زيوس ونموذج المحتال

موضوع النهاردة طويل شوية وده علشان هنحكي ثلاث أساطير بيربطهم ببعض عناصر كتير، أول وأهم عنصر فيهم، اللي كاسفنا في الأساطير الإغريقية والأساطير المجاورة، كبير الآلهة زيوس Zeus..

الأسطورة الأولى بتحكي إن في يوم من الأيام الأميرة الإسبرطية بارعة الجمال ليدا Leda راحت تستحمى، وهي بتستحمى شافت بجعة جميلة جدًا بتهرب من أحد الطيور الجارحة وراحت البجعة دي مرمية في حضن ليدا ومارست الجنس معاها. الأعجب بقى من إن بجعة تمارس الجنس مع إنسانة هو إن الروايات اختلفت في الحتة دي تحديدًا.. اللي يقول البجعة اغتصبتها، واللي يقول البجعة أغوتها، واللي يقول مارست الجنس مع البجعة برضاها. ما علينا من الخبل ده، المهم إن البجعة زي ما احنا عارفين هي زيوس اللي قرر يتنكر بالشكل ده لأن عينه كانت من ليدا الجميلة.

الأسطورة التانية بتحكى إن في يوم من الأيام الأميرة الفينيقية بارعة الجمال أوروبا Europa راحت برضه تستحمى، وهي بتستحمى وبتلعب في الحديقة وبتلم الأزهار مع وصيفاتها – والهبل اللي بيعملوه في الأساطير ده – شافت ثور أبيض جميل جدًا. هي وصاحبتها اقتربوا بحذر من الثور وقعدوا يلعبوا معاه لحد ما أوروبا قررت إنها تجرب، لا مؤاخذة، تركبه. أول ما أوروبا ركبت الثور خطفها وجري بيها على جزيرة كريت وعمل عملته السودا هناك. أوروبا فضلت عايشة كعشيقة لزيوس على الجزيرة لفترة وخلفت منه أولاد كمان.

الأسطورة التالتة بتحكي إن في يوم من الأيام الأمير الطروادي بارع الجمال جانيميد Ganymede كان ماشي في حاله كده وفجأة ظهر قدامه نسر عملاق خطفه وطار بيه على جبل الأوليمب. زيوس كان برضه عينه من جانيميد لأنه كان شديد الوسامة والبعيد – زيوس – مابيعتقش ما شاء الله. المهم يعني تختلف الروايات هنا ما بين اختطاف بس أو اختطاف واغتصاب، ولكن الأكيد إن هيرا كانت بتغير جدًا من جانيميد خصوصًا بعد ما بقى عايش معاهم في جبل الأوليمب كساقي للآلهة cup-bearer.

الثلاث أساطير زي ما قولنا فيهم عناصر كتير متشابهة أولاً فكرة اختطاف\اغتصاب زيوس لليدا وأوروبا وجانيميد. ثانيًا الأساطير الثلاث ارتبطوا ببعض المجموعات النجمية.. يعني مثلاً ليدا باضت – ايوه باضت – من البجعة\زيوس بيضتين، بيضة منهم فقست عن التوأمين كاستور وبولوكس Castor and Pollux اللي المجموعة النجمية الجوزاء Gemini – تعني التوأمان باللاتينية – سُمّيت تيمنًا بهما، وهنبقي نحكي قصتهم بعدين. برضه يُقال إن المجموعة النجمية الثور Taurus سُمّيت كده لتخليد حادثة تنكر زيوس واختطافه لأوروبا في هيئة ثور. أما جانيميد فمن كتر حب زيوس فيه أهداه المجموعة النجمية المعروفة حاليًا بالدلو Aquarius ومعناها باللاتينية “حامل الماء” وده كان دور جانيميد في جبل الأوليمب.

نرجع بقى لموضوع الاختطاف\الاغتصاب المشترك في الثلاث قصص. ليه دايمًا كل القصص اللي فيها زيوس لازم يبقى فيها اغتصاب؟ إله إيه المُهزأ اللي ماشي يغتصب يمين وشمال ده؟ بيغتصب آلهة، حوريات، بشر، أي حاجة. ليه أصلاً الأساطير كانت مليئة بقصص الاغتصاب والخيانة؟ السبب الأبسط والأوضح هو إن، منذ بدء الخليقة ولحد دلوقتي، الجنس بيشد وبيخلي الحدوتة أكثر تشويقًا وبالتالي جمهورها يكتر وسرعة انتشارها تزيد. السبب التاني هو إن الاغتصاب الهدف منه مش المتعة الجنسية على قد ما هو عرض قوة وإثبات سيطرة وعلشان كده للأسف ده اللي بيحصل في السجون والحروب، وبما إن زيوس هو كبير الآلهة فطبيعي إن ممارسة الجنس مع أي كائن حي أو مش حي، بإرادته أو غصب عنه، هو نوع من الهيمنة وفرض السيطرة، وده يفكرنا بالمقولة الشهيرة “كل شيء في هذا العالم يدور حول الجنس، إلا الجنس فهو مسألة سلطة.” مش عايزين ندخل في حفرة الدراسات الجندرية والأبعاد السياسية والإجتماعية للموضوع، بس طبعًا الموضوع واضح.

اللي يهمني نقطة كمان مشتركة بين الأساطير الثلاث وهي فكرة تحول زيوس لحيوان أو طائر من أجل تحقيق غرضه. السؤال هنا ليه زيوس أتحول لبجعة وثور ونسر؟ الإجابة الأوضح هي إن زيوس ماينفعش يظهر بهيئته الإلهية أمام البشر (فاكرين اللي حصل لسيميلي أم ديونيسيوس؟)، طيب ليه ما ظهرش بصورة بشر عادي زي ما كان بيعمل أحيانًا؟ ليه جو عالم الحيوان ده؟ الفكرة إن مش بس دي الأساطير اللي فيها تحول.. من قديم الأزل والأساطير من كل مكان في الدنيا فيها بشر وآلهة بيتحولوا لعناكب وكلاب وخفافيش وذئاب.. إلخ، حتى القصص الشعبية وحواديت الأطفال الأبطال فيها بيتحولوا لوحوش وبط وضفادع، حتى في العصر الحديث عندنا وولفرين والرجل النملة والرجل العنكبوت وغيرهم من عائلة مارفل ودي سي. القدرة على التحول فكرة مسيطرة على العقل البشري من زمان، البعض شافها على إنها هبة بتحول الشخص لصاحب قدرات خارقة وهنا الإنسانية بتتشاف على إنها مرتبة من الوجود محدودة والتحول ده بيزيد من إمكانياتها، في حين إن البعض الآخر بيشوفها على إنا نقمة وتعتبر نزول عن درجة الإنسانية اللي في الحالة دي بتُعتبر من أسمى درجات الوجود.

في حالة زيوس ممكن نعتبر إنه تحوله لحيوان\طائر نوع من السمو والتدني.. الاتنين مع بعض. سمو لأن من منظور برجماتي قدر يحقق هدف مايقدرش يحققه بصورته الإلهية، وتندي لأن الهدف في حد ذاته زفت على دماغه.

بس نرجع ونسأل نفسنا، هل اللي عمله زيوس ده تحول ولا تنكر؟ وإيه الفرق بين الاتنين أصلاً؟ التحول، غالبًا، بيبقى مفروض على الشخص أو جزء من طبيعته كنقمة أو نعمة.. يعني ممكن يكون واحد أغضب الآلهة فحولوه لخنفسة، أو بسبب تعويذة سحرية أتحول لوحش زي “الجميلة والوحش” و”الأميرة والضفدع”، وممكن برضه التحول يكون نعمة زي تحول بيتر باركر للرجل العنكبوت وإنه بالتحول ده بيقدر يكتشف البطل اللي جواه وبيساعد غيره وإلى أخره. أما التنكر بقى فهو، غالبًا، بيكون تحول الشخص بإرادته لصورة معينة هي ليست جزء من طبيعته من أجل تحقيق أغراض معينة. طبعًا أحيانًا الخطوط بتتلاقى بين التحول والتنكر، لكن حالة زيوس، في رأيي، تميل أكثر للتنكر.

من منظور نفسي فكرة التنكر مرتبطة بشكل كبير بنموذج المحتال The Trickster Archetype. زي ما قولنا قبل كده، النماذج الأولية دي مفهوم طرحه كارل يونج Carl Jung وقال إنها الأنماط اللي بتشكل الوعي الجمعي الإنساني، أو بمعنى آخر هي جوانب مختلفة من وجدان كل فرد فينا توارثناها عبر العصور، فيه طبعًا جوانب بتبقى أقوى من جوانب أخرى لكن كلها موجودة فينا بشكل أو بآخر. والمعروف إن يونج وعلماء النفس من بعده استخدموا الأساطير والأدب للاستدلال على النماذج الأولية لأن الأساطير والأعمال الأدبية مليئة بشخصيات نمطية ممكن تعبر عن النماذج دي بشكل مجازي.

إيه بقى نموذج المحتال أو المخادع ده؟ المحتال هو جانب من الشخصية معروف عنه التناقض وميله لكسر القوانين والخلط بين الأخلاقي واللاأخلاقي، وبيعمل ده عن طريق استخدام أساليب الحيلة والخداع والتنكر. بس على الرغم من كل ده، نموذج المحتال لا يُمثل الشر المطلق، لأن هدفه مش تحقيق الشر وإنما إزالة الحدود بين الخير والشر وإدخال الشك على أي مُسلمات في الكون. وعلشان كده نموذج المحتال في الأساطير والأدب مش كريه تمامًا وإنما بيبقى غالبًا مُهرج فيه ذكاء وشقاوة وعبث وأفعاله على قد ما بتثير التحفظ والغضب أحيانًا كتير بتثير الإعجاب برضه. مثال شهير على نموذج المحتال هو شخصية “القناع” The Mask في الفيلم الشهير اللي بيحمل نفس الاسم. اللي شاف فيكم الفيلم هيعرف إنها شخصية مهرجة مضحكة وذكية جدًا بس أفعالها كلها عبثية بتثير الشغب لمجرد إثارة الشغب وخلاص، وهتلاقي نفسك بتحبه وتكرهه في نفس الوقت. في الفيلم المفروض القناع اللي بيلبسه البطل ده أصلاً بيعكس شخصية الإله لوكي Loki من الميثولوجيا النوردية، ولوكي نفسي هو أشهر مثال على نموذج المحتال في عالم الأساطير.

كلنا فينا نموذج المحتال ده.. طبعًا فيه ناس النموذج ده بيطغى فيها على النماذج الأخرى، بس كلنا فينا الجانب العبثي اللي عايز يكسر القواعد والقوانين لمجرد كسرها ويسخر من المعايير اللي بيضعها الآخرون للتفرقة بين الخير والشر.

يونج بقى بيقول لنا على الرغم من إن نموذج المحتال ده بيتشاف كنموذج بغيض إلا أنه ضروري للحفاظ على التوازن في النفس البشرية أو الوعي الجمعي ككل، وأنه نواة تحقق الـ Enantiodromia أو ظاهرة التغيير الضدي. ظاهر التغيير الضدي مفهوم أتكلم عنه يونج في كتاباته وقال إن الإنسان لما بيفضل منهمك في حالة معينة أو فارض على نفسه شعور معين لفترة طويلة لازم العقل اللاواعي يخلق حالة\شعور مضاد بتبدأ تظهر وتأثر على العقل الواعي لتحقيق التوازن في وجدان الشخص. هدّي مثال تافه وبسيط جدًا: ليه ما بتظهرش عندك الرغبة في إنك ترجع للرسم أو للكتابة تاني غير وأنت مزنوق ومتكربس وعندك مذاكرة وامتحانات؟ أو العكس، ليه وأنت رايق وفي إجازة وقاعد فاضي طول اليوم مابتحسش إنك عايز لا تقرأ ولا تكتب ولا أي حاجة؟ السبب في ده هو إن العقل اللاواعي بشكل أوتوماتيكي بيخلق تيار مضاد للحالة المسيطرة علينا وبتظهر في صورة رغبات أو نزعات أو أحلام. من قريب كنت بتفرج على فيلم The Road (2009) والأب قال لابنه حاجة لفتت انتباهي جدًا.. قال له لما تحلم بكوابيس تعرف إن حياتك كويسة ولسه بتعافر، لكن اللي يقلق فعلاً لما تبقى كل أحلامك حلوة. نتفق أو نتختلف مع الكلام ده، لكنه بشكل ما بيعبر عن فكرة التغيير الضدي اللي قال عليها يونج.

الهدف من الموضوع ده كله هو تحقيق التوازن ومزج طرفي الثنائيات، وهو ده اللي بيسعى إليه نموذج المحتال حتى لو بطرق خبيثة وملتوية. في عالم ونظم عقائدية وأخلاقية بتميل للتشدد ووضع خطوط عريضة وحقول ألغام بين الخير والشر والإلهي والبشري بيجي نموذج المحتال يضرب ده كله في الخلاط ويضحك علينا وبالتالي احنا كمان بنكتشف إن مفيش حاجة مطلقة وإن الخير والشر والحق والظلم وكله منفد على بعضه (فكروا كده في شخصية الجوكر ودوافعه).

نرجع بقى لزيوس ونحاول نفكر فيه كمثال لنموذج المحتال. قولنا إن من أشهر صفات النموذج ده استخدام الحيلة والخداع وده كان واضح في محاولاته لقرطسة زوجته هيرا طول الوقت وخداع ضحاياه. كمان النموذج معروف عنه التناقض، وده موجود في زيوس: إله بس رغباته كلها بشرية وضيعة، طيوب وخيّر وعادل في أساطير بس في أساطير تانية ظالم ابن مجنونة، بيلعب دور المغتصب أحيانًا ودور الراعي والأم الحنون في أحيان أخرى (هو كان بمثابة الرحِم لأثينا وديونيسيوس). وفي الأساطير الثلاث بتاعت النهاردة هنلاقي إنه بيستخدم التنكر – العبثي والمثير للضحك أكثر من الخوف – كحيلة لخداع ضحاياه وإقناعهم بممارسة الجنس معاه، وعلى الرغم إنه بيخطفهم إلا إنه في نفس الوقت بيديهم عطايا إلهية زي الهدايا والتكريم والرفع إلى جبل الأوليمب.

كل ده يخلينا نتسأل هل فعلاً هدف الأساطير تصوير إله مش عارف يتحكم في رغباته الجنسية وخلاص، ولّا، في ضوء الهري اللي قعدنا نهري فيه من شوية ده، هو نوع من ترسيخ لنموذج المحتال في الوعي الجمعي وفكرة إزالة الحواجز بين الثنائيات المطلقة من أجل تحقيق التوازن؟ في الثلاث أساطير دي شوفنا إزاي إن صفات بشرية زي الاندفاع والخداع قد يحملها الآلهة وبرضه شوفنا إزاي إن صفات إلهية زي الجمال والطهر والتسامح قد يحملها البشر.

الهدف في النهاية هو إزالة الحواجز وفهم إن كل وجدان هو عالم مكتمل بداخله مكونات الخير والشر.. حقيقة قد نحتاج للقليل من الحيلة والعبث لفهمها.

الولد ونصف العملاقة

امبارح وأنا بسمع بودكاست للكاتب مايكل مييد Michael Meade حكى فيه قصة شعبية لطيفة من التراث الأفريقي. القصة بتقول إن كان فيه ولد صغير قرر إنه يسيب بيت أهله علشان يخرج يشوف العالم برة قريته المحدودة اللي ماشفش غيرها طول حياته..

وفعلاً الولد أخد بؤجته والكلب بتاعه وفضل يمشي يمشي لحد ما وصل لمكان فسيح فيه بحيرة كبيرة. الولد شرب من البحيرة هو والكلب وطلع على شجرة وأستخبى فيها وفضل يتفرج على المكان من فوق لحد ما شاف عملاقة بتقرب من بعيد.. وأكتشف إنها نصف عملاقة، برجل واحدة وأيد واحدة وعين واحدة. نصف العملاقة وصلت لحد البحيرة وقعدت تشرب منها لحد ما جفت تمامًا.

فجأة، نصف العملاقة لما اكتشفت إن المياه اللي في البحيرة خلصت قعدت تعيط وتصوت وتقول “مين اللي شرب من المياه بتاعتي! هعيش إزاي وأنا عطشانة كده!” وفضلت نصف العملاقة تعيط وتندب حظها لحد ما هدأت وسابت البحيرة.

الولد حس بفضول شديد جدًا تجاه اللي حصل قدامه وقرر إنه يمشي ورا نصف العملاقة من غير ما تحس بيه. الولد فضل ماشي وراها لحد ما وصلت للكوخ بتاعها والولد برضه استخبى عند شجرة هو والكلب بتاعه. نصف العملاقة ابتدت تحضر الأكل بتاعها في مرجَل (القدرة الكبيرة دي) ولما المياه أوشكت على الغليان ابتدت ترمي في المرجل كل حاجة حواليها.. رز ولحم ونباتات وأي حيوان يعدي جنبها. نصف العملاقة سابت العك ده يستوي ودخلت الكوخ بتاعها، راح الولد أخد حتة لحمة وأكل هو والكلب بتاعه.

بعد شوية نصف العملاقة رجعت وقعدت تأكل اللي في المرجل بنهم شديد لحد ما شطبت عليه خالص. وفجأة بدأت في الصريخ وقعدت تقول بغضب “مين اللي سرق الأكل بتاعي! مين اللي يجرؤ يسرق مني ويسيبني أجوع من غير أكل!” وفضلت في نوبة الغضب والبكاء دي لحد ما تعبت ودخلت الكوخ بتاعها تنام.

الولد أخد الكلب بتاعه ورجع القرية جري ولما سألوه رجعت تاني ليه وشوفت إيه.. قال لهم “خلاص أنا شوفت من العالم اللي يكفيني.”

مايكل مييد بيفسر الحدوتة في إطار نفسي وبيقول إن نصف العملاقة هي رمز للنموذج الأولي للأم في النفس البشرية (استنادًا لنظرية كارل يونج عن النماذج الأولية) وإن التجربة كلها اللي مر بيها الولد هي نوع من انفصال الابن عن الأم الحقيقة ومواجهة أثر أو صورة الأم بداخله متمثلة في العالم الخارجي، ومن هنا بتبدأ الكلاكيع تظهر بقى.

طيب نحط تفسير مييد على جنب دلوقتي ونرجع للحدوتة تاني، أول ما خلصت القصة تبادر لذهني سؤال واحد: هل نصف العملاقة عارفة بالظبط مقدار المياه والأكل اللي عندها وعلشان كده لما نقصوا شوية أدركت إن فيه حد سرق منها، ولا هي مش مدركة أصلاً إنها الشخص اللي خلص المياه والأكل (يعني في حالة إنكار إنها هي اللي شربت وأكلت)؟

لو مشينا مع الاحتمال الأول إنها عرفت إن فيه حد سرق منها فهل المقدار البسيط اللي أخده الولد من الأكل والشرب يستحق نوبات الحزن والغضب الشديد اللي مرت بيها نصف العملاقة؟ أصله ماتفّش مثلاً ولا عمل بيبي في المياه.. ده يدوب أخد اللي يروي عطشه هو والكلب بتاعه، يعني يا يموت من الجوع والعطش يا يتحمل نوبات الحزن والغضب غير المبررة دي وبالتالي يشعر بالذنب إنه السبب فيها. ولو اتفقنا مع مييد في موضوع إن الولد هنا هو الإنسان في مراحل التكوين الأولى فممكن نقول إن نصف العملاقة هي الأب أو الأم أو أي شخص بيمثل صورة الراعي في حياة الطفل. وطبعًا ده مثال للعلاقة المؤذية اللي الطفل فيها بيحاول يحصل على مشاعر الحب والحنان اللي محتاجهم من الراعي لكن بيُقابل بالحزن والغضب، كأنه بيطلب شيء مش من حقه، وبالتالي بيفضل شايل جواه الخوف وعقدة الذنب طول عمره.

ومن هنا ممكن نفهم ليه الشخص الراعي ده تمثل في شكل “نصف” عملاقة لأن هو نفسه غير ناضج عاطفيًا وعدم اكتماله العاطفي ده بيدفعه لرمي المشاعر السلبية من لوم وغضب على من حوله وطبعًا الأطفال هم الأكثر عرضة لاستقبال هذه المشاعر.

حد ممكن يقول طيب الولد بعد ما شرب المياه وشاف غضب نصف العملاقة ليه قبل ما يأخد الأكل ماستأذنش منها أو حاول يواجهها؟ سؤال وجيه وأعتقد بيختلف من شخص للتاني، بس لو حطينا في الاعتبار إن بطل القصة مجرد طفل صغير خايف وجعان وعطشان فموضوع المواجهة ده – خصوصًا إن معظم نتائجه بتبقى كارثية – غير متاح.

نرجع بقى للاحتمال التاني إن نصف العملاقة بتشرب المياه وبتأكل الأكل وبعد ما بيخلصوا مابتدركش إنها هي اللي أكلت وشربت، وأعتقد إنها في الحالة دي تستحق شفقتنا. تخيل حد بيستهلك كل حاجة حواليه، ماديًا وعاطفيًا، وعلى الرغم من كده يشتكي من الحرمان والظلم.. طبيعي هنقول ده شخص مصاب بالبارانويا أو الضلالات، بس إلى حد ما برضه مثير للشفقة. أكيد فيه أشخاص في حياتنا كده، نوعية الناس اللي بتبقى مستهلكة كل اللي حواليهم عاطفيًا وبرضه حاسين بأن محدش بيحبهم ولا مهتم بيهم، كأن احتياجهم للحب والحنان ده حاجة لا يُمكن إشباعها، زي بالظبط العطش والجوع اللي بتحس بيه نصف العملاقة بعد ما بتشرب مياه البحيرة كلها وتأكل محتويات المرجل. لو الاحتمالية دي صحيحة فأعتقد ده يخلينا نفكر ألف مرة قبل ما نحط نفسنا في دور الضحية في أي موقف نمر بيه.. هل احنا فعلاً مظلومين ومحرومين ولا – زي نصف العملاقة – معميين عن واقع الأمور ومدى استهلاكنا واستغلالنا للأشياء والأشخاص اللي حوالينا؟

الحدوتة هنا كمان ممكن تبقى رمز للإنسان وفكره الاستهلاكي الذي لا يُمكن إشباعه.. بنفضل نأتي على الأخضر واليابس وفي الأخر نرجع نشتكي إن محدش أخد كفايته وإننا محتاجين لسه أكتر وأكتر.

وده يورينا إن الإنسان مهما تقدم وتعملق فرؤيته للأمور هتفضل نصف رؤية، وقُدرته على التملك والتحكم هتفضل نصف قُدرة.

فيليس تمتطي ظهر أرسطو

Phyllis Riding Aristotle

قصة التمثال ده تعود للقرون الوسطى لقصة مشهورة لكن غير حقيقية تم تداولها عن المفكر أرسطو وعشيقة الإسكندر فيليس..

يُقال إن أرسطو كان دايمًا بيحذر تلميذه الإسكندر من الانسياق ورا عشيقته فيليس وإهمال دروسه لأن وجودها في حياته هيأثر على قراراته وحكمه على الأمور. فيليس سمعت كلام أرسطو عنها وحلفت لتنتقم منه وتخليه عبرة لمن يعتبر. في يوم طلبت من الإسكندر يراقبها من بلكونته وراحت لأرسطو في الحديقة وفردت له شعرها ورفعت فستانها – أغوته يعني – ولما أرسطو مابقاش قادر خلاص فيليس اشترطت عليه إنه لو عايز يقرب منها لازم يمشي على إيده ورجله زي الحمار.

فعلاً أرسطو عمل كده وفيليس ركبت على ضهره وحطت على فمه لجام وخلته يمشيها في الحديقة على مرأى ومسمع من الإسكندر، وفي روايات أخرى فيليس خرجت وهي راكبة أرسطو كده لسوق المدينة علشان الناس كلها تشوف الفيلسوف المحترم بتاعهم وهو مُهزأ.

يُقال إن القصة اتفبركت وانتشرت على يد رجال الدين في القرون الوسطى علشان يبينوا إن شر المرأة وغوايتها للرجل أقوى من أي علم وحكمة وعلشان كده لازم ناخد بالنا منها.. واضح إن رجال الدين عندهم مشكلة مع الستات في كل الأزمنة والعصور.