ناجل وتجربة العنكبوت في المبولة

طيب حشرات بحشرات بقى، هننتقل النهاردة من الخنافس للعناكب وهنتكلم عن التجربة الفكرية المشهورة المعروفة بـ”العنكبوت في – لا مؤاخذة – المبولة” أو The Spider in the Urinal..

التجربة قام بيها أستاذ فلسفة أمريكي مشهور اسمه توماس ناجل Thomas Nagel ونشرها كجزء من مقال له بعنوان “Birth, Death and the Meaning of Life”. ناجل بيقول إنه في يوم من الأيام لما كان بيدرس في جامعة برنستون راح الحمام علشان يعمل بيبي زي بقية الناس ولاحظ إن فيه مبولة معينة فيها عنكبوت كل ما بيروح يعمل بيبي يلاقيه في نفس المكان. ناجل لاحظ إن العنكبوت مش عارف يخرج علشان المبولة من البورسلين وبيتزحلق كل ما بيحاول يتحرك، وقعد يتخيل قد إيه حياة العنكبوت دي تعيسة.. عايش في مساحة صغيرة جدًا وقاعد يتعمل عليه بيبي كل شوية وبيواجه خطر إنه يتشد في المجاري.

ناجل قرر يساعد العنكبوت، وفي يوم جاب منديل وحطه تحت رجل العنكبوت علشان يطلع عليه، وفعلاً العنكبوت وقف فوق المنديل فناجل أخده ونزله على الأرض وسابه بقى يشق طريقه في الحياة بكل حرية وهو راضي عن نفسه وفخور بإنقاذه للعنكبوت المسكين. ناجل فضل واقف يشوف العنكبوت هيروح فين لاقاه واقف في مكانه مابيتحركش.. حاول يزقه بالمنديل، مشي خطوطين ووقف.

اليوم اللي بعده ناجل دخل الحمام وشاف العنكبوت في نفس ذات المكان اللي سابه فيه امبارح…. بس ميت! جثة العنكبوت فضلت موجودة كذا يوم لحد ما الحمام أتنضف وشالوها.

الموقف ده أصاب ناجل بتأنيب الضمير الشديد وخلاه يتفكر في الطبيعة الأخلاقية لعمل الخير. هل إحنا بنعمل خير علشان إحنا شايفينه خير طبقًا لمنظومتنا الأخلاقية\الدينية\الفكرية ولا علشان النتائج بتاعته كويسة على الشخص المستفيد؟ ويحصل إيه لو فيه تعارض بين الاتنين؟ وعلى أي أساس بحدد مفهوم “الخير” في المقام الأول؟

الخير اللي ناجل عمله هو إنه ساعد العنكبوت يخرج من المبولة واللي كانت من – وجهة نظره – حياة بائسة جدًا، الغلط اللي وقع فيه ناجل إنه تخيل إن وجهة نظره وإحساسة بإيه الحلو وإيه الوحش مماثل لإحساس العنكبوت وبالتالي ماترددش في تقديم المساعدة، في حين إن العنكبوت يمكن كان مبسوط بقعدته في المبولة ولما خرج منها مابقاش عارف يروح فين ويجي منين فمات. طيب هل كان فيه أي وسيلة يقدر يسأل بيها العنكبوت عايز يخرج ولا لأ؟ لأ طبعًا. طيب هل كان من المناسب يسيب العنكبوت في المبولة وخلاص؟ برضه لأ لإن لو العنكبوت كان متضرر برضه مفيش طريقة يعبر بيها عن نفسه ويقول ده.

الموضوع شبيه بمعضلة القطار اللي اتكلمنا عليها قبل كده، هل لو عندي فرصة أتدخل وأمنع أذى بس في المقابل عارف إن تدخلي ده احتمال يكون فيه خسائر، هتدخل ولا ماعملش حاجة خالص وأسيب الأمور تاخد مجراها باعتبار إني مش موجود في المعادلة أصلاً؟

ممكن حد مثلاً يتخيل إن فيه واجب أخلاقي علينا تجاه الشعوب اللي عايشة في بيئة بدائية إننا نعرضهم للتدمن والتكنولوجيا والذي منه علشان الحياة اللي هم عايشينها – بمفهومنا المعاصر الضيق – غير إنسانية. ممكن فعلاً حياتهم تتحسن ويتبسطوا، بس برضه فيه احتمال إنهم يعطلوا تمامًا في البيئة الحديثة وبكده أبقى سببتلهم الأذى. الفكرة إني قررت إيه هو المستوى المعيشي المناسب وغير المناسب من منظوري وواقع تجربتي أنا مش من منظورهم.. عملت الخير بتاعي أنا وتوقعت نتائج تريح ضميري أنا، وتناسيت دور الطرف الآخر في المعادلة.

الموقف يمكن تطبيقه على المستوى الأيديولوجي كمان مش المعيشي بس، وده خلاني أفكر في كهف أفلاطون (اللي برضه اتكلمنا عنه قبل كده) وأسأل نفسي هو أفلاطون جاب الثقة دي منين إن دور المتعلم\المفكر\الفيلسوف إنه يطلع الناس المغيبة من الكهف ويوريهم الزيف اللي عايشين فيه؟ هيحصل إيه لو طلعوا فعلاً من الكهف وهم مش مستعدين للحياة بره الكهف؟ الوضع آه مزري للفيلسوف اللي شايف الحقيقة ومدرك إن الناس دي عايشة في وهم، بس بالنسبة لهم اللي عايشينه ده الحقيقة ومبسوطين بيه. مش يمكن “الحقيقة” بتاعت الفيلسوف هي وهم أخر وهو مش شايفه، زيه زي الناس اللي في الكهف؟

القصة بتاعت العنكبوت بتعلمنا إن فعل الخير ممكن جدًا يكون تعسفي وقاسي زيه زي فعل الشر. أصل طالما بنشوف الأمور من وجهة نظرنا إحنا بس وبنحكم على الخير والشر بمعاييرنا الأخلاقية إحنا بس يبقى مفيش فرق كبير بين لو حاولنا نكون هتلر أو لو حاولنا نكون الأم تيريزا، لأن الاتنين هيوصلونا لنفس النتيجة ولكن من طرق مختلفة.

وعلى رأي المقولة الشهيرة: الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة.

فيتجنشتاين وتجربة الخنفساء في الصندوق

موضوع النهاردة قريب شوية من أسطورة كاسندرا وبيبني عليها من منظور لغوي فلسفي…

لودفيج فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein فيلسوف نمساوي بيدعونا للاشتراك معاه في تجربة فكرية معروفة باسم الخنفسة في الصندوق the beetle in the box. فيتجنشتاين بيقولنا إن كل واحد فينا معاه صندوق هو بس اللي يقدر يشوف محتوياته، يعني مفيش أي طريقة من خلالها أقدر أبص على محتويات صندوق الشخص اللي جنبي، وأتقالنا إن كل الصناديق اللي معانا جواها “خنفسة” مع العلم إن مفيش سابق معرفة بمعنى كلمة خنفسة. فطبيعي جدًا إن كل واحد هيبص في الصندوق بتاعه وهيربط محتويات الصندوق – أيا كانت – بكلمة “خنفسة” وهيبقى ده بالنسبة له معنى كلمة خنفسة.

نقرب الموضوع شوية؟ نتخيل إن أديت لكل واحد فيكم شنطة وقولت لكم الشنطة دي فيها “بربئ” واشترط عليكم محدش يبص في شنطة التاني. ممكن أكون حاطة في شنطة من الشنط بَكرة تواليت وفي شنطة تانية خاتم دهب وفي التالتة صباع موز وفي الرابعة مش حاطة حاجة خالص، بالرغم من ده كل واحد هيربط كلمة بربئ باللي موجود جوه شنطته.. حتى اللي شنطته فاضية هيفتكر إن البربئ هو الفراغ اللي جوه الشنطة. أكيد طبعًا هنحاول نوصف لبعض البربئ اللي موجود جوه شنطة كل واحد عامل إزاي علشان نوصل لمفهوم جمعي مشترك عن معنى البربئ نقدر نتواصل بيه بعد كده، بس المشكلة بقى إن حتى الكلام والإشارات اللي بنستخدمها في الوصف بينطبق عليها نفس فكرة البربئ. يعني ممكن حد فيكم يبص في صندوقه ويقول “البربئ طويل”.. كلمة “طويل” نفسها بتعني أشياء مختلفة وليها معايير مختلفة عند كل واحد فينا.

فيتجنشتاين بيقولنا إن ده بالظبط دور اللغة في حياتنا، هي مجرد لعبة بنحاول من خلالها نتبادل المفاهيم والمشاعر والخبرات لكن عمرها ما هتقدر توصل بالظبط منظورنا واحساسنا بالأشياء. على الرغم إن القاعدة دي بتنطبق على كل حاجة إلا إنها أوضح في الأشياء المعنوية، فيتجنشتاين بيدينا مثال على كلمة زي “الألم”.. كلنا عارفين الكلمة وفاكرين إن طالما كلنا عارفين معناها يبقى اللي بتشير إليه مشترك ما بينا، في حين إن إحساس الألم قائم على خبرة ذاتية بحتة ماينفعش يستوعبها غير صاحبها، وحتى مهما حاولت أوصف الألم بتاعي أنا فهستخدم كلمات من اللغة برضه اتعملت بعد الكثير من المساومات علشان نوصل لمعنى مشترك جمعي طمس الجوهر الذاتي لكل واحد فينا.

وده اللي بيخلي عملية التواصل فيها الكتير من سوء التفاهم واللخبطة والمعاني غير المكتملة بدرجات متفاوتة. ممكن أستخدم كلمة علشان أنقل بيها معنى محدد مبني على فكرتي عما تشير إليه والشخص اللي بتكلم معاه هتوصله بالمعنى المبني على فكرته هو عما تشير إليه.. إحنا الاتنين صح، المشكلة إننا مش عارفين نبص في صناديق بعض.

طيب هل فيه أي وسيلة تخليني أقدر أعرف اللي في صندوق اللي جنبي أو إن اللي جنبي يعرف إيه اللي في صندوقي بالظبط؟ فيتجنشتاين بيقول طول ما اللغة – والمقصود هنا باللغة أي نظام رمزي بغرض التواصل – هي الوسيلة يبقى لازم نفهم إن اللي جوه الصندوق مش مهم أصلاً لأن عمرنا ما هنقدر نتواصل إلا من خلال اللعبة دي وعمرنا ما هنقدر نعمل لغة خاصة بينا لوحدنا (حتى لو ده ممكن هيبقى غرضها إيه أصلاً؟).

الاستنتاج ده شبه قراءتنا لأسطورة كاسندرا لإنه بيتوصل لإن اللي جوانا ده بتاعنا لوحدنا، وعلى الرغم من إن إدراكنا للعالم مبني بشكل استثنائي علي اللي جوانا ده إلا إننا بمجرد ما بنبتدي نتواصل فلازم نتخلى عن محاولة نقله للآخر كما هو. يعني اللي بننقله للآخر ده مش مشاعرنا ولا أفكارنا.. ده مجرد انعكاس لمشاعر وأفكار الشخص الآخر.

كاسندرا والتواصل

نرجع للأساطير الإغريقية ونتكلم النهاردة عن كاسندرا…

كاسندرا Cassandra هي ابنة بريام Priam ملك طروادة وأخت باريس Paris اللي كان السبب في حرب طروادة. وككل الفتيات في الأساطير الإغريقية، كاسندرا كانت جميلة جمال ملوش مثال لدرجة إن الإله أبولو وقع في حبها.

أبولو Apollo من الآلهة المهمة أصحاب التأثير الكبير على البشر وغيرهم من الآلهة، ده غير إن واحدة من اختصاصاته (اختصاصاته دي محسساني إنه كان مدير أول الهيئة العامة للكهرباء بجنوب القاهرة) هي النبوءة، بما في ذلك القدرة على التنبؤ ووهب المقدرة دي للبشر أو إفادتهم بيها. ولو تفتكروا إننا أتكلمنا في أكتر من أسطورة قبل كده إزاي البشر كانوا بيروحوا للمعبد بتاعه في دلفي علشان يعرفوا مستقبلهم ويطلبوا النصيحة (اللي غالبًا بتبقى منيلة بستين نيلة).

نرجع لكاسندرا.. الجزء ده من الأسطورة مُختلَف عليه وليه أكتر من رواية بس الفكرة إن أبولو حاول يتقرب من كاسندرا عن طريق إعطائها القدرة على رؤية المستقبل، ويُقال برضه إنها هي اللي طلبت منه العطية دي في مقابل إنها تمشي معاه وتسلمه نفسها. بغض النظر يعني، المُتفق عليه إن بعد ما كاسندرا بقى عندها القدرة على رؤية المستقبل رفضت أبولو اللي استشاط غضبًا وقرر يعاقبها عقاب يليق بالآلهة الإغريقية.

أبولو كان ممكن جدًا ياخد منها القدرة على التنبؤ بالمستقبل وخلاص، لكن ده ماكنش هيبقى عقاب لإن كاسندرا هترجع لطبيعتها وهتعيش حياتها عادي جدًا كغيرها من البشر وهو كان عايزها تعاني مقابل رجوعها في كلامها ورفضها له، فعمل إيه بقى؟ أبولو بدهاء شديد ساب لكاسندرا القدرة على التنبؤ ولكن أضاف عليها لعنة إن مفيش بشري هيفهم أو يصدق أي كلمة هتقولها، وده عقاب – لو تعلمون – بشع بكل المقاييس.

كاسندرا كانت بتتنبأ بحاجات كتير وكل ما تحاول تقول لعيلتها والناس اللي تعرفهم مايخدوش كلامها جد ويسيبوها تهاتي مع نفسها، لدرجة إنها تنبأت بزيارة أخوها الشؤم لاسبرطة والبلاوي اللي هتيجي من وراها بس محدش سمع لها وافتكروها مجنونة. حتى بعد قيام الحرب وحصار أجاممنون Agamemnon وجيوشه لطروادة كانت بتمشي في الشوارع زي المجنونة تحذر الناس من قبول الهدايا من الاسبرطيين (إشارة لحصان طروادة إياه اللي كان السبب في سقوط طروادة) بس كالعادة الناس كانت بتسخر من كلامها وبيعاملوها على إنها عبيط القرية كده.

وبسبب الأسطورة دي اسم كاسندرا بقى يُطلق على أي شخص أو موقف بيحصل فيه تنبؤ بأحداث مستقبلية – غالبًا سيئة – لا تُصدق وقتها ولكن بتثبت صحتها بعد فوات الأوان.

سواء اتفقنا أو اختلفنا على استحقاق كاسندرا للعقاب فده مابينفيش بشاعة العقاب. لو مشينا على الرواية اللي بتقول إنها فعلاً رجعت في كلامها مع أبولو فكده عقابها من جنس عملها.. طالما هي كذبت في كلامها مرة يبقى هنخلي كلامها كله مايتصدّقش حتى لو كان صح.. حاجة كده زي القصة اللي كانوا بيحكوها لنا واحنا صغيرين عن الولد الكداب اللي كل شوية يقول إنه بيغرق ويطلع بيكدب لحد ما جيه الوقت اللي كان بيغرق فيه فعلاً ومحدش عبّره.

وممكن تكون كاسندرا ماوعدتش أبولو بأي حاجة بس هو اللي حاول يكسب ودها بهبة التنبؤ ولما رفضته حس بالإهانة وأنتقم منها، وده يرجعنا لفكرة إن كل الآلهة الإغريقية كانوا محتاجين يمشوا بشهادة معاملة أطفال. بس أبولو كان مختلف عن زيوس مثلاً.. إله زي زيوس كان هيقول أنا لسه هديها هدايا وأكسب ودها والكلام الفاضي ده وغالبًا كان هيغتصبها على طول كعادته يعني، وده يخلينا نفكر طيب هو أبولو ماعملش كده ليه هو كمان؟ التفسير الأكثر منطقية هو إن أبولو كان فعلاً بيحب كاسندرا ومكانش عايز مجرد ينام معاها وخلاص، كان عايزها تبادله نفس الحب وعلشان كده أعطاها جزء منه على اعتبار إن القدرة على التنبؤ دي هو مصدرها والسبب في وجودها على الأرض. وده يفسر ليه حس بالإهانة الشديدة والغضب لما رفضته.. بالظبط زي في العلاقات الإنسانية لما حد بيدي كل ما يملك للطرف التاني والطرف التاني يشوف إن ده مش مناسب أو مش كفاية لأي سبب من الأسباب. طبعًا ده مش سبب للانتقام خالص، بس بما إنه إله بقى ومالي مركزه أبولو حب يوري كاسندرا معنى إن التواصل يكون من طرف واحد بس على نطاق أكبر وبشكل أقسى.

لو اعتبرنا إن القدرة على التنبؤ دي هي رمز للعاطفة (خصوصًا إنها من خلال نبوءاتها كانت بتحاول تنقذ أهلها وأهل مدينتها والناس اللي بتحبهم) فكأن كاسندرا لعنتها إنها بتحاول تتواصل مع الناس كلها ولكن التواصل ده مقطوع من الطرف الآخر، كأنها غير مرئية ووجودها لا يمثل أي شيء، وده بالظبط اللي بيحسه الشخص اللي بيحب من طرف واحد.

أفتكر موقف حصل لي من كام سنة كده لما كنت عايشة مع صديقة ليا.. الموقف تافه جدًا بس بشكل ما فكرني بعذاب كاسندرا وقد إيه هو مؤلم. اللي حصل إن في يوم طلعت لصديقتي أوضتها أسألها على حاجة وكان باب الأوضة مفتوح وهي قاعدة على المكتب بتشتغل ومدياني ضهرها، المهم خبّطت على باب الأوضة.. البنت ماردتش، ناديت عليها بصوت واطي.. ماردتش، أبتديت أعلي صوتي وأنده بصوت ممكن يصحيها لو كانت ميتة.. برضه ماردتش وكانت قاعدة تكتب على اللابتوب ولا كأن فيه حاجة بتحصل، المهم اكتشفت إنها كانت حاطة في ودنها سماعات من غير سلك وشعرها مغطيها. لثواني كده وأنا قاعدة أنده وهي مش حاسة بيا تمامًا جالي ذعر مش هنساه أبدًا.. شعور إن وجودي ده عدم محدش شايفه ولا حاسس بيه، حاجة كده زي الأفلام لما البطل بيكتشف إنه مات وبيحاول يلفت انتباه الناس اللي بيحبهم وهم مش شايفينه.

أعتقد إن عقاب كاسندرا هو معايشة اللحظة المرعبة دي بشكل ممتد.. طول الوقت بتحاول تثبت وجودها للناس اللي حواليها وتصرخ فيهم علشان مايتأذوش وهي بالنسبة لهم لا شيء.. مجرد مادة بدون وجود، كلام بدون معنى. شعور بشع.. قلة حيلة مختلط بفقدان الإيمان بالذات. الحقيقة إن عقاب أبولو كان في منتهى القسوة والذكاء في نفس الوقت، قدر يعلمها إن القوة\القدرة\العاطفة ملهاش أي لازمة مهما كانت عظيمة طالما الطرف الآخر غير معترف بوجودها.

القراءة دي للأسطورة خلت فيه حاجة في علم النفس اسمها متلازمة كاسندرا Cassandra Syndrome وبتطلق على الأشخاص اللي بيعانوا من البارانويا والهيستريا وإزاي إنهم بيبقوا شايفين الخطر أو الأذى بشكل واضح جدًا بالنسبة لهم بس محدش بيقتنع بكلامهم. التفكير في مرضى البارانويا على إنهم كاسندرات (جمع كاسندرا) بيخلينا نشوف الأمور من منظورهم.. مش ممكن يكون فعلاً هم شايفين حاجة احنا مش شايفينها واحنا عاملين زي أهل طروادة في الأسطورة؟ ده غير إننا هنتعاطف معاهم بشكل أكبر لو تخيلنا للحظة بس الذعر وقلة الحيلة الدائمين اللي عايشين فيها زي كاسندرا.

متلازمة كاسندرا برضه بتطلق على الناس اللي بتتعرض لصدمة ممتدة متمثلة في الانخراط في علاقة مسيئة لمدة طويلة. العلاقات دي غالبًا بتبدو للناس التانية طبيعية وللسبب ده الشخص اللي بيعاني من الإساءة العاطفية بيبقى عامل زي كاسندرا شايف وحاسس بحاجة محدش غيره يقدر يحسها مهما حاول يشرح ويفهّم اللي حواليه. ومش شرط العلاقة دي تكون مسيئة، متلازمة كاسندرا برضه بيصاب بيها الناس اللي بيدخلوا في علاقات مع المصابين باضطرابات إجتماعية زي متلازمة أسبرجر Asperger’s Syndrome وده لأن التواصل العاطفي بيبقى ممدود من طرف واحد – وكلامي مش معناه إن الشخص المصاب بأسبرجر غير قادر على الحب مثلاً، لأنهم بيعبروا عنه بشكل مختلف – ولكن الطرف التاني من العلاقة بيبقى متوقع نوع معين من العاطفة مشابه للي هو بيقدمه ودي طبيعة إنسانية وعلشان كده بيتحول لكاسندرا وبيحس إن المجهود والحب اللي بيقدمه ملهمش وجود.

فيه رواية جميلة جدًا لمارك هادُن اسمها The Curious Incident of the Dog in the Night-Time وبتتحكي من وجهة نظر ولد مصاب بمتلازمة أسبرجر. فيه مشهد تحديدًا كده يوجع القلب، الأم – اللي بتحب ابنها جدًا – في لحظة ضعف بتعيط وبتترجاه يعمل أو يقول أي حاجة تثبت إنه بيحبها.

كمان قرأت من قريب مقالة مؤلمة عبارة عن شهادات لناس عايشين مع المصابين بأسبرجر والتوحد وغيره، أمهات وأخوات وأزواج، وبيقولوا على الرغم من إن حبهم للأشخاص المصابين صادق ومستعدين يقدموه مهما كان إلا إن بيعدي عليهم أوقات بيحتاجوا لنوع مماثل من العاطفة وبيبدأوا يشكوا في جدواهم وجدوى وجودهم في حياة الشخص المصاب أصلاً. كاسندرا فضلت تحذر أهلها وأهل طروادة من اللي هيحصلهم على الرغم من تريقتهم عليها ومعاملتهم ليها على إنها مجنونة.. هي مابطلتش تحبهم، بس في نفس الوقت مابطلتش تعاني.. لا الحب منع المعاناة ولا المعاناة منعت الحب.

وبعيدًا عن علم النفس، أكيد كل واحد فينا حس إنه كاسندرا في وقت من الأوقات وإنه بيهاتي مع ناس مش حاسة بيه أو بيقدم حب بدون مقابل. والحزين في الموضوع إن الخطوط مش واضحة زي ما إحنا متخيلين، امبارح وأنا بتكلم مع صديقة ليا في الموضوع لفتت نظري إننا ممكن نكون كاسندرا في علاقة وأهل طروادة في علاقة تانية. الخلاصة إننا كبني آدم مهما بلغنا من الطهارة وإنكار الذات فاحنا محتاجين الناس يشوفونا زي ما احنا شايفين نفسنا، محتاجين خط التواصل في العاطفة يبقى ممدود من الطرفين، وإن أي نجاح أو معرفة أو مجرد مشاعر أو أفكار وصلنا لها ملهاش أي لازمة لو ماقدرناش نخلي غيرنا يشوفها زي ما احنا شايفينها.. حتى أكثر البشر انعزالاً وكرهًا في البشرية بيكتبوا\بيتكلموا\بيغنوا\بيرسموا علشان نفس السبب ده.

بعد دخول الإسبرطيين لطروادة، كاسندرا جريت على معبد أثينا تحتمي بيها وهناك أياكس Ajax اغتصبها واتاخدت مع السبايا لإسبرطة.

السؤال اللي بيحيرني كل مرة بقرأ الأسطورة هو ليه كاسندرا بعد ما بقى عندها القدرة على رؤية المستقبل برضه رفضت أبولو على الرغم من معرفتها بمصيرها الأسود؟ هل أدركت إن المعرفة دي مش هتغير من قدرها وقدر طروادة في شيء؟ هل مثلاً لو كانت وافقت تبقى مع أبولو كانت هتبعد عن أهلها ومش هتقدر تحذرهم؟ ولا هل أدركت إن سواء بتحذيرها أو من غيره كانوا هيلاقوا نفس المصير فأختارت إنها تكون معاهم أحسن حتى لو ده معناه إنهم في المقابل مش هيعترفوا بوجودها وكلامها؟

فيه نقطة مهمة لازم نعرفها هنا: العرافين وقتها كانت كل النبوءات بتاعتهم ألغاز ومابتتفهمش بسهولة. فاكرين لما إيجيوس راح لمعبد أبولو والعرافة قالت له وعاء الخمر والعجل في بطن أمه وكلام ملهوش معنى كده؟ كاسندرا برضه كانت نبواءتها كلها ألغاز للسامعين ولكن بالنسبة لها كانت واضحة جدًا. كاسندرا على الرغم من إدراكها للحقيقة دي فضلت تحاول تخلي الناس تشوف اللي هي شايفاه وحساه.. المحاولات دي بتمثل محاولاتنا البائسة للبحث عن التفهم الكامل لوجودنا ومنظورنا للحياة.. محاولاتنا للهروب من حتمية وحدة الوجود.. محاولاتنا للتهرب من فكرة إننا مهما حاوطنا نفسنا بالناس اللي بتحبنا وبنحبهم ومهما حاولنا نعبر عن نفسنا هتفضل حقيقتنا زي ما احنا شايفينها وعايشينها لغز بالنسبة للآخرين.

كلنا كاسندرا.. ونبوءاتنا\حقيقتنا لنا وحدنا.

دمتم في حب موصول.