أراكني وخيوط العنكبوت

النهاردة هنتكلم عن أسطورة أراكني Arachne أو كما يُطلق عليها “المرأة العنكبوت”.

الأسطورة بتبدأ من عند فتاة بسيطة بنت راعي غنم كان معروف عنها براعتها في الغَزْل (بتغزل مش بتتغزل) لدرجة إن الناس كانوا بيتحاكوا بموهبتها وبيسافروا لها من أخر الدنيا. أثينا Athena إلهة الحكمة والمهارة والحرب عرفت الموضوع ده وحست بالغيرة من أراكني خصوصًا إن أثينا كانت معروفة بين الآلهة والبشر ببراعتها في الغَزْل والنسيج وإن هي اللي بتوهب المهارة دي للبشر. أثينا أتنكرت في هيئة ست عجوزة وراحت لأراكني تقول لها خليكي متواضعة يا بنتي وبلاش منظرة وتنطيط على خلق الله بالموهبة اللي الإلهة أثينا أدتهالك. أراكني الجلالة والكِبْر ركبوها وقالت إنها أحسن واحدة بتغزل فعلاً وأحسن من أثينا ذات نفسها كمان! وكالعادة وبما إن آلهة الإغريق تطورهم العقلي معداش عقل طفل عنده سبع سنين، أثينا شاطت وظهرت بهيئتها الحقيقية وقالت لها طيب تعالي نعمل مسابقة يا أمورة ونشوف مين فينا اللي هيكسب.

وفعلاً عملوا المسابقة وأثينا غزلت سجادة بارعة الجمال عليها صور الآلهة بكامل هيبتهم كالعادة يعني، أما أراكني فغزلت سجادة أجمل وأجمل مرسوم عليها صور الآلهة برضه ولكن وهم بيسكروا ويعربدوا وحاجة مسخرة خالص. أثينا أتجننت مش بس علشان سجادة أراكني كانت أحلى ولكن بسبب الرسومات المهينة للآلهة، فراحت ولعت لها في السجادة ولعنت أراكني بإنها تفضل حاسة بالذنب طول عمرها. أراكني ماقدرتش تعيش بإحساس الذنب الدائم ده فشنقت نفسها وماتت.

قد تختلف وجهات النظر بخصوص استحقاق أراكني للعقاب من عدمه. ممكن حد يقول هي اللي كانت مغرورة وتحدت الآلهة وسخرت منهم كمان فتستاهل اللي حصل لها، وممكن حد تاني يقول بس تفاخرها ده عن حق لأنها كانت فعلاً موهوبة وتحديها للآلهة ده بيعكس رغبة الفنان في التحرر من السلطة المقيدة لفنه والآلهة هي اللي دماغها فسافيسي إنها حست بالتهديد من ناحيتها.

وبعيدًا عن موضوع الفن والموهبة، كنت مرة بقرأ مقال عن العلاقات المعتلة بين الأمهات وبناتهم وجت في بالي الأسطورة لأنها بتعبر بشكل بليغ عن نوع معين من العلاقات دي وهي العلاقة الندية أو التنافسية بين الأم وبنتها. العلاقة الندية بين الأم وبنتها بتنشأ بسبب وجود خلل في شخصية الأم بيخليها تحط نفسها في مقارنة دائمة مع بنتها وبتحس بالتهديد من ناحيتها نظرًا لأن البنت بتبقى أصغر وأجمل. أثينا شعرت بالتهديد من أراكني مش علشان هي أصغر أو أجمل ولكن علشان موهبتها أكبر على الرغم من إن أثينا هي اللي وهبتها الموهبة دي زي ما الأم بتوهب الحياة لبنتها. الأم في العلاقة المختلة دي برضه بتبقى مهتمة جدًا بصورتها وصورة أسرتها الإجتماعية حتى لو على حساب أفراد الأسرة نفسهم، وبتعامل أي فرد من الأسرة بيحاول يخرج عن الصورة دي كأنه عدو لها يستحق التنكيل والعقاب، وده كان واضح في غضب أثينا العارم لما شافت إن رسومات أراكني خارجة عن المألوف وبتصور الآلهة بشكل لا يتوافق مع الصورة اللي عايزة البشر ياخدوها عنهم مع إنها كانت حقيقية والآلهة كانوا مُهزأين فعلاً. عقاب أثينا لأراكني كمان معبر جدًا عن ديناميكية العلاقة دي، وإزاي إن الأم بتلعب على مشاعر الذنب وبتزرعها في بنتها اللي طبيعي مابتفهمش سبب الكراهية دي كلها فبتلوم نفسها وبتشعر بالنقص والذنب دون ارتكاب أي إثم، وده بالظبط اللي عملته أثينا لما لعنت أراكني بالشعور الدائم بالذنب لحد ما انتحرت.

نرجع للأسطورة تاني… بعد موت أراكني، أثينا – ماتفهمش بقى صعبت عليها ولا بتكمل انتقامها – قررت ترجّع البنت للحياة تاني ولكن في صورة عنكبوت مع الاحتفاظ بموهبتها علشان تفضل تغزل خيوطها للأبد في صورة حشرة بثمانية أرجل.

المؤكد إن معظمنا هيشوف النهاية دي على إنها لعنة قاسية جدًا.. طبيعي يعني، بنت زي القمر ماتت ورجعت للحياة تاني كعنكبوت.. أكتر حشرة مكروهة في تاريخ البشرية. ومين فينا يقدر ينسى اللوحة الكابوسية اللي رسمها جوستاف دوريه Gustave Doré لأراكني في تصويره للكوميديا الآلهية لدانتى!

لنا هنا وقفة.. هل أثينا حولت أراكني لعنكبوت علشان دي حشرة كريهة ولا هي بقت كريهة بعد ما أثينا حولت أراكني لها؟ الأسطورة بتقول لنا إن أراكني كانت العنكبوت الأول وإن نسلها هم العناكب اللي بنشوفها دلوقتي وإن البشر ماكنش عندهم عناكب أصلاً قبل الحوار ده. علشان كده اسم “أراكني” بقى معناه عنكبوت في اليونانية وعلشان كده برضه عندنا كلمات دلوقتي زي arachnology أو علم دراسة العناكب وarachnophobia أو الخوف المرضي من العناكب وغيرهم مصطلحات تانية كتير في اللغة الإنجليزية.

طيب ليه العنكبوت بقى بالنسبة لنا حشرة مخيفة ومقززة مع إن أصله امرأة بتملك موهبة الغزل أو طاقة إبداعية كبيرة؟ المفاجأة بقى إن الأساطير اليونانية مش أول ثقافة تربط بين العنكبوت والمرأة.. في الديانة الهندوسية مثلاً مايا Maya أو الطاقة اللي تسببت في وجود الكون – واللي بتتصور دايمًا كإلهة – مرتبطة برمز العنكبوت وبفكرة إنها غزلت خيوط الوجود من الأوهام والأحلام. وعندنا في الأساطير المصرية القديمة الإلهة نيت Neith إلهة الحرب والصيد واللي كانت من الآلهة القدامى. نيت كانت برضه مرتبطة بالغزل ويُقال إنها نسجت خيوط الكون وتسببت في وجوده على النول بتاعها.

كل ده بيوضح لنا إن الوعي الإنساني من زمان بيربط بين المرأة وقدرتها على الخلق أو وهب الحياة وبين العنكبوت وقدرته على نسج الخيوط اللي بيستخدمها في بناء البيوت. رمزيًا كمان العنكبوت كائن هش وصغير بس قادر على نسج خيوط وشبكات أضعاف حجمه وفي قمة الدقة والتعقيد، وده بيتشابه مع المرأة اللي بتبقى الجنس الأضعف جسمانيًا لكن قادرة على الإنتاج العملي والفيسيولوجي بنسب تفوق حجمها. ده غير إنها مجتمعيًا بتتشاف على إنها الرابط أو الشبكة اللي بتربط أفراد الأسرة\المجتمع ببعض. وماننساش برضه إن الخيوط اللي بينسجها العنكبوت بتستخدم في اقتناص الفرائس.. ده قد يُشير لسعة الحيلة والخديعة اللي برضه بتُعتبر قدرة إبداعية.

اللي فيكم شاف فيلم Enemy (2013) للمخرج ديني فيلنوف Denis Villeneuve (اللي ماشفش يقفز الحتة دي علشان هحرق الفيلم) هيقدر يربط بين تأصل فكرة الربط بين المرأة والعنكبوت وبين مشهد النهاية العجيب الغريب المريب لما آدم – ولا آنتوني؟ – بيدخل على هيلين الأوضة يلاقيها اتحولت لعنكبوت عملاق. هل ده متعلق بفكرة الزواج وإنه حاسس إنها نسجت خيوطها حواليه؟ ولا بكونها كانت حامل ودي إشارة واضحة للي اتكلمنا عليه قبل كده بارتباط وهب الحياة بالغَزْل؟ ولا دي إشارة لاستمرار وقوع آدم تحت وطأة الوهم المتمثل في وجوده ككل (نرجع هنا لمايا في الهندوسية)؟

طيب نسيبنا من جو المرأة العنكبوت ده ومين عضّ مين الأول ونركز في موضوع القدرة على الخلق أو الإبداع. في الأديان السماوية المعروف إن ربنا خلق الإنسان من روحه أو على صورته، وأي كان تفسيرنا للجزء ده فمعناه الواضح إن الإنسان بيحمل جزء من الإله جواه. مش ممكن يكون الجزء ده هو قدرة الإنسان على الإبداع والخلق اللي من غيرها ماكنش هيتقدم قيد أنملة؟

في الأسطورة أثينا وهبت أراكني جزء مقدس منها وهو موهبتها وإبداعها في الغَزْل، ويمكن يكون هو ده السبب اللي خلى أثينا ترجّع أراكني للحياة تاني لإنها أدركت إن بموت أراكني فهي برضه بتموت جزء منها، فرجّعتها للحياة بعد ما سلبت منها كل الصفات البشرية ولكن القدرة على الغَزْل فضلت زي ما هي.

بغض النظر أراكني استخدمت موهبتها صح ولا غلط وبغض النظر أثينا كان ليها الحق تفرض سلطتها على أراكني ولا لأ باعتبارها الإله المانح – نفس منطق الأم اللي اتكلمنا عليها فوق واللي بتشوف نفسها الإله المانح برضه – وبغض النظر إذا كانت نهاية الأسطورة انتصار لأثينا أو لأراكني، الإبداع هيفضل القوة المحركة للكون.. الطاقة التي لا تنطفئ حتى مع تغير صاحبها أو فنائه.

وبعد كده لما تشوفوا عنكبوت افتكروا أراكني اللي قاعدة تنسج خيوطها للأبد..

إيوس وسيلين بين الحياة الزائلة والجمال الأبدي

النهاردة هنحكي أسطورتين مختلفتين بس مرتبطين ببعض بشكل كبير.. أعتقد يعني.

الأسطورة الأولى هي قصة إيوس وتيثونس Eos and Tithonus والتانية هي قصة سيلين وإندميون Selene and Endymion…

Eos and Tithonus

الأسطورة الأولى بتتكلم عن إلهة الفجر عند الإغريق إيوس اللي وقعت في حب شاب بشري فانٍ اسمه تيثونس. من كتر حبها في تيثونس طلبت من زيوس إنه يوهبه الخلود علشان يقدر يعيش معها للأبد، وفعلاً زيوس حقق لها رغبتها وتيثونس بقى خالد (بيتمتع بالخلود مش بقى اسمه خالد!) على الرغم من احتفاظه بالصفات البشرية. إيوس وتيثونس عاشوا مع بعض في سعادة سنين طويلة لحد ما إيوس لاحظت إن وش حبيبها بدأ يظهر فيه تجاعيد وشعره يبقى أبيض وصحته تتدهور.. من الأخر بدأ يعجّز. إيوس جريت على زيوس وقالت له أنت مش وهبت لتيثونس الخلود؟ ليه بيكبر في السن وبيعجّز؟ زيوس قال لها أنتي طلبتي مني الحياة الأبدية مش الشباب الأبدي، ثانيًا تيثونس إنسان مش إله فلازم جسمه يضعف حتى لو هيعيش للأبد. إيوس طبعًا مابقتش عارفة تعمل إيه وهي شايفة حبيبها وهو بيتحول لشوية جلد على عضم ومش قادر يشيل نفسه حتى في حين إنها هتفضل صغيرة وجميلة للأبد وبتبهر الناس بنورها كل يوم الفجر.. قمة البؤس وكسرة القلب.

Selene and Endymion

الأسطورة التانية بقى عن سيلين إلهة القمر – وأخت إيوس – اللي برضه وقعت في حب شاب بشري اسمه إندميون. بعض الروايات بتقول إن إندميون ده كان راعي غنم وروايات تانية بتقول إنه كان أمير وحاكم مدينة. المهم إن إندميون كان وسيم جدًا وكان بيحب ينام في العراء كده على ضوء القمر كل ليلة، فمين بقى اللي كانت بتشوفه كل ليلة وبتنبهر بجماله؟ بالظبط، سيلين. سيلين اتعلمت من اللي حصل لأختها فراحت لزيوس وطلبت منه طلب غريب جدًا.. طلبت منه إنه يدخّل إندميون في نوم أبدي وكأن الزمن توقف بالنسبة له فمش هيكبر أبدًا (حاجة زي أهل الكهف كده). زيوس حقق لها رغبتها وفعلاً سيلين بقت تنزل كل يوم الأرض تتأمل – نمشيها تتأمل – وسامة إندميون وهو نايم ويُقال إنها خلفت منه أولاد كتير وحاجة أخر نيكروفيليا خالص، لحد ما زهقت منه وراحت حبت حد تاني.

طيب إيه علاقة الأسطورتين دول ببعض؟ الأسطورتين بيتناولوا فكرة الخلود مقابل الفناء ورغبتنا في امتلاك الأشخاص أو الأشياء اللي بنحبها للأبد، بس طبعًا طبيعة الإنسان – والكون ككل – الفانية بتحول دون تحقيق الرغبة دي. إيوس حاولت تعمل ده وتهب الخلود للشخص اللي بتحبه ولكنه ابتدأ يذوى منها ويفقد جماله وشخصيته وعقله كأنه تحول لكائن مختلف تمامًا. أما سيلين فحاولت تحتفظ بالشخص اللي بتحبه، أو بمعنى أدق جسد\صورة الشخص اللي بتحبه، في مقابل التضحية بحياته نفسها.

الإنسان بيستميت على الاحتفاظ بالأشياء اللي بيحبها للأبد غير مدرك إن ناموس الكون التحول وطبيعة الأشياء التبدل والفناء وإنه لا يملك غير خيارين: الاستمتاع اللحظي بالشيء\بالشخص مع تقبل فكرة الفقد عند زواله أو تحوله (إيوس وتيثونس)، أو الاحتفاظ بصورة الشيء\الشخص مع تقبل فكرة التضحية بجوهره (سيلين وإندميون).

تخيلوا كده إنكم بتحبوا حد جدًا وخيروكم بين حاجتين: تفضلوا عايشين مع الشخص ده سنة ولا اتنين مثلاً وبعد كده هيموت أو شخصيته هتتحول بشكل جذري، ولا تحتفظوا بهولوجرام – مجسم ضوئي – للشخص ده بصورته وشخصيته اللي حبتوه عليها والمجسم هيفضل محتفظ بالصورة دي للأبد؟ هتختاروا الحياة اللحظية الفانية ولا الجمال الأبدي المفتقر للحياة؟

وأنا بكتب موضوع النهاردة افتكرت قصيدة غنائية لجون كيتس John Keats كنت درستها في سحيق الزمان كده اسمها “جرة إغريقية” أو “Ode on a Grecian Urn”. في القصيدة دي، كيتس، شاعر الحقبة الرومانسية الشهير، قاعد في متحف قدام جرة – زلعة – قديمة عليها زخارف ورسومات إغريقية وبيتأملها. القصيدة قصيرة ولكن عبقريتها تكمن في إنها قدرت تصور المعضلة اللي أتكلمنا عليها فوق دي من خلال علاقة الفن بالواقع. كيتس قاعد يوصف لنا النباتات والأشخاص المرسومين على الجرة وإزاي إنهم هيفضلوا محتفظين بجمالهم وشبابهم للأبد لأن الجرة خلدتهم.. فالشاب اللي مرسوم وهو قاعد يعزف الموسيقى لحبيبته هيفضل في اللحظة الجميلة دي للأبد وهي هتفضل تحبه والشجرة هتفضل مضللة عليهم، مفيش حاجة هتتغير.. سعادة أبدية، في حين إن الشاب ده في الحقيقة مات من زمان وحبيبته اتحرقت أو خانته مع البواب.. سعادة فانية انتهت بانتهاء اللحظة. من خلال القصيدة، كيتس بيقول لنا إن على الرغم من قدرة الفن على الاحتفاظ بالحب\الجمال\الكمال للأبد على عكس الواقع اللي دايمًا بيبدل ويغير يسرق، إلا إن العمل الفني مهما بلغ من الجمال هيفضل مفتقر لجوهر الحياة نفسها اللي بيقدمها لنا الواقع.

الموضوع بالنسبة لي مش مقتصر بس على الطبيعة الإنسانية الفانية وعلاقة الفن بالواقع وإنما على علاقة الخيال بالواقع. بما إني من الأشخاص اللي بيفضّلوا يعيشوا في خيالهم على مواجهة الواقع بتحولاته وإحباطاته المتكررة، فبخلق صورة جميلة في خيالي للأشخاص والأشياء اللي بحبها وبتفضل معايا زي ما هي طول ما أنا عايزاها. المشكلة إن مع العودة للواقع كل مرة بدرك إني كنت مع جسم إندميون الهامد مش إندميون نفسه، وإني لو عايزة أبقى مع إندميون فعلاً لازم أتقبل إنه ممكن يتغير أو يذوى أو يكون مصدر للإحباط زي تيثونس.

كيتس في نهاية القصيدة بيقول لنا عبارة شهيرة جدًا على لسان الزلعة.. “Beauty is truth, truth beauty” أو “الجمال هو الحقيقة، والحقيقة هي الجمال” وأعتقد إن كيتس هنا يقصد إن المعضلة دي حلها في تقبل الإنسان لفكرة إن الخيال\الفن والحقيقة\الواقع وجهين لعملة واحدة وإننا ماينفعش نعيش بواحد من غير التاني. الفن أو الخيال بيدينا القدرة على تحمل الطبيعة الزائلة والمحبطة للواقع، والواقع اللحظي الزائل بيمد الخيال أو الفن بالصورة الجميلة اللي بيحتفظ بيها رغم مرور الزمن.

مشكلة إيوس إنها كانت عايزة تعيش في سعادة الواقع اللحظية المفعمة بالحياة للأبد، ومشكلة سيلين إنها كانت عايزة تعيش في عالم الخيال الجميل الجامد للأبد.. والنتيجة إن الأولى فقدت الجمال والتانية فقدت الحياة.

شئنا أم أبينا لازم نفهم إن جوهر سعادتنا كجنس بشري يكمن في التبدل والفناء.

دمتم في حياة وجمال..

التطريس وذاكرة المحو

الطرس أو palimpsest هو نوع من المخطوطات اللي تم محو ما كتب عليها بغرض الكتابة عليها مرة أخرى والنتيجة بتبقى مخطوطة عليها كلام واضح متداخل مع آثار ما تم إزالته. حاجة كده زي السبورة اللي كل شوية تتمسح علشان يتكتب عليها كلام جديد لكن اللي يركز يلاقي آثار كل حاجة بتتمسح لسه موجودة.

الفكرة دي اتبنتها النظريات الأدبية والفنية كمنهج لدراسة النصوص ومحاولة فهمها. فبيقولوا إن عملية التطريس بتظهر في شكل تداخل النصوص الأدبية وتأثرها ببعض، وكأن النص الواحد معمول من طبقات من النصوص القديمة اللي مش باينة صراحةً ولكن تأثيرها واضح في النص الجديد. كما إن فيه لوحات اترسمت بأسلوب التطريس.. اللي هو يجيبوا رسمة قديمة ويمسحوها ويرسموا عليها تاني أكتر من مرة.

بعض النقاد وصفوا عملية التطريس بإنها هدامة لأن فيه نص بيجور على نص تاني وبيتسبب في إزالته.. وبرضه علشان النص القديم بيتداخل عنوة مع النص الجديد في حين إن فيه ناس تانية شايفين إن الموضوع بناء لأنه بيسمح للنص القديم بإثراء النص الجديد، وإن حتى بعد محو النص القديم فآثاره بتفضل موجودة ومؤثرة بشكل ما.

وبعيدًا عن الفن والأدب، ذاكرة الإنسان نفسها نوع من الطرس.. الذكريات بتتراكم في شكل طبقات، والذكريات القديمة اللي بنفتكر إننا نسينها واتمسحت من دماغنا خلاص بتفضل موجودة وآثارها بتلعب دور كبير في شكل الذكريات الأحدث وطريقة رؤيتنا ليها. مافيش حاجة بتتمحي.. لأ في الذاكرة الفردية ولا الجمعية، وحتى لو اتمحت فآثار المحو بتفضل أكبر دليل على الوجود. ومثال على ده فن الجرافيتي واللي بيتدرس من منهج ثقافي على إنه ممارسة تطريسية بتعكس الوعي التراكمي للمجتمعات. وعلشان كده لما بسافر أي مدينة جديدة بنجذب للجدران بتاعتها واللي مرسوم/ مكتوب/ متعلق عليها، وألاقي حاجات ممسوحة ومكتوب عليها تاني وإعلانات قديمة ملزوق فوقيها حاجات.. معركة نصية قدامي! وفي النهاية بتبقى شوية حيطان بس بتحمل ذاكرة كاملة للمكان ده ممكن تكون أصدق من أي كتاب تاريخ.

والجدل ما زال قائم حوالين إذا كان التطريس فعل بناء أم هدام. يعني مثلا لما الكنيسة الكاثوليكية كانت بتمسح أجزاء من لوحات كلاسيكية علشان فيها عري ولا بيحطوا ورق التين على التماثيل ده يعتبر فعل تخريبي لكنه في نفس ذات الوقت بيعكس ثقافة وتاريخ المرحلة دي، والفكرة بقى إن مهما كانوا بيحاولوا يطمسوا الحاجات دي فهي فضلت موجودة بقيمتها حتى لو أتمسحت/اختفت ماديًا.

عبد الله البري وعبد الله البحري

على سبيل التغيير والتطوير والتنوير قصة النهاردة من “ألف ليلة وليلة” واسمها “عبد الله البري وعبد الله البحري”..

معظمنا عارف إن “ألف ليلة وليلة” متأثرة بشكل كبير بالأساطير اليونانية والمصرية والفارسية والهندية والحواديت الشعبية بتاعت الحضارات دي مع إضافة نكهة عربية إسلامية، وده يورينا قد إيه الدنيا منفدة على بعضها وإن الأدب، خصوصًا الأسطورة، أهم مخزن للتراث والوعي الإنساني.

ما علينا..

القصة بتبدأ بصياد غلبان في حاله اسمه عبد الله شايل طاجن سته علشان بقاله كام يوم بيروح البحر ومابيصطادش ولا سمكة وبالتالي مش عارف يسترزق ويجيب لمراته وأولاده العشرة أكل. كل يوم يروّح البيت لمراته مهموم ويسألها هو ربنا سايبنا إزاي كده؟ هو مش حاسس بينا وبالولاد الصغيرين؟ ومراته تقوله أصبر بس، أكيد ربنا هيفرجها علينا.

المهم في يوم وهو مروح ومعدي جنب دكان الخباز، صاحب الدكان نده عليه وأداله عيش يكفيه هو وعيلته. عبد الله الصياد استغرب ورفض العيش وقاله بس أنا معيش فلوس أدفعلك والشبكة بتاعتي زي ما أنت شايف فاضية، لكن الخباز صمم وقاله خد العيش بس دلوقتي وأبقى أدفع لي بعدين لما ربنا يرزقك. فضل الحال كده لمدة أربعين يوم، الخباز يدي لعبد الله الصياد عيش ببلاش ويقول له أدفع بعدين..

وفي اليوم الواحد وأربعين عبد الله الصياد أخد شبكته وراح البحر كالعادة على أمل إنه يصطاد أي حاجة يسد بيها دينه للخباز ويشتري بيها أكل لمراته وأولاده. وهو قاعد مستني حس إن الشبكة مسك فيها سمكة ضخمة، فانشكح جدًا وأقعد يشد فيها لحد ما شاف إن اللي في الشبكة ده راجل نصه إنسان ونصه سمكة. طبعًا عبد الله الصياد افتكره عفريت وقعد يقرأ قرآن، فالكائن البحري ده سمعه وقال له “ماتخافش أنا عبد من عباد ربنا زيك واسمي عبد الله”.. المهم بعد الاستفسرات والازبهلالات، عبد الله البحري أتفق مع قرينه البري إنه يفك أسره وفي المقابل هيبقوا أصدقاء وده هيجيب له من أحجار البحر الكريمة والتاني هيجيب له من فواكه الأرض اللذيذة.

وبعد كام يوم عبد الله الصياد بقى عنده من الجواهر اللي تكفي يسدد بيها دينه للخباز ويجيب لمراته وأولاده كل اللي عايزينه. المهم الناس ابتدت تتكلم عن عبد الله الصياد اللي اغتنى فجأة ده لحد ما الموضوع وصل للملك وأمر بإحضار الصياد لحد عنده. الملك أول ما شاف عبد الله الصياد اتهمه بإن هو سارق مجهورات الملكة اللي اختفت من القصر مؤخرًا وفعلاً الملكة طلبت تشوف الأحجار الكريمة اللي مع عبد الله الصياد علشان تتأكد إنها بتاعتها.. طبعًا اكتشفت إن المجوهرات دي مش بتاعتها وإنها أحسن وأندر منها بكتير. المهم الملك والملكة أتأسفوا للصياد وهو كمان حكى لهم سبب غناه المفاجئ وقصته مع عبد الله البحري لدرجة إن الملك انبهر بيه جدًا وقرر يعينه وزير ويجوزه بنته (والعرّة وافق يتجوز على الست الغلبانة الطيبة اللي في البيت).

المهم يعني فضل الوضع كده شوية لحد ما في يوم عبد الله البحري عرض على عبد الله الصياد ينزل معاه المياه ويفرجه على الحياة تحت، الصياد وافق بعد ما عبد الله البحري أداله دهان يحطه على جسمه هيسمح له يتنفس تحت المياه (محدش يسألني إزاي)، ونزل فعلاً معاه إلى أعماق البحار وشاف مخلوقات وأسماك شكلها غريب جدًا وشاف مدن وناس عايشين فيها شكلهم زي بني آدم بس أعرافهم وتقاليدهم مختلفة خالص. يعني مثلاً الصياد اتخض جدًا لما شاف إن معظم المدن أهلها عرايا وعبد الله البحري فهمه إنهم بيتعاملوا مع الجسم والعورة بشكل مختلف وقعد يشرح له في قوانينهم وعادتهم وعبد الله الصياد كان مستغرب جدًا ولما يحكي للبحري قد إيه الموضوع مختلف على الأرض التاني يستغرب برضه.

هنتوقف هنا شوية ونحاول نفهم إيه الهبل اللي بيحصل ده.

كتير من الباحثين اللي درسوا “ألف ليلة وليلة” شايفين إن القصة دينية في المقام الأول وإنها استعارة عن الفرق بين الإسلام الشائع – أو أي دين بصورته الشائعة – والإسلام المتصوف – أو برضه التصوف بالمعنى الواسع religious mysticism – والاتنين طبعًا متمثلين في عبد الله البري وعبد الله البحري. عبد الله البري بيمثل الدين بصورته الشائعة التقليدية في حين إن عبد الله البحري بيمثل الدين بصورته الغامضة ذات القوانين المختلفة والغريبة، يعني مثلاً الاتنين وهما تحت المياه عدوا على ناس قاعدة تغني وترقص فلما الصياد سأل عبد الله البحري قال له ده عندهم ميت، التاني استغرب جدًا وقال له إزاي يا جدع! ده إحنا عندنا بنعمل عزا وبنحزن ونعيط، فالبحري رد عليه بإن إزاي تحزنوا على أمانة اتردت لربنا أنتم جاحدين؟ المفروض ترقصوا وتفرحوا زينا.. أهو الاحتفاء بالعلاقة الروحانية وتفضيلها على أي شيء تاني هو اللي خلى الباحثين يرجحوا إن عبد الله البحري بيمثل التصوف. كمان بيقولوا إن القصة بتصور الدين بالمنظور الكلي holistic وإزاي إن مع الاختلافات دي كلها العلاقة بين العبد وربه هتفضل موصولة أي كانت شكلها وطريقة التعبير عنها وبيستدلوا بكده بإن الاتنين اسمهم عبد الله، ده غير إن كمان الملك اسمه عبد الله والخباز – جيس وات؟ – اسمه برضه عبد الله وكأنها صور مختلفة لنفس العلاقة الروحانية.

بعيدًا عن التفسير الديني القصة قد تحمل إحالات نفسية. واضح من أول العنوان إن الحدوتة بتتكلم عن شخصين بيحملوا نفس الاسم ولكن عايشين في مكانين متقابلين: واحد فوق الأرض في النور والتاني تحت المياه في الخفاء. الموضوع مش محتاج أينشتاين علشان نخمن إن الاتنين ممكن يكونوا رمز للوعي واللاوعي لنفس الإنسان. بدون الدخول في تفاصيل التفسير النفسي، عايزة أربط الحتة دي بمقال كنت قرأته من كام يوم (رابط المقال). المقال بيتكلم عن أهمية الأحلام، بصفتها طريقة تعبير العقل الباطن عن نفسه، في العملية الإبداعية وإزاي إن الفنان أو حتى أي إنسان عادي ممكن يستخدم الموضوع ده لصالحه لإثارة الخيال.

المقال بيقول لنا إن الأحلام، وحشة أو حلوة، بتورينا جانب من نفسنا بيبقى غايب عننا في حياتنا الواعية وإن التواصل مع الجانب ده على الرغم من كونه صادم أحيانًا لأننا ممكن نلاقي فيه صورة متناقضة مع الصورة اللي احنا راسمينها لنفسنا إلا إنه بيساعد على تنشيط خيالنا مش بس علشان نتنج فن ولكن بينشط الجانب الإبداعي فينا وبيخلينا نشوف الأمور بشكل مختلف ونلاقي حلول جديدة لمشاكلنا.

نرجع للحدوتة ونشوف إزاي إنها ابتدت بأزمة إيمان اللي كانت متمثلة في شك الصياد في قدرة الإله ويأسه منها بسبب الضائقة المالية اللي كان بيمر بيها. وبعيدًا عن الدين تحديدًا، الإيمان بأي شيء بيحتاج إلى قدر من الخيال لأنك بتحط ثقتك ومجهودك في حاجة يعجز المنطق عن تبرير وجودها وبتحاول تربط خيوطها بالواقع بشكل محكم. فممكن نشوف إن أزمة الصياد دي على إنها أزمة إبداعية ماتحلتش إلا بتواصل الصياد مع جانبه اللاواعي، اللي هو النقيض منه تمامًا، ومحاولة فهمه.

بس هل فعلاً الصياد قدر يفهم نقيضه البحري وعاشوا في تناغم للأبد؟

للأسف لأ. القصة بتخلص على إن الاتنين بيدركوا كمية الاختلافات اللي بينهم وعبد الله البحري بيرجّع عبد الله الصياد للبر وبيقوله ماينفعش نتقابل تاني، وعلى الرغم من محاولات الصياد إنه ينده عليه كل يوم لكنه بيختفي للأبد.

من الناحية الدينية النهاية الحزينة دي بتشير إن على الرغم من إدراك الناس إنهم بيعبدوا إله واحد كل على طريقته إلا إن عمر ما هيحصل توافق بينهم، ومن الناحية النفسية\الإبداعية بتورينا إن التواصل مع اللاوعي ومحاولة فهمه – سواء لأغراض إبداعية أو لأ – محتاج قدر كبير من الخيال ورؤية الذات بكل تناقضاتها ومفاجأتها ودي للأسف حاجة مش كل الناس بتعرف تتقبلها.

الفكرة إننا مش لازم نفضل غطسانين مع قريننا البحري تحت المياه طول الوقت وإلا هنتجنن بس لازم نحافظ على العلاقة معاه ومفيش مانع لو أخدنا غطس من وقت للتاني حتى لو ده معناه إننا هنشوف جانب من نفسنا مش حابين نشوفه أو إننا ندهن جسمنا بمرهم معفن ممكن يجيب تسلخات.

دوشامب ومويبريدچ: لوحة

“Nude Descending a Staircase, No. 2” (1912) – Marcel Duchamp

اللوحة دي من أهم أعمال الفنان الفرنسي-الأمريكي مارسيل دوشامب Marcel Duchamp.. ممكن حد يسأل إيه اللعبكة دي! هي فين النود؟ وفين السلم؟ فين التعابين؟ لازم بس نفهم الأول إن مارسيل دوشامب من أهم رواد حركة “دادا” وكان معروف عنه أعماله المثيرة للجدل ومشروعاته الفنية التجريبية زي اللوحة دي.

دوشامب بيقول إنه في الفترة اللي رسم فيها اللوحة دي كان متأثر جدًا بالصور المتحركة والتصوير السينمائي وتحديدًا أعمال إدوارد مويبريدچ Eadweard Muybridge المصور البريطاني المشهور بأعماله في دراسة الحركة وتصويرها..

دوشامب حاول يطبق نفس فكرة تصوير الحركة في اللوحة دي تحديدا بأنه مايرسمش واحدة نازلة السلم وخلاص متجمدة في لحظة ومكان واحد وإنما حاول يخلق نفس تأثير التصوير المتحرك اللي في أعمال مويبريدچ بأنه يرسم النود في كل خطوة بتاخدها في كل لحظة بتمر ويجمعهم كلهم مع بعض علشان يدي إحساس الحركة.

الموضوع عامل زي بالظبط أفلام الكارتون زمان لما كانوا بيرسموا صورة صورة ويعرضوهم ورا بعض، بس بما إن دوشامب معندوش الامتداد الزمني بتاع الڨيديو أو التصوير الحركي فجمع كل اللحظات في لوحة واحدة علشان يسيب في المشاهد انطباع الحركة السريعة بغض النظر إيه اللي في اللوحة.. العين البشرية أول حاجة بترصدها الحركة وبعد كده بتبتدأ تحدد أبعاد وشكل الجسم المتحرك، فكأن دوشامب لقط بالظبط اللحظة ما بين إدراك العين للحركة وإدراك الجسم المتحرك.

ده جزء من أعمال مويبريدچ..

الانحراف ونظرية الوصم

بمناسبة الأحكام الأخلاقية اللي قاعدة تتطاير هنا وهناك، النهاردة هنتكلم عن نظرية في علم الإجتماع والجريمة معروفة بنظرية الوصم Labelling Theory واللي باختصار شديد بتقول لنا إن صفة الانحراف نسبية وإن هوية الفرد وسلوكه بيتأثروا بشكل كبير بالوصف اللي المجتمع بيديه للفرد ده.

الغرض من النظرية اللي ظهرت في الستينات ولسه علماء الإجتماع بيطوروا فيها لحد دلوقتي هو محاولة فهم السلوك المنحرف وتأثيره على الفرد والمجتمع. معظم العلماء اللي اشتغلوا على النظرية قالوا إن مفيش سلوك منحرف متأصل، أو بمعنى آخر سمة الانحراف دي مش حاجة ثابتة ومحددة وعلى أساسها بنحدد إيه من السلوكيات منحرف وإيه لأ. الانحراف هو وصف مرن جدًا بيستخدمه المجتمع – أي مجتمع – كوسيلة لإحكام السيطرة على أفراده قانونيًا ونفسيًا.

يعني مثلاً تعاطي نوع معين من المخدرات قد يُعتبر حاجة عادية جدًا في بعض القبائل والمجتمعات، في حين إنه في مجتمعات أخرى بيتشاف على إنه عمل إجرامي والفرد بيتعاقب عليه وبيحمل بسببه وصمة الانحراف وسط أقرانه. ده برضه يمكن تطبيقه على السلوكيات والميول الجنسية اللي ممكن في مجتمع تتشاف على إنها حاجة طبيعية ولكن في مجتمع آخر بتُعامل على إنها سلوك منحرف.  زمان الستات اللي كانت بتعترف برغبتها الجنسية كانت بتتوصم بمرض الهيستيريا وبيتحطوا في مصحات نفسية لحد ما الدنيا اتغيرت والناس ابتدت تفهم – مش كل الناس للأسف! – إن الست عندها رغبة جنسية قوية زيها زي الرجل.

الأمثلة دي بتوضح لنا إن الانحراف مش حاجة واضحة الأركان والمعالم يمكن استخدامها كمعيار ثابت باختلاف الزمان والمكان، إنما هي منظومة من الأفكار والمعتقدات المتغيرة اللي بيحددها المجتمع نفسه والأفراد اللي عايشين فيه. يعني المعيار الوحيد لتحديد إذا كان سلوك الفرد منحرف ولا لأ هو المجتمع والناس اللي بيشهدوا السلوك ده ورد فعلهم عليه.

النظرية بتقول لنا إن خطورة الموضوع ده تكمن في تأثيره على هوية الأفراد ورؤيتهم لأنفسهم. فاكرين لما اتكلمنا على سفينة ثيسيوس وإزاي إن هويتنا بتتشكل من خلال الانطباعات اللي بياخدها الآخرين عننا؟ الفكرة إن بمجرد وصم الفرد بسمة الانحراف هو بيبدأ، حتى ولو بشكل غير واعي، برؤية نفسه على إنه شخص منحرف غير سوي وده بيأثر بشكل كبير على أفعاله المستقبلية وبيتصرف في حدود الإطار “المنحرف” والصورة النمطية المصاحبة له اللي المجتمع فرضها عليه، ده غير طبعًا مشاعر الذنب اللي هتفضل ملازمة للشخص ده خصوصًا لو سلوكه اتوصم بالانحراف من منطلق عقائدي أو قَبَلي.

لو بنت مثلاً عايشة في مجتمع قبلي بدائي قررت إنها تخرج عن طاعة أهلها وتسافر تدرس أو تعيش لوحدها، طبعًا البنت هتتوصم بالانحراف في نطاق المجتمع ده وهتتعاقب أشد عقوبة – قد تصل للقتل – ولو نجحت إنها تهرب من المتوقع إنها هتفضل عايشة بوصمة الانحراف دي حتى لو اللي حواليها في المجتمع الجديد مش شايفينها. نفس الموضوع يمكن تطبيقه على الأمراض النفسية اللي هي أصلاً تعريفاتها وأعراضها بتتغير كل يوم، بمجرد ما المجتمع يصنف شخص على إنه مريض نفسي الشخص ده بيبدأ ياخد دور المريض النفسي ويعيشه.  والفكرة دي كانت من أهم الأسباب اللي خلت الأنظمة القضائية تطلق على أي طفل بيرتكب عمل إجرامي لفظ “حدث” بدل من “مجرم”، بس طبعًا هيهات لأن المجتمع برضه بيوصمه بالإجرام والطفل بيكبر على كده وهويته وسلوكه بيتحددوا على هذا الأساس.

الموضوع كله عايز يوصل لأن فكرة الانحراف ممكن المجتمع يستخدمها لإحكام السيطرة على أفراده والتأكد من إنهم مش هيخرجوا بره الحدود اللي رسمها لهم. ولو فكرنا في منصات التواصل الإجتماعي على إنها مجتمعات صغيرة هنلاقي إننا بنطبق نظرية الوصم بحذافيرها.. فيه قيم وسلوكيات معينة بتنتشر على إنها المعيار السوي وأي خروج عنها بيُقابل بالهجوم وبيعتبر سلوك منحرف، والغريب إن القيم والسلوكيات دي بتنتشر على إنها ردة فعل لما يراه المجتمع الفعلي\الحقيقي من الثوابت غير مدركين إننا بنتحول لنسخة من المجتمع اللي بنهاجمه ولكن في الاتجاه المعاكس: عملنا حصان وركبنا عليه وماشيين نرمي وصمة الانحراف – أو أي صفة أخرى – على اللي مش متفق معانا ومع المعايير اللي خلقناها في المجتمع الافتراضي ده.

افتراضية القرد والآلة الكاتبة

فيه تجربة افتراضية شهيرة جدًا في علم الإحصاء اسمها “القرد والآلة الكاتبة”.. تعالوا نفترض إننا جيبنا قرد وحطيناه قدام آلة كاتبة وقولنا له اتفضل أكتب وهو قعد يخبط بإيده على الحروف بشكل عشوائي لمدة غير محددة ولا نهائية من الزمن، التجربة بتقول إن هيجي يوم ونلاقيه كتب عمل كامل من أعمال شكسبير بمحض الصدفة.

بعيدًا عن الجانب الإحصائي من التجربة والاحتمالات الرياضية المثيرة للجدل حواليها، عندنا في الأدب وعلم اللغة التجربة بتثير إشكالية تانية خالص مرتبطة بطبيعة العمل الأدبي بشكل خاص والعمل الفني بشكل عام، والوجود الإنساني ككل لو هنتكلم من منظور فلسفي.

دلوقتي هنفترض إن في مرحلة ما من الزمن – بعد 59873673 مليون سنة كده مثلاً – راجعنا على اللي القرد كتبه ولاقيناه فعلاً كتب النص الكامل لمسرحية “ماكبث”، ساعتها أنهي فيهم هيعتبر النص الأصلي للمسرحية؟ النص اللي كتبه شكسبير ولا اللي كتبه القرد؟ الإجابة البديهية هتبقى شكسبير طبعًا لإنه هو اللي كتب النص الأول. حلو، بس هل القرد كان مدرك إن بيعيد إنتاج نص اتكتب قبل كده ولا بالنسبة للقرد ده نص أصلي؟ وهل ده معناه إن أصالة النص بتعتمد بس على الوقت – إيه اتكتب قبل إيه – ولا على حاجة تانية؟

طيب نعقد الموضوع شوية.

إحنا بنقيس افتراضية قدرة القرد على كتابة نص أدبي عظيم بالمقارنة بإدراكنا بما تم إنتاجه من أعمال أدبية في الماضي، يعني مش ممكن يكون من ضمن الكلام اللي القرد قعد يكتبه ده نص أدبي عظيم تاني بس لسه هيتكتب في المستقبل على يد أديب لسه ما أتولدش لحد دلوقتي؟ ممكن جدًا طبعًا. طيب في الحالة دي ليه ما أخدناش بالنا إنه نص أدبي عظيم؟ علشان قرد اللي كتبه ولا علشان توقعاتنا اللي متحددة على استقبال شيء معين ولا علشان الظروف المحيطة بالتجربة؟ ولو مطينا الموضوع شوية ممكن نستنتج إن بنفس المنطق ده أي حاجة القرد هيكتبها من أول ما يقعد على الآلة لكاتبة تُعتبر عمل أدبي\لغوي سليم وله قيمة كمان بس بالنسبة لوقت معين وظروف معينة وجمهور معين.

الكلام ده معناه إن العمل الفني قيمته مش متأصلة فيه زي ما إحنا متخيلين وإنما بتعتمد بشكل كبير، إن مكانش كلي، على اللي عمله وامتى وفين والظروف المحيطة بإنتاجه والناس اللي بتستقبله.

إحنا كده بنتكلم عن قرد واحد بس، طيب يحصل إيه لو جيبنا عدد لا نهائي من القرود وخليناهم يعملوا نفس التجربة، هل فيه احتمالية إن قردين هيكتبوا جملة متطابقة في نفس الوقت على الرغم من إنهم مش مدركين لوجود بعض ولا مدركين للي بيكتبوه أصلاً؟ فيه طبعًا. الاحتمالية دي ترجعنا لمشكلة أصالة العمل الفني لإننا ساعتها هننسب الكلام المتكرر ده لمين؟ للقرد 1 ولا 2؟ ودي دايمًا المشكلة اللي بنقع فيها لما نيجي نناقش ونضع حدود الملكية الفكرية.

ممكن حد يقول إحنا قاعدين نطبق افتراضية الفاعل الأساسي فيها قرد\قرود وإحنا بني آدم وفيه تفاوت في الإدراك فماينفعش نقارن بين الموقفين لأننا مدركين إن الحروف اللي بنضغط عليها دي ليها معنى مبني على نظام لغوي مكتسب وعلى خبراتنا السابقة.. إلخ، كلام جميل طبعًا، على الرغم إن كل قرد قاعد على آلة كاتبة ممكن يكون فاكر نفسه مدرك للي بيعمله طبقًا للي بيحصل جوه دماغه (إحنا مانعرفش إيه اللي بيحصل جوه دماغه) بس الفكرة كلها ورا التجربة مش قياس مدى إدراك القرود على قد ما هي قياس قدرة العشوائية على خلق نظام سواء العشوائية دي مدفوعة بإدراك أو من غير.

عالم الإنترنت مثال مصغر على التجربة.. تخيلوا كام مليون واحد ماسك الموبايل ولا الكمبيوتر بتاعه دلوقتي – بما فيهم أنا – وقاعد بيكتب حاجة على منصة من منصات السوشال ميديا، ملايين من النصوص بيتم إنتاجها في نفس الثانية وهتفضل تُنتج لحد الله أعلم امتى. هل كلنا متفقين ومدركين وفاهمين كل النصوص اللي بينتجها غيرنا سواء ثقافيًا أو فكريًا أو لغويًا؟ أكيد لأ. مش ممكن اتنين يكتبوا نفس الكلام في نفس الوقت؟ ممكن طبعًا. مش ممكن من رحم العشوائية دي تُنتج نصوص فنية؟ ممكن طبعًا وبتحصل. مش ممكن نكون كلنا كده جزء من تجربة بيشرف عليها كائنات أكثر تطورًا وقاعدين يحللوا الإنتاج العشوائي بتاعنا ده؟

مش بس حياتنا الافتراضية، كمان ده ينطبق على حياتنا العادية، مش يمكن كل القرارات والاختيارات اللي بنعملها دي مجرد تخبيط على الآلة الكاتبة وإحنا بنحاول جاهدين إننا نثبت لنفسنا إن أي حاجة ليها معنى هي جزء من نظام متكامل مش نتيجة إحصائية طبيعية جدًا لنظام عشوائي؟ مش ده ممكن ينطبق على وجودنا ككل؟ مش يمكن وجودنا في الزمان والمكان ده تحديدًا ومع الأشخاص دول هو مجرد كلمة في وسط نص لا نهائي من العشوائية؟ هل لو دي الحقيقة فعلاً، الإدراك ده هيفرق معانا في حاجة ولا الكون وإحنا هنستمر في الكتابة على هذه الآلة الضخمة من العشوائية؟

الملك ميداس وأذنا الحمار: لوحة

“King Midas” (1620-70) by Andrea Vaccaro

بحب اللوحة دي جدًا علشان ألوانها والزاوية اللي مرسوم منها الملك ميداس (الراجل اللي كان بيلمس كل حاجة تتحول لدهب) فبتوحي بالحزن والعظمة في نفس الوقت. كفاية اللون القرمزي\الدموي بتاع وشاح الملك وزمه على شكل وردة (فاكرين لما اتكلمنا عن طبيعة الرغبة البشرية في الأسطورة؟).

أهم حاجة بقي إن فاكارو مصور ميداس بودان حمار. ودي لعنة تانية أتعرضلها المنحوس ميداس بعد موضوع اللمسة الذهبية ده..

باختصار، في يوم الآله بان Pan والآله أبولو Apollo قرروا يدخلوا مسابقة مين بيلعب موسيقى أحلى من التاني، وبما إن أبولو أمهر من بان فطبعًا فاز بالمسابقة.. لكن ميداس اللي كان موجود وقتها اعترض على النتيجة لأنه كان شايف إن بان موسيقاه أحلى. فأبولو أتغاظ منه وقاله إنت أكيد اللي عندك دول ودان حمار، وفعلاً حول ودانه لودان حمار. ميداس بقى مكسوف جدًا من شكله وقرر يلبس غطاء للرأس بقية عمره والوحيد اللي كان عارف سره هو الحلاق بتاعه.

الحلاق وعد ميداس إنه مايقولش لحد أبدًا بس جيه عليه وقت مكانش قادر يكتم السر أكتر من كده، فراح حافر حفرة في الأرض وقايل بعلو صوته جوا الحفرة “الملك ميداس عنده ودان حمار!” وراح ردم الحفرة ومشي. بعد كام أسبوع الدنيا مطرت والزرع طلع مكان الحفرة وبقت كل ما الرياح تهب الزرع يهمس لبعضه.. “الملك ميداس عنده ودان حمار.. الملك ميداس عنده ودان حمار” لحد ما البلد كلها عرفت سر الملك، واتفضح فضيحة بجلاجل. فيه مصادر بتقول إنه عاش في عزلة ومصادر تانية بتقول إنه موت نفسه.

الجميل في اللوحة دي إنها مصورة ميداس وهو فخور بودانه اللي شبه ودان الحمار. وعلى الرغم إن الموضوع قد يكون مادة للسخرية إلا إنها مش مقللة من هيبته ولا هيبة اللوحة.. وكأنه شايل أخطائه على كتفه بفخر ومتصالح مع قدره إللي كان ذنبه الوحيد فيه إنه قال رأيه بصراحة.

سقوط إيكاروس: لوحتان

من أجمل اللوحات اللي بتصور سقوط إيكاروس مع نقل أجواء التراجيديا الحالمة المحيطة بالأسطورة..

“The Fall of Icarus” by René Milot

على عكس اللوحة اللي فوق، اللوحة دي مش مدية اهتمام لسقوط إيكاروس. ممكن حد يقول هو فين إيكاروس أصلاً في اللوحة؟ لو كبرتوها وبصيتوا على الناحية اليمين من تحت هتلاقوا واحد مقلوب في المياه.. هو ده إيكاروس.

“Landscape with the Fall of Icarus” (c. 1560s) by Pieter Breugel the Elder

اللوحة مش بتحقر من مأساة إيكاروس على قد ما بتوضح طبيعة الإنسان وتعامله مع معاناة الآخرين.. دايمًا بنشوف إيكاروس على إنه بطل عظيم ضحى بحياته علشان كان عايز يعرف أكتر ويطير ناحية الشمس لحد ما جناحاته ساحت ووقع مات.

في اللوحة المأساة والتضحية دي ولا ليهم أي معنى غير لإيكاروس نفسه اللي ممكن مانخدش بالنا من وجوده أصلاً. الحياة مستمرة عادي والناس شايفة شغلها ولا حد أخد باله من الولد اللي وقع من السماء في المياه…

اللوحة دي أوحت للشاعر W. H. Auden إنه يكتب قصيدة بعنوان “Musee de Beaux Arts” وللشاعر William Carlos Williams إنه يكتب قصيدة بتحمل نفس اسم اللوحة بتلخص الموضوع ببساطة..

According to Brueghel
when Icarus fell
it was spring

a farmer was ploughing
his field
the whole pageantry

of the year was
awake tingling
with itself

sweating in the sun
that melted
the wings’ wax

unsignificantly
off the coast
there was

a splash quite unnoticed
this was
Icarus drowning

لما بنقع من السماء وبنغرق بنبقي مجرد صوت طرطشة في المياه بالنسبة للناس التانية.. المأساة بتاعتنا احنا بس.

أوديسيوس والسايكلوبس بوليفيموس

النهاردة هنتكلم عن مغامرة من مغامرات البطل أوديسيوس Odysseus أثناء رحلة عودته لمملكته بعد اشتراكه في حرب طروادة ولقائه الشهير مع العملاق بوليفيموس Polyphemus..

معظم الكتاب اللي اتكلموا عن حرب طروادة قالوا إن حصار الإغريق لطروادة لحد دخولهم المدينة نفسها استغرق بتاع تسع أو عشر سنين، فطبيعي إن بعد انتهاء الحرب كل الجنود كانوا عايزين يرجعوا بيوتهم ومنهم طبعًا البطل أوديسيوس ملك إيثاكا. الحرب خلصت من هنا وأوديسيوس أخد السفينة والرجالة بتوعه وابحروا ناحية إيثاكا. في طريق رجوعهم لاقوا جزيرة كده كان باين من بعيد إن فيها فواكه وغنم، فأوديسيوس نزل هو وجنوده وأخدوا معاهم أوعية من الخمر – اللي لسبب ما كان لسه معاهم منها كتير – علشان يقدموها لأهل الجزيرة مقابل الأكل.

المهم نزلوا على الجزيرة وفضلوا ماشيين فيها شوية ماشفوش حد خالص لحد ما لاقوا كهف مليان أكل وشرب، وبما إنهم جعانين قاعدوا ياكلوا لحد ما شبعوا. بعديها بشوية حسوا بالأرض بتتهز من حواليهم وخطوات ضخمة بتقرب منهم لحد ما شافوا السايكلوبس بوليفيموس واقف على باب الكهف..

نوقف هنا شوية ونفهم إيه الـ cyclops دول. السايكلوبس في الأساطير الإغريقية هو عملاق معروف عنه إنه ماعندوش غير عين واحدة بس في رأسه. فيه روايات بتقول إن السايكلوبس دول هم أولاد جايا وأورانوس – اللي عملوا الكون – وإنهم اتحبسوا في باطن الأرض تارتاروس بعد ما أخوهم كرونوس ثار عليهم وعلى الحاج الوالد وأخصاه (اتكلمنا على الأسطورة اللبش دي قبل كده). جيه بعد كده زيوس، ابن كرونوس، حررهم واستفاد من خبراتهم ويُقال إنهم هم اللي عملوا له صاعقة البرق وعملوا لبوسايدون شوكته الثلاثية الشهيرة الترايدنت. فيه روايات تانية بتقول إن السايكلوبس دول كائنات عملاقة زي كل الكائنات العجيبة اللي كانت موجودة ساعتها وإن معروف عنها غضبها الشديد وافتراس البشر لدرجة إن زيوس عزلهم في جزيرة لوحدهم وحطلهم شوية غنم وقال لهم ارعوه وازرعوا وعيشوا حياتكم.. ده طبعًا لحد ما أوديسيوس ابن المنحوسة هبط عليهم هو وجنوده.

نرجع للحدوتة.. السايكلوبس اللي أوديسيوس ورجالته دخلوا كهفه وأكلوا أكله اسمه بوليفيموس، ولحظهم المهبب على دماغهم بوليفيموس كان ابن إله البحر بوسايدون Poseidon. بوليفيموس لما شاف منظرهم وهم قاعدين في الكهف وبياكلوا من أكله من غير استئذان هاج وماج وراح قافل مدخل الكهف بصخرة كبيرة وقال لهم مفيش خروج من هنا وأنتم من النهادرة ملكي، وفي وسط هوجة الغضب بتاعته دي أخد اتنين من رجالة أوديسيوس ودشدش دماغهم في الحيطة وأكلهم وقال لهم إنه هيفضل حابسهم في الكهف لحد ما يخلص عليهم كلهم.

طبعًا أوديسيوس ورجالته اترعبوا ومكانوش عارفين يعملوا إيه.. عددهم مش كبير واستحالة يعرفوا يتغلبوا على بوليفيموس جسديًا، ده غير إنهم حتى لو موتوه مش هيعرفوا يزقوا الصخرة الضخمة اللي على مدخل الكهف. المهم أوديسيوس جاتله فكرة وراح عزم على بوليفيموس من الخمر اللي معاه وقال له دي حاجة مستوردة وتستاهل بُقك. بوليفيموس داق الخمر وعجبه جدًا وطلب من أوديسيوس يفرغ له منه تاني. وفي وسط ما هو مستكنيص وعامل دماغ سأل أوديسيوس عن اسمه، أوديسيوس قال له “ولا حد”، بوليفيموس العبيط افتكر إن اسم أوديسيوس “ولا حد” فعلاً وقال له “أنا عاجبني ولا حد، وعلشان كده هاكل ولا حد أخر واحد”.

بوليفيموس فضل يشرب لحد ما اتدلق ونام. أول ما اتأكدوا إنه نام، أوديسيوس وجنوده جابوا عود خشب من اللي بوليفيموس بيستخدمه للهش على غنمه وقعدوا يسنّوه لحد ما بقى مدبب وحطوه في النار ورفعوه سوا ناحية بوليفيموس اللي كان رايح في عاشر نومة وخزقوا بيها عينه الوحيدة.

طبعًا بوليفيموس قام من النوم وهو بيصرخ بشكل مرعب وفضل يلوش بإيديه يمين وشمال لحد ما عرف يزق الصخرة اللي على المدخل ويخرج، قعد يصرخ بصوت عالي لحد ما السايكلوبس التانيين اللي على الجزيرة جريوا عليه وسألوه “مين عمل فيك كده؟”.. فراح بوليفيموس قال لهم “ولا حد! ولا حد اللي عمل فيا كده”.. سألوه تاني “يابني مين اللي عمل العملة السودا دي قول لنا بس” وهو يصرخ فيهم تاني “ولا حد! ولا حد!”

السايكلوبس التانيين قالوا لأ ده أهبل بقى وسابوه ومشيوا.

بوليفيموس قعد قدام الكهف بتاعه يعيط وهو ماسك عينه، أوديسيوس ورجالته عرفوا يتدحلبوا من جنبه وخرجوا من الكهف وجريوا على السفينة بتاعتهم بسرعة.

شخصية بوليفيموس مادة خصبة جدًا إنها تتصوركوحش كاسر مرعب مشوه وده غالبًا كل اللي إحنا بنشوفه في الأفلام واللوحات اللي بتصور الأسطورة دي، لكني مش قادرة أشوف بوليفيموس كده وكل مرة بقرأ الأسطورة بيصعب عليا وبحس إن أوديسيوس هو الشخص الشرير في الحدوتة. هو آه طبعًا مش حاجة حلوة إنه بياكل بني آدم وانتقامه كان مبالغ فيه بس لو شوفنا الموضوع من وجهة نظره هنلاقي إنه لا يرقى إنه يكون وحش شرير أو مخادع خالص.

أولا،ً موضوع أكل لحوم البشر ده طبيعة في فصيلة السايكلوبس كلهم، زي ما إحنا بناكل بقر وفراخ كده. ثانيًا، المبالغة في ردة فعله دي سببها إنه عايش في عزلة عن كل الكائنات التانية.. حتى السايكلوبس مع بعضهم مش قريبين أوي من بعض وكل واحد عايش في كهف لوحده. فطبيعي جدًا لما يبقى شخص عايش طول حياته في وحدة وعزلة ويجي فجأة يلاقي حد فرض نفسه على مساحته الشخصية هتكون ردة فعله مبالغ فيها وعنيفة كده. جرب كده أحبس شخص في سجن انفرادي من صغره وتعالى بعد مدة طويلة حاول ألمسه بس لمسه خفيفة، هتلاقي أتنفض وأترعب منك. ده حتى أي شخص طبيعي لما بيعيش لوحده مدة كبيرة فيه احتمال إنه ياخد فترة عقبال ما يرجع يختلط بشكل طبيعي مع غيره وممكن جدًا يطور سلوك عدائي. ثالثًا، سلوك بوليفيموس طفولي وفيه عبط وبراءة كده حتى في غضبه.. هو عامل زي الطفل اللي جيه في يوم لاقى واحد تاني قاعد على سريره وبيلعب باللعب بتاعته، غالبًا ردة فعله إنه هيعيط ويصرخ وممكن يكسر حاجات وهو مش مدرك تأثير رد الفعل ده على اللي حواليه إيه (كان فيه طفلة في عيلتنا كل ما بتعيط بترمي حاجة مامتها وباباها من الشباك :D)، ده غير طبعًا إنه شرب من الخمر بتاع أوديسيوس بكل عبط من غير ما يشك فيه، ده غير تصديقه لإن اسم أوديسيوس فعلاً “ولا حد”. كمان العين الواحدة دي بتدل على محدودية البصر حرفيًا ورمزيًا.

أكيد كل واحد فينا يعرف حد شخصيته زي بوليفيموس، سريع الغضب والاشتعال بس دوافعه طفولية خالية من الخداع والشر. للأسف الشخصيات اللي زي دي سهل جدًا إنها تتصور بشكل مرعب وشرير للناس اللي ماتعرفهاش – واللي تلقائيًا بياخدوا دور الضحية – وعلشان كده الناس بتنفر منها وده بيعزز من عزلتهم أكتر وبالتالي بيزيد من ردود أفعالهم العنيفة.

طبعًا ده مش معناه إن أوديسيوس شرير وإنه المفروض مكانش عمل اللي عمله. أوديسيوس مكانش قدامه حل تاني غير الخديعة والعنف علشان ينقذ نفسه وجنوده (مع إنه هم اللي غلطانين من الأول إنهم دخلوا الكهف وأكلوا من غير استئذان، بس ما علينا).. مشكلتي مع أوديسيوس بقى هي أخر حاجة عملها..

المفروض أي شخص طبيعي مكان أوديسيوس يبوس إيده وش وضهر إنه عرف يهرب أساسًا من موقف زي ده وياخد نفسه واللي معاه ويجري.. بس إزاي! أول ما ركب السفينة هو وجنوده أوديسيوس نَدَه على بوليفيموس بعلو صوته علشان يتنطط عليه وقال له “علشان بس يبقى في معلومك.. اللي خزقلك عينك وشوهك كده ماسمهوش ولا حد.. اسمه أوديسيوس العظيم ملك إيثاكا!”

طبعًا أول ما بوليفيموس عرف اتجاه الصوت راح أخد الصخرة الضخمة اللي كان سادد بيها مدخل الكهف ورماها في المياه ناحية السفينة. الصخرة ماجتش على السفينة بس وقعت قريب منها جدًا لدرجة إنها كانت هتتقلب ناحية الشط التاني لولا إن الجنود قدروا يتحكموا فيها بسرعة ويرجعوها تاني. بوليفيموس أول ما عرف اسم أوديسيوس قعد يدعي باباه بوسايدون إنه يطين عيشته – دعوة موجهة بقى – ويعاقبه على اللي عمله فيه. وفعلاً بوسايدون استجاب لبوليفيموس وخلى رحلة عودة أوديسيوس لبيته مهببة ومليانة بالصعاب لدرجة إنها استغرقت عشر سنين كمان.

في علم النفس بيُقال إن شخصية المخادع trickster archetype دايمًا بيبقى عنده رغبة دفينة للكشف عن نفسه وعن خداعه علشان الدهاء وراء خططه يُنسب ليه والناس تعرف قد إيه هو شاطر، وإن الغرور ده جزء متأصل في طبيعته المخادعة وبتبقى هي العيب أو الـtragic flaw اللي بيكون سبب في سقوطه\فشله.. فكل ما كان الشخص المخادع أناني أو متغطرس كل ما قدرته على الخداع عمرها بقى قصير.

في فيلم The Usual Suspects (1995) واحد من الشخصيات قال جملة عبقرية:

The greatest trick the devil ever pulled was convincing the world he didn’t exist.

فيما معناه إن أعظم خدعة قام بها الشيطان هي قدرته على إقناع العالم أنه غير موجود.

المخادع لما بيتخلى عن غروره ورغبته في إثبات وجوده وإرجاع الفضل لنفسه عمره ما بيتكشف، وقدرته على الخداع بتبقى أقوى وألعن مليون مرة. وده معناه إن أوديسيوس مخادع بس مصاب بداء الغرور اللي خلاه يكشف عن هويته في الأخر – الكشف اللي كان سبب سقوطه وعقابه اللي استمر عشر سنين. وده يوضح لنا ليه الرحلة المليانة بالصعاب دي كانت مهمة في تكوين شخصية أوديسيوس لما اتكلمنا عنها قبل كده وإنها ساعدته يفهم نفسه ويتغلب على عيوبه.

أحيانًا انعزالنا عن الآخرين واستغرقنا مع نفسنا لفترات طويلة سواء بشكل فعلي (العزلة في حالة بوليفيموس) أو بشكل نفسي (الغرور في حالة أوديسيوس) بيخلينا نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بشكل صحيح وعلى إدراك إننا غالبًا فينا نفس العيوب ونقاط الضعف اللي بنتهم بيها الآخرين.

اللحظة اللي أوديسيوس نَدَه فيها على بوليفيموس علشان يغيظه ويقول له اسمه توضح إن أوديسيوس لا يقل سذاجة عن بوليفيموس، وإن بالرغم من إن السايكلوبس المسكين هو اللي أتخزقت عينه في المغامرة دي علشان أفتكر إنه أمهر من أوديسيوس وجنوده إلا إن أوديسيوس هو اللي فعلاً أصاب بالعمى لما قرر يستسلم لغروره.