نظرية العوالم الممكنة

في الفلسفة اليونانية القديمة كانوا بيؤمنوا أن احنا عايشين في نسخة غير مكتملة من العالم الحقيقي True World وعلشان كده دايما بيلازمنا شعور بالنقصان وأن كل حاجة بنختبرها أو بنستخدمها غير مكتملة.. المتدينين من الفلاسفة كانوا شايفين أن العالم الحقيقي اللي هنشعر فيه بالاكتمال ده هو الحياة بعد الموت، وغيرهم كانوا شايفين أن العالم الحقيقي لا يمكن الوصول إليه أصلاً واحنا عايشين في نسخة من النسخ الكتير اللي شبهه. أيا كان، مش هنقدر نختلف أن الشعور بالنقص ده هو السبب في تطور الجنس البشري وبيمثل دافع من دوافع الحياة.

في القرن العشرين بقى جيه فيلسوف أمريكي اسمه ديفيد لويس David Lewis قال مفيش حاجة اسمها عالم واحد حقيقي، الكون بيتكون من عدد لا نهائي من العوالم الممكنة واحنا عايشين في واحد منهم.. كل العوالم دي “ممكنة” بس برضه كلها “حقيقية”. يعني إيه الكلام ده؟ لويس بيقول أن موضوع عالمنا ده هو الواقع ولا لأ بيعتمد على وجهة النظر اللي بنشوف منها العالم..

David Lewis

يعني مثلاً لو افترضنا أن فيه واحد اسمه عليوة وبيشتغل سواق أتوبيس، عيلوة كان حلم حياته يشتغل محاسب بس ماعرفش.. فبالنسبة لـ”عليوة سواق الأتوبيس” العالم اللي هو شغال فيه سواق أتوبيس ده العالم الواقعي والعالم اللي بيشتغل فيه محاسب ده العالم الممكن، في حين ان بالنسبة لـ”عليوة المحاسب” العالم اللي شغال فيه محاسب ده العالم الواقعي والعالم اللي شغال فيه سواق أتوبيس ده عالم ممكن. العالمين حقيقيين وممكنين ولكن صفة الواقعية بتُنسب اعتمادًا على وجهة النظر مش كصفة متأصلة فيهم.

النظرية دي اسمها الواقعية الشكلية Modal Realism واللي لويس كان من روادها. النظرية مش فلسفية بحتة ولكن ليها جذور في علم المنطق واللغة والأدب. النظرية مهمة في علم اللغويات لأن من غيرها مش هنفهم فكرة الـ modality. يعني مثلاً لو قولت “مبروكة ممكن تكون ركبت المترو” الجملة دي بشكل لا واعي بتخلق داخل دماغ المتلقي عالم مبروكة ركبت فيه المترو وعالم آخر مبروكة ركبت فيه تاكسي وعالم تالت مبروكة ركبت فيه أتوبيس وعالم رابع مبروكة مشيت على رجليها.. إلخ، كل العوالم دي ممكنة وبتتواجد داخل دماغ المتلقي في نفس الوقت. ودي بالظبط الحالة بتاعت وجودنا في الكون زي ما لويس ما بيقول.. كوننا موجودين في احتمال من الاحتمالات دي ومقيدين بيه لا ينفي وجود الاحتمالات التانية.

من وجهة نظر أدبية، فعل الكتابة نفسه أو خلق قصة\نص قائم على نظرية العوالم الممكنة دي Possible Worlds Theory. الفيلسوف والكاتب الإيطالي الشهير اومبرتو إكو Umberto Eco بيقول إن بمجرد ما القصة بتتخلق، بيُخلق معاها ثلاثة أنواع من العوالم الممكنة: 1) النوع الأول هو العالم الممكن اللي خلقه الكاتب واللي الشخصيات عايشة فيه. 2) النوع التاني هو كل العوالم الممكنة اللي الشخصيات فاكرة إنها عايشة فيها. 3) النوع التالت هو كل العوالم الممكنة اللي بيتخيلها القارئ وهو بيتلقى القصة وبميلأ من خلالها الفراغات.

Umberto Eco

لو أخدنا قصة “ذات الرداء الأحمر” كمثال كلنا عارفينه: العالم الممكن الأول هو اللي خلقه مؤلف القصة داخل دماغه واللي فيه الذئب بيتكلم وبيفكر وبيروح يتنكر كجدة البنت الصغيرة وده العالم اللي عايش فيه الشخصيات وبالنسبة لهم هو ده الواقع. النوع التاني من العوالم الممكنة موجود داخل دماغ الشخصيات ومن وجهة نظرهم.. يعني بالنسبة للبنت الصغير العالم الممكن ده جدتها فيه بُقها كبير وعندها شعر في وشها وعلى إيديها، وده العالم اللي البنت قررت تختاره وتصدقه وأصبح الواقع بالنسبة لها. أما النوع التالت فبيتمثل في رؤيتنا للي بيحصل كقراء.. كل واحد فينا هيتخيل البنت بشكل والذئب بشكل والبيت بشكل وكل واحد فينا هيتخيل اللي حصل وماتكتبش في القصة بشكل مختلف وبالتالي هيبني عليه تفسيره.. كل دي عوالم ممكنة موجودة داخل العالم الممكن بتاع القصة، ونرجع لكلام لويس تاني أن مفيش عالم منهم حقيقي أكتر من التاني.. كلهم حقيقيين ولكن واقعيتهم بتختلف باختلاف وجهة النظر.

ده معناه أن احنا ممكن نكون شخصيات داخل قصة ذات عالم ممكن (من تأليف الإله أو الكون أيا كان بتؤمن بإيه) واحنا عايشين في واحد بس من العوالم الممكنة اللي خلقها\بيخلقها\هيخلقها المؤلف وشايفين إن عالمنا ده هو العالم الحقيقي الوحيد في حين أن فيه عوالم تانية ممكنة مش بس خارج نطاق إدراكنا ولكن داخل دماغ كل واحد فينا واللي على أساسها بيشوف بيها الآخرين والواقع بتاعه.

بالرغم من أن الكلام عن نظرية العوالم الممكنة عادًة لا يخرج عن نطاق المنطق واللغويات والأدب إلا أن فيه ناس بتاخدها بشكل حرفي، بسبب كلام لويس وبسبب النظريات الفيزيائية المحتملة عن الأكوان المتعددة Multiverse، وده أدى للكلام عن ظواهر ميتافيزيقية زي تأثير مانديلا اللي اتكلمنا عنه قبل كده.

ده بحث أكاديمي لطيف جدًا للي حابب يقرأ أكتر عن الموضوع من ناحية أدبية لغوية:

“Possible Worlds in Recent Literary Theory” by Marie-Laure Ryan

بيليروفون: عودة أم هروب؟

النهاردة هنتكلم عن ابن ملك مدينة كورينث Corinth البطل الإغريقي المغوار بيليروفون Bellerophon..

بيليروفون كان أمير معروف عنه الوسامة والشهامة والشجاعة، لكن للأسف حصل أنه في يوم قتل واحد في خناقة ونتيجة لفعلته المهببة دي أبوه الملك اضطر ينفيه لمدينة تانية. برويتوس Proetus، ملك المدينة التانية، استقبل بيليروفون بترحاب واستضافه في قصره وكل الناس في القصر والمدينة اجمعوا على أدب وشهامة بيليروفون. مين بقى اللي أُعجب ببيليروفون وهام به حبًا؟ زوجة الملك برويتوس.. الست فضلت تحوم حوالين بيليروفون وتغريه بشتى الطرق والتاني يصدها لحد ما حست بالإهانة وقررت تنتقم منه –  a la امرأة العزيز – وراحت لزوجها الملك وقالت له أن بيليروفون حاول يغتصبها. برويتوس أتجنن طبعًا وقرر يقتله، لكنه أفتكر أن بيليروفون ضيفه (زمان كانوا بيؤمنوا أن قتل الضيوف بيتسبب في غضب الآلهة) وماينفعش يقتله في المكان اللي استضافه. برويتوس بقى فكر في فُكيرة علشان يتحايل على الموقف وأرسل بيليروفون برسالة لحماه الملك أيوباتيس Iobates، وكتب في الرسالة “اقتل حامل هذه الرسالة لأنه حاول أن يتعدى على زوجتي، ابنتك.”

بيليروفون، بكل العبط اللي في الدنيا، أخد الرسالة المقفولة وراح بيها للملك أيوباتيس، وبما أن بيليروفون سمعته الطيبة سابقاه أيوباتيس رحب بيه واستضافه في القصر وأكل معاه عيش وملح، ولما افتكر بقى وقرأ الرسالة اللي باعتها له زوج بنته اتصدم ولقى نفسه واقع في نفس مشكلة برويتوس لأن بيليروفون بقى ضيفه وماينفعش يقتله. فراح فكّر في فكرة جهنمية وبعت بيليروفون في مهمة انتحارية لقتل الوحش الأسطوري الشهير الكيميرا Chimera اللي كان بيروّع العديد من المدن المجاورة. الكيميرا كان وحش كابوسي بثلاث رؤوس في أماكن مختلفة في جسمه: جسده كان جسد أسد وديله رأس ثعبان وطالع من ضهره رأس جَدْي، ده غير إن رأس الأسد كانت بتطلع نار زي التنين كده.

بيليروفون وافق على التحدي ولكنه أدرك أنه مش هيقدر يقتل الكيميرا بطوله كده وهيحتاج مساعدة خارقة ملائمة للمهمة، وبعد السؤال والبحث عرف أنه محتاج يروض الحصان الطائر الشهير بيجاسوس Pegasus وأن الطريقة الوحيدة لترويضه هي طلب المساعدة من الآلهة. بالفعل بيليروفون راح لمعبد آثينا Athena وقعد يدعي طول الليل ويطلب منها المساعدة في ترويض بيجاسوس لحد ما تعب ونام في المعبد، وهناك حِلم بآثينا وهي بتديله لجام ذهبي. بيليروفون صحي من النوم ولقى جنبه على الأرض لجام ذهبي، طبعًا أخد اللجام وراح بيه لبيجاسوس وقدر فعلاً يروضه بسهولة. أنطلق بيليروفون على ظهر بيجاسوس وواجه الكيميرا الكابوسي وقدر فعلاً يقتله بفضل شجاعته وذكائه.

بيليروفون رجع للملك ايوباتيس وهو منتصر، ايوباتيس اتكبس طبعًا فراح بعته في مهمة انتحارية تانية. وفضل الوضع على كده فترة طويلة.. ايوباتيس يبعت بيليروفون في مهمة شبه مستحيلة والتاني يرجع منتصر مرفوع الرأس لحد ما سمعته كأشجع الشجعان وبطل الأبطال انتشرت من مشرق الأرض لمغربها.

ايوباتيس يأس بقى من محاولة التسبب في موت بيليروفون وقرر يسامحه بعد ما اقتنع أن تهمة التعدي على بنته دي كانت كيدية وغير صحيحة بالمرة وزوّجه بنته التانية.

بيليروفون فضل عايش كبطل مشهور وانتصاراته استمرت، وبعد مرور السنين الطويلة انتابه شعور بعدم الرضا وقرر يعمل حاجة غريبة جدًا: بيليروفون أخد حصانه بيجاسوس وحلق بيه في السماء وفضل طاير بيه ناحية جبل الأوليمب علشان ينضم للآلهة. زيوس Zeus لما شاف بيليروفون بيقرب قال في باله “بيعمل إيه ابن العبيطة ده!” وبعت دبانة صغيرة قرصت بيجاسوس فرفص بيليروفون من على ضهره.. بيليروفون وقع من سابع سما وأتدب على الأرض زي البلاص. السقطة تسببت في فقدانه لبصره وإصابته بالعجز (ده غير فقدانه لحصانه الوفي بيجاسوس اللي زيوس قرر يبقيه عنده في جبل الأوليمب)، وبكده كُتب على بيليروفون يقضي بقية أيامه وهو عاجز وأعمى وتايه في الأرض مش عارف يرجع لبيته.

حدوتة بيليروفون دايمًا بتستخدم كتحذير من الغرور ونتائجه.. الراجل كان عنده كل حاجة، نسب وثروة وسلطة وسمعته أشهر من النار على العلم، لكنه ماحسش بالرضا وغروره صور له أن مكانه الطبيعي مع الآلهة في جبل الأوليمب مش على الأرض مع بقية البشر، والنتيجة كانت أنه فقد كل حاجة في حياته مكانش شايف قيمتها.

الأسطورة كمان ليها أبعاد دينية واضحة لأنها بترصد الجانب الروحاني من علاقة الإنسان بالإله أو بمفهوم الإيمان عامًة، وعلشان كده الأسطورة بتلمّس مع القصص في الأديان الإبراهيمية بشكل واضح. في البداية بنشوف إنسان عنده من النعم ما يكفيه ولكنه بيرتكب ذنبًا ما (قتل بيليروفون لشخص آخر من مدينته) والذنب ده اللي هيكون السبب في بداية رحلته للوصول لليقين أو الإيمان، أو أيا كان المسمى. بيبدأ الإنسان بالتكفير عن ذنبه وصده للإغراءات والثبات على موقفه (نفي بيليروفون ورفضه لزوجة برويتوس) والمكافأة بتكون الوصول لليقين المتمثل في بيجاسوس كهدية من الإله. ناخد بالنا أن بيجاسوس كان هو السبب الرئيسي في قدرة بيليروفون على هزيمة الكيميرا وغيرها من الوحوش والمصاعب اللي أيوباتيس حطها في طريقه، وزي ما بيجاسوس بياخد دلالة معنوية فممكن كمان نعتبر أن الوحوش والمصاعب دي بترمز للصراعات النفسية الداخلية.

ومن الحاجات اللي بتدعم التفسير الديني للأسطورة هو وحش الكيميرا نفسه لأنه بيتكون من ثلاث حيوانات مرتبطة بشكل أو بآخر بالشر في الوجدان الجمعي الإنساني. في رسالة بطرس الأولى مثلاً بيتم تشبيه الشيطان بالأسد المفترس.. وفي بعض الأديان الثعبان بيتشاف على إنه الشكل اللي أتخذه إبليس لما أغوى آدم وحواء.. ده غير إن في القصص الشعبي والأديان القديمة الشيطان على طول كان بيتصور كجَدْي بقرون طويلة. وبالتالي فالكيميرا هو الشيطان أو الشر الأعظم اللي بيليروفون بيقدر ينتصر عليه بمساعدة بيجاسوس.

طبعًا الأسطورة مش بتنتهي هنا وبتتحول لعبرة لما الإنسان يغتر بنفسه والإيمان اللي عنده يتحول لغطرسة وإحساس بدونية كل من حوله ويحس إنه إله على الأرض، وده اللي بيحصل مع ناس كتير للأسف، والنتيجة بتبقى إنه بيفقد الإيمان ده (بيجاسوس) وبيعيش في تخبط وتيه.

كلام جميل جدًا، بس بعد قراءة الأسطورة جزء مني فضل متعاطف مع بيليروفون وأشفقت عليه من العقاب البشع ده. وده خلاني أحاول أقرأ الأسطورة بشكل مختلف شوية عن القراءة الوعظية\الدينية\الروحانية الواضحة.

لو تفتكروا كنا اتكلمنا قبل كده عن فكرة “رحلة البطل” في الأساطير الإغريقية وقولنا إنه نمط بيتكرر في العديد من الأساطير وبينقسم لثلاثة أجزاء: 1) انفصال ورحيل البطل عن عالمه المألوف، 2) مواجهة البطل للصعوبات والتحديات في العالم غير المألوف وده بينتج عنه تغير في شخصية البطل، 3) رجوع البطل لعالمه المألوف ومحاولة الاندماج فيه.

وقولنا أن رحلة البطل دي ذات دلالات نفسية في المقام الأول لأنها بتمثل أي تغيير جذري بيحصل في شخصيتنا أو حياتنا وطريقة تعاملنا معاه، وقولنا كمان أن أصعب مرحلة في الرحلة دي مش الصعوبات والتحديات ومواجهة الوحوش، وإنما القدرة على العودة إلى العالم المعتاد بالشخصية الجديدة والتأقلم مع التغيير وتقبل أسبابه.

نرجع لأسطورتنا بقى، بيليروفون انفصل عن عالمه المألوف بسبب قتله للراجل ومن هنا بدأت المرحلة التانية في رحلته وهي مواجهة التحديات والصعوبات واللي اتسببت في تغيير شخصيته – وتقبله لبيجاسوس كجزء لا يتجزأ منها – وتطورها من مجرد أمير وسيم ابن حلال لبطل مغوار كل العالم بيتغنى باسمه. بيليروفون عِطل بقى في المرحلة التالتة (مرحلة العودة)، وناخد بالنا أن العودة هنا مش مقصود بيها مجرد العودة المادية لكورينث وطنه الأم، ولكن المقصود بيها العودة للتعامل مع أهله والناس اللي حواليه والتأقلم معاهم بهويته الجديدة.

مشكلة أوديسيوس Odysseus في المرحلة دي، لما اتكلمنا عليه قبل كده، هي أنه كان خايف يرجع لأن الرجوع لعالمه المألوف هيفكره بقد إيه هو اتغير لكنه في النهاية قدر يتغلب على الخوف ده. مشكلة بيليروفون بقى مختلفة وهي أنه أخطأ في العالم المألوف اللي المفروض يرجع له وبدل ما يرجع لنقطة البداية علشان دائرة التغيير تكتمل، قرر أن عالمه المألوف اللي ابتدى منه غير مناسب أصلاً ولازم يتغير زي ما شخصيته أتغيرت. وهنا لازم أنوه تاني أن العالم المألوف مش بالضرورة مكان مادي وإنما المقصود بيه عودة الإنسان للبيئة النفسية والعوامل اللي تسببت في حدوث التغيير في المقام الأول ومحاولة التصالح معاها. بيليروفون رفض العودة أصلاً لنقطة البداية وقرر أنه يفرض نقطة بداية\نهاية مختلفة (رغبته في الصعود لجبل الأوليمب) متلائمة أكتر مع شخصيته الجديدة غير مدرك أن عمر التغيير ده ما هيكتمل بشكل سوي دون الرجوع لأسبابه. والنتيجة هي أنه فشل في تحقيق التغيير وتقبله، وأصبح نسخة مشوهة من نفسه وبقى ماشي يتخبط مش عارف هو مين ولا رايح فين.

أعتقد علشان كده تعاطفت مع بيليروفون لأني معظم الأوقات بفكر زيه، وكل مرة بيطرأ تغيير في شخصيتي كل اللي بفكر فيه هو الهرب والبحث عن نقطة بداية\نهاية جديدة من غير ما أفكر في أسباب التغيير وأحاول أرجع إليها وأفهمها.

وممكن كمان يكون سبب تعاطفي معاه هو شعوره الدائم بعدم الرضا، ليه كل اللي بيقرأ الأسطورة شايف أن رغبة بيليروفون في الصعود لجبل الأوليمب هي انعكاس لغروره؟ ليه مايكونش السبب هو أنه مش لاقي ما يسعده على الأرض؟ الراجل حقق كل حاجة ممكن تخلي أي إنسان في الدنيا سعيد.. بس برضه فضل حاسس إنه في المكان الغلط. شعور لعين لو تعلمون.
الكاتب الإنجليزي سي. اس. لويس C. S. Lewis له جملة شهيرة بيقول فيها:

“If we find ourselves with a desire that nothing in this world can satisfy, the most probable explanation is that we were made for another world.”

Mere Christianity (1952)

قد يكون بيليروفون أدرك الحقيقة دي وأراد الذهاب بنفسه للعالم الآخر اللي هيلاقي فيه سعادته.. سواء شايفين اللي عمله بيليروفون دليل على اليأس ولا الغباء، هيفضل سقوطه من على بيجاسوس مثير للتعاطف بالنسبة لي لأنه مش بس فقد بصره وقوته، ده كمان فقد أمله في الهروب، واضطراره للعيش مع الواقع، من وجهة نظره، هو التيه والعجز الحقيقيين.

آيو وصدمة الاغتصاب

النهاردة هنتكلم عن أشهر ضحية من ضحايا زيوس Zeus.. الأميرة الجميلة آيو Io

آيو كانت ابنة ملك مدينة آرجوس Argos اليونانية وكانت طبعًا جميلة جدًا لدرجة أنها لفتت انتباه زيوس وقعد يطاردها وهي تصده وتهرب منه لحد ما اغتصبها. مين بقى اللي كانت بتشمشم ورا زيوس وعايزة تقفشه متلبس وهو بيخونها؟ أكيد زوجته الإلهة هيرا Hera اللي أول لما حست أنه بيلعب بديله، كعادته يعني مش هيشتريها من بره، نزلت الأرض تشوف بيهبب إيه..

زيوس بعد ما اغتصب آيو حس بقدوم زوجته، وفي حالة من الارتباك والخوف حوّل آيو المسكينة، اللي لسه ما استوعبتش صدمة الاغتصاب، لبقرة! هيرا نزلت الأرض لاقت زيوس واقف بيصفّر جنب بقرة لونها أبيض في مشهد عبثي بلا أي حيثية كده، فسألته إيه البقرة دي يا زيوس؟ قال لها لأ عادي أنا كنت بتمشى ولاقيتها في وشي. طبعًا هيرا مش عبيطة وكانت فقساه من الأول، فأبدت إعجابها بالبقرة وطلبت من زيوس أنها تاخدها تربيها عندها. زيوس، في الموقف المنيّل اللي هو فيه ده، لم يجرؤ على الاعتراض وقال لهيرا خديها عادي وأنا مالي.

كل ده حصل وآيو المسكينة مش مستعوبة أنها فقدت جسمها وصوتها واتحولت لبقرة كل اللي تقدر عليه أنها تخور (تقول “مووو مووو” يعني) استنجادًا بأي حد لكن للأسف محدش فهمها ولا حد عرف أنها الأميرة آيو.

هيرا أخدت البقرة وحبستها وولت مهمة مراقبتها لآرجوس بانوبتيس Argus Panoptes.

آرجوس بانوبتيس ده بقى كان كائن عملاق عنده مائة من العيون منتشرة من رأسه حتى قدميه، وطبعًا هيرا ولته مهمة حراسة آيو بسبب عيونه التي لا تنام.. حتى لو بعض من العيون نامت فالباقي بيفضل صاحي وهكذا. بعيدًا عن شكل آرجوس بانوبتيس الكابوسي، قدرته على المراقبة الدائمة دي هي اللي أنتجت لنا فكرة البانوبتيكون Panopticon اللي اتكلمنا عليها قبل كده واللي بترمز لسيطرة السلطة الكاملة على الأفراد الخاضعين لها من خلال زرع الخوف وتعزيز وهم المراقبة الدائمة.

المهم، زيوس لما عرف بمصير آيو وأنها أصبحت سجينة لآرجوس بانوبتيس بعت رسوله هيرميز Hermes لتحرير آيو. هيرميز اضطر يلجأ للخديعة علشان يعرف يسهّي آرجوس فقعد يغني له ويحكي له حواديت لمدة أيام لحد ما تأكد أن عيونه كلها نامت وقتله.. وبالفعل قدر يحرر المسكينة آيو اللي لسه محبوسة في جسد بقرة.

هيرا لما عرفت ثارت من الغضب وأمرت بتخليد ذكرى آرجوس بانوبتيس بأنها استخدمت عيونه لتزيين ريش الطاووس، وقررت تكمل انتقامها من آيو بأنها أرسلت دبانة – ذبابة – في أثر آيو وأمرتها أنها تفضل تطاردها وتزن في ودنها طول ما هي حية.

آيو يا عيني فضلت تجري في الأرض وجابتها من مشرقها لمغربها وهي على شكل بقرة بسبب الدبانة اللي مش عايزة تسيبها في حالها، وفي رواية من الروايات وآيو هايمة على وجهها كده قابلت بروميثيوس Prometheus وهو مقيد بالجبل ويلاقي عذابه الأبدي. بروميثيوس عرف أن دي الأميرة آيو وقال لها ماتفقدش الأمل لأن هيجي اليوم اللي هترجع لصورتها البشرية تاني وهتستقر في مصر وذريتها هتبقى سلسلة من الملوك والأبطال.

وقتها بقى زيوس، أخيرًا، قلبه رق وحن وقعد يترجى هيرا أنها ترفع عقابها عن آيو واعترف لها بكل حاجة وقال لها رجلك أبوسها يا ست الكل بس سيبي البنت الغلبانة دي في حالها. وبالفعل هيرا سامحته والدبانة سابتها في حالها وزيوس رجع آيو لصورتها البشرية وساعتها بس اكتشفت أنها حامل من زيوس.

أسطورة آيو من أشهر الأساطير المتعلقة بالاغتصاب وأكثرهم حزنًا لأنها بترصد المعاناة النفسية والجسدية والإجتماعية اللي بتمر بيها ضحية الصدمات الشديدة وتحديدًا صدمة الاغتصاب.

آيو بعد ما زيوس اغتصبها على طول حولها لبقرة، فالانتهاك الجسدي ده أخد صورة مادية ومعنوية. تحول آيو لبقرة بيرمز لإحساسها بفقدان سلطتها على جسدها، ده غير أن فقدانها إنسانيتها وتحولها لحيوان بيعكس إحساسها بنظرة المجتمع لها وأنها بقت dehumanized بشكل ما، وده اللي بيحصل للأسف مع معظم ضحايا الاغتصاب. وناخد بالنا كمان أن في الأسطورة آيو حاولت تتكلم وتستنجد بأي حد تقابله علشان تحكي له اللي حصل لكن كل اللي بيطلع منها كان خوار، فهي مش بس فقدت جسدها دي فقدت صوتها كمان وقدرتها على التواصل كنتيجة للصدمة اللي تعرضت لها.

بعد كده الأسطورة بتتوسع في رصد الجانب النفسي-الإجتماعي للصدمة وبتورينا أن الضحية بتضطر تعيش كسجينة لكائن جسده مليء بالعيون كلها مُسلطة عليها. آرجوس هنا هو طبعًا رمز واضح جدًا للمجتمع ككل اللي بيتحول لسجن بانوبتيكون كبير الضحية بتُجبر على أنها تعيش فيه بشكل دائم مع العيون اللي بتلاحقها بنظرات الاتهام واللوم والعار. وحتى بعد ما الضحية بتقدر تهرب من السجن ده زي ما آيو عملت بتفضل عايشة مع مشاعر الذنب والخزي المتمثلة في الدبانة اللي قعدت تلاحق آيو وخلتها تفضل تجري من نفسها زي المجنونة. وهنا يكمن الحزن في الأسطورة.. أن بالرغم من هروب الضحية من السجن (العائلة، المجتمع.. إلخ) إلا أنها – أوقات كتير – أينما ذهبت بتفضل حبيسة نفسها ومشاعرها السلبية اللي تكونت بسبب الصدمة.

حد ممكن يقول لي بس آيو في الأخر رجعت لهيئتها البشرية ونبوءة بروميثيوس اتحققت وبقت زي الفل. ده حقيقي، وقد يكون ده إشارة للتعافي فعلاً، بس العديد من القراءات النفسية للأسطورة بتوضح أن رجوع آيو لهيئتها البشرية مش نهاية سعيدة أوي زي ما احنا متخيلين.

في رواية الشاعر أوفيد Ovid للأسطورة بيقول أن بعد ما آيو رجعت لشكلها الطبيعي فضل يتملكها الخوف من النطق، لأن كل مرة بتفتح بُقها كانت خايفة يطلع خوار مش كلام مفهوم، كأن الخوف ده من فقدان الجسد والصوت فضل عايش معاها لأخر عمرها.

ده غير أن دخول بروميثيوس في الموضوع وتنبؤه بالنهاية السعيدة عزز من فقدان آيو لدورها كعنصر فاعل في القصة.. قصتها! في الكتابة الإبداعية مثلاً، عادًة ما بيُنصح الكتاب الجدد بالابتعاد قدر المستطاع عن إقحام النبوءات في قصصهم، لأن النبوءة، كأعبط نوع من أنواع الـ foreshadowing، بتأثر على إرادة البطل ودوره كعنصر فاعل وبتحوله لعنصر سلبي أو ترس هيوصل لنهاية محددة له مسبقًا (طبعًا فيه نبوءات بتتكتب بحرفية لتفادي ده بس الموضوع مش سهل خالص). المهم، لو رجعنا لأسطورتنا هنلاقي أن مش بس آيو فقدت دورها كعنصر فاعل لما تم اغتصابها ولما تم إخراسها وتحويلها لبقرة غصب عنها ولما تم سجنها ووضعها تحت أعين آرجوس بانوبتيس، لأ ده كمان سلبناها الدور الفاعل لما فرضنا عليها نسخة بروميثيوس من “النهاية السعيدة” بأنها هتستقر في مصر وهتتجوز ملك وهتفضل تزرب في أطفال!

كفاية أن بعد ما آيو بترجع لهيئتها البشرية بتكتشف أنها حامل من زيوس، وكأن موت آرجوس وغفران هيرا ورأفة زيوس مانجحوش في محو الأثر اللي هيفضل حي جواها.

….

دول ورقتان بحثيتان لطاف جدًا بيربطوا بين صدمة الاغتصاب والأسطورة اللي حابب يقرأهم:

“The Io Syndrome: Symptom Formation in Victims of Sexual Abuse” – S. Mayr & J. L. Price

“Io and Trauma in Ovid’s Metamorphoses: Rape and Transformation” – M. Sawyer