الفلسفة الأنوية

تخيل إن كل اللي بيحصل حواليك في العالم ما هو إلا انعكاس لمشاعرك ورغباتك ومخاوفك الشخصية وإن مفيش أي حاجة لها وجود فعلي…

لو تفتكروا فيه فيلم أمريكي أتعمل سنة 1998 اسمه Sphere وبيحكي عن فريق من العلماء اكتشفوا جسم كروي غريب الشكل في قاع المحيط <تحذير حرق> وبعد ما بيدخلوا الجسم الكروي بتحصل سلسة من الأحداث الغريبة والمرعبة وفي الأخر بيكتشفوا إن الأحداث دي ما هي إلا انعكاس لمخاوف كل واحد فيهم تجسدت في الواقع. الفيلم متوسط المستوى بس بيعكس فكرة فلسفية مهمة جدًا ألا وهي الأنوية أو السولبسية Solipsism.

كلمة solipsism مشتقة من اللاتينية وتعني “الذات المتفردة”. الفلسفة ببساطة بتقول إن الإنسان مهما طلع ونزل واتشقلب ونام على جنبه ووقف على دماغه ففكرته عن المعرفة هي فكرة ذاتية بحتة لأن عمره ما هيقدر يعرف أي حاجة غير نفسه أو من خلال نفسه. بمعنى آخر، نفس الإنسان – بما تتضمنه من أفكار ومشاعر.. إلخ – هي الحاجة الوحيدة الأكيدة بالنسبة له والباقي كله بلح.

الفكرة دي الفلاسفة الإغريق اتكلموا فيها لحد ما ديكارت Descartes جيه في القرن السابع عشر وقال لنا بكل وضوح إن الإنسان هيفضل حبيس ذاته وإن لا سبيل للخروج من سجن الذات ده. اللي يقصده ديكارت إن معرفتنا بالعالم بتم من خلال الرؤية الذاتية: كأننا قاعدين في علبة صغيرة وخارمين فيها فتحة علشان نبص منها على العالم الخارجي، أي حاجة بنشوفها في العالم الخارجي محكومة باللي الفتحة دي بتسمح لنا برؤيته.

بعد ديكارت بثلاثة قرون، جيه الفيلسوف النمساوي لودفيج فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein عمل لنا تجربة الخنفسة في الصندوق اللي اتكلمنا عنها قبل كده. فيتجنشتاين أثبت من خلال التجربة دي إن على الرغم من إننا كجنس بشري اتفقنا على معاني مشتركة للأشياء المادية والمعنوية إلا إن كل واحد منا بيختبر الشيء ده بشكل مختلف خالص عن أي شخص تاني، وبالتالي فاحنا محكومين بتجاربنا الشخصية للأشياء واللي بنعكسها على الأشخاص الآخرين وبنعتبر إنهم بيختبروها بنفس الشكل لأن مفيش أي سبيل إني فعلاً أشوف الدنيا زي ما هم شايفينها، أو – من الأخر – إني أكون أي شخص آخر غير أنا.

أديت مثال على ده بمفهوم الألم. كل واحد مننا فكرته عن الألم مختلفة، وبالتأكيد كل واحد فيكم مجرد ما قرأ كلمة “ألم” رجع لتجربة ذاتية شعورية ما واستحضرها علشان يستوعب الكلمة، بس في النهاية كلنا بنتظاهر إن فكرتنا عن الألم مشتركة. نفس اللي بيحصل لما بتلاقوا حد كاتب بوست\تويت عن الحب أو عن الثورة أو عن المهلبية.. إلخ. من يومين كده كنت بتفرج على فيلم فيه طفلتين اتخطفوا وأي مشهد كان بيصور معاناة الأب والأم كنت بلاقي نفسي تلقائي بستحضر أو بتخيل تجربة ذاتية.. كنت بتخيل لو ده هحصل لبنت أخويا مثلاً وقلبي كان بيتقطع فعلاً.

هي دي الفكرة، عمرنا ما هنقدر نشوف الدنيا إلا من خلال السجن بتاعنا زي ما ديكارت ما قال، أو من خلال الصندوق اللي في إيدينا زي ما فيتجنشتاين وَضّح.

الفلسفة الأنوية ما وقفتش عند المحدودية المعرفية بس وبتسألنا: طيب بما إننا ما بنقدرش نختبر العالم إلا من خلال ذواتنا، ليه بنعتبر أصلاً إن فيه أي حاجة موجودة في العالم غير اللي احنا عارفينه وحاسين بيه؟ بتقول لنا ماذا لو كل اللي بيحصل حوالينا في الدنيا بواقعها وخيالها وبابا غنوجها هو انعكاس لأفكارنا ومشاعرنا وطموحاتنا ومخاوفنا زي بالظبط اللي حصل مع العلماء في فيلم Sphere؟

الفكرة مثيرة للاهتمام ومرعبة جدًا. مثيرة للاهتمام لأنها بتدفع الإنسان للتفكر في إنه قادر على التحكم في ظروفه واللي حواليه بما إن كل حاجة بتحصل له ما هي إلا مجرد انعكاس لذاته، بالمعنى الحرفي والنفسي. ومرعبة لأنها بتحط كل إنسان مكان الإله وبتقول له مفيش غيرك في الكون وإن كل حاجة موجودة حواليك علشان تخدم الواقع بتاعك أنت اللي مفيش غيره أصلاً. ده معناه إن كل الناس التانية اللي في العالم دي ملهاش وجود وإنهم مجرد جزء منك.. حاجة كده زي سيناريو The Matrix بس أنت الإنسان الوحيد اللي متوصل بالجهاز والنسخة دي من الواقع معمولة علشانك أنت بس.. يعني ماما وبابا وسميرة صاحبتك وحمادة ابن خالتك وطنط وفاء جارتك وعم ممدوح البقال كلهم ملهمش وجود في الواقع بمعزل عنك، هم موجودين علشان أنت تشوفهم وتتعامل معاهم. الفرق بس إن الأنوية بتقول لك إن المايتركس هي عقلك، كل حاجة حواليك في الكون هي نتاج عقلك وأنت الذات الوحيدة العاقلة في الكون.

ولو بصينا على الموضوع من ناحية نفسية فيه حالات من مرضى الذهان بيبقوا مقتنعين إن فعلاً مفيش أي حد أو أي حاجة حواليهم حقيقية وإن كل الواقع بتاعهم ده هو نتاج عقلهم ومخيلتهم، من وجهة نظر الفلسفة الأنوية الناس دس مش مجانين واحنا اللي مجانين.

بعيدًا عن الفلسفة والاحتمالات والخزعبلات، اللي بيهمني من أي فلسفة هو الجانب الأخلاقي منها. لو الفلسفة الأنوية بتقول لي إن مفيش غيري في الكون وإن مفيش أي طريقة أقدر أعرف بيها أي حاجة إلا من خلال ذاتي، هل ده يدفعني إني أكون شخص أناني ولا العكس؟

ممكن حد يقول أكيد يعني هبقى أناني! واحد شايف إن ذاته هي الحاجة الحقيقية الوحيدة في الكون فأكيد هيرمي أفكار زي التعاطف والمشاركة والحاجات دي في أقرب سلة زبالة ويركز على مشاعره ورغباته هو بس. ممكن حد تاني يقول لأ، لما أقتنع إن كل شخص حواليا هو امتداد\انعكاس لذاتي فده معناه إن محاولاتي لفهم الشخص الآخر هي أيضًا محاولات لفهم ذاتي.

الفهم ده للفلسفة هو بالظبط اللي استخدمه الكاتب الأمريكي آندي وير Andy Weir في قصته القصيرة “البيضة” “The Egg” اللي اتكلمت عليها كتير قبل كده واللي بيقول لنا من خلالها إن الإنسان بعد ما بيموت بيكتشف إن كل الناس اللي عاشت وعايشة وهتعيش على الأرض هي شخص واحد والكون ده كله معمول علشانه، وبالتالي فأن أي شخص بتقابله في حياتك وأحسنت إليه فأنت كده أحسنت لنفسك وأي شخص أسأت إليه فأنت كده أسأت لنفسك.

حتى لو ركزنا بس على فكرة محدودية المعرفة في الفلسفة الأنوية، هنلاقي إن لو اقتنعنا بأن كل قرارتنا وأحكامنا ورؤيتنا للعالم ككل مهما بدت في ظاهرها موضوعية فهي برضه متأثرة برؤينا الذاتية المحدودة، وده يخلينا نهبط شوية ونبطل نفترض إن كل ما هو بديهي\أخلاقي\جمالي\بطيخي بالنسبة لنا هو بالضرورة بديهي\أخلاقي\جمالي\بطيخي للآخرين.

سواء شوفت الفلسفة الأنوية على إنها محدودية المعرفة أو تفرد الوجود، ففي الحالتين النتيجة واحدة: أنت لوحدك.. بس على الأقل كلنا مشتركين في حالة الوحدة دي.

عرافة كوماي وحلم الخلود

في ظل هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العالم، بدل ما نستسلم للفزع ممكن نسلي نفسنا بممارسة أبسط الأنشطة الإنسانية، ألا وهي – لا مش اللي في دماغكم – حكي الحواديت والانخراط في المشاكل الوجودية والأسئلة الفلسفية.

النهاردة هنتكلم عن عرافة كوماي The Sibyl of Cumae..

اللي قرأ فيكم قصيدة “أرض الخراب” The Waste Land (1922) للشاعر توماس ستيرنز إليوت T. S. Eliot هيفتكر إنه ابتداها باقتباس من الكاتب الروماني بترونيوس Petronius بيقول فيها:

“لقد رأيت بأم عيني عرافة كوماي معلقة في إناء زجاجي، وعندما سألها الأطفال: أيتها العرافة، ماذا تريدين؟.. أجابت: أريد الموت.”

موت إيه وكوماي فين والست دي مين؟! نفرمل هنا شوية ونحكي الحدوتة من أولها.


وفقًا للأسطورة، كان فيه عرافة في مدينة كوماي معروفة بإخلاصها للمعبد وجمالها المبهر – كالعادة يعني! – وده خلى مين بقى يقع في حبها؟ الإله أبولو Apollo. أبولو عرض على العرافة إنه يحقق لها أي أمنية هي عايزاها مقابل إنه ينام معاها (في الروايات المؤدبة من الأسطورة، مقابل إنها تحبه). العرافة قعدت تفكر لحد ما قالت لأبولو “خلاص يا عم هنام معاك بس في المقابل عايزاك تخليني أعيش سنين بعدد حبات الرمل اللي في أيدي دي.” وراحت مسكت حفنة من الرمال في إيديها – كبشت شوية رملة من الأرض يعني – ووريتهم لأبولو. أبولو قال لها “بس كده؟ من عينيا يا ست البنات.” وفعلاً حقق لها أمنيتها. يُقال إن عدد حبات الرمل اللي هي مسكتهم كان ألف فالبتالي عاشت ألف سنة.

أبولو بقى جيه يطالبها بتنفيذ الجزء بتاعها من الصفقة بس العرافة رفضت وقالت له لأ ماينفعش أنا خادمة للمعبد وشرفي وكلام من ده. طبعًا أبولو أتجنن وحس إنه أتقرطس من العرافة لأنها خلفت وعدها له، فقرر ينتقم منها انتقام ملائم لغضب الآلهة.

أبولو ما أخدش منها الحياة شبه الأبدية اللي منحها لها – علشان مايبقش شكله إله عيل برضه – ولكنه فكر إنها في طلبها ماحددتش هي عايزة تعيش الحياة المديدة دي إزاي. فأداها فعلاً الحياة شبة الأبدية ولكن ما أدهاش معاها هبة الشباب، بالتالي العرافة فضلت تكبر تكبر تكبر وجسمها يضعف وعظامها تتهالك من غير ما تموت. جسم العرافة فضل يذبل بالشكل ده لحد ما أصبح كومة من اللحم والعظم.. الناس حطوها في برطمان وعلقوها في شجرة لحد ما عدت الألف سنة وماتت.

عقاب أبولو للعرافة بيفكرنا بعقابه لكاسندرا لو تفتكروا.. كاسندرا برضه وعدته إنها هتنام معاه وبعد ما أخدت منه القدرة على التنبؤ رفضته (تقريبًا أبولو كان إله الفريند زون) وبالتالي لعنها بإنه خلى كل اللي يسمعها مايفهمهاش ولا يصدقها. الاتنين ما أخدش منهم المنح اللي وهبها لهم في الأول، لكن عرف يحول المنح الإلهية دي للعنات.

أول سؤال تبادر لذهني بعد قراءة الأسطورة، ليه ممكن حد يتمنى حياة طويلة أقرب للخلود؟ من جمال الحياة أوي؟

الفيلسوف الإنجليزي برنارد ويليامز Bernard Williams بيحاول يجاوب لنا على السؤال ده في مقاله الشهير “The Makropulos Case: Reflections on the Tedium of Immortality” (1973). ويليامز بيقول إن احنا كجنس بشري مدفوعين بحلم الخلود والحياة المديدة مش حبًا في الحياة على قد ما هو خوف من الموت.. الخوف من المجهول أو من الفناء، إن الذات هتتوقف عن الوجود، إن احنا لسه ماخدناش كفايتنا من الحياة وإن أكيد فيه أكتر.

ويليامز بيقول لنا إن الشعور ده خادع لإن متع الحياة praemia vitae أو خوفنا من الموت بيعتمد بشكل رئيسي على رغباتنا غير المشروطة اللي كل ما زادت هتزيد رغبتنا في الحياة وخوفنا من الموت. هي إيه أصلاً الرغبات غير المشروطة دي؟
ويليامز بيقسم رغبات الإنسان لنوعين: رغبات مشروطة contingent desires ورغبات غير مشروطة categorical desires. الرغبات المشروطة هي الرغبات العابرة اللي بتجيلي طالما أنا عايش لكن مش عايش علشانها، زي مثلاً رغبتي في إني أطلب بيتزا دلوقتي علشان جعان. الرغبة مشروطة بالجوع.. أول ما الجوع يروح، الرغبة مش هتبقى عندي خلاص، وأكيد برضه أنا مش عايش علشان أكل بيتزا دلوقتي. أما الرغبات غير المشروطة فهي الرغبات اللي بعيش علشانها.. اللي بتدي معنى وسبب للاستمرار في الحياة، زي مثلاً إني أبقى أنجح رجل أعمال في المجرة أو إني أربي أولادي كويس.. وهكذا، كل واحد وحسب شخصيته. وليامز بقى بيقول إن الرغبات غير المشروطة دي هي اللي بتزيد تعلقنا بالحياة ونفورنا من الموت.

وعلشان كده عزيزي القارئ الشخص المصاب بالاكتئاب بيبقى غالبًا استنفد رغباته غير المشروطة لسبب أو لآخر وبقى عايش على الرغبات المشروطة العابرة وبالتالي كاره للحياة ومتقبل فكرة الموت.

ويليامز شايف إن الرغبة في الخلود أو العمر المديد فكرة سيئة لأن الإنسان هيجي عليه وقت لازم يستنفد فيه رغباته غير المشروطة، ده غير إنها أصلاً فكرة متناقضة لأن رغبة الإنسان في الخلود بتبقى مدفوعة بالحفاظ على الذات\النفس في حين إن السعي وراء تحقيق الرغبات غير المشروطة مبني على تغيير الذات\النفس. يعني إيه الكلام المكعبل ده؟

يعني الإنسان بطبيعته جواه غريزة الحفاظ على النفس.. جسمًا ووعيًا وكل حاجة، وعلشان كده فكرة الموت مخيفة لمعظمنا. لكن علشان نفضل عايشين ونحب الحياة وبتاع محتاجين نفضل نجري ورا رغبات غير مشروطة، ولكن طبيعة الرغبة غير المشروطة هي – على حسب كلام ويليامز – الهروب من الذات اللي مش هنقدر نواجهها لو مفيش حاجة تلهينا عنها أو توعدنا بتغييرها.. الشخص اللي عايز يبقى أحسن رجل أعمال في المجرة نفسه يبقى شخصيته كذا وكذا وبالتالي بيعمل جاهدًا علشان يوصل لده، الراجل اللي عايز يربي أطفاله كويس برضه عايز يشوف فيهم صفات مش عنده وبالتالي يشوف نفسه شخص أحسن.. وده التناقض اللي في قلب رغبتنا في الحياة: عايزين نعيش علشان نحافظ على ذواتنا اللي إحنا مش طايقينها أصلاً.

في رواية Interview with the Vampire (1976) للكاتبة آن رايس Anne Rice (ايوه هي اللي اتعملت فيلم)  واللي بنصح بقراءتها جدًا لأنها ذات طابع فلسفي نفسي، واحد من مصاصي الدماء وأكبرهم عمرًا، أرماند Armand، بيتكلم بشكل مفصل عن فكرة الخلود وإن أبشع جزء فيها إنه بيضطر يواجه ذاته اللي مابتتغيرش في حين إن كل حاجة حواليه بتتغير، وكأن ذاته – وعيه وذكرياته وأهرماته – هي الحاجة الثابتة الوحيدة في حياته وفي نفس الوقت السجن اللي مش عارف يهرب منه.

إيه علاقة ده كله بالعرافة الغلبانة اللي قاعدة في البرطمان؟

استمرار العرافة في الحياة بلا جسد هو رمز لحياة الإنسان بلا رغبات غير مشروطة، أو ممكن نسميها إلهاءات طويلة المدى. عقاب أبولو للعرافة هو إنها تفضل تواجه نفسها\وعيها بشكل مجرد.. ودي اللعنة الحقيقية اللي ويليامز بيقول لنا عليها، واللي أسوأ مليون مرة من الموت.

طيب، إحنا كده اتكلمنا عن فكرة الخلود أو الحياة الطويلة بشكل حرفي في حين إن الفكرة ليها بعد آخر رمزي. فيه أشخاص بتسعى للخلود بشكل مجازي، يعني تسيب أثر في حياتها وحياة اللي حواليها بحيث الناس تفضل فاكراهم حتى بعد موتهم. هل دي حاجة كويسة ولا لعنة برضه؟

من وجهة نظري، هي فكرة منيلة برضه لأن لو افترضنا إن ذاتك اللي عايز تحافظ عليها دي انتقلت لذكراك – اللي الناس فاكرينك بيه يعني – فأنت فقدت السيطرة عليها لأنها هتبقى عايشة في أدمغة وذكريات ناس تانية هم المتحكمين فيها وهيحطوك بالشكل وفي الشكل اللي شايفينه مناسب لك (مش اللي أنت كنت متخيله خالص).. مهما كانت ذكراك حلوة مسيرك هتتحول لفكرة متيبسة محبوسة في عقول الناس زي العرافة ما كانت محبوسة في البرطمان.

فيه قصة جميلة جدًا اسمها “Metamorphosis” للكاتب الأمريكي دايفد إيجلمان David Eagleman ضمن مجموعته القصصية Sum: Forty Tales from the Afterlives (2009) واللي بيتخيل فيها سيناريوهات مختلفة للي هيحصل بعد ما نموت. السيناريو في القصة دي هو إننا لما نموت هنصحى نلاقي نفسنا في مكان زي صالة الانتظار في المطارات وفيه صوت بينده على أسماء بعينها.. بنكتشف بعد كده إننا بنفضل قاعدين في الصالة طول ما فيه حد على الأرض – في الحياة يعني – فاكرنا وبيتفوه بأسمائنا، وأول ما أخر شخص فاكرنا بيموت بيتنده على اسمنا وبنروح لمكان أحسن بس مانعرفش إيه هو.

الراوي بيحكي إن لما حد بيبقى لسه واصل ويتنده على اسمه بيحس بالحزن علشان كده بيعرف إن محدش هيفتكره على الأرض تاني خلاص، بس بيلاحظ برضه إن فيه مجموعة كبيرة من الناس، أشرار وطيبين، هيتجننوا من طول القعدة في صالة الانتظار دي لأن واضح بقالهم مئات وآلاف السنين.. قاعدين رايحين جايين وبيبكوا وبيتوسلوا للشخص اللي بينده الأسماء إنه ينده أسماءهم ويخلصهم من العذاب ده بس بيرفض ويطلب منهم الانتظار.

القصة قصيرة جدًا بس بديعة في تصويرها لبشاعة فكرة الخلود سواء بالمعنى الحرفي أو المجازي.

العرافة أصبحت حبيسة جسدها المتهاوي كإنسانة ثم أصبحت حبيسة الإناء الزجاجي كفكرة، ويمكن رغبتها في الموت لما الأطفال سألوها عايزة إيه هي أيضًا رغبة في أن تُنسى.

دمتم أحرارًا.. جسدًا وذكرى.

ديوجين الكلبي والبرميل

النهاردة هنتكلم عن الفيلسوف اليوناني صاحب البرميل ديوجين الكلبي Diogenes the Cynic..

أولاً، لقب “الكلبي” ده أطلق عليه لأنه كان من أوائل الفلاسفة اللي نشروا الفلسفة الكلبية Cynicism (الكلمة أصلها يوناني ومعناها “كلب” أو “أشبه بالكلب”) ويُقال إن الفلسفة حملت الاسم ده لتفضيلها طبيعة الكلاب على طبيعة الإنسان المتحضر وهنعرف ليه دلوقتي.

أما موضوع “صاحب البرميل” فده لأن ديوجين كان عايش في الشارع جوا برميل زي الحيوانات بالظبط بيأكل وينام ويقضي حاجته مكان ما يحب.

ديوجين كان بيؤمن أن الإنسان أصلاً كائن كويس وابن حلال بس التحضر والقواعد الإجتماعية والسياسية والأخلاقية أفسدته وأبعدته عن طبيعته البسيطة، وده بالظبط الأساس اللي قامت عليه الفلسفة الكلبية اللي فحواها إن كل ما الإنسان بيتحضر بيفرض على نفسه قيود باسم الحرية والترقي في حين إن القيود دي بتخلق مخاوف جديدة الإنسان مابيعرفش يتعامل معاها وبتعقد مفهوم السعادة\المتعة وبتخليه صعب التحقق. الكلبية بتقول إن السعي نحو النجاح والسلطة والأموال والعائلة والألقاب الإجتماعية جعل الإنسان ينصرف عن طبيعته ومتطلباتها البسيطة، وبالتالي فالإنسان كل ما يقترب من الطبيعة ويبعد عن القواعد السياسية والإجتماعية اللي فرضتها عليه الحياة الحديثة كل ما بقى سعيد ومبسوط.. زي الكلب بالظبط.

الناس طبعًا كانت بتعامل ديوجين على إنه واحد مجنون عايش في برميل وده كان بيعصبه أكتر فكان بيهاجمهم فيتأكدوا إنه مجنون وهكذا. كل القصص اللي تناقلتها الكتب عن ديوجين بتصوره ككاره للبشر بس هو كان كاره للإنسان المتمدن والسحلة الحضارية اللي ساحل نفسه فيها بلا داعِ. ويمكن التصوير ده هو اللي شوية ربط بين الفلسفة الكلبية والفلسفة التشاؤمية في العصر الحديث. الاتنين بيحملوا نفس الاسم cynicism ولكن الأولى شايفة إن طبيعة الإنسان غير سيئة ولكن السبب في كل الشرور هو رغبة الإنسان في إخضاع نفسه لقيود الحضارة والذي منه، في حين إن الثانية شايفة إن أصلاً طبيعة الإنسان سيئة وهي السبب في كل البلاوي.

الكلبية ألهمت وأثرت على مدارس فلسفية كتير زي الرواقية Stoicism اللي بتشوف إن الإنسان سعادته تكمن في اللحظة الحاضرة وإنه المفروض مايخليش الخوف من الفشل أو الألم أو الرغبة في النجاح يتحكموا فيه، ودي بالتالي أتطورت وظهرت في شكل اتجاه فكري معاصر اسمه العبثية Absurdism اللي بيقول إن الإنسان هيبقى سعيد لو تقبل كل اللي الحياة بترميه في طريقه سواء حلو أو وحش – مفيش حاجة أصلاً حلوة أو وحشة بشكل متأصل، هي حاجات بتحصل بشكل عشوائي – ويعيش اللحظة بلحظتها وخلاص من غير ما يحاول يدور على معاني سامية وأسباب عليا وأهداف وآمال والبتنجان ده كله.

من فترة كده كنت بقرأ قصة قصيرة لكافكا Kafka اسمها “تقرير لأكاديمية” A Report to an Academy كافكا بيتكلم فيها على لسان قرد تم اختطافه من الأدغال من قبل بعثة علمية والقرد بيحكي إنه علشان يهرب من الحياة في القفص والقيود اللي فرضها عليه الإنسان لمجرد إنه حيوان الطريق الوحيد اللي كان متاح قدامه هو إنه يمشي على خطى الإنسان بالظبط ويتعلم لغته ويتصرف زيه. القرد بيقول إنه فعلاً أتعاون مع العلماء والمدرسين وأتفوق عليهم كمان وبقى عنده مستوى العلم والتمدن اللي عند أي مواطن أوروبي. القرد مابيظهرش استياءه من الموضوع ده بشكل واضح خالص، بالعكس.. ده بيطلب من الأكاديمية اللي هو بيكتب لها التقرير إنهم يسمحوا له إنه يكمل دراسته لأن ده السبيل الوحيد المتاح قدامه دلوقتي. اللي لفت انتباهي في القصة بقى إن قرب نهاية التقرير كده، القرد بيتكلم عن إنه إزاي عايش زي الإنسان وإن عنده ناس بيدرس معاهم ومدير أعمال بينظم له جدوله ومواعيده وبيقول إن عنده قردة، مش متعلمة ومتدربة زيه طبعًا، بتستناه كل يوم بليل علشان يلبي رغباته الجنسية معاها. المهم بقى إنه كل يوم لما بيصحى من النوم مابيبقاش طايق يبص في خلقتها لأنها بتفكره بطبيعته “الحيوانية”.

كافكا، كعادته، مابيقولش أي حاجة صراحة وبيرمي لنا رسائل من تحت لتحت كده. على الرغم إن القصة دي ليها تفسيرات سياسية كتير، بس اللي أنا شايفاه هو إن القرد المحترم ابن الناس المتعلم ده مش طايق الوضع اللي لقى نفسه فيه بس زي ما قال هو ده طريقه الوحيد للحرية.

ومن هنا ممكن نشوف التشابه بين القصة وبين ديوجين والكلبية.. القرد لقى نفسه في وضع اتفرض عليه إنه يا يعيش ك”حيوان” في قفص طول عمره واللي حواليه يشوفوه ككائن أقل منهم، يا يمشي مع التيار ويبعد عن طبيعته ويعمل زي كل اللي حواليه بيعملوا ويفرض على نفسه العلم والأخلاق والقواعد إلخ علشان يوصل للحرية المزعومة اللي هيكتشف بعد كده إنها قفص أكبر مائة مرة من القفص اللي كان فيه. ديوجين بقى، على عكس القرد، اختار القفص الصغير.. اختار يعيش في برميل متر في متر وخاطر إن الناس تشوفه كمجنون وغير سوي بس في المقابل أدى لنفسه الحرية إنه يكون على طبيعته من غير ما يتقيد بالحرية المجتمعية الزائفة بتاعت أقرانه.

موقف ديوجين والقرد يخلينا نفكر في وضعنا احنا كإنسان معاصر وهل سعينا الدائم نحو التحضر والحداثة بيحقق لنا الحرية والسعادة فعلاً ولا بيعقد حياتنا أكتر وبيزيد بؤس على بؤسنا كل يوم؟ هل التطور السياسي والمجتمعي والتكنولوجي طوّر وسهّل حياتنا فعلاً ولأ خلق جوانا رغبات ومخاوف لا قِبل لنا بها بعدتنا عن طبيعتنا وسعادتنا أكتر؟ هل كل اللي بنعمله في حياتنا بنعمله علشان فعلاً عايزين نعمله وهيسعدنا ولا علشان مضطرين نعمله وبيضيف وهم آخر لأوهامنا المؤجلة غير المحققة؟

ممكن نسخر من ديوجين إنه قضى حياته عايش في برميل في الشارع، بس على الأقل كان مدرك إنه عايش في برميل وبيتصرف على أساسه وبيعمل اللي هو عايزه، الدور والباقي علينا اللي محشورين في خزان وقافلين على نفسنا من جوا وواهمين نفسنا إننا أحرار في أنفسنا ومصائرنا.

دمتم في سعادة (داخل أو خارج البرميل).

استحالة التحقق المادي للموت في عقل من لا يزال حيًا

.

دي مش لوحة. ده “عمل فني” مثير للجدل قام بعرضه الفنان البريطاني داميان هيرست Damien Hirst سنة ١٩٩١. هيرست جاب قرش وحطه في حوض مُقسّم من الخارج مليان فورمالدهايد واسمى العمل ده “استحالة التحقق المادي للموت في عقل من لا يزال حيًا” The Physical Impossibility of Death in the Mind of Someone Living.

وكعادة الفن المعاصر، حصلت خناقة بين النقاد وقتها هل ده عمل فني أصلاً ولا لأ.. ومعظمهم قالوا هيرست بيستعبط كالعادة علشان جاب قرش ميت وشعلقه في مادة حافظة ولزق جنبه اسم شاعري مجعلص علشان يدعي العمق وخلاص. بس نقاد تانيين قالوا إن رؤية القرش في الخزان بالمنظر ده وربطه باسم العمل بيلقى الضوء فعلاً على إدراكنا – أو عدم إدراكنا – لفكرة الموت مهما قربنا منه. قرش هيرست بيوحي بالحركة والاستمرارية – بسبب وضعه وشكل الخزان – وبيبعث على الخوف بالرغم من معرفتنا بموته/سكونه.

أنا طبعًا ما شوفتش العمل ده بنفسي علشان أحكم عليه بس شكل الخزان من زوايا التصوير المختلفة بيديني إحساس بالشريط السينمائي celluloid اللي بيتكون من صور ثابتة لما بتتعرض ورا بعض بتوحي بالحركة. القرش ميت\ثابت بس طريقة رؤيتنا له هي اللي بتبعث فيه الحياة. وطالما احنا بنتحرك عمرنا ما هندرك فكرة موته. وده بالظبط الحاجز الإدراكي ما بين كل ما هو حي وكل ما هو ميت.

أو يمكن يكون قرش متخلل في شوية مياه واحنا بنأڨور عادي!