“البيضة” و”السؤال الأخير”

موضوع النهاردة هيكون فلسفي نفسي أدبي هلامي (هو ملهوش تصنيف) بس وجب التنويه إن اللي لسه ماقرأش القصتين اللي هتكلم عنهم يوصل لأخر البوست وهيلاقي رابط للقصتين أو يكمل من غير ما يقرأهم أو يعدي الموضوع كأنه ماشفش حاجة عادي خالص.

القصتين هم “البيضة” The Egg للكاتب الأمريكي أندي ويير Andy Weir و”السؤال الأخير” The Last Question لإسحق عظيموف Isaac Asimov

نبتدي ب”البيضة”.. القصة أتكتبت في 2009 وبتبتدي بإن الشخصية الرئيسية اللي من غير اسم بيستعيد وعيه وبيدرك إنه لسه ميت في حادثة عربية. القصة واخدة شكل حوار بين الشخص \الإنسان ده وكيان آخر ذو سلطة بيجاوب على أسئلة الإنسان. طبعًا الإنسان بيبتدي يسأل هو فين وبيكلم مين وبيعمل إيه في المكان ده وياترى هيروح الجنة ولا النار، فالكيان بيرد عليه بإنه لا هيروح لا جنة ولا نار وإنه هيتجسد في صورة تانية وهيرجع الأرض تاني، وإن دي مش أول مرة يموت ويرجع يتجسد في صورة تانية. فالإنسان بيسأل الكيان طيب إيه الهدف من ده كله. الكيان بيرد ويقوله إن الكون أتخلق بس علشانه – الإنسان – وإن عملية إعادة التجسد دي الهدف منها الرقي والتطور بوعيه. الإنسان بيستغرب جدًا وبيسأل الكيان “يعني أنت عملت الكون ده كله علشان الجنس البشري؟” فالكيان بيقوله إن مفيش جنس بشري.. الكون كله مفيهوش غير أنا وأنت.. مفيش غير إنسان واحد بس.. وعي واحد بس بيتجسد بصور مختلفة في كل زمان ومكان وإن فكرة الوقت والمكان ملهمش أي معنى. فالإنسان بيقوله يعني أنا ابراهام لينكون؟ الكيان بيقوله وأنت هتلر كمان، وكل إنسان مشي أو هيمشي على الأرض. الإنسان بيزبهل شوية وبيسأل تاني طيب إيه الغرض من ده كله؟ ليه بيعاد تجسدي لعدد مهول من المرات؟ فالكيان بيقوله إن أنت كإنسان لسه جنين وأن الكون ده هو البيضة اللي لازم تفضل جواها لحد ما ترقى وتبقى زيي.

طبعًا الفكرة فلسفيًا ممكن تفكرنا بنظرية العود الأبدي Eternal Recurrence بتاعت الحاج نيتشه اللي بيقول فيها طالما الوقت والزمان بيمتدوا بشكل لامتناهي فده معناه إن وجودنا كمان لامتناهي وإن الوجود بيعيد نفسه بشكل أبدي، بس الفرق هنا إن في القصة العود مش أبدي والتكرار مش عبثي وإنما بيضيف للوعي الإنساني علشان يوصل لمرحلة معينة من الرقي أبعد من الإنسانية.

من ناحية نفسية الموضوع فكرني شوية بكلام الباشمهندس فرويد عن الذاكرة اللي تطرقنا له قبل كده، وإن إزاي ذاكرة الأنسان بتعتمد على التكرار للوصول لدرجة أعلى من الوعي. فرويد أدى مثال على ده وقال لما الإنسان بيتعرض لصدمة ما والذاكرة بتبتدي تكررله الحدث الصادم الهدف مابيبقاش تعذيب النفس وإنما محاولة فهم الصدمة نفسها لإن كل مرة الذاكرة بترجع للصدمة بتكشف للإنسان جانب جديد من الذكرى أو بتديله إحساس مختلف عنها وعن دوره فيها. العملية قد تبدو مرهقة وطويلة بس هدفها في الأخر بيكون الوصول لنوع من التصالح مع الذكرى أو الصدمة دي. قصة أندي ويير قريبة من فكرة فرويد شوية بس على نطاق وجودي أوسع: وجودنا الإنساني آه بيتكرر ولمرات لا تعد ولا تحصى بس لهدف أسمى وهو الرقي بالوعي الإنساني ككل.

القصة برضه بتحدف شوية على فكرة الأنا العليا أو الSuper Ego اللي بتعتبر جزء من وجدان كل إنسان. في القصة الإنسان هو مرحلة بدايئة من الكيان اللي هو بيمثل الصورة المثالية\العليا اللي المفروض الإنسان يوصلها، بس ده برضه معناه أن هم الاتنين جزء من كيان واحد. وده بيخرجنا من الدايرة المريحة اللي بنفصل بيها بين وجودنا ووجود آخر مسؤول عنا، وبيخلينا ندرك إن فكرتنا عن الوجود الأسمى ما هي إلا انعكاس لنفسنا..لجزء منا، إحنا اللي بندي وبنحرم نفسنا.. إحنا اللي بنكافئ وبنعاقب نفسنا.

فيه حتة مهمة جدًا في القصة الكيان بيقول للإنسان إن كل مرة بيعيد تجسده لازم ينسى اللقاء ده وينسى إنه عاش حيوات أخرى، والفكرة ورا النسيان أو الغفلة دي إن الإنسان مش هيقدر يعيش بهذا القدر من الإدراك والإحساس بالمسئولية المرعبة بأن هو الحاكم والمحكوم حتى يصل للقدر الكافي من الوعي.

ما علينا، كفاية هرطقة. لو رجعنا للقصة هنلاقي إن الوجود الإنساني مش بس بيتوحد مع الكيان وإنما مع الأجزاء المكونة له. لما الكيان بيوضح للإنسان إن كل الناس والكائنات اللي عاشت أو لسه هتعيش هي نفسها الإنسان ده بس في تجسدات أخرى بيقوله جملة من أجمل الجمل اللي عدت عليا:

“Every time you victimized someone,” I said, “you were victimizing yourself. Every act of kindness you’ve done, you’ve done to yourself. Every happy and sad moment ever experienced by any human was, or will be, experienced by you.”

الفكرة دي قد إيه بديعة لأنها مش بس بتربطنا روحانيًا ببعض لكن بتوضح مفهوم الempathy في أبهى صوره. الempathy مش مجرد شعور بالعطف تجاه الآخرين وأنما تقمص لمشاعر الآخرين، يعني مشاعري بتتوحد مع مشاعر الآخر فاللي بيشعر بيه كأنه واقع عليا أنا. وده معناه، وفقًا للقصة، إن الناس اللي عندها empathy على درجة أعلى من إدراك حقيقة توحدنا الوجودي وبالتالي هم أبعد ما يكون من الصورة البدائية للإنسان وأقرب ما يكون من الكيان الأسمى.

طيب نسيبنا من البيض ده (no pun intended) ونشوف القصة التانية؟

القصة التانية “السؤال الأخير” كتبها المؤلف الأمريكي إسحق عظيموف، واللي كان برضه أستاذ في الكيمياء العضوية، سنة 1956. القصة بتبدأ في 2061 وبتدور أحداثها على مدار كذا تريليون سنة. طبعًا الفاصل الزمني بين كل موقف والتاني مهول بس المواقف كلها بتشترك في حاجة واحدة. في الموقف الأول هنلاقي اتنين بيتكلموا عن طاقة الشمس وإن هيجي يوم أكيد وهتخلص حتى لو اليوم ده بعد مليون سنة فبيسألوا كمبيوتر متطور – عامل زي Deep Thought اللي شاف فيكم HHGTTG – إزاي يمنعوا الطاقة إنها تخلص أو يعكسوا الانتروبي بتاع الشمس.

نتوقف هنا لحظة علشان نشرح يعني إيه انتروبي entropy، وبعتذر من الأول للمتخصصين علشان أنا بلاص في الفيزياء.  دلوقتي أي نظام بيعتمد على الطاقة لازم ولابد يطرأ عليه التغيير لعوامل كتير مش موضوعنا دلوقتي، المهم إن التغيير ده بيؤدي إلى فقد أو تغير عناصر الطاقة وتحرك النظام من الحالة الأولية الثابتة المنتظمة لحالة من العشوائية وده اللي بيسمى بالانتروبي. الفكرة بقى أن الانتروبي ده لا يمكن عكسه وإن كل ما الانتروبي بتاع النظام زاد كل ما النظام أبتعد عن صورته الأولى وتوجه للفناء.

نرجع بقى للقصة، الكمبيوتر بيجاوب عليهم ويقولهم إن معندهوش معطيات كافية للإجابة على سؤال زي ده. بعد كام مليون سنة وبعد ما الشمس بتنطفي والإنسان بيروح مجرات تانية، الإنسان برضه بيسأل الكمبيوتر المتطور امتى طاقة الكون هتخلص؟ إزاي نقدر نعكس الانتروبي؟ والجواب برضه جاله إن مفيش معطيات كافية للإجابة على السؤال. الموقف بيتكرر تالت ورابع وخامس مع تغير الزمان والمكان وتطور الوعي الإنساني طبعًا لحد ما الإنسان بيوصل لمرحلة إنه أنفصل عن وجوده المادي أصلاً وبقى موجود ككيان واحد في الكون وفي كل مرة بيسأل السؤال ده للكمبيوتر المتطور – اسمه AC – بتجيله نفس الإجابة. لحد ما الوعي الإنساني ده بيتوحد مع الكمبيوتر في الفضاء الافتراضي (الكون والزمان والمكان انتهوا خلاص) وبيقدر يوصل لإجابة السؤال. المشكلة إن مفيش حد يستقبل منه الإجابة.. مفيش وجود مادي أصلاً لاستقبال الإجابة، فالكمبيوتر\الوعي المتطور ده بيقرر يخرج إجابة السؤال عن طريق التنفيذ وبتخلص القصة بالجملة دي:

And AC said, “LET THERE BE LIGHT!”

And there was light.

في إشارة واضحة لسفر التكوين طبعًا، وده معناه إن AC أعاد خلق الكون.

القصة دي فكرتني ب”البيضة” أول ما قرأتها لأن الاتنين زي ما وضحت فوق مركزين على فكرة توحد الإنسان بالكيان الأعلى.. وعي الإنسان المتطور بيكون السبب في ظهور الكون مرة أخرى وظهور الإنسان بشكله البدائي اللي هيفضل يتطور ويرتقي لحد ما يوصل لشكله الأسمى وهكذا، وده بالظبط اللي حصل مع الإنسان والكيان في قصة أندي ويير.

العبقرية بقى في قصة عظيموف هي تناولها لفكرة التكرار. التكرار في قصة ويير كان سببه هو إرتقاء الإنسان – العملية اللي بيحركها الكيان اللي هو برضه صورة متطورة من الوعي الإنساني. التكرار في قصة عظيموف كان الدافع بتاعه مجرد سؤال! سؤال “امتى طاقة الكون هتخلص؟”

الفكرة بقى إن لولا وجود السؤال ده مكانش الكمبيوتر\الوعي المتطور أعاد تكوين الكون تاني، وكأن قلق الإنسان الدائم هو النواة أو المسبب الأساسي لوجوده.

القصة دخلت بيا في مزنق وجودي ضلمة كده: لو جردنا القصة من أبعادها الكونية وطبقنا فكرتها على تجربتنا الإنسانية الفسلة: الواحد أحيانًا بيسأل نفسه فاضل قد إيه لحد ما استنفد كل طاقتي النفسية والفكرية اللي مخلياني أقدر أعيش يوم كمان؟ وبعد ما الواحد بيتعرض لجرعات كبيرة من الألم بيحاول جاهدًا إنه يعكس الانتروبي للعودة للصورة الأولى أو أنه يوصل بيه لأعلى درجة وهي الفناء. الفكرة بقى إن عكس الانتروبي أو الوصول للفناء هيرجعوا بينا لنقطة الصفر تاني وهيدخلوا بينا في حلزونة التكرار، فهل ساعتها الإدراك بيكون نتيجة للتكرار ولا المسبب له؟ هل إدراكي للألم هو نتيجة للألم نفسه ولا السبب فيه؟ وده معناه أن طاقتي مش هتستنفد طول ما فيه إدراك!..

بقول كفاية سوداوية كده.

فيه قراءة وجودية أكثر بهجة شوية للقصة ممكن من خلالها نشوف إن المرحلة الأخيرة اللي وصلها الكمبيوتر\الوعي المتطور هي أعلى مراحل الإدراك والوعي الإنساني – أو الألم! – ولكن بالضرورة بيصاحبها ظلمة متمثلة في اختفاء الكون والحياة أصلاً، بس المرحلة دي بيتولد من رحمها النور اللي بيبدأ كل شيء على نضافة.. كله بسبب إحساس أو سؤال عابر إجابته ممكن هتاخد سنين بس هتدي حياة جديدة.

أتمنى تكونوا سؤال عابر في حياة الناس اللي بتحبوهم.

.

“The Egg”: http://www.galactanet.com/oneoff/theegg_mod.html

“The Last Question”: http://www.multivax.com/last_question.html

إيروس وسايكي ونموذج الذات

استكمالاً لأساطير الحب والشحتفة، النهاردة هنتكلم عن أسطورة إيروس وسايكي Eros and Psyche…

نبتدي الحدوتة من عند سايكي..

سايكي كانت البنت الصغرى لملك ويُقال إن جمالها كان خزعبلي لدرجة أن الناس كانت بتشبهها بأفروديت Aphrodite إلهة الحب والجمال وكانوا بييجوا لحد عندها يقدمولها القرابين. وبما إن الآلهة دماغها فسافيسي زي ما إحنا عارفين، أفروديت غارت منها ولعنتها بأنها خلت كل الناس تُعجب وتنبهر بيها بس محدش يحبها. طبعًا باباها الملك لقى بناته التانيين اتحبوا واتجوزوا وسايكي قاعدة كده، فقال في عقل باله “وبعدين في سايكي اللي محدش عايز يحبها دي!”.. المهم قرر يروح لمعبد أبولو ويسأل العراف والكاهن الأعلى يعمل معاها إيه، فالكاهن قاله بنتك اتكتبلها إنها تتجوز وحش بشع المنظر فأنت اللي عليك تعمله دلوقتي إنك تسيبها على قمة جبل والوحش هيجي ياخدها وأنساها بقى خالص. الملك – تقولش ما صدق! – أخد سايكي فعلاً ولبسها فستان فرح أسود وسابها على قمة الجبل ونزل.

هنسيب سايكي المسكينة على قمة الجبل شوية ونروح لإيروس.

إيروس هو إله الحب والغريزة والمعروف عند الرومان بكيوبيد Cupid وكان دوره إنه بيطلق سهامه على قلوب الناس علشان يقعوا في حب بعض، وكلمة eros معناها الرغبة أو الحب الغريزي. مشكلة إيروس إنه كان ابن أمه جدًا.. ومين أمه بقى؟! بالظبط: أفروديت.

أفروديت بعد ما لعنت سايكي قالت للواد ابنها إيروس يروحلها ويرمي عليها واحد من سهامه علشان تحب الوحش اللي هتتجوزه. إيروس لما شاف سايكي انبهر بجمالها وأتدهول وشك نفسه بالسهم بتاعه ووقع في غرامها.

نرجع بقى لسايكي اللي وهي قاعدة على الجبل تندب حظها حست بهبوب رياح شديدة شالتها ورمتها عند قصر غاية في الجمال. طبعًا هي قالت في نفسها ده أكيد قصر الوحش. المهم دخلت وفضلت قاعدة لحد ما الليل جيه والدنيا ضلمت فسمعت صوت جميل بيطمنها وبيقولها إنه هو جوزها وإنه هيجيلها بليل بس علشان ماينفعش تشوفه. جوزها فضل يجي كل ليلة فعلاً وكانوا بيمارسوا الحب وهي كانت مبسوطة منه ومن حنيته عليها لحد ما طلبت منه في يوم أنه يسمح لأخواتها البنات يزوروها. لما أخواتها جم وسمعوا منها قد إيه هي مبسوطة غاروا منها وقرروا يخربوا عليها وأقنعوها تحاول تشوف جوزها ده شكله إيه وهو نايم.

وفي ليلة من الليالي، سايكي قامت من جنب جوزها المجهول وجابت مصباح وولعته ومسكت في الأيد التانية خنجر علشان لو طلع الوحش تموته.. سايكي فضلت تقرب من السرير لحد ما شافت إيروس بكامل هيبته وجماله نايم على السرير. طبعًا من خضتها وقعت زيت المصباح على إيروس فقام مفزوع من النوم!

هوفر عليكم المشهد الدرامي ده.. ملخصه أن إيروس أتصدم في سايكي وقالها مش هقدر أحبك طالما خنتي الثقة والتانية تقوله أرجوك ماتسبنيش يا مرزوق، بس للأسف سابها فعلاً.

سايكي بتندم وتقرر إنها تدور على إيروس بنفسها خصوصًا بعد ما بتكتشف إنها حامل. فبتروح فين بقى؟ بتروح عند معبد أفروديت تترجاها تسمحلها تتكلم مع إيروس. طبعًا أفروديت اللي مكانتش موافقة على العلاقة دي من أولها بتستغل الفرصة علشان تطلع القديم والجديد على البنية الغلبانة، فبتقولها هسمحلك تشوفي إيروس لو عرفتي تنجزي المهام اللي هديهالك.

علشان ماطولش عليكم، الأربع مهام بتوع أفروديت كانت طلبات شبه مستحيلة وكل ما سايكي تيأس من إنجاز مهمة الطبيعة ترأف بيها وتساعدها. يعني في مهمة من المهمات كان المطلوب منها تعبر نهر علشان توصل لقطيع من الخرفان الفرو بتاعهم من الدهب وتحاول تجيب حبة من الفرو ده. المشكلة إن الخرفان دي كانت عينيفة شوية وبتموت أي حد يقرب منها، فاللي حصل إن سايكي يأست وحاولت ترمي نفسها في النهر بس عود قصب (ايون!) منعها ونصحها إزاي تجيب الفرو الذهبي.

اللي يهمني في الموضوع هي المهمة الأخيرة: أفروديت طلبت من سايكي تنزل عالم الموتى وتروح لبيرسيفون Persephone مرات هيدز إله العالم السفلي وتطلب منها تحطلها سر الجمال الأبدي الخاص بيها في علبة. سايكي قالت لنفسها على إيه وجع القلب ده كله وطلعت برج عالي علشان ترمي نفسها، البرج خرج عن صمته وأتكلم وحاجة اللي هو “ربنا يهديكي يا بنتي” ونصحها إزاي تروح عالم الموتى وتخرج منه سليمة. سايكي فعلاً بتروح وبترجع بالعلبة وفي طريق عودتها بتقرر تفتح العلبة  وتاخد من الجمال الأبدي ده لنفسها علشان تزداد جمال وإيروس يرجعلها. المهم العلبة طلع فيها نوع من النوم بيخلي اللي يقرب منه ينام زي الموتى (عيلة هيدز كلها عايزة الحرق).

سايكي بتنام فعلاً، بس ساعتها إيروس بيكون متابع اللي حصلها واللي تحملته علشان توصله فبيروحلها بسرعة ويفوقها من سباتها الأبدي. إيروس بيقرر يتجوز سايكي وسط الآلهة وبيقيم الأفراح وليالي الملاح وبيأكّلها من الأمبروزيا – طعام الآلهة – علشان تبقى خالدة زيه.

سايكي بتخلف بنت جميلة اسمها Hedone واللي بقت بعد كده إلهة البهجة والمتعة والسعادة.

ودي تقريبًا من أساطير الحب القليلة اللي بتنتهي نهاية سعيدة سبحان الله!

بجانب إنها قصة لطيفة بتورينا أن الحب بيتغلب على جميع الصعاب والهري ده، الأسطورة ليها رمزية دينية ونفسية واضحة جدًا.

كلمة psyche بالإنجليزية معنها “روح” أو “وجدان” وهي كلمة يونانية الأصل، وسايكي في القصة هي رمز لروح الإنسان اللي بتعدي بمصاعب واختبارات علشان تتوحد مع العنصر الإلهي أو المقدس اللي بيمثله إيروس. إزاي يعني؟ تعالوا كده نمشي مع الحدوتة واحدة واحدة..

سايكي في أول القصة هي مثال للطهر والبراءة ودي، وفقًا لمعظم الأديان، هي الطبيعة الأولية اللي أتخلق عليها الوجدان الإنساني. إيروس بيحب سايكي وبيغدق عليها بحبه من غير ما تعرف هو مين فعلاً وده رمز لحب الإله للإنسان. بس إيروس بيشترط على سايكي حاجة واحدة بس: إنها ماتحاولش تشوفه، بس سايكي مابتقدرش تقاوم فضولها وزن أخواتها وبتحاول تشوفه وبتكون دي خطيئتها الأولى اللي أدت لخروجها من النعيم اللي كانت فيه. طبعًا التشابه بين القصة وبين خطيئة آدم وأكله للتفاحة المحرمة واضح وضوح الشمس.. آدم مافقدش حب الآله للأبد ولكن خطيئته أضطرته يمر بمصاعب الدنيا علشان يجدد حبه وعهده للإله، وده بالظبط اللي حصل مع سايكي. ونلاحظ إن خلال مرور سايكي بالمصاعب كانت بتيأس كتير بس كان دايمًا فيه عنصر من الطبيعة بيتدخل ويساعدها، وده وفقًا للتفسير الديني ممكن نشوفه على إنه التدخل الآلهي أو الdivine intervention.

في أخر الأسطورة سايكي بتدخل في سبات أشبه بالموت وبعديه بتطلع تعيش مع إيروس وبقية الآلهة في سعادة أبدية، وده ممكن يكون إشارة للموت فعلاً اللي بعديه الروح بتنول الخلود أو يكون موت رمزي واللي من خلاله الوجدان الإنساني بيوصل لمرحلة من الطهر والنقاء بتسمحله يتوحد مع العنصر الآلهي.

نفسيًا بقى، الأسطورة ليها جوانب كتير جدًا وحاجة مش عارفة أكلك منين يا بطة خالص.

أول حاجة بتلفت نظري في الأسطورة هي الفترة اللي إيروس وسايكي عاشوها مع بعض في الضلمة وعلى الرغم من كده كانت في قمة السعادة.. الاتنين ماكنوش شايفين بعض – أو على الأقل سايكي – بس كانوا مبسوطين. مرحلة الظلام السعيد بتمثل بداية أي علاقة قايمة على الحب – مش شرط رومانسية – اللي الطرفين بيبقوا فيها في منتهى السعادة بس مش شايفين بعض على حقيقتهم. المرحلة دي للأسف مش بتستمر كتير لأن لازم يحصل نوع من المكاشفة اللي بالضرورة بتؤدي للمواجهة. فاكرين سايكي كانت ماسكة إيه في إيديها لما كانت عايزة تعرف هوية جوزها؟ كانت ماسكة مصباح في إيد وفي الإيد التانية خنجر، وكأن المكاشفة\الوضوح مقترن بطبيعة الحال بالمواجهة واللي بيجي بعدها الكثير من المشاكل والصعاب زي خيبات الأمل وتبخر التوقعات وفقدان الثقة.. إلخ. المرحلة دي لو تخطوها هيستحقوا توحد الحب الغريزي مع الحب الروحاني (توحد إيروس وسايكي).

وبعيدًا عن علاقات الحب، سايكي هي رمز للوجدان الإنساني في المطلق بقلقه الدائم. والقلق الدائم ده مصدره الفضول والرغبة في المعرفة اللي زي ما هي السبب في تطورالإنسان الروحي والعقلي واستمراره في الحياة قد تكون برضه السبب في سقوطه ونزوعه لليأس. سايكي لو مكانش عندها الفضول إنها تشوف جوزها كانت هتفضل طول عمرها عايشة في الضلمة كإنسانة فانية سعادتها متعلقة على كيان مجهول وهي واقعة تحت سلطته (للأسف فيه أشخاص بيحبوا يعيشوا كده عادي)، وبرضه لو ماكنتش فتحت الصندوق اللي اتمنعت من فتحه كانت هترجع لأفروديت وهتديها مهام تانية. يعني لولا قلقها وعدم انصياعها للأوامر مكانتش خلدت وعاشت وسط الآلهة كإشارة لتجلي الوجدان الإنساني.

بس الفضول والرغبة في المعرفة برضه ممكن تؤدي لليأس. سايكي مع كل مهمة كانت بتحاول تنتحر وتنهي عذابها للأبد، وممكن تكون مهمتها الأخيرة ونزولها للعالم السفلي هي إشارة واضحة للاكتئاب، ومن أعراض مرض الاكتئاب هو التحول السريع المتكرر من الرغبة في الحياة للرغبة في الموت وده اللي كان بيحصل مع سايكي.

المهم يعني إن الفضول أو القلق الدائم ده سواء هيكون سبب للسعادة أو الحزن فالقصة بتقولنا إن الأهم من ده كله نركز مع الدافع بتاعه. ليه الإنسان عايز يعرف أكتر؟ ليه حالة الrestlessness الدائمة دي؟ اللي ممكن نفسره من الأسطورة إن الوجدان الإنساني ناقص وعلشان كده هو دائم البحث عما يفتقده واللي لو عرف يوصله فعلاً هيكتمل وهيوصل للسعادة الحقيقية. الجزء الناقص ده ممكن حد يلاقيه في الدين، ممكن حد تاني في الفن، حد تالت في الحب.. المهم كله واحد فينا يعرف الإيروس بتاعه ويتعب علشان يوصله.

أتباع مدرسة كارل يونج Carl Jung بيقولولنا إن الأسطورة بتفسر بعض النماذج أو الأنماط الأولية ليونج Jung’s Archetypes. يونج بيقولنا إن كل إنسان بيتولد بأنماط أولية في شخصيته بتأثر على سلوكه بشكل غير واعي. الأنماط دي زي نموذج الأب (اللي اتكلمنا عليه قبل كده) ونموذج الطفل ونموذج البطل.. إلخ. أسطورة إيروس وسايكي بتساعدنا على فهم ثلاثة نماذج بعينها: نموذج الأنيما Anima ونموذج الأنيموس Animus ونموذج الذات Self.

الأنيما هي الجزء الأنوثي من شخصية الرجل والأنيموس هي الجزء الذكوري من شخصية المرأة. فمثلاً ممكن نشوف إن سايكي هي الأنيما بتاعت إيروس: والنظرية دي بتتأكدلي لما بلاقي إن سايكي جمالها دايمًا بيتشبه بجمال أفروديت اللي هي أم إيروس، وكأن الجانب الأنثوي متأثر بطبيعة الحال بصورة الأم في شخصية الرجل. طيب لو شوفنا الموضوع من ناحية سايكي؟ هنلاقي إن إيروس هو الأنيموس بتاعها واللي تمثل في صورة سلطوية (صورة إله)، وكده طبعًا ممكن نحدف على تفسيرات نسوية وهنرجع لموضوع المصباح والخنجر تاني بس أنا واثقة إن الفكرة وصلت ومش محتاجة شرح.

الفكرة بقى إن الإنسان علشان يوصل للتصالح مع النفس لازم يواجه نموذج الأنيما – لو رجل – أو نموذج الأنيموس – لو امرأة – بشكل واعي، وده اللي بيحصل فعلاً في الأسطورة بعد ما إيروس وسايكي بيشوفوا بعض في النور. طبعًا الموضوع بيبقى صعب وبياخد فترة للوصول لمرحلة التصالح.. العملية دي بتسمى بال individuation وهي محاولة جمع عناصر الشخصية وربطها وفهمها من أجل الوصول لشخصية متفردة متكاملة. ونتيجة عملية الindividuation بتبقى الوصول للنموذج الأهم في نظرية يونج وهو نموذج الذات The Self Archetype وده اللي بيمثل توحد الروح مع الغريزة والوعي مع اللاوعي..

نموذج الذات المتفردة المتصالحة مع نفسها هي ابنة إيروس وسايكي..

ربة السعادة والبهجة.

النص التفاعلي والفن

بما إن الدوشة اللي حوالين Bandersnatch – أخر حلقة من حلقات مسلسل Black Mirror – خلصت، أحب بقى أعبر عن رأيي اللي ملهوش لازمة: على الرغم من أن التجربة جديدة – مش أوي يعني وهنعرف ليه دلوقتي – ومطرقعة إلا إن فنيًا مش متوسمة فيها خير ومش متحمسة خالص إني أشوفها.

مبدئيًا نوع السرد اللي أتبعته الحلقة مش جديد وله اسم متعارف عليه بالhyperfiction أو الhypertext fiction (ممكن بالعربي نسميه السرد التفاعلي)، والنوع ده من السرد مختلف عن الميتا سرد metafiction اللي أتكلمنا عنه قبل كده. في الميتا سرد الحدوتة بتلفت نظر القارئ\المشاهد لطبيعتها السردية أو لحدودها الخيالية اللي بتداخل مع الواقع أحيانًا. أما السرد التفاعلي فهو نوع من السرد قائم على تدخل القارئ\المشاهد في بناء الحدوتة نفسها.

يعني إيه؟

يعني النص مش بيبقى مبني على خط مستقيم لو حطيت رجلي على أوله لازم أوصل للأخر، الأحداث في النص التفاعلي بتبقى متشعبة زي الشبكة والقارئ ممكن يدخلها من أكتر من نقطة بداية node وبعد كل خطوة بياخدها بيُقابل باختيارات أخرى بتغير من مسار القصة وبتوديه في حتة تانية خالص.. وهكذا. يعني من الأخر الموضوع بيبقى عامل زي المتاهة مليان تشعبات واختيارت عند كل node. وده معناه أن النص متغير غير محدد الملامح والحبكة. وزي ما قولتلكم فوق، الموضوع ده مش جديد خالص.. عندنا مثلاً واحد زي مايكل جويس Michael Joyce ألف قصة تفاعلية إلكترونية سنة 1987 اسمها afternoon, a story وواحد تاني اسمه ستيوارت مُلثروب Stuart Moulthrop ألف قصة تفاعلية سنة 1995 اسمها Victory Garden، وفيه غيرهم محاولات تانية كتير. ده غير إن ألعاب الفيديو بتُعتبر كمان من النصوص التفاعلية.

طيب نحط النص التفاعلي على جنب لثواني ونتكلم عن شكل النص الروائي من منظور نقدي *بتلبس النضارة كعب الكوباية*..

أي قصة في الدنيا ممكن تتقسم ل fabula الأحداث، و sjuzet الحبكة، و criticism/interpretation التفسير الناقد. يعني مثلاً لو قولت “عباس جلس على السرير ليقرأ مجلة ميكي بعد أن قتل أصدقائه جميعًا”.. الأحداث هنا هي عباس قتل أصحابه كلهم وعباس قعد على السرير يقرأ ميكي، الحبكة هي تتابع الحدثين (القتل ثم القراءة فعليًا، والقراءة ثم القتل روائيًا)، أما التفسير فهو كيفية قراءة كل متلقي للقصة القصيرة العظيمة دي.. ممكن واحد يقول عباس ده ابن مجنونة مختل، واحد تاني يقول لأ فعل القتل ده رمزي، واحد تالت يقول دي سخرية من الكاتب.. إلخ.

في الميتا سرد أو السرد العادي القارئ أو المشاهد بيلعب في منطقة التفسير الناقد بس، والحاج رولاند بارت Roland Barthes بيقولنا أن دي حاجة مش قليلة  لأن دور القارئ في تفسير النص هيؤدي لظهور عدد لا متناهي من النصوص المتفرعة من النص الأصلي على حسب عدد التفسيرات. يعني حضرتك كل مرة بتقرأ أو بتشوف فيها قصة بتساهم في أن النص ده يتطور ويتشعب بشكل ضمني، ومن هنا جاءت فكرة بارت الشهيرة بتاعت موت المؤلف Death of the Author والمقصود بيها أن المؤلف والمعنى اللي كان يقصده بينفصلوا تمامًا عن النص بمجرد أن أشخاص تانيين يقرأوه.

حلو الكلام؟ حلو.

إيه اللي بيختلف في السرد التفاعلي بقى؟ اللي بيختلف إن الدور الفعال للقارئ مش بيبقى في مرحلة التفسير زي السرد العادي إنما في مرحلة الحبكة نفسها لأنه هو اللي بيتحكم في مسار الأحداث وترتيبها.. يعني ممكن أخلي عباس يخلص قراءة ميكي الأول وبعد كده يقتل أصحابه، أو إنه يقرأ بلاي بوي بدل ميكي، على حسب الاختيارات اللي عندي. بس كده ممكن حد فلوطة يطلع يقولي طيب ما هو كده غيّر من الأحداث نفسها مش الحبكة بس! الأستاذ فلوطة عنده حق.. فيه نقاد فعلاً قالوا أن الأحداث جزء لا يتجزأ من الحبكة وأنها قائمة عليها، وأي تغيير في الحبكة طبيعي هيترتب عليه تغيير في أحداث القصة. وده معناه أن دور القارئ بقى زيه زي دور المؤلف.

اللي عايزة أوصله من الرغي ده كله أن النص التفاعلي بيدي للقارئ\للمشاهد – ممكن ساعتها كمان نسميه مستخدم user – سلطة التحكم في النص لكن في المقابل بيسلب منه متعة الاستمتاع بالنص فنيًا.. ونحط اتنين وخمسين خط تحت فنيًا دي. من ناحية الاستمتاع فأنت هتستمتع أكيد علشان هتحس أنك زيك زي المؤلف قاعد جوه النص ومدلدل رجليك وبتتحكم في أحداثه وشخصياته.. بس هنا لازم نفرق بين التسلية في المطلق والفن. مش هدخل في المناقشة السفسطائية بتاعت علاقة الفن بالتسلية بس على الأقل معظمنا متفقين أن مش كل شئ مسلي يبقى لازم بالضرورة ممتع فنيًا أو نسميه فن.

مشكلتي مع النص التفاعلي أنه بيلهي القارئ في تركيب الحبكة والأحداث بعيدًا عن مضمون النص نفسه. القارئ مابيبقاش عنده فرصه يفسر الأحداث لأنه بيبقى ملهي في الاختيارات والقرارات ومرحلة الميكانو دي. يعني على الرغم من أنه بيتفاعل مع الأحداث بنائيًا وفعليًا إلا إنه بيفشل في التفاعل معها عاطفيًا ووجدانيًا.

في رأيي المتواضع التفاعل الوجداني مع النص ده من أهم مقومات الفن. المتلقي لازم يحس أنه قدام كيان مساوي له في الأهمية، إن مكانش أهم، قادر على احتوائه فكريًا ووجدانيًا. ومش بقول إن احنا بالضرورة لازم نحس بالضعف قدام العمل الفني لكن فكرة التفاعل قائمة على أننا بنلاقي حاجة بتكلم ال vulnerabilities بتاعتنا، سواء الفكرية أو العاطفية.

الcatharsis مثلاً أو التنفيس العاطفي من منظور أدبي في مضمونه بيعتمد على أن المتلقى بيتكشّف قدام النص، مش العكس، وبيُظهر كل نقاط ضعفه وبالتالي بيتطهر من المشاعر والأفكار اللي جواه (والتطهر هنا معناه أنها بتظهر قدامه مش بيتخلص منها للأبد).

طيب هل احنا محتاجين هذا النوع من ال helplessness ؟ – هو مش قلة حيلة أوي يعني بس مجازًا هنسميه كده – الإجابة هي.. أينعم. برغم غطرستنا كبني آدم ورغبتنا في لعب دور الآله الدائم إلا إننا محتاجين نحس بالضعف وقلة الحيلة أحيانًا علشان ندي معنى لوجودنا، أو على الأقل علشان مانحسش أن المعنى ده غير موجود أو متوقف علينا احنا بس (فكرة مخيفة ومربكة جدًا لطبيعتنا البشرية).. وده اللي الدين والفن بيعملوه وإن كان بأشكال مختلفة طبعًا. الاتنين بيقدموا وسيلة للتواصل مع الجانب الوجداني فينا اللي عايز يستسلم ويتخلص من ديكتاتورية الجانب المادي.. في الدين التواصل بيكون مع إله وفي الفن مع العمل الفني (بهرطق معلش).

نسيبنا من مزنق الفلسفة اللي دخلنا فيه بقى، مشكلة النص التفاعلي معايا إنه بيعكس الأدوار وبيدينا دور الإله – نصف إله كمان علشان بنلعب بالمكونات اللي موجودة مسبقًا! – فالبتالي بنفقد التواصل العاطفي مع النص، والجانب الوجداني فينا بيكش وبيختفي ورا الجانب المادي.. ده غير إننا فكريًا بنبقى ملهيين في بناء النص عن مضمونه زي ما قولت قبل كده.

وعلشان نبقى واضحين أنا كل ده بتكلم عن الفن من وجهة نظر المتلقي لأن تلقي الفن وإنتاجه موضوعين مختلفين تمامًا.

أنا مش بقلل من دور النص التفاعلي خالص.. بالعكس، أنا شايفة إنه تجربة مثيرة للاهتمام جدًا بس غير مشبعة فنيًا (أو على الأقل بالنسبة لي علشان مباحث التعميم(. التجربة الفنية عاملة زي متعة ممارسة الحب.. على الرغم من أنك بتبقى حاضر ذهنيًا إلا إنك بتستسلم روحيًا للنص.

دمتم في فن.

تاريخ عروس البحر

اللي ناس كتير ماتعرفهوش إن عروسة البحر مش مجرد حدوتة لطيفة، إنما دي قصة ليها جذور في حضارات قديمة كتيرة وبشكل كبير بتعكس رؤية الحضارات دي للمرأة والرجل.

Atargatis

الأسطورة أصلها آشوري وبتقول إن كان فيه الهة اسمها أتارجتيس Atargatis وأنها حبت إنسان. قصة الحب دي انتهت نهاية درامية كالعادة برغبة أتارجتيس بمعاقبة نفسها بإنها ترمي روحها في البحر وتدفن جمالها للأبد. فيه آراء بتقول إن سبب شعورها بالذنب كان إنها تسببت في موت الإنسان اللي حبته أثناء ممارستها للجنس معاه (كانت عينيفة شوية) وآراء تانية بتقول إنها حملت منه فحست بالذنب ونتاج الحمل ده كان سيمراميس Semiramis. المهم يعني إنها لما رمت نفسها في البحر الهدف كان إنها تبقى من الكائنات البحرية وتختفي من الأرض خالص، لكن اللي حصل إن الآلهة استحرموا جمالها فاتحول نصها التحتاني لسمكة في حين أن نصها اللي فوق فضل زي ما هو…

وبقدرتها على الجمع بين صفات البر والبحر، آتارجتيس أصبحت الالهة الأم وبتمثل القدر والحب والخصوبة وحاجات تانية كتير. ويُقال إنها مصدر الإلهام الرئيسي للالهة أفروديت Aphrodite عند الإغريق وإيزيس Isis عند القدماء المصريين.

دي كانت أصول الأسطورة التي أتطورت بشكل ملفت للنظر في الأدب العربي (أيون!) والغرب. القزويني والمسعودي مثلاً في كتبهم اتكلموا عن إنسان الماء على إنه من عجائب المخلوقات اللي في الدنيا! طبعا الفكرة دي كانت مخلوطة ومتأثرة بحاجات كتير منها الحضارة اليونانية ورؤية البحارة لكائنات شبه الإنسان. الملفت للنظر في في روايات القزويني والمسعودي إن رواياتهم إما كانت مقصورة على إنسان الماء كذكر، ولما جابوا سيرة بنات الماء كان بشكل sexualized ومتأثر بأسطورة ال Sirens اللي هي حاجة تانية خالص.

وألف ليلة وليلة من أهم الكتب في الأدب الشرق أوسطي اللي تطرقت لأسطورة عروس البحر خصوصًا في قصتي “جلنار أميرة البحار” اللي كان دور عروسة البحر فيها مُهمش جدًا و”عبد الله البري وعبد الله البحري” ذات الطابع الديني الواضح.

طيب حد يجي يسألني ما جبتيش سيرة قصة “عروس البحور والأمير نور” اللي اتعملت مسلسل بتاع شيريهان؟ الحقيقة بقى إن المسلسل ده لا يمت بأي صلة لألف ليلة وليلة على الرغم من إن تم ترويجه على هذا الأساس. المسلسل منحوت (بتصرف ثقافي) من قصة The Little Mermaid اللي ألفها الكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن Hans Christian Andersen في القرن ال19، وهي برضه نفس القصة اللي قام عليها فيلم هوليوود الشهير.

أنا مش ضد قصة أندرسن أكيد لكن يُعاب عليها إنها جردت صورة عروسة البحر من ألوهيتها وحولتها لمجرد “حورية” جميلة حياتها أبتدت وانتهت عند الرجل، ده غير تحويل فكرة الخزي والضعف إلى تضحية سامية (في قصة أندرسن عروس البحر بتضحي بنفسها في الأخر علشان الأمير اللي حبته يعيش).

ومعظم الأعمال الفنية للأسف أهملت الأسطورة تمامًا وبيجودوا في قصة أندرسن على أساس إن دي الأسطورة. يمكن الاستثناء الوحيد اللي أعرفه هو فيلم قصير سعودي تم إنتاجه عام 2013 اسمه “حورية وعين”… جمال الفيلم ده إن نظرته لعروسة البحر نابع من تأثر واضح بالأسطورة الأشورية.

فرويد والذاكرة

فيه مقالين لفرويد من أجمل ما قرأت له الصراحة، الأول اسمه “Screen Memories” والتاني “Beyond the Pleasure Principle”..

في المقال الأول فرويد بيتكلم عن نوع معين من الذكريات اسمها screen memories أو الذكريات المقنّعة. الذكرى المقنّعة بتبقى حدث ما حصلك في الطفولة وبتفتكره بشكل مفاجئ وأنت كبير. فرويد بيقول إن السبب في ده مش أهمية الذكرى نفسها ولكنها بتعكس حدث ما حصل في وقت لاحق أو رغبة بتؤرقك دلوقتي. وده بالضرورة معناه إن الذكرى اللي من أيام الطفولة دي المخ تلاعب بيها بشكل كبير علشان يخفي جواها إشارات وعلامات للحاجة اللي فعلاً مؤرقاه ومش قادر ينقلها للوعي.

علشان كده لازم ناخد بالنا من الذكريات البعيدة اللي بتظهر فجأة دي. أولاً لأن جانب كبير منها مابيكونش حقيقي زي ما احنا متخيلين، وثانيًا علشان نفهم الإشارات وال clues اللي بتبقى الذكرى دي مخبيها.

أما المقال التاني ففرويد بيتكلم فيه عن كيفية تعامل المخ مع الصدمة النفسية أو ال trauma. بيقول ببساطة إن لما المخ بيستدعي ذكرى سيئة أكتر من مرة الهدف مش بيبقى تعذيب النفس على عكس المفهوم الشائع…

المخ لما بيعيد ذكرى سيئة الهدف بيبقى هو إعادة صياغة الذكرى دي في سياق مختلف recontextualization. يعني بيحاول يخلي الوعي يتقبل الصدمة دي من خلال تقديمها في أطر مختلفة وبالتالي فهمها أو التصالح معها على المدى الطويل.

ودي الفكرة اللي قايم عليها ال exposure therapy في التعامل مع ضحايا الصدمات النفسية. بيعرضوا الضحية لنفس الموقف السيء أكتر من مرة ولكن طبعًا في بيئة آمنة مع إعطاء القدرة للتضحية في تغيير السيناريو. وقدرة التحكم في الأحداث دي فيها نوع من التمكين للضحية.. بندي للضحية agency وبالتالي نظرتها للتجربة السيئة دي بتختلف مع مرور الزمن، وده بالظبط اللي مخنا بيعمله في التعامل مع الصدمات.

فرويد بيحكي تجربته مع طفل كان يعرفه. الطفل ده كان مامته وباباه بيسيبوه كتير فطبيعي إن ده سببله نوع من الصدمة وشعور بالفقد واقع عليه. فرويد بعد كده لاحظ إن الطفل ده بقى عنده لعبة مفضلة وهي إنه بيرمي عروسة تحت السرير وبيخلي الدادة بتاعته وكل اللي حواليه يدوروا عليها لحد ما هو بينزل يجيبها وتبقى فرحته عارمة لما بيلاقيها. فرويد بيقول إن سبب تعلق الطفل باللعبة دي إن مخه بيعيد صدمة التخلي اللي تعرض لها وهو صغير ولكن في اللعبة هو بيدي نفسه agency أو بيمكن نفسه وبيتحكم في الأحداث وبيخلي نهاية الموقف على مزاجه.. بالظبط زي ال exposure therapy.

أورفيوس وضريبة الخيال

أسطورة أورفيوس Orpheus من الأساطير المحببة جدًا ليا لأني كل مرة بقرأها بطلع منها بتفسير مختلف متناسب مع الحالة النفسية اللي بمر بيها، ده غير إن القصة نفسها تخريط بصل كعادة كل الأساطير الإغريقية عن الحب والفقد.

أورفيوس كان شاعر ومغني وعازف للقيثارة، وصوته والموسيقى بتاعته كانوا حلوين لدرجة أن مفيش كائن حي أو جماد بيقدر يقاومهم. موسيقاه كانت بتأسر القلوب، ولما كان بيقعد يغني في الغابة ويعزف على القيثارة بتاعته كانت الحيوانات البرية  بتقرب منه والأشجار والصخور بتتحرك علشان يسمعوه. ويُقال إنه كان مع البطل جاسون وهو بيستعيد الصوف الذهبي وإن موسيقاه هي اللي سحرت التنين اللي بيحمي الصوف.

أورفيوس مكانش إله، بس فيه روايات بتقول إنه ابن أبوللو Apollo وإنه هو اللي أهداه القيثارة الشهيرة بتاعته، عامًة المتفق عليه إن مامته هي كاليوب Calliope أكبر وأقدم ربات الفن Muses وتحديدًا ربة البلاغة والشعر. المهم..

في يوم من الأيام أورفيوس شاف حورية من حوريات الغابة اسمها يوريديس Eurydice وكان حب من أول نظرة من الطرفين وحبهم كان بيتحاكى بيه كل اللي يعرفهم واللي مايعرفهمش. أورفيوس ويوريديس قرروا يتجوزوا وعملوا فرح فعلاً، ويوم الفرح وهم مروحين يوريديس هجم عليها راعي كان عينه منها من زمان وأتغاظ إنها أتجوزت غيره وكان عايز يخطفها أو يغتصبها.. حاجة زي كده (بغل معلش)، المهم إن أورفيوس راجل فنان برضه وملهوش في العركة وشغل الفتوات ده فاللي قدر يعمله أنه أخد يوريديس من دراعها وقعد يجري بيها. وهم بيجروا، يوريديس داست على حية (ثعبان) لدغتها وطبت ميتة في لحظتها.

طبعًا أورفيوس أتصدم صدمة عمره ومكانش مصدق إنه فقد يوريديس للأبد لدرجة إنه طلب من الآلهة النزول لعالم الموتى علشان يرجعها تاني. أكيد لو كان أي شخص عادي طلب حاجة زي كده من الآلهة كانوا نفخوه، بس بما إن أبوللو أتوسطله عند هيدز Hades إله الموتى والعالم السفلي، أورفيوس سُمح له إن ينزل لعالم الموتى ويقابل هيدز بنفسه.

وبالفعل أورفيوس نزل، وأول ما قابل قابل سيربيروس Cerberus كلب هيدز اللي عنده ثلاث رؤوس وبيحرس أبواب عالم الموتى علشان يمنع الأحياء من الدخول والموتى من الخروج. أورفيوس راح مطلع القيثارة بتاعته وقعد يلعب موسيقى لسيربيروس ويغنيله لحد ما هدي خالص وسمحله بالدخول (الموضوع ده مريب جدًا وليه تلميحات مريبة بس ما علينا :D).. المهم أورفيوس دخل فعلاً وقابل هيدز ومراته بيرسيفون Persephone وحكى قصته ووصفلهم قد إيه بيحب يوريديس وطبعًا قعد يغنيلهم لدرجة أن بيرسيفون عيطت. هيدز بقى مكانش عايز يرجع يوريديس بس لما شاف مراته بتعيط وكل اللي حواليهم متأثرين عرض على أورفيوس عرض غريب جدًا (هيدز خبيث ابن لذينة برضه).. قاله أنه ممكن ياخد يوريديس معاه وهو خارج فعلاً بس بشرط واحد: إنها تفضل ماشية ورا أورفيوس طول رحلتهم لعالم الأحياء وهو ما يلتفتش ولا يحاول يبص عليها لحد ما يطلعوا فوق.

أورفيوس وافق طبعًا بدون تفكير وفعلاً أبتدى رحلته لعالم الأحياء ويوريديس ماشية وراه. أورفيوس التزم بكلام هيدز طول الوقت لحد ما وصل لقرب نهاية الرحلة عند سطح الأرض.. ماقدرش يمسك نفسه فغصب عنه وبحركة تلقائية جدًا من فرط سعادته بص وراه علشان يتأكده أن يوريديس لسه معاه.. وفي نفس اللحظة يوريديس اتسحبت تاني للعالم السفلي، والمرة دي أورفيوس فقدها للأبد.

قبل أي حاجة أنا حابة أرجع للعرض الغريب بتاع هيدز واللي على قد ما بيعكس خبثه بيعكس برضه فهمه العميق للنفس البشرية. هيدز كان من حقه وفي مقدرته يقول لأورفيوس أمشي ياض من هنا ماعندناش أرواح بترجع، بس ساعتها كان هيبان كإله شرير يمنع ولا يمنح. وعلشان كده رمى الكورة في ملعب أورفيوس علشان يحول الذنب له ويحسسه إن الموضوع في الأول وفي الأخر يعتمد على إرادته الحرة واختياره وتحكمه في نفسه. هيدز كان مدرك تمامًا إن أورفيوس مش هيقدر يقاوم إغواء النظر ليوريديس وإن الشك هيدفعه للالتفات وراه، بس الموقف هيبان على أن أورفيوس هو المسئول الأول والأخير عن اللي حصل.

فيه فيلم شوفته مؤخرًا (مش هقول اسمه علشان محرقهوش) البطل بيروح جهنم بس الملاك اللي معاه بياخده يفرجه على أسفل درجات جهنم وبيقوله بكل خبث ده مش مكانك أنا جايبك أفرجك بس، المهم أن المكان ده فيه جسر مكسور بيخرّج من جهنم والطريق الوحيد لتخطيه هو تسلق حيطة. البطل بيقرر إنه يتسلق الحيطة على الرغم من تحذير الملاك له بأن كل اللي قبله فشلوا. الجميل في الموضوع إن الملاك حط البطل قدام الإغواء اللي كان متأكد إنه هيضعف قدامه علشان يديله الإحساس الزائف بالagency. طبعًا البطل بيحاول ولكن بيفشل وبيقع في الدرك الأسفل من جهنم اللي في رأيي كان مقدر يترمي فيه من البداية.

وده بالظبط اللي هيدز عمله مع أورفيوس بأنه حطه أمام الإغواء اللي كان عارف إنه هيضعف قدامه وبالتالي حمّله ذنب فقد يوريديس مرتين.

نحط هيدز على جنب بقى ونشوف أورفيوس نفسه…

رمزية نزول أورفيوس لعالم الموتى ومحاولة استرجاع يوريديس قد يحمل العديد من التفسيرات. ممكن نشوف مثلاً يوريديس على إنها الجزء المادي من الإنسان والغريزة الفانية المحبة للبقاء وأن أورفيوس ببراءته وفنه هو الروح الخالدة المحبة للسمو (الأورفية تحولت لحركة فلسفية فعلاً في عصور الإغريق عُرفت بالطابع الروحاني) والاتنين في وقت من الأوقات (العصور الأولى) كانوا عايشين في حب وتناغم لحد ما الغريزة\المادة أتوصمت بالدونية وبقت تنتمي للعالم السفلي. نلاحظ إن سلاح أورفيوس الوحيد لاسترجاع يوريديس هو الموسيقى بتاعته، وكأن الفن وروحانيته هو الوحيد القادر على السمو بالمادة والغريزة وإعادتها لمكانها الصحيح جنبًا إلى جنب مع الروح، بس طبعًا الموضوع بيفشل بسبب تدخل السلطة الفكرية والعقائدية المتمثلة في هيدز.

فيه تفسير آخر بيشوف الأسطورة من منظور نفسي بحت وبيتناول كيفية تعامل الإنسان مع الفقد (فقد إنسان أو جزء من النفس)، وده بيشوف إن بعد فقدان الإنسان لشيء أو شخص بيحبه بيبقى فيه صراع قائم بين العقل الواعي (المتمثل في أورفيوس وعالمه) والعقل اللاواعي (المتمثل في مملكة هيدز). أورفيوس – كضحية الصدمة بعقله الواعي وهو في حالة نكران للفقد – بيحاول يسترجع الشخص أو الشيء المفقود ويمنع تحوله لذكرى أو شعور لا واعي بكل الطرق الممكنة. التفسير ده حزين جدًا لأنه بيورينا إن مهما الفاقد نجح في استرجاع المفقود فده بيزود من بؤسه لأنه في مرحلة ما بيدرك إن الذكرى بتأكدله فقدان الشخص المادي واستحالة رجوعه.. يعني أورفيوس بيتكسر قلبه فعلاً لما ييبص وراه ومايلاقيش يوريديس، مش علشان أتسحبت للعالم السفلي ولكن علشان بيدرك إنها مكانتش موجودة معاه أصلاً طول رحلة رجوعه، وإنه كان متخيل وجودها معاه she was never truly there.

أما التفسير الأخير – وأقربهم إلى قلبي – بيشوف إن أورفيوس هو الفن والقدرة الإبداعية والخيال عند الإنسان. رحلة أورفيوس لعالم الموتى ما هي إلا العملية الإبداعية نفسها اللي – على الرغم من الشقاء اللي فيها – بيفضل من خلالها الفنان على اتصال بروحه (يوريديس) واللي بيحاول يوصّلها للعالم الحقيقي لكن بيفشل. كارل يونج Carl Jung بيقولنا أن فشل أورفيوس في استعادة يوريديس وكسرة قلبه عليها هو التمن اللي لازم يدفعه الإنسان مقابل الخيال، لإن الخيال دايمًا بينتهي بالعودة إلى الواقع.

في رواية Atonement للكاتب الإنجليزي إيان ماك-إيوان Ian McEwan البطلة، صاحبة الخيال الجامح، بتقول جملة عبقرية بتلخص الهري ده كله:

The cost of oblivious daydreaming was always this moment of return, the realignment with what had been before and now seemed a little worse.

 فيما معناه إن ضريبة الانغماس في أحلام اليقظة هو دائمًا لحظة العودة.. التعايش مع ما كان وما يبدو الآن أسوأ قليلاً.

في كل مرة الإنسان بيستسلم للخيال ويتمسك بيه، قدرته على العودة للواقع بتبقى أصعب لإنه بيبص وراه وبيدرك إن يوريديس عمرها ما كانت معاه ولا عمرها هتيجي معاه وإنه لازم يواجه الواقع من غيرها.

يمكن التفسير ده يساعدنا نفهم ليه الفن بيرتبط بالجنون وأن كتير من الفنانين وأصحاب الخيال الواسع انتهى بيهم الأمر بالانتحار. كسرة القلب اللي بتحصل لما الإنسان بيصطدم بالواقع وبيلتفت وراه وبيدرك إن جنته ما هي إلا خيال بتبقى لا توصف، وتكرارها قد يؤدي لاستحالة التعايش مع الواقع.

بعد أورفيوس ما فقد يوريديس للأبد فضل عايش في حزن وشقاء لحد ما جيه يوم قابل فيه مجموعة من النساء أتباع الإله ديونيسوس Dionysus اللي طلبوا منهم يغنيلهم بس رفض، وفي روايات تانية بتقول إنه استفزهم.. المهم إن النتيجة واحدة: اتخانقوا معاه وقطعوه لأشلاء. وأي كان السبب فأنا شايفة إن أورفيوس كان عايز يموت وأن دي كانت فرصته للهروب من قبح الواقع.

دمتم في خيال.

ميدوسا ومواجهة الذات

النهاردة هنتكلم عن الشخصية الأشهر والأبشع – هنكتشف إنها مش بشعة ولا حاجة – في الأساطير الإغريقية ألا وهي الأخت ميدوسا Medusa..

الأسطورة بتقول إن ميدوسا كانت واحدة من الجورجنات Gorgons الثلاثة ودول ثلاثة وحوش أخوات من العالم القديم معروف عنهم بشاعة المنظر وقدرتهم على تحويل أي حد ينظر ليهم لحجر. وكان يُقال إن ميدوسا هي الوحيدة في أخواتها القابلة للفناء (يعني ممكن تموت عادي)، بس كل الكلام ده من الروايات القديمة للأسطورة. وبما إن ميدوسا من أكتر الأساطير المكلكعة اللي رواياتها متداخلة هنركز النهاردة تحديدًا على رواية الشاعر الروماني أوفيد Ovid لحكاية ميدوسا..

أوفيد بيقولنا إن ميدوسا كانت فتاة بشرية بارعة الحسن ومكانش حد بيشوفها إلا لما يقع في غرامها. المهم في يوم من الأيام بوسيدون Poseidon إله البحر شافها وأتوهم بجمالها، وطبعًا بما إن آلهة الإغريق ما بيعملوش حاجة غير إنهم يجروا ورا أعضائهم التناسلية فقرر إنه يغتصبها. المشكلة بقى إنه أغتصبها في معبد أثينا Athena (يُقال في بعض الروايات إن ميدوسا كانت راهبة من راهبات أثينا) اللي أستشاطت غضبًا من عَملة بوسيدون السودا. طبعًا كلنا هنقول ليها حق تغلي! شافت واحدة بيتم اغتصابها على يد واحد من الآلهة اللي هي منهم، بس للأسف مكانش ده السبب..

أثينا غضبت علشان الاغتصاب تم في معبدها (احيه والله!) وكنتيجة طبيعية أنزلت عقابها على الشخص اللي تقدر عليه في الموضوع (واللي هي المفروض الضحية) وحرمت ميدوسا من جمالها وحولتها لوحش بشع المنظر وحولت شعرها لتعابين حية، ولعنتها بأن أي شخص يبص في عينيها يتحول لحجر.

عقاب ميدوسا بيفكرنا بعقاب هيرا لإيكو وبقسوة الآلهة غير المبررة. المهم ميدوسا فضلت عايشة مختفية في كهف بعيد عن الأنظار بسبب ذنب لم تقترفه وبشعور بالعار بسبب عقاب لا تستحقه، وطبعًا كان بيعدي عليها ناس كانوا بيحاولوا يموتوها بس كانت بتحولهم لحجر غصب عنها.

ميدوسا فضلت في العذاب ده لحد ما البطل بيرسيوس Perseus (مُنقذ أندروميدا في أسطورة تانية) قدر يخلصها من عذابها ويموتها بمساعدة أثينا اللي أديتله درع فيه مراية عكست صورة ميدوسا فشافت نفسها وأتحولت لحجر وساعتها قدر بيرسيوس يقطع رأسها.

الأسطورة ليها تفسيرات نسوية كتيرة (وطبعًا واضح ليه) بس أنا اللي يهمني فيها أكتر البُعد النفسي والفلسفي..

الحاج فرويد استخدم الأسطورة لشرح عقدة الإخصاء أو ال castration anxiety وهو خوف الإنسان – خاصًة الرجل – من فقدانه لأعضائه التناسلية لما يشوف أعضاء الجنس الآخر. العقدة أو الخوف ده بيتشكل في مرحلة الطفولة لما الطفل بيشوف أعضاء المرأة التناسلية لأول مرة وفرويد شبّه الموضوع برؤية ميدوسا (عضو المرأة التناسلي المحاط بالشعر زي رأس ميدوسا المحاطة بالتعابين)، وتحول الطفل لحجر بيتمثل في حالة الصدمة اللي بتؤدي لخوف من فقدانه عضوه الذكري.

الموضوع قد يبدو مضحك بس هو ليه أبعاد كتيرة في الأساطير وعلم النفس. يعني فيه مثلاً أساطير كتيرة أتكلمت عن ال vagina dentata أو المهبل المفترس (هنتكلم عنه في بوست تاني) واللي بيعكس خوف الرجل من فقدان عضوه الذكري داخل مهبل المرأة، ما علينا.. الموضوع مش جنسي بحت زي ما فرويد وصفه لأن خوف الرجل من الإخصاء برضه بيمثل الخوف من فقدان السلطة والسيطرة، وده معناه إن “بشاعة” ميدوسا متمثلة في قدرتها على تجريد الآخرين من سلطتهم.

أنا عارفة إني كده حدفت على التفسيرات النسوية بس خلونا نرجع تاني..

بعيدًا عن الحاج فرويد اللي ركز على وجهة النظر الذكورية للأسطورة، فيه تفسيرات نفسية تانية بتقول إن أثينا وميدوسا وجهين لنفس المرأة: أثينا بتمثل العذرية الصارمة والتمسك بالتقاليد وميدوسا (قبل الاغتصاب) بتمثل الرغبات الحسية والجنسية. الجانبين دول بيدخلوا في صدام بعد حدوث صدمة التجربة الجنسية الأولى (علشان كده اتمثلت في الأسطورة في شكل اغتصاب) فالجانب العذري بيلوم الجانب الحسي وبيشعره بالذنب اللي قد يستمر في بعض الأحيان مدى الحياة.

ومع احترامي للتفسيرين أنا ليا وجهة نظر تالتة بقى…

ميدوسا قد تكون رمز لأي إنسان بيتعرض لصدمة نفسية أو جسدية كبيرة بيفشل في استيعابها فبتتحول لشعور جارف بالذنب المصاحب بالغضب. المشكلة ساعتها إن الإنسان ده بيحول الغضب أو المشاعر السيئة اللي جواه للآخرين غالبًا بدون قصد، بالظبط زي ما كانت ميدوسا بتحول أي حد يبص في عينها لحجر. في وجهة نظر الآخرين الإنسان ده بيبقى بشع ومؤذي مع إن الحقيقة هو إنه في ألم وعذاب مستمرين ونفسه في بيرسيوس يجي يخلصه من عذابه.

فاكرين بيرسيوس قتل ميدوسا إزاي؟ بمراية… طيب فاكرين نارسيس انتهى إزاي؟ بأنه شاف انعكاسه في المياه..

تيمة رؤية الذات في الأساطير منتشرة ودايمًا بتفكرنا بنبوءة تايريسيس (فاكرينها؟). ميدوسا ما ماتتش إلا لما واجهت نفسها. بس زي ما موت نارسيس نتج عنه زهرة النرجس اللي قد تمثل موت الجانب السيء من الشخصية وظهور جانب آخر على قدر كبير من تفهم وإدراك الذات، ميدوسا حصل معاها حاجة مشابهة..

بيرسيوس لما قتل ميدوسا كانت ساعتها لسه حامل في ابن بوسيدون (حمل جَمَلي تقريبًا!) فلما قطع رأسها طلع من جواها حصان أبيض مجنح آية في الجمال والنقاء، الحصان ده طبعًا هو بيجاسوس Pegasus رمز الحكمة والشعر..

وده معناه إن ميدوسا ماقدرتش تتخطى ألمها وغضبها إلا لما واجهت نفسها وتمعنت النظر فيها. طبعًا المرحلة دي من الإدراك قد تكون مؤلمة وأحيانًا مدمرة للشخص لكنها بتحرره من قيود نفسه اللي بيفرضها على ذاته والآخرين، وساعتها فعلاً بيولد من جديد زي ما بيجاسوس بيخرج من جسد ميدوسا.

إيكو ونارسيس: عن الحب والتعلق

أسطورة النهاردة من الأساطير القريبة من قلبي وهي أسطورة إيكو ونارسيس Echo and Narcissus..

نبدأ الحدوتة من عند إيكو، إيكو كانت حورية معروف عنها الجمال وعذوبة الحديث وقدرتها على جذب الآخرين بكلامها، والصفة دي اللي خلت زيوس (ديل الكلب) يستغلها أسوأ استغلال..

بما إن هيرا زوجة زيوس كانت غيورة وحاطة عينها في وسط رأسها (ليها حق الصراحة) زيوس مكانش عارف يعطّ براحته، فأمر إيكو إنها تلازم هيرا في كل مكان وتلاغيها بكلامها الحلو علشان تشغلها ويعرف هو يزوغ ويشوف حاله. الموضوع نجح لفترة بس هيرا سوسة برضه وفي النهاية فقست الخطة بتاعت زيوس وإيكو. هيرا عاقبت إيكو بأنها حرمتها من قدرتها على الكلام وأصابتها بلعنة إنها تكرر أخر جزء من أي كلام يتقال قدامها. ولما إيكو رجعت الغابة لقت نفسها مجبرة على تكرار الكلام والأصوات اللي بتسمعها من أي حد، ومن هنا جات فكرة صدى الصوت echo.

وفي يوم من الأيام إيكو شافت شاب في الغابة آية في الجمال ووقعت في حبه، الشاب ده طبعًا كان نارسيس اللي هنتكلم عنه دلوقتي حالاً، وبما إن إيكو مابتعرفش تتكلم فشلت أنها تقول لنارسيس قد إيه هي بتحبه وكل اللي قدرت تعمله إنها تلازمه وتمشي وراه في كل رحلات صيده للغابة من غير ما تظهر نفسها. ولما نارسيس حس بوجود حد وراه قعد ينده بصوت عالي “مين هناك؟” وكانت إيكو تفضل تكرر السؤال وراه لحد ما قررت تظهر نفسها له. المسكينة مابتعرفش تتكلم فكل اللي قدرت تعمله إنها حاولت تحضن نارسيس تعبيرًا عن حبها له، لكن في المقابل، نارسيس المغرور صدها ودفعها بعيد عنه بقرف.

بعد الحركة الزبالة دي إيكو اللي كانت روحها متعلقة بنارسيس قلبها أتكسر وفضلت حزينة لحد ما جسدها ذبل وتلاشى وماتبقاش منها غير صوتها اللي لسه بنسمعه في الأماكن الواسعة لحد دلوقتي.

هنوقف هنا كلام عن إيكو ونعمل ري-وايند ونبتدي الحدوتة من الأول بس من عند نارسيس..

لما نارسيس أتولد مامته وباباه لاحظوا جمال طفلهم غير العادي فراحوا بيه للعراف الأعمى تايريسيس Tieresias (الراجل ده حدوتة لوحده، هنبقى نتكلم عليه بعدين) علشان يعرفوا مستقبله فقالهم جملة من أكتر الجمل المرعبة اللي قريتها.. قالهم “هذا الطفل سيرزق بالعمر المديد، فقط إذا لم يعرف نفسه!”

المهم إن نارسيس كبر وبقى شاب حليوة بيتحاكى بجماله الناس، مشكلته – وده متوقع – إنه كان على قدر كبير من الغرور والتعالي ومكانش بيعجبه العجب زي ما بنقول، فطبعًا كسر قلوب كتيرة وقعت في غرامه من الرجال والنساء (اللي إيكو كانت منهم)، ويُقال إن فيه شاب طعن نفسه بالسيف علشان نارسيس رفض يحبه وقبل ما يموت طلب من الآلهة تدوّق نارسيس نفس العذاب اللي هو أتعذبه، ما علينا يعني.. بغض النظر بقى إن اللي حصل لنارسيس بعد كده كان استجابة لدعوة الشاب ده أو جزاء على اللي عمله في إيكو فهو عقاب يليق بنارسيس وشخصيته جدًا.

في يوم ونارسيس بيتمشى في الغابة أتكعبل في بحيرة المياه بتاعتها في غاية النقاء فالانعكاس فيها واضح جدًا، فأول ما شاف انعكاسه في المياه انبهر بجماله وأفتكر إن فيه شخص في البحيرة. نارسيس وقع في غرام الشخص ده وفضل ينده عليه ويحاول يمسكه وكان بيتكدر إن الشخص بيختفي كل ما يحاول يلمسه. نارسيس فضل أيام يحاول يكلم أو يلمس انعكاسه في المياه لحد ما يأس تمامًا وقرر إنه يفضل قاعد على شط البحيرة يتأمل في الشخص اللي في البحيرة للأبد.. وده اللي حصل فعلاً، نارسيس فضل بالمنظر ده أيام وشهور وسنين لحد ما جسمه ذبل ومات ووارته التربة وظهرت مكانه وردة النرجس.

القصة حزينة أنا عارفة بس الأساطير كلها بنت لذينة كئيبة كده، هنعمل إيه! اللي يهمني في الأسطورة دي هي أنها بتقدملنا نوعين مختلفين أو على النقيض من التعلق المفرط: التعلق بالآخرين والتعلق بالذات.

إيكو بعد ما فقدت قدرتها على الكلام (خلينا فاكرين إنه مش لأي ذنب هي ارتكبته لأنها كانت مجرد بتتبع الأوامر الآلهية) اللي ممكن نعتبره شخصيتها بقت تستمد وجودها من الآخرين عن طريق تكرار اللي بيقولوه، وده ينطبق على ناس كتير مابيعرفوش يشوفوا أي قيمة لأنفسهم إلا من خلال تقييم الآخرين لهم. مشكلة إيكو إنها علقت وجودها على وجود شخص واحد فقط اللي هو نارسيس، فلما رفضها وجودها تلاشى رمزيًا وحرفيًا. ولازم نفهم إن النوع ده من التعلق غالبًا بيبقى في العلاقات الإنسانية الabusive سواء قايمة على الحب أو الكره لأن بيبقى فيه طرف بيستمد الacceptance والvalidation من الطرف التاني.

أما نارسيس فهو بيمثل النوع التاني من التعلق المفرط وهو التعلق بالنفس أو ما يسمى بالنرجسية Narcissism وده وفقًا للأسطورة بيمر بمراحل. المرحلة الأولى هو الشعور بالتميز والتفرد وهو إن الشخص بيلاحظ إنه مختلف عن الآخرين وفي منزلة أعلى منهم، وفي حالة نارسيس ده كان بسبب جماله.

المرحلة التانية هي الشعور بالاستحقاق والتعالي، مش بس الشخص بيحس إنه أحسن، لأ ده بيشوف إن تميزه ده عن استحقاق وده بيديله الحق في نبذ الآخرين والتعالي عليهم وده اللي نارسيس عمله مع إيكو والشاب اللي انتحر.

المرحلة التالتة بقى هي مرحلة تأمل الذات ودي اللي مش كل المصابين بالنرجسية بيوصلولها أو بيجيبوا أخرها. في المرحلة دي الشخص بيشوف إن ذاته هي الشيء الوحيد المستحق لحبه فبيتأملها كما هي وبيجردها من الfamiliarity وده حصل لما نارسيس فضل متنح في انعكاسه على إنه شخص آخر. مشكلة المرحلة دي – وهنا أنا بكلم النرجسي الصغير اللي جوه كل واحد فينا – إنها يا تقف عند الانبهار بالذات أو بتكمل وتوصل لنوع من الإدراك الصادم.. التأمل المفرط في النفس هيؤدى إلى إدراك أن الصورة المبجلة للذات دي ما هي إلا وهم.

طبعًا معرفة النفس وتأملها شيء ضروري ولكن الإمعان في سبر أغوار النفس قد يؤدي إلى فقد الإحساس بوجودها وجدواها أصلاً. عارفين الموضوع عامل زي لما الواحد يقعد يبحلق في نفسه في المراية فترة طويلة لحد ما يبتدي يستغرب شكله ويشك في وجوده.

والموضوع ده مخيف جدًا بالنسبة لي علشان على قد ما بتشد لفكرة التأمل في الذات على قد ما بخاف من نتائجها، والدليل على ده نارسيس اللي قعد يتأمل في نفسه ومات نتيجة لفشله في إنه “يمسكها”، ومش عارفة حقيقي هو مات من اليأس ولا من حسرته إنها طلعت مجرد وهم..

وهنا تحضرنا نبوءة تايريسيس المرعبة: “هذا الطفل سيرزق بالعمر المديد، فقط إذا لم يعرف نفسه!”

استكمالاً لكسرة القلب بقى..

قبل ما يموت، نارسيس ألقى نظرة أخيرة على انعكاسه في المياه وقال” الوداع لمن أحببت بلا جدوى..” فكرر صدى الصوت اللي قاله مرة أخرى “الوداع لمن أحببت بلا جدوى..”

ولكن بصوت إيكو.

تانتالوس والنشوة المستحيلة

النهاردة هنرجع نتكلم عن الأساطير الإغريقية وبالأخص أسطورة تانتالوس Tantalus..

تانتالوس كان ملك صاحب سطوة واسعة ومن الحاجات اللي كانت بتميزه إنه نصف بشري لأن والده كان زيوس بذات نفسه (معروف طبعًا أن زيوس كان بيموت في العطّ.. مع آلهة، بشر، كلاب ضالة، أي حاجة). المهم إن تانتالوس كان من المقربين للآلهة جدًا لدرجة إنهم كانوا بيدعوه للولائم بتاعتهم في جبل الأولمب، بس مشكلة تانتالوس إنه كان بينقل الكلام والأسرار اللي بيسمعها بين الآلهة فوق لأصدقائه البشر على الأرض وده اللي خلى زيوس يقفش عليه أكتر من مرة. ده غير إن يُقال برضه أن تانتالوس في مرة سرق الأمبروزيا أو الطعام الخاص بالآلهة واللي كان معروف إنه بيهب العمر الطويل أو الأبدية لأي بشري يأكله، وده أثار غضب الآلهة طبعًا. بس كل ده لا يُقارن بالمصيبة السودا اللي تانتالوس قرر يعملها واللي أستحق عنها العذاب الأبدي..

في يوم من الأيام قرر تانتالوس إنه يرد للآلهة واجب الضيافة ويعزمهم عنده على وليمة كبيرة، بس بدل ما يقول للمدام تحضر صينية مكرونة بشاميل ولا حلة محشي راح أخد ابنه بيلوبس Pelops قطعه حتت وطبخه على النار!.. ولنا هنا وقفة.

أكيد طبعًا أول سؤال هيتبادر لذهننا هو إزاي – والأهم ليه – حد ممكن يعمل حاجة زي كده؟

والله يُقال إن تانتالوس كان بيختبر الآلهة وبيشوف إذا كانوا بالذكاء والحكمة اللي بيدعوها وهيتعرفوا على طعم اللحم البشري ولا لأ، وبيُقال برضه إنه كان عايز يقدم أسمى أنواع التضحيات من خلال التضحية بابنه اللي هو المفروض أغلى حاجة عنده. وسواء كان هدفه اختبار الآلهة أو الإذعان ليهم فالفكرة إن القرار اللي أخده ده كان نابع من إرادته الحرة اللي كان عايز يفرضها على الآلهة، لأن كل التضحيات في الأساطير والأديان بتُفرض يا لتحقيق هدف ما يا للانصياع للأوامر الآلهية، وفكرة إن تانتالوس يُقبِل على النوع ده من التضحيات من غير أي أوامر منهم أو من غير ما يبقى له هدف ما ضروري خلى فعل التضحية عبثي جدًا وفي نفس الوقت ثوري لأنه أفرغ الفعل من قدسيته وجرده أمام الآلهة كفعل عبثي في منتهى القسوة.

ده غير طبعًا فكرة إنه كان عايز يجبر الآلهة تأكل الخلق بتاعها بدون علمها، فعل آخر رمزي هدفه إظهار القسوة. وبرضه ما نقدرش ننسى إن أبو زيوس كرونوس (فاكرينه؟) كان بيأكل عياله وابنه زيوس الوحيد اللي فلت منه، فكأن تانتالوس بيعيد تاريخ الآلهة الأسود ده قدامهم بأكله لابنه.

المهم يعني إن الآلهة عرفت إن اللحم ده بشري من قبل ما يأكلوه (مفيش غير ديميتر اللي أكلت جزء منه، تحديدًا كتف بيلوبس، علشان كانت سرحانة). طبعًا لما الآلهة انتبهت لخديعة تانتالوس والهباب اللي هببه ده قرروا إنهم يرجعوا بيلوبس للحياة وكتفه اللي أتاكل ده عملوله غيره من العاج الأولمبي. وقرر زيوس إنه يعاقب تانتالوس بعقاب آلاجة: قرر إنه يبعت تانتالوس لتارتاروس Tartarus أو أسوأ مكان في العالم السفلي وده اللي كان الآلهة بيحطوا فيه العمالقة والبشر اللي ارتكبوا خطايا شنعاء علشان يتعذبوا للأبد.

وكان عقاب تانتالوس في تارتاروس إنه يتحط في بركة مياه بتغمر جسمه كله وفوق دماغه شجرة فواكه أغصانها في متناول الأيد، كل ما يجوع ويحاول يمد أيده علشان يقطف ثمرة الأغصان تبعد عنه وكل ما يعطش ويحاول يشرب من المياه يروح منسوب المياه ينحسر.. وبيفضل في العذاب ده للأبد.

النوع ده من العذاب بنسميه في العامية المصرية “تحنيس” وهو إن الحاجة المرغوب فيها تبقى قدامي وكل ما أحاول أوصلها تبعد عني. ومن هنا برضه جاء فعل tantalize في اللغة الإنجليزية واللي معناه إني بغري حد بأمل الحصول على حاجة معينة لحد ما رغبته فيها تبقى كبيرة وبعدين أخدها منه.

طبعًا العذاب ده يشبه كتير العذاب اللي بيتعرض له جار تانتالوس في تارتاروس حبيبنا سيزيف (الراجل بتاع الصخرة، فاكرينه؟) لأن الاتنين قايمين على فكرة تكرار انقطاع الفعل قبل تحقق ذروة أو نشوة الوصول وبالتالي عبثية المحاولة.

بغض النظر عن إذا كان تانتالوس يستحق العذاب البشع ده ولا لأ بس طبيعة العذاب نفسه بتلقّح كتير على طبيعة الحياة البشرية وإزاي إنها في مجملها محاولات عبثية – ولكن ضرورية لاستمرار الحياة – من أجل الوصول لنشوة لا يمكن الوصول إليها.

صورتان

الأسبوع اللي فات ظهرت على مواقع التواصل الإجتماعي صورتين يعتبروا من الصور اللي أثارت الجدل في الفترة الأخيرة. الصورة الأولى تم التقاطها في شوارع باريس أثناء الاحتجاجات في فرنسا والثانية اتخدت بعدها بكام يوم في الجيزة على قمة هرم خوفو.

الصورة الأولى بتظهر امرأة قاعدة في مطعم برجر كينج (أحد مطاعم الوجبات السريعة العالمية) وبتصور على تليفونها المواجهات العنيفة بين المحتجين والشرطة الفرنسية وهي بتضحك ومنشكحة جدًا إنها بتصور الأحداث عن قرب من موقعها الآمن داخل برجر كينج..

أما الصورة التانية فهي لمصور دنماركي وصاحبته قرروا يتسلقوا هرم خوفو ويمارسوا الجنس على قمته ويصوروا اللحظة دي..

وبعيدًا عن الاعتبارات الأخلاقية، فمن الناحية الفكرية الصورتين دول على قدر كبير من التشابه والارتباط.

الصورتين قايمين على فكرة الjuxtaposition أو التجاور، وهي إني أجيب عنصرين مختلفين وأحطهم جنب بعض. في صورة باريس العنصرين دول هم الاحتجاجات والهوس المعاصر بالتصوير، أما في صورة الهرم فالعنصرين هم التاريخ المصري القديم المتمثل في الأهرامات والهوس بالجنس أو الpornography.

ظاهريًا – وده السبب الرئيسي اللي خلى الصورتين يثيروا حفيظة الناس – العنصرين في كل صورة على قدر كبير من التفاوات من الناحية الأخلاقية: الاحتجاجات في الوعي الجمعي بتتشاف على أنها حاجة مقدسة sacred لأنها بترتبط بالثورات وحقوق الشعب المهدورة وتعسف الحكومات… إلخ. فإزاي صورة واحدة تجمع حاجة مقدسة زي دي مع حاجة تانية بتتشاف على إنها من علامات انحطاط الإنسان المعاصر وهي الهوس بالصورة أو الهوس بالvoyeurism (اللي اتكلمنا عليه قبل كده)! نفس الكلام ممكن يتقال على صورة الهرم، التاريخ بقدسيته بقى مجاور لحاجة منحطة زي الجنس والعري.

لكن في حقيقة الأمر – وده اللي مخلي الصورتين مميزتين جدًا – إن العنصر “المنحط” في كل صورة ما هو إلا مراية للobscenity اللي موجودة في جوهر العنصر التاني “المقدس”… الثورة والتاريخ اتفقنا أو اختلفنا على أبعادهم الأخلاقية فهم في الأخر grand narratives قابلين للتغيير والتفنيد، مشكلتهم أنهم بيكتسبوا هالة من القدسية والسلطة مع مرور الوقت. المميز في الصورتين دول إنهم بيهدّوا القدسية وبيظهروا جانبهم الإنساني “الناقص” اللي بيتم التستر عليه.

صورة باريس بتظهر إن فكرة الثورة في عصرنا الحالي قائمة على الvoyeurism أصلاً! متعة المشاهدة ومتعة التكشف.. الناس دلوقتي بتنزل تتظاهر بموبايلاتها علشان كل طرف يمسك على التاني صورة يفضحه بيها على مواقع التواصل الإجتماعي وبالتالي يكسب تعاطف الناس اللي مش عايزة حاجة غير إنها تتفرج، وأي حاجة بتحصل من ورا الكاميرا كأنها ماحصلتش. احنا كبني آدم بقى رد فعلنا للصورة أقوى من الكلمة وبالتالي ده أثر على أفعالنا سواء بشكل إرادي أو غير إرادي.

أما صورة الهرم فهي بتكشف الobscenity في فكرة التاريخ ككل، الفراعنة كانوا مهووسين بفكرة الخلود وده سبب الأهرامات والمعابد والمسلات.. إلخ. بس من وجهة نظري فكرة الخلود فكرة غريزية جنسية بحتة – فايت مي! – تعالوا نفكر فيها كده..

زمان الناس كانت بتخلف وتجيب أولاد كتير علشان اسمهم يفضل مستمر وكأن الأولاد دول امتداد لوجودهم بعد ما هم يموتوا، وده الغرض من التكاثر، والتكاثر بيتم عن طريق إشباع الغريزة الجنسية. ده غير إن الجنس كان مهم عند الفراعنة وكانوا بيشوفوه كجزء من استمراريتهم وخلودهم. مومياوات كتيرة لقوا معاها قضيب ذكري لأنهم كانوا بيؤمنوا أنهم هيحتاجوه في ممارسة الجنس في الحياة الأخرى. وهل تعلم إن مومياء توت عنخ آمون كان القضيب بتاعها محنط في وضع الانتصاب؟ فالجنس والغريزة الجنسية لا يمكن فصلهم عن فكرة الخلود اللي كانت سبب في عظمة واستمرارية التاريخ الفرعوني.

الجميل في الصورتين إن وقعهم الصادم بيكشف إن كل فكرة شايفينها عظيمة ومقدسة بتبقى غالبًا قايمة على طبيعة إنسانية دايمًا بنحب نصنفها على إنها ناقصة، علشان إحنا كجنس بشري ما بنحبش نواجه نفسنا أو غرائزنا “الناقصة”.