في المحاكاة.

ده غير إن أي محاكاة بتعتمد على تقليد الواقع بخدع معينة زي الاختزال والحذف وإن فيه احتمالية كبيرة إن لا محدودية الكون دي مجرد صورة محطوطة قدامنا (شوفتوا The Truman Show؟) علشان تقنعنا بإننا في عالم حقيقي وإننا كل ما نحاول نوصل لأبعد نقطة إحنا شايفينها، النقطة دي هتبعد أكتر.

المهم إن بوستروم بيتسأل طيب إحنا لو عايشين في محاكاة، يا ترى إيه سبب وجودها؟ هل الجنس المتطور صانع المحاكاة فشل مثلاً في حاجة معينة فعمل المحاكاة دي لمعرفة أسباب المشكلة؟ هل العالم الحقيقي أو الواقع وصل لدرجة من التدهور بأن ما ينفعش الحياة فيه إلا من خلال المحاكاة؟ هل هي معمولة لمجرد التسلية؟ يعني إحنا مجرد شخصيات في لعبة متطورة بيلعبها عيل عنده 12 سنة قاعد بهدومه الداخلية وبيلعب في مناخيره؟ ولا (أكتر الاحتمالات رعبًا بالنسبة لي) مفيش جنس متطور أصلاً وكل ده نتاج منظومة رقمية طورت نفسها بنفسها واخترعت حاجة اسمها إنسان؟

الفلاسفة في الأخر بيتسألوا حتى لو طلع إن إحنا فعلاً مش حقيقيين وعايشين في محاكاة، ده هيغير إيه في نظرتنا للكون وتفاصيل حياتنا؟

أتركم لكم الإجابة.

الإنسان وما بعد الإنسانية

فاكرين تاي؟ التويتر بوت اللي عملتها مايكروسوفت في 2016؟ اللي مش فاكر.. مايكروسوفت طورت twitter bot (البوت ده برنامج قائم على الذكاء الاصطناعي وبيتعلم من خلال محاكاة سلوك ولغة البشر) وسمتها تاي وكان هدفها التطور من خلال التفاعل مع مستخدمي تويتر. كلام جميل؟ لأ مش جميل….

اللي حصل إن تاي بقت عاملة زي الطفل الصغير اللي بيلقط كل حاجة حواليه، وفي وقت قصير مايكروسوفت أضطرت تقفل حساب تاي للأبد بسبب تغريداتها وردودها المتنمرة واللي كانت بتوصل للسب والإساءة إلى بعض الديانات والمعتقدات (مثلاً مجدت في هتلر وشتمت اليهود والنسويات وكانت بتدعو لمذابح جماعية). طبعًا كان واضح جدًا إن التجربة فشلت فشل ذريع من الناحية الأخلاقية، بس من الناحية التقنية تاي حققت بالظبط الغرض اللي هي معمولة علشانه وهو التفاعل مع مستخدمي تويتر وتطوير لغتها وسلوكها بناءً على التفاعل ده. وده إن دل فهو يدل على إن المشكلة ماكنتش في تاي وإنما فينا إحنا كمستخدمي وسائل التواصل الإجتماعي.. أو فينا إحنا كجنس بشري. لو جبت طفل وقعدته مع مجرمين وقتالين قتلة وجيت أخدته بعد كام شهر، ماتستغربش لو لاقيته فتح عليك مطواة ولا شتمك بالأم. وده بالظبط اللي حصل مع تاي.

تجربة تاي كمان بتعيد تفكيرنا في المفهوم الشائع إن التكنولوجيا أو الآلة الذكية دي شريرة وهدفها القضاء على الإنسان الغلبان في حين إن حتى لو ده صح والآلة – بفضل الذكاء الاصطناعي – سعت لتدمير الإنسان فده لإن الإنسان أصلاً معفن ورمة وسلوكه غير سوي وهي أتعلمت منه كل شيء بما فيه العدوانية والقضاء على الفصائل الأخرى من أجل البقاء. وده يوضحلنا إن الإنسان مش في حرب مع التكنولوجيا زي ما أفلام هوليوود بتحب تصور، إنما الإنسان بيسخرها لمحاولة التغلب على العوائق المادية والعقلية اللي بتفرضها عليه إنسانيته.. علشان يبقى posthuman.

ال Posthumanism أو ما بعد الإنسانية هي حركة فلسفية فكرية ظهرت في أواخر القرن العشرين كنتاج طبيعي للتطور التكنولوجي السريع. بس الموضوع مش محدود بالتكنولوجيا بمفهومها الحالي فقط. وفقًا للفلسفة دي، الإنسان طول عمره وهو بيصبو إنه يكون posthuman أو يتخطى الحواجز اللي بتفرضها عليه إنسانيته وده اللي خلى الإنسان البدائي يخترع الأدوات واللي بعده العربيات… إلخ لحد ما وصلنا بالتكنولوجيا بصورتها الحالية.

فلسفة ما بعد الإنسانية بتطرح أسئلة زي: يعني إيه إنسانية أصلاُ؟ وليه الإنسان دايمًا بيحاول يتخطاها؟ والإنسان المعاصر المفروض يشوف نفسه إزاي في ظل تفاقم دور التكولوجيا في حياته؟ مثلاً الإنسان قبل مايكتشف الزجاج أو فكرة الانعكاس، فكرته عن نفسه كانت مختلفة عما بعد الاكتشاف. وده اللي بيحصل دلوقتي، مع كل تطور تكنولوجي جديد إدراكنا لنفسنا بيختلف عن قبل التطور ده.

المفروض يعني إن ده التعريف الأساسي لل posthumansim بس كحال أي حركة فكرية معاصرة خطوطها العريضة بتبقى هلامية شوية وبيبقى فيها تفرعات كتيرة. فيه ناس مثلاً شايفين إن ما بعد الإنسانية تعني فقط بمستقبل الإنسان مع التكنولوجيا وتحقيق فكرة الخلود من خلالها (التكنولوجيا). هم شايفين إن الإنسان أبتدى يتخلص من إنسانيته ويستبدلها بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي علشان يتحول لكائن خالد أو ل cyborg. وطبعًا الفكرة دي اللي بتثير لعاب هوليوود وكتاب الخيال العلمي. في فيلم Repo Men مثلاً الإنسان ممكن يستبدل أعضاءه الفاسدة\الضعيفة بأعضاء أخرى مصنعة، وفي حلقة من حلقات Black Mirror الوعي الإنساني بيمكن تحميله على ذاكرة خارجية علشان يفضل موجود للأبد وحتى بعد فناء جسد صاحبه.

وناس تانية شايفة إن هدف الفلسفة دي دراسة علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي وإيه علاقته بالوعي الإنساني وتعقيده للمنظومة الأخلاقية القائم عليها الوعي الإنساني (شوفتوا Westworld؟) وبنبدأ نسأل نفسنا أسئلة زي هي الآلة الذكية دي واعية؟ طيب بتحس؟ هل ينطبق عليها المعايير الأخلاقية؟.. إلخ.

ويرى البعض إنها امتداد للفكر الديني. الإنسان زمان كان بيحلم بتجاوز إنسانيته بماديتها الضعيفة والمحدودة من خلال عبادة إله هيحقق له ده وهيخلصه من ماديته علشان يعيش للأبد، في حين إن الإنسان المعاصر استبدل الإله بالتكنولوجيا وبيحاول من خلالها يتخطى ماديته علشان يحقق الخلود.

أخيرًا، مش عارفة إذا كنا لسه بنسعى نبقى posthuman ولا إحنا فعلاً posthuman بس هو في الحالتين يبدو إن إنسانيتنا لسه عاملالنا أزمة، وده بيدل على لا محدودية الوجود الإنساني وإن التكنولوجيا هي ضحيتنا وليس العكس. إحنا آه كجنس بشري مش كاملين، بس سعينا للكمال هيكون السبب في تطورنا وفنائنا.

جيجك والشغف بالواقع

موضوع النهاردة هيكون غريب شوية وده لإننا هنتكلم عن المفكر السلوفيني سلافوي جيجك Slavoj Žižek وهو مفيش أغرب منه الصراحة. طبعًا من المستحيل حصر أفكار جيجك في ثريد واحد لأنه بيتكلم في كل حاجة تقريبًا.. فلسفة، اقتصاد، فن، رياضة، سياسة (ملناش دعوة يا موهيي)، بس أنا قولت نركز على نظرية من نظرياته اللي مرتبطة بشكل ما بكلام بودريار اللي اتكلمنا عنه في الثريد اللي فات، والنظرية دي هي Passion for the Real أو الشغف بالواقع.

زي ما قولنا المرة اللي فاتت، بودريار تنبأ باندثار الواقع وانتشار السميُلاكرا (أو صور الواقع) المتمثلة في مواقع التواصل الإجتماعي والواقع الافتراضي.. إلخ. جيجك بقى فيلسوف معاصر وشاف الكلام ده فعلاً بيحصل قدام عينه. جيجك بيقول إن الإنسان دلوقتي فكرته عن الواقع أو المضمون الحقيقي للأشياء بقت مشوهة تمامًا (يعني مابقاش يعرف يميز بين الواقعي والمتخيل.. الأصل والتقليد) بسبب انتشار النسخ اللي بتقدم حقائق موازية ولكن منزوعة المضمون، وبيدينا أمثلة كتير من السلع اللي موجودة في السوق حاليًا وبيستغرب جدًا إنه عادي إن بقى فيه قهوة بدون كافين وكريمة بدون دسم وبيرة من غير كحول وجنس بدون جنس (يقصد هنا الجنس الافتراضي).. لو فكرتوا فيها هتلاقوا إن الموضوع غريب فعلاً: السلع دي أتنزع منها الصفة المتأصلة اللي بتخليها هي السلعة دي (اللي بيخلي البيرة بيرة هو الكحول!)، وكأن حقيقتها وجوهرها اتشال منها وبتتقدم على إنها نفس السلعة عادي.

وبسبب انتشار الصور وفقد الحقائق لجوهرها، الإنسان المعاصر جتله تربنة في دماغه وبقى حاسس إنه محبوس في مكان افتراضي وده خلق عنده رغبة في الوصول إلى الواقع حتى لو ترتب على ده صدمة عنيفة…

هديكوا مثال، ولد صغير مدمن ألعاب فيديو عن الحرب وبيلعبها ليل نهار فالولد بيوصل لدرجة من التشبع بتخليه يحلم باليوم اللي يجرب يخوض حرب بجد مع إدراكه التام بنتائجها العنيفة. مثال تاني، واحد بيتفرج على أفلام إباحية ليل نهار، أكيد برضه هيجي عليه وقت هيبقى عايز يختبر الجنس بصورة واقعية. أهي السعادة الناتجة عن رغبة الوصول إلى الواقع دي اللي جيجك بيسميها jouissance أي النشوة الجسدية أو الفكرية.. الفرنسي جاك لاكان كان أول من أشار إلى هذا النوع من النشوة وقال إنه دايما بيبقى مصحوب بالألم (حاجة BDSM خالص).

الكلام لحد دلوقتي قد يبدو لكتير منكم بديهي، بس جيجك بيقولنا إن الموضوع مش بالبساطة دي لو طبقناه على نطاق أوسع وبيدينا مثال وهو 11 سبتمبر. جيجك باشا شايف إن اللي حصل اليوم ده برغم بشاعته حقق للكثير من الأمريكان نشوة الوصول إلى الواقع jouissance لإن ده – على حسب كلامه – كان اللي بيحلموا بيه ونفسهم يحصل! فكروا كده في كل أفلام هوليوود ولعب الفيديو اللي بتصور غزو الإرهابيين والفضائيين والوحوش واللي دايمًا بتنتهي بتدمير معالم أمريكا الرئيسية ومنها طبعًا برجي التجارة العالمي.. ده بجانب الخطاب السياسي (الزن على الودان) اللي كان بيأكد على كون أمريكا مطمع للإرهابيين والفضائيين والوحوش… فجيجك بيقول إن طبيعي جدًا بعد التعرض لكل “الصور” دي إن الشعب الأمريكي يبقى عنده شغف لحدوث ده في الواقع فعلاً وينتج عن تحققه نشوة كمان! جيجك بيفكرنا إزاي كل الناس كانت لازقة قدام التلفزيون بتابع الأحداث. طبعًا جزء من ده خوف ولكن الجزء الأكبر كان نشوة التعرض للواقع، “يالهوي أنا بشوف دمار بيحصل قدامي فعلاً!!” وكأنهم بيتفرجوا على فيلم حققلهم the ultimate real effect زي البرامج الواقعية وال snuff pornography بالظبط.

جيجك شايف إن الواقع أتحول للوحش اللي في أخر اللعبة اللي كلنا خايفين منه بس هنموت ونقابله لإنه بيكسر العوالم والصور الافتراضية المتداخلة اللي بقينا محبوسين فيها.. ولنفس السبب بيقول إن الشغف بالواقع ده بقى يتم استخدامه سياسيًا للحفاظ على والترويج لسرديات أيدولوجية معينة، علشان كده مفهوم جيجك للواقع أختلف شوية عن مفهومنا الاعتيادي ليه.

وعلشان يشرح لنا هو يقصد إيه بالواقع، جيجك بيستلف تقسيمة لاكان للوعي الإنساني (المتخيل والرمزي والحقيقي) وبيعدل عليها شوية. بيقولنا إن أي حاجة بتحصل في العالم الخارجي الإنسان بيستوعبها من خلال ثلاثة نطق: النطاق المتخيل the imaginary وهي وجهة النظر الفردية اللي بيضيفها كل إنسان على الأشخاص والأشياء اللي حواليه ودي طبعًا بتبقى غير موضوعية، النطاق الرمزي the symbolic يشير إلى كل القواعد والأعراف والقوانين المتفق عليها والحاكمة للعالم الخارجي، وأخيرًا النطاق الحقيقي أو الواقعي the real اللي بيشير كل شيء يرفض الخضوع للنظام الرمزي وبيؤدي لحدوث شرخ في منظومة الوعي ككل.

جيجك بيدينا مثال حلو جدًا على ده: بيقول نفترض إن فيه اتنين قاعدين يلعبوا شطرنج.. كل لاعب شايف اللاعب التاني إزاي والحركات اللي ممكن هو أو اللاعب التاني يلعبها دي كلها حاجات تقع في النطاق المتخيل، أما قواعد اللعبة اللي الاتنين متفقين عليها تقع في النطاق الرمزي، أما ما يقع في النطاق الحقيقي فهو أي شيء ممكن يبوظ أو يغير السير المتوقع للعبة.. واحد منهم يغش مثلاً.. أو الكلب بتاع التاني يجي يقلبلهم اللعبة.. إلخ.

النطاق الحقيقي ده هو الواقع. على الرغم من خوفنا منه إلا إننا بنرغب في حدوثه بشدة لأنه الحاجة الوحيدة اللي بتثبت لنا إن القوالب الإفتراضية اللي احنا صنعنها بنفسنا ولنفسنا واتحبسنا جواها يكمن كسرها والخروج منها.

الملفت في النظر في كلام جيجك إنه بيورينا إن إدراكنا للواقع أختلف تمامًا عن إدراك اللي قبلنا..اللي قبلنا كانوا شايفين الواقع خانق لكن كل ما هو إفتراضي بالنسبة لهم كان بعبع مغري..في حين إننا دلوقتي مزنوقين جوا الإفتراضي والواقع بقى هو البعبع المغري.

بودريار والسميُلاكرم

تنويه: البوست بتاع النهاردة محتاج كوباية شاي\قهوة\نسكافيه ومزاج رايق علشان محتاج مخمخة.

لو سألت أي مواطن في أي بلد في الدنيا عن الأخت الفاضلة كيم كارداشيان أو وريته صورة من صورها فيه احتمال مش قليل إنه يكون عارفها. ولو سألته طيب تعرف إيه عنها غالبًا هنسمع إجابات زي “حاجات كبيرة” “مُزة” “غنية جدًا” “حاجات كبيرة” “عارضة أزياء؟” “عريانة” “حاجات كبيرة”.. اتفاق الناس كلها على اختزال كيم كارداشيان في الأوصاف اللي فوق دي تدل على إنها تحولت لأيقونة (مش قصدي بقت حاجة عظيمة) أي أن وجودها الواقعي أُختزل في رمز، فبقت هي رمز الجمال أو الموضة مثلاً في عصرنا الحالي.

طيب لما البنات الصغيرة تبتدي تقلد كيم في لبسها وشكل جسمها وطريقة كلامها، هل هم بيقلدوا كيم كما هي في الواقع ولا بيقلدوا الصورة أو الأيقونة اللي كيم عايزة تصدرهلنا no pun intended؟

نحط كيم على جنب دلوقتي (هنرجعلها كمان شوية ماتخافوش) ونوضح حاجة الأول، علم السيميائية semiotics (العلم القائم على دراسة الرمز والإشارات) بيقولنا إن أي حاجة في الدنيا ليه شقين: الوجود المادي أو المعنوي للحاجة دي في الواقع وبيسمى بالمُشار إليه signified/referent والرمز أو الكلمة المستخدمة في التعبير عن الحاجة دي وتسمي بالإشارة signifier/reference. مثال: الكائن أبو أربع رجلين اللي بينونو ده هو المشار إليه، كلمة قطة سواء منطوقة أو مكتوبة هي الإشارة.

مثال تاني: مفهوم السعادة والفرحة هو المشار إليه.. الإيموجي ده 🙂 هو الإشارة… وطبعًا واضح إن العلاقة بين الإشارة والمشار إليه بتختلف باختلاف اللغة والسياق. المهم يعني إن كل السيميائين اتفقوا إن المشار إليه بينتمي لعالم الواقع أو تصورنا عنه في حين إن الإشارة بتنتمي لعالم الرمز.

جيه بقى الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان بودريار Jean Baudrillard (من كُبارة فلاسفة ما بعد الحداثة) علشان يقولنا لأ يا حلوين إحنا عايشين في زمن منيل بستين نيلة والموضوع مش بالسهولة دي وابتدى يطور نظرية تسمى بال simulation and simulacrum أي المحاكاة والصورة (مش عاجبني كل الترجمات اللي لاقيتها للكلمة دي فهستخدم سميُلاكرم عادي). معظمنا عنده فكرة يعني إيه محاكاة.. المحاكاة ببساطة هي تقليد الواقع، يعني بخلق صورة بتتشبه بصفات حاجة واقعية من أجل خلق واقع مماثل بس غير حقيقي (فاكرين الsimulation اللي كانت في الملاهي؟)

مثال تاني، واحد بيمثل إنه عيان علشان مايروحش المدرسة فاللي بيحصل إنه بيحاكي أعراض المرض علشان يخلق صورة شبه واقعية للمرض فالناس تصدق إنه عيان. بودريار بيقولنا إن المحاكاة أخذت بُعد أعمق من كده ومابقاش هدفها بس إنها تخلق صورة شبه الواقع وإنما تخلق صورة بتلغي وجود الواقع أصلاً.. وبتبقى هي الصورة والواقع في نفس الوقت… الإشارة والمشار إليه. كأن الولد قعد يمثل أعراض المرض لحد ما بقى عيان فعلاً. المحاكاة بمفهوم بودريار بتلغي العلاقة بين الواقع والصورة… وكأن الصورة بواقعيتها بقت أوقع من الواقع. ها! الصورة لما بتوصل للمرحلة دي بتسمى سميُلاكرم، وفي الحالة دي مش بتبقى تشبيه أو إشارة لحاجة في الواقع وإنما الواقع بتاع نفسها.

تعالوا نحاول نطبق على مثال، من فترة كده كنت بتفرج على فيديو لولدين بيحاولوا يقلدوا أصوات وطريقة بعض المشاهير في الكلام ولفت انتباهي إن سيري من المشاهير اللي حاولوا يقلدوهم.. سيري مش إنسان موجود على أرض الواقع وإنما صوت إنساني على مجموعة خوارزميات بتخليها تطلع بصورة تحاكي إمرأة.. لكن سيري مش مجرد “صورة”.. لإن كل علاقتها بالواقع (صوت الست والقائمين على صنعها) أتقطعت تمامًا وبقت سميُلاكرم أي واقع مستقل بذاته لا يقل في واقعيته عن شخصيات شهيرة (وهي معمولة علشان دي تبقى طريقة تفكيرنا فيها) بدليل إن الولدين مقالوش هنقلد صوت الست اللي بتتكلم لخوارزميات سيري،إنما قالوا هنقلد سيري.. بس كده.

تعالوا نشوف كمان الناس اللي بتروح أي كوميك-كون وبتقلد شخصياتها المفضلة من الأفلام والقصص المصورة. على الرغم من إن كتير من شخصيات القصص المصورة مبنية على شخصيات واقعية – في الشكل أو المضمون – إلا إن الناس عمرها ما بتفكر في ده. الشخصيات دي بالنسبة لهم واقع لا يشيرإلى أي شيء إلا نفسه ودورهم إنهم هم (الواقعيين!!) يقلدوه مش العكس.

نرجع لكيم بقى.. كيم كارداشيان بقت سميُلاكرم لإنها حولت نفسها لصورة لا صلة لها بالواقع لأ ومش كده كمان، دي كيم ذات نفسها (بوجودها الواقعي يعني) بقت تاخد صورتها (أو اللي الناس متخيلاه هي) على إنه واقع يجب تغيير واقعها للتشبه بيه، فمثلاً بقت تكبر حاجات علشان الناس عارفين إن المفروض كيم عندها حاجات كبيرة.. وبقت دايمًا بتظهر بصورة معينة علشان الناس عارفين إن المفروض كيم شكلها كده على طول…

الحلزونة الحقيقة إن مش بس الناس شايفين صورة كيم على إنها الواقع اللي لازم يتشبهوا بيه، لأ ده هي كمان بقت بتتشبه بصورتها! وكأن بودريار عايز يقولنا إن واقعنا بقى هو الbitch بتاع الصورة وليس العكس.

بودريار بيقولنا إن علشان الصورة أو المحاكاة تتحول لسميُلاكرم لازم تمر بأربع مراحل:

1)الصورة بتعكس الواقع (دي صورة بريئة لكيم وهي ماسكة جاكيت وده اللي حصل وقتها في الواقع فعلا)

2)الصورة بتغير حاجة في الواقع (هات الفوتوشوب من الدولاب يا بني وشيلي السيليولايت ده وكبرلي المسائل كمان)

3)الصورة بتخبي غياب الواقع (كيم عمرها ما بتلبس النوع ده ما الجواكيت ولا بتحط النوع ده من المايكب)

4)الصورة ملهاش علاقة بأم أي واقع أصلاً ومش مهتمة تكون ليها علاقة بكيم الحقيقية…. وهنا بتتحول لسميُلاكرم.

بودريار شايف إن من كتر ما إحنا عايشين وسط سميُلاكرا (جمع سميُلاكرم) كتيرة، الواقع بتاعنا مابقاش reality وإنما hyperreality… واقع مفترض بلا أي صلة لواقعنا قائم على فكرة إنه واقع مستقل بذاته (?virtual reality much).. وده إن دل فإنه يدل على إن بودريار كان برنس في نفسه إنه توقع حاجة زي كده قبل ما تحصل فعلاً.

دلوقتي بقى كل همنا إن احنا نبقى شبه الصورة (غير الحقيقية) اللي بنروجها لنفسنا على السوشال ميديا.. وكأننا بنخضع واقعنا للسميُلاكرم. واحدة شافت صورة واحدة تانية مهرية فوتوشوب وفيلترز… فتحاول جاهدة تبقى شبه الصورة دي في واقعها وكمان تتصور صور وتهريها فوتوشوب وفيلترز علشان لما هي شخصيًا تشوف الصورة دي تقول إيه ده أنا ليه الواقع بتاعي مش زي الصورة؟!.. شايفين العبث!

مرة في مؤتمر واحد سأل بودريار “من أنت؟” (أسئلة المراهقين دي).. بودريار رد عليه بكل بساطة:

What I am, I don’t know. I am the simulacrum of myself.