جيتير وتجربة البقرة في الحقل

موضوع النهاردة مستوحى من نقاش محتدم دار بيني وبين زميلة هرجع له تاني كمان شوية..

هنتكلم عن تجربة فكرية فلسفية شهيرة معروفة باسم “البقرة في الحقل” The Cow in the Field ألفها الفيلسوف الأمريكي إدموند جيتير Edmund Gettier علشان يبين العلاقة المتداخلة بين المعرفة واليقين.

جيتير بيقول لنا تخيلوا إن فيه فلاح والفلاح ده عنده بقرة وحيدة هي كل رأس ماله فبيخاف عليها جدًا وكل شوية بيبقى عايز يتطمن هي لسه موجودة في الحقل ولا لأ. المهم في يوم ماشفش البقرة في الحقل بتاعه فبقى هيتجنن وقعد يلف حوالين نفسه لحد ما قابل البوسطجي في طريقه فسأله إذا كان شاف البقرة بتاعته، البوسطجي طمنه وقاله إيوه يا عم اهدأ أنا شوفت البقرة بتاعتك في الحقل اللي جنبك. الفلاح هدي شوية بس برضه كان عايز يتأكد من وجود البقرة في الحقل اللي جنبه، راح فعلاً وشافها نايمة في حتة مزنوقة جنب شجرة كده فاطمن ورجع الكوخ بتاعه وهو متأكد من المعلومة اللي قالها له البوسطجي.

البوسطجي وهو راجع بقى من نفس الطريق اللي جيه منه لاحظ إن البقرة موجودة في مكان استحالة يكون الفلاح شافه لأنه بعيد عن الكوخ بتاعه واكتشف إن الشجرة اللي الفلاح افتكر إن بقرته نايمة جنبها وراها حيطة والحيطة دي مدهونة أبيض في أسود، فالبوسطجي فهم على طول إن الفلاح ماشافش البقرة ولا حاجة ولكن اتهيأله إن البقرة ورا الشجرة بسبب شكل ولون الحيطة.

في الأول الفلاح كان عنده “المعرفة” إن البقرة بتاعته موجودة في الحقل اللي جنبه، لكنها معرفة غير مؤكدة لأنها مش مبنية على أي دليل غير على كلام البوسطجي وبالتالي فهي أقرب للشك منها لليقين، وعلشان كده الفلاح قرر يروح يشوفها بنفسه. الفلاح لما شاف بقرته – أو أفتكر إنه شافها – تحولت المعرفة عنده من معرفة غير مؤكدة لمعرفة مؤكدة ومدعمة بالدليل (رؤية البقرة) وبالتالي بقى عنده يقين إن البقرة بتاعته كويسة وموجودة في الحقل اللي جنبه. تمام؟ لأ مش تمام..

جيتير بيقول لنا على الرغم من اعتمادنا كبني آدم على المعرفة المؤكدة باعتبار إن دي أعلى درجات اليقين فالعملية كلها بتاعت الوصول للحقيقة أو اليقين مش بالموضوعية والتأكد زي ما إحنا متخيلين حتى لو قايمة على التجربة المدعومة بالأدلة. الفكرة في التجربة اللي طرحها جيتير إن الفلاح وصل لليقين – وجود البقرة – من خلال التجربة وإنه راح يتأكد بنفسه وده كلام حلو جدًا وزي الفل، لكن المشكلة إن الدليل اللي استخدمه أو التجربة اللي عملها كانت متأثرة بشكل كبير بالمعرفة المسبقة غير المؤكدة اللي قايمة على الشك (كلام البوسطجي إن البقرة موجودة)، فطبيعي إنه أول ما راح وشاف بعينه أي حاجة لونها أبيض وأسود عقله بتلقائية ترجمها لوجود البقرة بالرغم إنها ممكن تكون أي حاجة تانية.

طيب نسيبنا من جيتير والبقر والكلام ده ونشوف مثال تاني.

نفترض إني سمعت من جدتي وأمي أن الشوكولاتة لو وقعت على الهدوم بتسيب بقعة.. أهي دي نوع من المعرفة بس غير مؤكدة لإنها غير مدعمة بدليل. فهعمل إيه بقى علشان أوصل للمعرفة اليقينية؟ هجيب قميص قديم عندي وأدلق عليه شوكولاتة وأغسله وأشوف هتسيب بقعة ولا لأ. طيب حصل إن بعد ما غسلته فضلت بقعة الشوكولاتة فعلاً، ساعتها هوصل لليقين إن الشوكولاتة بتسيب بقعة لإن خلاص المعرفة بقت مدعمة بالتجربة واليقين وهمشي أقول للناس يا جدعان الشوكولاتة بتسيب بقع على الهدوم خدوا بالكم.

النتيجة اللي وصلتلها قد تكون صحيحة لكن بما إن عقلي متأثر بشكل كبير بالمعرفة غير المؤكدة (كلام جدتي وأمي) فشاف النتيجة بشكل ظرفي محدود جدًا وتجاهل معطيات تانية كتير قد تشكك في يقينية النتيجة. يعني مش ممكن يكون نوع الشوكولاتة ده بالذات هو اللي بيسيب بقع علشان فيه مواد معينة في حين إن فيه أنواع تانية مش بتسيب؟ مش ممكن يكون الموضوع معتمد على خامة القميص وتفاعلها مع الشوكولاتة؟ مش ممكن يكون نوع المسحوق اللي استخدمته مش مناسب؟ مليون معطى وفرضية مخي تجاهلهم – غالبًا بدون قصد – واللي كان من شأنهم التشكيك في اليقين اللي وصلتله.. اليقين اللي كان مخي أصلاً متأثر بيه من البداية زي تأثر الفلاح بكلام البوسطجي وعماه عن التشكيك في البقرة\الحيطة الملونة اللي شافها بأم عينه.

طبعًا ده مثال عبيط بس استخدمته لتبسيط الفكرة. جيتير بيقول لنا إننا ممكن نطبق الموضوع ده على نظام المعرفة الإنساني ككل وفكرة الحقيقة واليقين وإزاي إنها وهم قائم على الأهواء الذاتية مهما اعتمدنا على الأدلة والتجارب الموضوعية.

طيب نرجع للنقاش اللي قولتلكم كان سبب في كتابة الموضوع أصلاً. كنت بتكلم مع زميلة ليا في الشغل عن فكرة العلامات الكونية (زي دي علامة يا مارد كده) وهي كانت شايفة إن الكون فعلاً بيبعت لنا علامات إرشادية في حياتنا بالسلب والإيجاب، وأنا مختلفة معها وشايفة إن ده مجرد انعكاس لرغبات دفينة في عقلنا الباطن بتوجه مخنا إنه يشوف حاجات بعينها.. الفكرة إن عقلنا الباطن بيبقى عنده معرفة ما بس بتبقى محل شك لإنها غير مؤكدة زي بالظبط كلام البوسطجي، فاللي بيحصل إنه بيتجه للعالم الخارجي بحثًا عن الدليل أو المعرفة المؤكدة اللي هتحول الشك ده ليقين، وساعتها ممكن يترجم أي معطى على إنه الدليل اللي بيدور عليه زي ما الفلاح شاف إن الحيطة الملونة هي البقرة بتاعته.

اللي أنا شايفاه من تجربة البقرة في الحقل إنها مش بتنفي فكرة المعرفة اليقينية ولكنها بتحد من موضوعيتها وبتفكرنا إننا مهما بلغنا من اليقين والإيمان بشيء ما فلازم نبقى فاهمين إن اليقين ده مش متأصل في الكون ولا يطبق على جميع الموجودات والبشر وإن مش معنى إني توصلت لحقيقة ما – مهما كانت تجاربي وأدلتي عظيمة وغير قابلة للدحض – يبقى لازم أفرضها على بقية البشر أو أتوقع إنهم هيتوصلوا لنفس الحقيقة.

حتى كل الكلام اللي قاعدة أهري فيه من الصبح ده مهما بلغ من المنطقية برضه متأثر بوجهة نظري الذاتية ومجموعة معارفي المسبقة.

الكلام ده قد يبدو محبط ومخيف بعض الشيء بس لو فكرنا فيه هنلاقيه مريح لحد ما لإنه بيوضح لنا إن مفيش قواعد للكون أو لحقيقة الكون بالمعنى المطلق.. احنا اللي بنعمل القواعد واحنا اللي بنختار نمشي عليها ولا لأ. في قصة “The Curious Case of Benjamin Button” للأديب الأمريكي F. Scott Fitzgerald البطل بيقول لابنه إن الحياة بلا قواعد مُقيدة وفي أي وقت ممكن يكمل في الطريق اللي ماشي فيه أو يغيره.. كل شيء ممكن. اللي عايز يقوله إن كل الحقائق اللي في دماغنا عن الحياة والنفس والعلاقات والشغل والنجاح.. إلخ هي بناء متغير وإحنا حابسين نفسنا جواه.

لا أحد يملك الحقيقة الكاملة.. لا عالم ولا فيلسوف ولا رجل دين ولا فنان، واليقين اللي بنوصله هو زورق صغير في بحر واسع عملناه بإيدينا وعلى مقاسنا علشان نفضل طافيين على وش المياه، إنما المصيبة إننا نحاول نحشر ناس معانا في الزورق بتاعنا بالعافية لإن في مرحلة ما الزورق هياخدنا كلنا ويغرق.

سفينة ثيسيوس والهوية

النهاردة هنتكلم عن سفينة ثيسيوس The Ship of Theseus..

سفينة ثيسيوس مش أسطورة ولكن هي تجربة فلسفية فكرية قديمة جدًا مبنية على أسطورة ثيسيوس الإغريقية وتناولها الفلاسفة على مر العصور بأشكال مختلفة.

ثيسيوس لو تفتكروا هو ابن إيجيوس Aegeus اللي اتكلمنا عليه قبل كده اللي راح قتل المينوتور ورجع ونسي يغير أشرعة سفينته فإيجيوس افتكره مات فانتحر.. فاكرين؟ لو مش فاكرين مش مشكلة لأن ده مش موضوعنا دلوقتي. المهم إن ثيسيوس من أشهر أبطال الأساطير الإغريقية ويُقال إنه من أهم مؤسسي مدينة أثينا.

التجربة الفلسفية الإفتراضية بتقول إن بعد موت ثيسيوس أهل أثينا قرروا يحتفظوا بالسفينة بتاعته في متحف تخليدًا لذكراه وللحروب والمعارك اللي خاضها، وبمرور الوقت ألواح السفينة ابتدت تقدم وتتهاوى، فكان كل ما لوح يقدم القائمين على المتحف يشيلوه ويحطوا مكانه واحد جديد علشان يحافظوا على السفينة. الأسئلة اللي بتطرحها التجربة هي: هل السفينة كده هتفقد قيمتها؟ هل ينفع أصلاً إطلاق اسم “سفينة ثيسيوس” على السفينة المُرممة؟ وبعد تغيير كام لوح بالظبط هتفقد السفينة هويتها كسفينة ثيسيوس؟

الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز Thomas Hobbes جيه وقرر يعقّد لنا الدنيا أكتر وأكتر. هوبز قال فلنفترض إن كان فيه شخص بياخد كل الألواح القديمة بتاعت السفينة اللي بيتم استبدالها بألواح جديدة وبنى بيها سفينة تانية الخالق الناطق سفينة ثيسيوس.. كده أي من السفينتين هتبقى هي فعلاً “سفينة ثيسيوس”؟ السفينة اللي مبنية حديثًا من الألواح القديمة ولا السفينة القديمة التي تم ترميمها واستبدالها بالكامل بألواح جديدة؟

على مر العصور الفلاسفة قعدوا يهروا وينكتوا في نفسهم علشان يحلوا المعضلة دي.. اللي يقولك لأ طبعًا السفينة اللي معمولة من الألواح القديمة هي سفينة ثيسيوس لأن هوية الشيء بتعتمد على الأجزاء المكونة له، واللي يقولك السفينة المُرممة هي سفينة ثيسيوس لأن هوية الشيء بتعتمد على القيمة اللي بنديها له، واللي يقولك السفينتين بيحملوا هوية سفينة ثيسيوس ولكن في بُعدين مختلفين، واللي يقولك الاتنين مش سفينة ثيسيوس أصلاً لأن وجود السفينة المعنوي متعلق بزمان ومكان معين فُقد خلاص.

الفيلسوف اليوناني هرقليطس Heraclitus ومن بعده أرسطو Aristotle اتكلموا عن الموضوع ده باستفاضة وحاولوا يفهموا على أي أساس بننسب للشيء هوية ما. أرسطو مثلاً بيقول لنا إن ماهية الشيء بتعتمد على أربعة عوامل: العامل المادي material cause والعامل البنائي formal cause والعامل الفعال efficient cause والعامل النهائي final cause . ببساطة شديدة، العامل المادي هو المادة اللي معمول منها الشيء، العامل البنائي هو تصميم أو شكل الشيء، العامل الفعال هو القوى اللي ساعدت في خلق الشيء، وأخيرًا العامل النهائي هو الغرض اللي من أجله الشيء أتعمل. لوطبقنا ده على الكرسي اللي أنت قاعد عليه دلوقتي.. ممكن نقول إن ماهيته كالكرسي ده تحديدًا بتعتمد على الخشب\المعدن اللي مصنوع منه (العامل المادي) وعلى شكله عامل إزاي (العامل البنائي) وعلى الشخص اللي صممه وكل الأدوات التي استُخدمت في صناعته (العامل الفعال) وأخيرًا على الغرض اللي أنت على أساسه اشتريت الكرسي.. هل هو كرسي للمذاكرة ولا للنوم ولا للسفرة.. إلخ (العامل النهائي).

أرسطو بقى بيقول إن أهم عامل من دول واللي على أساسه جزء كبير من ماهية الشيء بتتحدد هو العامل البنائي أو شكل الشيء، وهنا بيستعين بمثال وضعه هرقليطس عن نهر. هرقليطس بيقول إن النهر هيفضل نهر حتى لو اتغير العامل المادي.. يعني لو جري فيه عصير قصب بدل المياه هيفضل برضه نهر (طبعًا الراجل ماقالش عصير قصب.. أنا بجوّد)، وبرضه النهر هيفضل نهر حتى لو اتغير العامل النهائي والناس استخدمته لأغراض مختلفة، الحاجة الأساسية اللي بتخلينا نقول على النهر نهر هو شكله أو تصميمه اللي لو أتغير هنقول عليه بحيرة أو جدول.. إلخ. أرسطو بيستخدم المثال ده وبيطبقوا على سفينة ثيسيوس علشان يوصل لأن السفينة المُرممة اللي في المتحف مش هتفقد هويتها وهتفضل سفينة ثيسيوس وده لأن العامل البنائي بيفضل زي ما هو حتى مع تغير العامل المادي أو المادة المصنوعة منها ألواح السفينة.

الحقيقي وجهة نظر هرقلطيس وأرسطو ضعيفة ويمكن تطبيقها فقط على أشياء مادية معينة ولو اتكلمنا على نطاق أوسع شوية النظرية مش هتصمد معانا، يعني مثلاً لو شركة غيرت نشاطها وإدارتها بس احتفظت بنفس الاسم هل كده تعتبر نفس الشركة؟ طيب لو احتفظت بالنشاط بس غيرت الإدارة والاسم هل كده بقت شركة تانية؟ وإيه أصلاُ هيبقى العامل المادي والعامل البنائي في الحالة دي ؟

المهم بقى إن الفلاسفة في العصر الحديث عند تطرقهم لمعضلة سفينة ثيسيوس ماتوقفوش عند ماهية الأشياء واستخدموا السفينة كمجاز لمحاولة فهم مفهوم “الهوية” عند الإنسان.. وهنا تبدأ اللعبكة الحقيقية.

أكيد سألت نفسك في يوم إيه اللي بيخلي أنا أنا؟ يعني هل هويتي أو معرفتي لذاتي معتمدة على شكلي؟ ولا على أعضائي (قلبي ومخي وكليتي وكبدتي وفشتي.. إلخ)؟ ولا على أفكاري؟ ولا على ذكرياتي؟ ولا على مشاعري؟ ولا على أفعالي؟ طيب لو حاجة من دول اتغيرت هل كده أنا هفقد هويتي؟ طيب لو كلهم اتغيروا؟ هل هتعامل مع نفسي والآخرين هيتعاملوا معايا على إني شخص آخر؟

على سبيل المثال، دلوقتي أنت بعد الشر عملت حادثة واضطريت بعدها تعمل عمليات تجميل كتيرة غيرت من شكل وشك وجسمك تمامًا، هل هتفضل محتفظ بنفس هويتك؟ أكيد ايوه، وده معناه إن شكلنا مش هو الحاجة اللي بتحدد هويتنا.

طيب مثال تاني، دلوقتي أنت بعد الشر عملت نفس ذات الحادثة تاني واضطريت بعدها تركب قلب غير قلبك أو كلية غير كليتك، هل هتفضل محتفظ بهويتك ولا هتقول خلاص أنا بقيت حد تاني؟ غالبًا هتفضل محتفظ بهويتك عادي خالص وده معناه إن مش أعضائنا هي اللي بتحدد هويتنا. فيه فيلم شوفته من زمان كده أعتقد اسمه Repo Men قصته بتدور في المستقبل وبتقول إن الإنسان هيبقى عنده القدرة إنه يستبدل أي عضو من أعضاء جسمه بعضو صناعي، فهل ساعتها هيفضل نفس الشخص ولا لأ؟ وبعد استبدال كام عضو تحديدًا هنبتدي نعتبره شخص آخر؟

طيب مثال تالت، دلوقتي أنت وقعت على دماغك وفقدت الذاكرة، هل هتفقد هويتك والناس هتتعامل معاك على إنك أشرف مش هاني؟ على الرغم إن الموضوع هسيببلك أزمة هوية بس هتفضل في نظر الناس اللي حواليك والدنيا كلها هاني مش أشرف حتى لو أنت شخصيًا نسيت إنك هاني، وده معناه إن ذكرياتنا مش هي الحاجة اللي بتحدد هويتنا.

وبعيدًا عن الأمثلة الخزعبلية، أنت لو جبت صورة لنفسك وأنت صغير وصورة لنفسك دلوقتي وقارنت بين الشخصين.. هتلاقي الشكل اتغير جدًا وممكن لدرجة يصعب بيها ربط الصورتين ببعض أصلاً، هتلاقي إن أفكارك ومبادئك اتغيرت تغير جذري ومشاعرك تجاه الحاجات اللي بتحبها والحاجات اللي مابتحبهاش هي كمان اتغيرت.. حتى أحلامك وأهدافك.. كل حاجة! ليه ساعتها على الرغم من كل الاختلافات دي بتفضل رابط بين الشخص اللي في الصورة الأولانية والشخص اللي في الصورة التانية؟ ليه بتفضل أنت أنت في نظر نفسك واللي حواليك؟

الحقيقة إن الموضوع ده مؤرقني طول عمري ومعطل تطوري الوجودي البائس.. يعني مثلاً كل مرة مشاعري تجاه أشخاص أو حاجات – مهمة أو تافهة بس كنت معتبراها من ركائز شخصيتي – تتغير بخاف جدًا وبحس إن جزء مني طار (أو ماكنش موجود أصلاً) وإن فكرتي عن نفسي اللي بتكلم عنها بكل ثقة دي مش حاجة ثابتة وإني كل ما أحاول أمسك فكرة ما عن أنا مين بالظبط تتزفلط من إيدي. وعلشان كده برضه بستغرب الناس اللي بتتكلم بكل ثقة عن نفسها وعن أفكارها ومبادئها ومشاعرها وأحلامها كأنها محفورة في الصخر مش ألواح خشب عطنة ممكن تتهاوى وتتغير في أي وقت.

فيه أستاذ في علوم الحاسبات اسمه نوسون يانوفسكي Noson Yanofsky كتب مقال جميل جدًا عن معضلة سفينة ثيسيوس الفلسفية وربطها بأزمة الهوية في الوجود الإنساني. يانوفسكي بيطرح أسئلة شبيهة باللي إحنا تطرقنا ليها فوق وفي الأخر بيقول إن المعضلة ملهاش حل لأننا بنتناولها بشكل غلط أصلاً.. يعني المفروض مانسألش هي دي سفينة ثيسيوس ولا لأ لأن معندناش تعريف محدد مُتفق عليه لإيه هي سفينة ثسيسوس، اللي عندنا معطيات غير موضوعية عن السفينة بتختلف بشكل كبير من شخص لآخر.. واحد شايفها على إنها أسطورة وواحد شايفها على إنها شوية خشب وواحد شايفها على إنها قيمة تاريخية وواحد شايفها على إنها شكل جمالي حلو.. إلخ.

يانوفسكي بيطبق الفكرة دي على هوية الإنسان وبيقول إن ملهاش تعريف أو إطار محدد في العالم الخارجي اللي كلنا مشتركين فيه وبالتالي استحالة نتفق على تعريفها ومكوناتها. بيقول ببساطة إن الهوية لا تنبع من ذات الفرد ولا برضه هي محفورة في العالم الخارجي.. أومال هي إيه يا عم يانوفسكي؟!

هويتنا أو إدراكنا لنفسنا بينبع من انطباعات الآخرين الذاتية عنا، أو مجموع الصور الذهنية اللي شايفنا بيها كل شخص يعرفنا.. هويتنا ببساطة هي مجمل الانطباعات دي. يعني أنت وجودك كأشرف أو هاني ملهوش معنى من غير ما يكون كل اللي حواليك شايفينك كأشرف أو هاني.. كل واحد منهم رؤيته ليك جزء من ال jigsaw puzzle اللي بيكون هويتك.

سفينة ثيسيوس (هويتنا) وهم، مش بس علشان هي أسطورة ولكن علشان ملهاش معنى\وجود ثابت متأصل وكينونتها هتفضل تتغير بتغير الناس اللي بتبص عليها.

ميداس وطبيعة الرغبة البشرية

النهاردة هنتكلم عن أسطورة شهيرة جدًا وهي أسطورة الملك ميداس.

في يوم من الأيام دايونيسوس Dionysus إله الخمر والسكر والعربدة (والمعروف أيضًا باسم باخوس Bacchus) كان عامل قعدة أنس مع أصحابه وأتباعه بيسكروا ويعربدوا فيها براحتهم لدرجة إن واحد من أتباعه اسمه سيلينوس Silenus تقل في الشرب حبتين وفضل هايم على وجهه كده لحد ما أنتهى بيه الحال في حديقة واسعة وأتقلب ونام. المهم الحديقة دي طلعت حديقة الملك ميداس Midas ملك فيرجيا اللي لما عرف بوجود تابع من أتباع دايونيسوس في القصر طلب من الخدم يوفروله مكان ينام فيه ويأكلوه ويشربوه على الرغم من إنهم مكانوش طايقينه وعايزين يطردوه.

دايونيسوس لما عرف إن ميداس استضاف سيلينوس وعامله كويس راحله بنفسه يشكره وقاله أطلب مني أي حاجة هحققهالك. ميداس، اللي كان معروف عنه حبه الشديد للدهب، طلب أول أمنية جات في باله وهي إنه يحول أي حاجة يلمسها لدهب. دايونيسوس استغرب جدًا من الطلب وسأله أنت متأكد ده اللي أنت عايزه؟.. ميداس رد بكل حماس وقال أيوه.

وفعلاً وهب دايونيسوس لميداس القدرة على تحويل أي حاجة يلمسها لدهب. ميداس حب يجرب موهبته الجديدة فلمس وردة اتحولت لدهب، مسك طوبة في الأرض اتحولت لدهب. ميداس مبقاش مصدق نفسه من الفرحة وقعد يحول كل حاجة حواليه لدهب لحد ما جاع وطلب من الخدم يحضروله الأكل. ميداس زي العبيط مسك ثمرة فاكهة اتحولت في إيده لدهب وماعرفش يأكلها.. حب يشرب شوية مياه راحت الكوباية باللي فيها اتحولوا لدهب.

ميداس أخيرًا استوعب المصيبة اللي حط نفسه فيها وإن الحاجة اللي اتمناها هي لعنة ومابقاش عارف يعمل إيه. في الروايات الأحدث للأسطورة يُقال إن بنته الصغيرة دخلت عليه وشافته قاعد حزين ومهموم فحاولت تخفف عنه، ميداس سعد بوجودها جدًا ومن غير مايفكر وبكل عفوية حضنها وغصب عنه لقى بنته بتتحول لتمثال من الدهب بين إيديه. ميداس طبعًا أتجنن وراح لدايونيسوس يترجاه ياخد منه الهبة المهببة اللي أدهاله، دايونيسوس الأول ماوافقش بس إصرار ميداس خلاه يلين وقاله يروح لنهر باكتولس Pactolus يستحمى فيه وهو هيفقد لمسته الذهبية، وكمان قاله يغطس فيه أي حاجة اتحولت لدهب هترجع لأصلها تاني. ويُقال إن علشان كده نهر باكتولس (معروف حاليًا بـ Sart Çayı وموجود على سواحل تركيا) كان مشهور برماله الذهبية وبغناه بالإلكتروم.

أسطورة ميداس لما بتتحكي دايمًا بترتبط بالجشع وإزاي إن جشع ميداس عماه عن فهم طبيعة أمنيته من الأول وبالتالي عقابه كان مبرر ومستحق. اللي مخلي حدوتة ميداس تظهر بالشكل ده هو إن الحاجة اللي بيحبها ميداس – الدهب – مرتبطة بشكل كبير في أذهاننا بالمادة وبالتالي بنربط بين ميداس وبين حب المادة. الفكرة بقى إننا لو طبقنا حب ميداس للدهب وأمنيته “العبيطة” إن أي شيء يلمسه يتحول لدهب على أي حاجة تانية هنلاقي إن دي رغبة طفولية مترسخة جوانا. يعني الأطفال لما بيحبوا حاجة ويقولوا “أنا عايز الدنيا كلها تتحول لغزل بنات” ولا “أنا عايز الناس كلها تبقى ماما” هل ساعتها ممكن نوصفهم بالجشع؟ ولا دي غريزة فينا إننا نشعر بالرغبة العارمة للحاجة اللي بنحبها؟ طيب الراجل اللي بيحب الستات الحلوة ونفسه العالم كله يتحول لستات حلوة أو الشخص اللي بيحب أم علي بالمكسرات فنفسه كل المطاعم تقدم أحلى أم علي بالمكسرات.. هل دول كمان ينفع نتهمهم بالجشع؟

أنا شايفة إن الأسطورة فلسفية في المقام الأول مش أخلاقية خالص وبتلخص طبيعة الرغبة الإنسانية وإزاي إنها بتخلق جوانا صورة مُلحة غير واقعية – ونحط مليون خط تحت غير واقعية دي – للتأكد من استمرار الإنسان في اشتهاء الشيء وبالتالي بتضمن الرغبة استمراريتها في النفس البشرية.. حاجة كده زي الحصان اللي بيربطوله جزرة قدام وشه ويفضل يجري علشان يمسك الجزرة ويأكلها. طول ما هو مش عارف يوصلها الحصان متخيل إن الجزرة هي محور حياته وغالبًا ألذ حاجة ممكن يأكلها ومخه بيفضل يعظمله في الصورة دي (علشان الناس اللي بتتفزلك طبعًا إحنا مش عارفين إيه اللي بيحصل جوا دماغ الحصان بس ده مثال عادي والله) في حين إننا لو فكينا الجزرة وأدينهاله هيأكلها ويفرح وكلها كام ساعة ويُحبط ويجوع تاني وممكن أصلاً يشتهي حاجة غير الجزر.

الراجل اللي بيحب الستات الحلوة ده تخيلوا كده لو قدر يحول كل الستات في الدنيا لستات حلوة – وفقًا لذوقه يعني – طيب ما هو هيجي عليه وقت هيفقد التمييز بين إيه الحلو وإيه اللي مش حلو والكل عنده هيبقى قيمته واحدة من الجمال وفي الأخر مش هيحس بأي تميز أو سعادة. زيه زي الراجل اللي نفسه كل الأكل يتحول لأم علي بالمكسرات، لو مماتش بالسكر يبقى هيموت من الزهق وهيلاقي نفسه بياكل خشاش الأرض.

وليه رابطين الرغبة بالحاجات المادية بس؟ ما هو فيه من الناس رغبتهم النجاح وعايزين حياتهم كلها تبقى نجاح في نجاح، فيه منّا رغبتهم الحب وعايزين حياتهم كلها تبقى حب في حب. دول يختلفوا في إيه عن ميداس اللي كان عايز كل حاجة حواليه دهب في دهب؟ برضه عقلهم بيرسملهم صورة غير واقعية مُلحة عن شكل تحقق الرغبة دي علشان يضمن استمراريتها جواهم، فبيتخيلوا إن الحياة اللي كلها نجاح في نجاح أو حب في حب أو دهب في دهب دي ممكنة فعلاً ولو اتحققت هتتسبب في سعادة غامرة وراحة بال.

وأنا صغيرة كان عندي رغبة متخلفة زيي إني أحوّل أي شخص أكلمه أو أتعامل معاه لإنسان كويس ومبسوط مهما كان وحش أو شرير أو تعيس. طبعًا غير إن الرغبة دي كانت مخلياني حاطة نفسي في منزلة أخلاقية أعلى من غيري فهي كانت رسمالي صورة غير واقعية عن طبيعة اللي أنا عايزاه، وكنت في دماغي متخيلة كل الناس اللي حواليا طيبين وعايشين في سعادة والفراشات حوالينا والهبل ده وكنت بأصيب بالاحباط جدًا لما بفشل في إسعاد حد أو إني أقنع حد يبقى كويس. لما كبرت وقرأت أسطورة ميداس أول حاجة جات في بالي الرغبة الطفولية اللي كانت عندي دي وقد إيه إنها كانت عمياني عن طبيعة الحياة والموجودات ومفهوم السعادة. ساعتها لو كان عندي قدرة ميداس وقدرت فعلاً أحول كل اللي حواليا لناس كويسة ومبسوطة الحياة كانت هتبقى مملة جدًا وهفقد إحساسي بالصح والغلط والسعادة والحزن.. إلخ.

المضحك في الموضوع بقى إن “لمسة ميداس” Midas touch في مجالات الأعمال والتسويق والتنمية البشرية ليها معنى إيجابي وبتطلق على أي شخص عنده القدرة إنه يحول كل مشروع أو علاقة يدخلها لحاجة ناجحة. ومش عارفة والله مين اللي ساعد على انتشار المفهوم البائس ده بس كان محتاج يقرأ الأسطورة لأخرها ويعرف إنها لعنة مش هبة.

ميداس أدرك الطبيعة الخادعة لرغبته لما أكتشف إن مش شطارة إنه يخلي كل اللي حواليه بيبرق وإن مش لازم كل حاجة حواليه تبقى دهب علشان يتبسط وإن الدهب بيستمد قيمته من ندرته، وإن فيه حاجات مش دهب بس أقيم مليون مرة منه. والراجل اللي بيحب الستات الحلوة لازم يدرك إن اختلاف درجات الجمال هو اللي بيدي لما يرغبه من جمال معنى، وإن الجمال قيمته قد لا تتعلق بالشكل أصلاً. والشخص اللي بيحب أم علي بالمكسرات لازم يدرك إنه بيحبها علشان مابيأكلهاش كتير ويمكن الامتناع ده يدفعه لتذوق واكتشاف أطباق أحلى وأطعم.

تعليق سعادتنا على حاجات\فرص\أشخاص معينة والاعتقاد بإن وجودهم الدائم والغامر في حياتنا هيسببلنا السعادة هو وصفة مضمونة لخيبة الأمل وكسرة القلب سواء الرغبة دي اتحققت أو ماتحققتش. الاستسلام للرغبة بيعمينا عن إمكانياتنا وقدراتنا وعن اكتشاف عدد لا متناهي من الاحتمالات وفرص السعادة.

أنا مابقولش إننا نقتل كل الرغبات اللي جوانا، بالعكس! الرغبة من المشاعر الرائعة والمطلوبة كمان لضمان استمراريتنا كجنس بشري.. الفكرة إننا نفهم طبيعتها غير الواقعية ومانخليهاش تسيطر علينا وتتحكم فينا وتحد من العالم جوانا والدنيا حوالينا.

ثاناتوس والموت.. والحياة

النهاردة هنتكلم عن ثاناتوس.. أو الموت.

ثاناتوس Thanatos في الأساطير الإغريقية هو إله الموت، وده مختلف عن هيدز (أو هاديس) Hades إله العالم السفلي، بمعنى آخر ثاناتوس كان بيقبض الروح وينزلها لهيدز في عالم الموتى.

ثاناتوس قليل الظهور في الأساطير الإغريقية وده يوضح إنه كان إله غلبان مش بتاع مشاكل، يعني جات سيرته في الإلياذة عند موت ساربيدون Sarpedon اللي هنتكلم عنه دلوقتي، وأتذكر مرة كمان في أسطورة ألكيستيس Alcestis (هنحكيها مرة تانية)، وطبعًا الدور اللي لعبه في أسطورة سيزيف Sisyphus الشهيرة اللي أتكلمنا عليها قبل كده وإزاي إن سيزيف خدعه مما تسبب في عقابه الأبدي الشهير.

في علم النفس ثاناتوس دائمًا بيُذكر بالمقارنة مع إيروس Eros إله الحب الغريزي وده يرجع للنظرية اللي حطها فرويد وكملها تلاميذه بخصوص الغرائز المتحكمة في الطبيعة البشرية. النظرية دي بتقول لنا إن دوافع الإنسان وأفعاله كلها يمكن تصنيفها لغريزتين متقابلتين: غريزة البقاء وغريزة الفناء. غريزة البقاء أُطلق عليها اسم إيروس ويندرج تحتها كل الأفعال اللي بتضمن استمرارية الإنسان زي الأكل والحب والجنس.. إلخ، وغريزة الفناء أُطلق عليها اسم ثاناتوس ويندرج تحتها كل الأفعال اللي بتؤدي إلى فناء الإنسان زي العنف وإيذاء النفس والغير والانتحار.. إلخ. وفقًا للنظرية دي، المفروض إن الغريزتين في صراع دائم داخل النفس البشرية، فانتصار إيروس معناه استمرارية الإنسان وانتصار ثاناتوس معناه فناءه.

ممكن حد يسأل طيب ليه كلنا جوانا غريزة الموت أو الرغبة في تدمير الذات مع إنها ماشية ضد فكرة الوجود أصلاً؟ ليها نعتبرها حاجة طبيعية موجودة فينا كلنا؟

أولاً، الإنسان مكانش هيفهم يعني إيه حياة واستمرارية إلا بوجود فكرة الموت والفناء.. الإنسان لو كان كائن خالد مكانش هيفكر أصلاً في موضوع الاستمرارية ده ولا هيجي على باله ولا هيفهم فكرة “الحياة”، وبالمثل الإنسان لو كان فضل عدم.. مجرد لا شيء.. برضه مكانش هيفهم يعني إيه فناء وإيه الموت ده أصلاً. وبالتالي فوجود الغريزتين بيضمن إدراك الإنسان لوقوعه بين قوتين بيحددوا وجدانه وطريقة رؤيته لنفسه وللكون من حوله.

ثانيًا، ماينفعش نفكر في الحياة والموت على إنهم نقيضين أو غريزتين قاعدين يتخانقوا جوانا طول الوقت لأن أحيانًا الموضوع مابيبقاش بالوضوح ده والخطوط بتتداخل. أحيانًا الرغبة في تدمير الذات أو الغير بتبقى هدفها الاستمرارية والتأكيد على الحياة. ممكن أم تضحي بحياتها علشان تضمن إن ولادها هيعيشوا أو واحد يدمر مدينة بأهلها علشان يضمن استمرارية شعبه أو واحد يمارس رياضات خطيرة علشان يحس بنشوة الحياة. والعكس صحيح، استمرارنا كلنا في الحياة على الرغم من إدراكنا إن الإمعان فيها، سواء بالجهد أو الوقت، هو نوع من التأكيد على حتمية الموت والاتجاه نحوه.

من الأسباب اللي برضه بتخلينا نشوف الحياة والموت على إنهم نقيضين هو إننا بنفكر فيهم بشكل وجود وغياب، وفي الوعي الجمعي الإنساني الوجود هو شيء إيجابي، في حين إن الغياب شيء سلبي (مع إن مش بالضرورة يعني لو فكرنا فيها)، وعلشان كده ومن قديم الأزل الإنسان بيشوف الفناء على إنه حاجة سلبية.

نسيب الفكرة دي تستوي شوية ونرجع لثاناتوس.

ثاناتوس كان بيتم تصويره زمان على إنه راجل ابن حلال بدقن وأجنحة كده وفي أحيان أخرى كان بيرسموه على شكل شاب صغير وسيم بأجنحة برضه. ثاناتوس مكانش بيشتغل لوحده ويقال إن له أخوات أشرار اسمهم الكيريس Keres ودول كانت وظيفتهم قبض أرواح الناس اللي بيموتوا موتات عنيفة خصوصًا في الحروب.. معنى كده إن الإغريق مكانوش شايفين إن الموت كله شر أو حاجة سلبية وإن الموضوع بيعتمد أكتر على إزاي وليه الإنسان مات. ده غير إن ثاناتوس له أخ توأم اسمه هيبنوس Hypnos أو النوم، وده ممكن نربطه بالمعتقدات الدينية والروحانية اللي بتشوف النوم على علاقة وثيقة بالموت أو كأنه الموتى الصغرى، وبالتالي فالموت زي النوم نوع من أنواع الرحمة والراحة.

في الإلياذة بيُحكى إن أثناء حرب طروادة ساربيدون ابن زيوس اتقتل وكان معروف عنه الشهامة وهو بيدافع عن الطرواديين. المهم إن حصل تنازع على جثته، بين الإغريق وأهل طروادة، وعلى روحه، بين الكيريس وثاناتوس، لدرجة إن أبولو تدخل وأخد الجثة وأداها لثاناتوس وأخوه هيبنوس علشان ياخدوه مكان بعيد عن الهري ده كله.. وفعلاً بكل سلام ثاناتوس وهيبنوس بيحملوا جثة وروح البطل ساربيدون بعيدًا عن الأرض والحرب والصراع.. بعيدًا عن الحياة.

في عصرنا الحديث ثاناتوس هو أصل مصطلح طبي مثير للجدل: Euthanasia أو الموت الرحيم، وده مصطلح بيُطلق على الحالات اللي بيتم فيها إنهاء حياة المرضى الميؤوس منهم لوضع حد لمعانتهم. بغض النظر عن الجدل الدائر حول الموضوع نفسه وسواء دي حاجة صح ولا غلط، فكرة الموت الرحيم نفسها والظروف المحيطة بها أكبر دليل على تداخل مفهوم الحياة والموت والخير والشر والرحمة والقسوة وإن الخطوط الدينية والأخلاقية اللي بعض الناس حاطاها بحديد مسلح دي مش بالوضوح زي ما هم فاكرين.

فيه مقال عظيم قرأته من سنتين تقريبًا اسمه “The Cyclops Child” الدكتور اللي كتبه بيحكي عن موقف حصل له وهو لسه دكتور صغير في مستشفى كاثوليكية. الدكتور بيقول إن فيه ست خلفت طفل بعيب خلقي معروف بال cyclops baby فيه إن الطفل بيبقى مولود بعين واحدة وتشوهات أخرى وفي أغلب الأوقات بيتولد ميت أو بيموت خلال ساعات من الولادة. المهم إن الطفل اللي أتولد ده كان عنده عين واحد وكان عنده صباع زيادة في أيده، ده غير إن المريء والقصبة الهوائية كانوا مفتوحين على بعض وبالتالي مكانش ينفع يأكلوه أصلاً، فحتى لو ماماتش لوحده هيموت من الجوع. المهم إن الطفل ماماتش وفضل عايش يوم واتنين وكان طبعًا بيعيط عياط هستيري طول الوقت علشان جعان والممرضات كانوا بيحاولوا يشيلوه ويهدوه لكن مفيش فايدة. الحالة دي كانت تاعبة الدكتور نفسيًا لأنه حاسس إن الرضيع بيتعذب علشان جعان وفي نفس الوقت هو مش قادر يخفف عنه ففكر إنه يخنقه من غير ما حد ياخد باله، بس برضه ضميره منعه لأن فكرة الموت\القتل متأصلة جواه أخلاقيًا، زيه زي بقية البشر، على إنها حاجة وحشة ومش من حق أي حد يمارسها أو يحدد جدواها، ده غير إن خنق الرضيع برضه هيتسبب له في ألم حتى لو لحظي.

على الرغم من أن المقال بيتناول مفهوم الموت الرحيم من منظور أخلاقي إلا إنه بيوضح لنا العلاقة المكعبلة بين الحياة والموت. الرضيع كان بيعيط علشان جعان مدفوعًا بغريزة الحياة اللي جواه.. هل في الحالة دي نصنفها كغريزة حياة ولا فناء أصلاً؟ وهل يمكن في الحالة دي إننا نفكر في الموت على إنه “غياب الحياة”؟ هل يمكن تصنيف الوجود اللي كان فيه الرضيع ده على إنه “حياة” وإن الحالة اللي كان فيها قبل وبعد على إنها “فناء”؟ هل رغبتنا في إنهاء معاناة الرضيع هي انعكاس لغريزة الحياة جوانا المرتبطة بالمتعة؟ هل الطفل ده لو كان له حرية اتخاذ القرار كان هيموت نفسه بالامتناع عن الأكل (غريزة الموت) ولا بالاستغراق في الأكل (غريزة الحياة)؟ إزاي نقول إن الاتنين بينهم تناقض وهم ليهم نفس النتيجة؟

أنا مش بسأل الأسئلة دي علشان أبرر الموت الرحيم أو الانتحار، ده مش موضوعنا أصلاً، أنا عايزانا بس نفكر أكتر في نظرتنا للحياة والموت وإن محدودية إدراكنا حولت الموت لنقيض الحياة.. لو شايفين الحياة وجود، يبقى الموت غياب، لو شايفين الحياة وقتية، يبقى الموت أبدي. طبعًا ده متفهم علشان علاقتنا بالموت بنستمدها بشكل رئيسي من غياب الآخرين بينما إحنا لسه متلغوصين في الحياة (اللي برضه بنختبرها بشكل ذاتي بحت!).. وده معناه إن فكرتنا منقوصة وغير مكتملة عن الاتنين. في حين إن الموضوع أكبر من كده والتشابك بين الموت والحياة أعقد من إننا نفصل بينهم بطريقة تفكرينا الثنائية دي.

ثاناتوس كان مجرد رسول، بينقل الروح من مكان لمكان.. مش يمكن لما نموت إدراكنا هو كمان يتنقل من مكان لمكان وتبقى حياتنا موت وموتنا حياة؟