متلازمة القلب المنكسر

كلنا أكيد في فترة من فترات حياتنا مرينا بصدمة ما أو حسينا بحزن لمدة طويلة كان بيأثر علينا جسديًا، وغالبًا الألم الجسدي للموضوع ده بيبقى ألم أو تقل في منطقة الصدر وتحديدًا القلب، ومن هنا جيه التعبير الشائع “كسرة القلب” لأن الإنسان بيحس ساعتها كأن قلبه بيتمزق أو بيتكسر فعلاً.

فيه كتير، وأنا منهم، بيحاولوا يقنعوا نفسهم إن ده إحساس نفسي وإن القلب سليم مفيهوش حاجة وإن ده عقلنا واقع تحت تأثير صدمة ما وبيحاول يوهمنا بحاجات غير حقيقية. بس ده مكانش بيفسر ليه ناس بتموت من الحزن أو من الصدمات النفسية الشديدة. كلنا قرينا أو سمعنا عن حالات مشابهة: زوج بيموت بعد وفاة مراته بكام أسبوع أو كام شهر أم بتموت بعد ما بتفقد ابنها.. إلخ. المبهر في الموضوع واللي كان بيحير الدكاترة زمان أن الحالات اللي زي دي كان بيبقى سبب وفاتها قصور في عضلة القلب مع إن القلب بيبقى سليم تمامًا وملهوش أي تاريخ مرضي.

من قريب كنت بسمع podcast عن الموضوع ده وذكروا حالات كتيرة جدًا، منها راجل أربعيني رياضي وسليم تمامًا مات فجأة خلال ساعات من موت مراته في حادثة! التفسير العلمي بيقول إن القلب بيبقى ضعيف أصلاً وفيه مشاكل، بس قصص زي دي بتثبت إن الموضوع ملهوش علاقة بحالة القلب قبل الصدمة. المهم بسبب تكرار حالات مماثلة، الأشقاء في كوكب اليابان أطلقوا على الحالة دي اسم “اعتلال تاكوتسوبو” Takotsubo Cardiomyopathy وتاكوتسوبو بالياباني يعني مصيدة الاخطبوط والسبب في التسمية هو إن البطين الأيسر للقلب اللي بتجيله الحالة دي بيتضخم وبيبقى شبه مصيدة الأخطبوط كما موضح بالصورة:

الحالة بعد كده اتعرفت باسم دارج أكتر وهو “متلازمة القلب المنكسر” Broken Heart Syndrome أو Stress-induced Cardiomyopathy. الشيء المميز في المتلازمة دي إن القلب في معظم الأوقات بيبقى سليم تمامًا والشرايين مفيهاش جلطات.

واحدة من النظريات بتقول إن الاعتلال المفاجئ للقلب ده بيبقى سببه ارتفاع ملحوظ في الهرمونات بسبب ضغط عصبي.. عقلنا (سبب كل البلاوي) بيأمر جسمنا بإفراز كمية كبيرة من الهرمونات للتعامل مع الحزن الشديد أو الصدمات النفسية المفاجئة (حلوة أو وحشة) مما يؤدي أحيانًا لانخفاض في ضغط الدم فالقلب بيحصله قصور أو بيدخل في صدمة قد تؤدي للوفاة.

يمكن علميًا آه القلب مجرد عضلة ملهاش علاقة لا بالحب ولا الكره ولا السعادة ولا الحزن ولا ليها دعوة بمشاعرنا بس ده يفسر لنا ليه الشعراء والأدباء ربطوا بين القلب والمشاعر. أي حاجة بنحسها بنلاقي ليها تأثير واضح على القلب، لما بنفرح قلبنا بيدق بسرعة ولما بنزعل بيضعف وممكن يقف خالص. فكأن القلب هو الشاشة اللي بنشوف عليها مشاعرنا.. شاشة ضعيفة وهشة، بس صادقة في نقلها للمشاعر. وجع القلب شيء بشع ومش فكرة رومانسبة تافهة وماينفعش نستهين بيها. الألم النفسي اللي أعراضه بتظهر على القلب يجب التعامل معاه بطريقة سليمة وعدم تجاهله.

دامت قلوبكم مجبورة.

التقمص العاطفي

النهاردة هنتكلم عن التعاطف وعلاء والحروب وحاجات كده ملهاش علاقة ببعض.

أحب بس أنوه في الأول إني هستخدم كلمة “تعاطف” للتعبير عن  التقمص العاطفي أو الEmpathy. لو حبينا نعرف التعاطف ممكن نقول إنه قدرة الإنسان على تفهم ومعايشة مشاعر الآخرين، وزي ما أشرت قبل كده مش فاكرة فين فيه فرق شاسع بين الsympathy والempathy.

الsympathy بيتضمن الشعور بالشفقة تجاه الآخرين لما بيمروا بألم أو ظروف سيئة في حين إن الempathy هو تقمص المشاعر اللي بيمر بيها الآخرين تحت الظروف السيئة دي. يعني فيه فرق بين إني لما أشوف طفل بيشحت في الشارع وأقول “يا عيني! أكيد بيتعذب ومش عايش طفولته” وبين إني أتخيل نفسي مكان الطفل ده وأشوف الدنيا من منظوره وأتقمص مشاعره بتفاصيلها وأتخيل هو بيشوف الناس والأطفال غيره إزاي. الأول هو الsympathy والتاني هو الempathy.

الsympathy كمان بيبقى فيه شعرة تعالي كده.. اللي هو أنت بتمر بكرب يا حرام فأكيد أنت حاسس بحاجة أوحش من اللي أنا حاسسها دلوقتي، وعلشان كده غالبًا ردة فعل الsympathy بتبقى اتجاه نحو محاولة تخليص النفس من الشعور بالذنب.. فمثلاً هروح مدي الطفل فلوس وأمشي وأنا حاسس إني عملت اللي عليا وإني برنس في نفس كده خلاص.

الempathy بقى أنا مش بحط نفسي في مرتبة أعلى من الشخص علشان مش بتألم زيه، ولكن بنزل لمستواه وفعلاً بحاول إني أتألم زيه، وعلشان كده ردة فعل الempathy بتبقى أعقد بكتير من الsympathy. ممكن واحد ياخد الطفل ده يتبناه ويرعاه وممكن حد مايعملوش حاجة خالص بس هيفضل متقمص مشاعره لفترة طويلة قد تستمر لأسابيع وشهور وتأثر على حياته هو شخصيًا وقد تحفزه بعدين إنه يفتح دار لأطفال الشوارع مثلاً.

طبعًا الempathy والsympathy كتير الفرق بينهم بيبقى مبهم وبيتم استخدامهم بشكل متبادل، بس الكلام النهاردة هيكون عن الempathy تحديدًا.

الempathy أو التعاطف له نوعين: تعاطف شعوري affective empathy وتعاطف إدراكي cognitive empathy. الفرق بين الاتنين طفيف جدًا بس مهم. النوع الأول بيشير لقدرتنا على تقمص مشاعر الآخرين كما هي، يعني مثلاً أختي عندها امتحان ثانوية عامة بكرة، لما أتعاطف شعوريًا معاها هلاقي نفسي مصابة بالقلق وبيجيلي نوبات خوف وقلبي بينقبض.. إلخ. النوع التاني بقى بيشير لقدرتنا على فهم مشاعر الآخرين مش مجرد معايشتها، يعني لما أتعاطف إدراكيًا مع أختي اللي عندها امتحان ثانوية بكرة، هتفهم تمامًا شعورها الدائم بالقلق وعصبيتها ونوبات الخوف اللي بتجيلها. وطبعًا واضح إن على الرغم من إن النوع الأول مستغرق أكتر في التعاطف إلا إن النوع التاني أفضل لو بنبص على الموضوع من ناحية التوصل لنتائج إيجابية. فيه ناس ممكن تقول لما بمر بمصيبة أحب إن الناس المقربة مني تتعاطف معايا إدراكيًا، فبدل ما تقعد تعيط جنبي تتفهم مشاعري بدون الاستغراق فيها فتساعدني إني أفهم تصرفاتي أو إني أفكر في الموضوع بشكل مختلف (وده اللي بيعمله الدكاترة النفسيين). فيه ناس تانية هتقول لأ أنا مش عايز تعاطف إدراكي أنا عايز حد يحس بالظبط بالألم بتاعي ويشاركني فيه ويقعد يعيط جنبي.

بغض النظر عن نوع التعاطف، محدش يقدر ينكر إنه من أسمى المشاعر الإنسانية لأنه بيخرجنا من الحيز الضيق بتاع مشاعرنا وتفكيرنا وبيحطنا مكان الشخص الآخر مهما كان مختلف عنا. حلو الكلام؟ لأ مش حلو، أو على الأقل ده اللي بيقوله بول بلووم Paul Bloom، أستاذ علم النفس بجامعة ييل.

بلووم عمل كتاب ونشر مجموعة مقالات فحواهم إن ده كله كلام فارغ وإن التعاطف ده شيء غير إنساني وغير أخلاقي وهيودينا كلنا في داهية (وحاجة اللي هو عابوكو كلكم!). بلووم بيقولنا إن فيه أسباب كتيرة خلته يتوصل للنتيجة دي.

أولاً هو شايف إن مشاعر التعاطف غير مدركة لفكرة العدد والنسبة والتناسب وده في الأخر بيؤدي لنتائج غير عادلة. فكروا فيها كده.. لو طلبنا من الناس تتبرع علشان تنقذ طفل مريض اسمه علاء ساكن في شبرا وباباه بيشتغل سواق أتوبيس ومامته بتخسل كلى كل أسبوع..إلخ ووريناهم صورة علاء وعيلته وطلبنا من نفس الناس تتبرع لحملة إنقاذ 50 طفل من نفس المرض بس مايعرفوش عنهم حاجة، التجارب أثبتت إن السواد الأعظم من الناس هيتبرعوا لعلاء وده اللي بلووم بيقولنا عليه تأثير الضحية المعروفة أو the identifiable victim effect، وفكرته إن الناس بتتقمص مشاعر الأشخاص المعروفة بالنسبة لهم أكتر من الأشخاص غير المعروفة حتى لو إن ده معناه، حسابيًا، إن التأثير هيفاضل الفئة الأقل. فهو بيقولنا إن كده النتيجة غير إنسانية والمفروض إننا في المواقف اللي زي دي نحتكم للعقل والمنطق مش المشاعر. وده بيفسر ليه بنتعاطف تحديدًا مع حالات الظلم\العنف\المرض اللي بنشوفها في التلفزيون أو على السوشال ميديا في حين إننا مدركين وجود حالات أبشع منها حوالينا.

السبب التاني، وفقًا للأستاذ بلووم، هو إن التعاطف شعور متحيز بطبيعته وإن احنا بنتعاطف مع الناس أو الحاجات اللي احنا بنحبها أصلاً. فبيقول إن ممكن شخص بيحب الحيوانات يتعاطف مع كلاب وقطط اتعرضت للعنف ويتجاهل تمامًا العنف اللي بيتعرضله الأطفال في مناطق الحرب مثلاً، أو إن شخص يتعاطف مع شخص تاني علشان شكله وظروفه الإجتماعية مشابهة لظروفه وهكذا. فالفكرة إن مشاعر التعاطف دي قايمة على التمييز وبتعزز التحيز عندنا.

ثالثًا، بلووم بيقول إن مشاعر التعاطف مابتراعيش النتائج وإنها سهلة الخداع جدًا (بناءً على السببين اللي فاتوا) وده بيخلي النتائج كارثية أحيانًا. بيدينا مثال إننا لو تعاطفنا مع طفل بيشحت في الشارع هنحاول نساعده بشتى الطرق، المهم المساعدة – اللي احنا شايفنها حاجة إيجابية – قد تؤدي إلى إن أسر فقيرة أكتر تدفع بأطفالها للشوارع طالما خلاص فيه حد هيساعدهم، وممكن يتربحوا من وراهم كمان. بلووم بيدينا مثال تاني من الحروب وإن إزاي مشاعر التعاطف بتاعتنا مع الضحية قد تؤدي لرد فعل عنيف أو انتقامي. لما ألمانيا احتلت بولندا، هتلر كان بيحفز الجنود الألمان عن طريق إثارة مشاعر التعاطف عندهم تجاه الألمان اللي اتقتلوا على أيد البولنديين، وده كان بيخليهم يرتكبوا أعمال عنف بشعة. برضه لما العالم بيشوف صور لأطفال بتموت من الجوع في اليمن مثلاً هتلاقي ناس متحفزة لرد فعل عسكري لتعاطفهم مع الأطفال غير مدركين إن رد الفعل ده نتائجه هتكون أسوأ بمراحل.

رابعًا، استغراقنا في مشاعر الآخر بيأثر على رؤيتنا العاقلة المنطقية للأمور لأننا بنبقى تحت تأثير عنفوان المشاعر اللي بيمر بيها الشخص زيه بالظبط. ده غير إن التقمص العاطفي الزيادة مع كل الناس ده قد يؤثر على صحتنا النفسية والجسدية بالسلب وممكن نوصل لمرحلة نفقد فيها التمييز بين مشاعرنا ومشاعر الأشخاص اللي بنتعاطف معاهم. بيحصل إننا أحيانًا لما بنحب حد والحد ده بيمر بظروف سيئة ممكن احنا شخصيًا نعاني من الاكتئاب بسبب تقمص مشاعر الشخص الآخر.

على الرغم إن كلام الباشمهندس بلووم قد يبدو منطقي إلا إن حجته متشحورة الصراحة. أولاً كده هو عنده خلط واضح جدًا بين الsympathy والempathy وباين إن معظم كلامه مركز أكتر على الsympathy وملهوش أي علاقة بالempathy، وحتى وهو بيتكلم عن الempathy هنلاقيه متبت في التعاطف الشعوري ومتجاهل تمامًا وجود التعاطف الإدراكي.

ثانيًا، بلووم بيتكلم عن الناس بشكل جمعي في حين إن أسلوب التعاطف وردود أفعاله بتختلف بشكل كبير من فرد للتاني، ده غير إن حتى لو تفَرُدنا ده أدي للتحيز زي ما بيقول فهو مطلوب أحيانًا.. لازم يبقى فيه ناس بتتعاطف مع القطط والكلاب زي ما في ناس لازم تتعاطف مع الأطفال وغيرهم مع النباتات.. إلخ، ووجود فئة لا ينفي وجود الأخرى بالعكس ده بيكملها.

فلو احتكمنا لمنطق بلووم فكده كأننا بنقول لنفسنا علشان نوصل لنتائج إنسانية أخلاقية عادلة يا نتعاطف مع الناس كلها بشكل متساوي (وده غير منطقي وغير قابل للتطبيق أصلاً وحتى لو حصل هيضر بصحتنا النفسية) يا نستئصل مشاعر التعاطف خالص ونحتكم للعقل والمنطق فقط (وده هبل طبعًا لأن مين قال إن الاحتكام للمنطق بالضرورة هيؤدي للمساواة أو لتجنب ردود الفعل العنيفة؟ بالعكس، ياما حروب ونزاعات قامت على قرارات تبدو في منتهى العقلانية).

وبرضه علشان مابقاش متحيزة ضد بلووم، أنا متفقة معاه في إننا بقينا نromanticize فكرة التعاطف غير مدركين لجوانبها السلبية الممكنة بس ده مش معناه إننا نرميها من الشباك خالص. الاعتدال مهم.. نتعاطف مع الناس ونتفهم مشاعرهم بس برضه نبقى مدركين لحقيقة مشاعرنا وتأثيرها على نفسنا وعلى الشخص اللي بنتعاطف معاه. كمان أنا شايفة إن الحياة من غير تعاطف لا تطاق وغير ممكنة أصلاً.. لو مفيش تعاطف يبقى مفيش صداقة ولا حب ولا فن ولا أدب والإنسان أحسن بقى نستبدله بترانزستور ولا غسالة بروحين.

فاكرين من قريب لما اتكلمنا عن قصة “البيضة” بتاعت آندي ويير وإنه إزاي كان شايف إن التعاطف هو أسمى مراتب الإدراك الإنساني وأقربهم للألوهية؟ التعاطف جزء لا يتجزأ من تجربتنا الإنسانية ومن الحاجات القليلة اللي بتثبت لنا إننا مرتبطين ببعض وبالكون ككل بشكل يصعب على قوانينا العقلية والوضعية فهمه.

دمتم متعاطفين مع نفسكم ومع غيركم.

ميتيس والشغف

النهاردة هنتكلم عن شخصية نادرًا ما بيتم ذكرها في الأساطير الإغريقية لكنها من الشخصيات اللي بحب أتوقف عندها كل ما بتيجي سيرتها: ميتيس Metis ربة الحكمة والفكر والزوجة الأولى للمخفي على عينه زيوس.

ميتيس ما كانتش إلهة زي بقية آلهة الأوليمب لأنها كانت من العمالقة Titans. ولو تفتكروا في موضوع سابق أتكلمنا عن الإله الأول أورانوس وإنه حبس أولاده، اللي كان منهم العمالقة، في باطن الأرض وبعد كده ابنه كرونوس ثار عليه وأخصاه وحرر أخواته، وإن كرونوس هو كمان ابتدى يأكل أولاده لأنه خاف إنهم يعملوا فيه زي ما هو عمل في باباه أورانوس.

طيب إحنا مالنا ومال العيلة الزبالة دي؟

كرونوس هو أبو زيوس، وزيوس هو الوحيد اللي كرونوس ما أكلهوش علشان مراته خدعته وسربت الولد منه.. المهم زيوس كبر وفعلاً أنتقم من كرونوس وبقى هو كبير الآلهة وأجبره كمان أنه يرجّع أخواته اللي بلعهم قبل كده، وعمل ده بمساعدة ميتيس – تبقى خالة وعمة زيوس في نفس ذات الوقت – اللي أدته حاجة يشرّبها لكرونوس علشان يخرّج أخواته من بطنه.

طبعًا زيوس وقع في حب ميتيس وبقت هي زوجته الأولى، بس المشكلة إنه بعد كده سمع نبوءة بتقول إن ميتيس هتخلف منه بنت وبعد كده ولد، الولد ده هيثور عليه زي ما هو ثار على كرونوس وزي ما كرونوس ثار على أورانوس. فيعمل إيه بقى؟ بالظبط. بلعها! ويُقال إنها كانت بتحاول تهرب منه فاتحولت لدبانة (كان عندها القدرة على تغيير شكلها) فراح هو بلع الدبانة. اللي مايعرفهوش زيوس بقى إنه لما بلع ميتيس هي كانت فعلاً حامل، ولما وجدت نفسها حبيسة داخل بطن زيوس قالت مابدهاش بقى وقعدت تسلي نفسها بأنها  تعمل خوذة للبنت اللي في بطنها (قاعدة في منتجع مش في بطن واحد!). المشكلة أن الدقدقة اللي كانت بتدقدقها سببت لزيوس صداع وآلام مبرحة لفترة طويلة. زيوس، كأي مريض بالصداع عادي خالص، راح جاب هيفيستوس Hephaestus إله النار والحدادة وقاله شقلي رأسي نصين يابني بفاس يمكن الصداع يروح.. وفعلاً لما هيفيستوس شق رأس زيوس نصين خرجت منها فتاة غاية في الجمال لابسة درع الحرب: الفتاة دي هي أثينا Athena ابنة زيوس وميتيس وإلهة الحكمة والحرب.

شخصية ميتيس على الرغم من صغر دورها في الأسطورة إلا أن الدور اللي بتلعبه كبير جدًا. كلمة “ميتيس” باليونانية تعني الحكمة والخبرة والدهاء، ومن الحاجات اللي شدت زيوس ليها حكمتها ومهارتها. المثير في الموضوع بقى أن لما زيوس شعر بالتهديد من ناحيتها بسبب النبوءة تخلص منها عن طريق بلعها في حين أنه كان ممكن ينفيها لباطن الأرض ولا يحولها لخنفسة ولا يولع فيها حتى، لكنه أختار إنه يبلعها.

تيمة البلع مهمة جدًا في الأساطير الإغريقية.. إحنا قولنا قبل كده إن كرونوس كان بيبلع أطفاله الرضع علشان مايكبروش ويثوروا عليه. وعلى الرغم من بشاعة الموضوع إلا أن البلع هنا ممكن يكون الدافع بتاعه هو الحب، كرونوس حس بالتهديد من ناحية أولاده فبدل ما يموتهم بلعهم كرمز للاحتواء والتملك الأبدي. وده تقريبًا اللي حصل مع زيوس وميتيس.. زيوس حس بالتهديد من ناحية حاجة بيحبها جدًا فقرر إنه يتملكها للأبد، وبالتالي ينهي وجودها مع الاحتفاظ بكيانها وحكمتها داخله. الأسطورة بتقول إن زيوس بعد ما بلع ميتيس كان بيقول لكل اللي حواليه إنها لسه عايشة جوه بطنه وإنه كمان بيستشيرها في القرارات اللي بياخدها!

الموضوع قد يبدو مضحك بس بعد ما قريت الأسطورة ابتديت أربط بينها وبين التعبير الشهير gut feeling اللي بيشير للشعور اللي بنحس بيه تجاه الأشخاص والمواقف والقرارات وبنقول إن مصدره البطن\المعدة واللي غالبًا بيكون صح. مش يمكن الgut feeling ده هو صوت ميتيس، ربة الحكمة، جوه كل واحد فينا؟

الكلام ده ممكن نلاقي له أصول في علم النفس. حبيب قلبي يونج Jung كان شايف إن اللاوعي هو مجموع الخبرات والمواقف والمشاعر اللي بيفشل الوعي في استيعابها ولكن وجودها ضروري من أجل تحقيق توازن الإيجو Ego والوصول لل Self Archetype اللي اتكلمنا عليه قبل كده. ميتيس هي اللاوعي اللي مدفون داخل طبقات من الوعي – زيوس – واللي وجودها ضروري لأنها، على الرغم من التهديد اللي بتمثله لزيوس، بتمده بالحكمة والفكر (أعتقد إنها كانت الربع اليتيم العاقل في دماغ زيوس). والقراءة دي بتغير نظرتنا للاوعي على إنه حاجة ضرورية لتحقيق توازنا النفسي بدل ما نفكر فيه على إنه مكان مرعب بندفس فيه كل الذكريات والمشاعر اللي بنكرهها. وعلشان كده غالبًا ال gut feeling ده بيبقى خبرة مسبقة أتعرضنا لها ودفسنها دفسًا جوانا ولكنها بترجع بالصورة دي علشان تقدم لنا ما يشبه التبصر بخصوص الحاجة اللي بنتعرض لها في الوقت الحالي في شكل شعور مجهول المصدر.

قصة زيوس وميتيس أحيانًا بتوجعلي قلبي لأسباب شخصية لأني بشوف فيها التجسيد لأي شغف اعتراني (حلوة اعتراني دي؟) وقررت أنهيه بأيدي. دايمًا بشوف ميتيس على إنها الشغف، شغفنا بالأشخاص والأشياء، اللي بيتملكنا لدرجة الشعور بالتهديد من ناحيته.. بنبقى موقنين إننا لو مشينا مع الشغف ده للأخر هتكون نهايتنا.. وده بالظبط اللي خوّف زيوس من ميتيس. خلينا فاكرين أن من معاني اسم ميتيس الدهاء وإنها كانت بتغير شكلها، ودي من الصفات اللي بيتميز بيها الشغف.. كونه دحلاب دحلاب كده وبيدخل لنا من مناطق الضعف وبأكتر من صورة.

فبنتخلص من الشغف ده إزاي؟ بنبلعه جوانا متخيلين إننا ناهيناه.. بنخفيه ونخفي وجوده عن نفسنا وعن اللي حوالينا بس ده مش بيمنع إنه بيفضل عايش جوانا وبيسبب لنا آلام شديدة زي الآلام اللي كان بيعاني منها زيوس، الفرق الوحيد إن بلع ميتيس كان مسبب لزيوس آلام في دماغه في حين أن وأد الشغف بيسبب لنا آلام مبرحة في قلوبنا.

فيه منا بيقدر يحول الألم ده لطاقة إبداعية زي الفنانين، وده اللي بيمثله خروج أثينا من رأس زيوس، بس ده مايمنعش إن ميتيس هتفضل عايشة جواهم وصوتها أعلى من صوت أي حاجة حواليهم. وغالبًا الواحد مننا مابيقابلش ميتيس غير مرة واحدة بس في حياته.. شغف بشخص أو بشيء بيعصف بحياته وبيقلبها رأسًا على عقب وبيبقى قدامه حل من اتنين: يسلم نفسه للشغف ده تمامًا أو يقرر إنه يدفنه جواه ويتحمل وجوده العملاق المكتوم، الحل الأول موت سريع والثاني موت بطيء.

ممكن يكون زيوس قدر يتصالح مع وجود ميتيس جواه ويحوله لطاقة إيجابية بس مش كلنا بننجح للأسف.. ده غير إن زيوس مش مثال سوي يُحتذى بيه خالص!

أيا كانت قراءتكم للأسطورة أتمنى تتصالحوا مع ميتيس اللي جواكم.

الأخلاق الواجبة والعواقبية

تخيلوا نفسكم في الموقف ده: دلوقتي قدامك واحد ضخم الجثة ماسك تلات أطفال – أو تلات حيوانات – ونازل فيهم تعذيب وضرب قد يؤدي للموت، والطريقة الوحيدة المتاحة لك لإنقاذ الأطفال هي إنك تموت الراجل بالمسدس اللي معاك.
يا ترى هتموته ولا لأ؟

لو قولت لأ مش هموته علشان القتل حرام أو غير أخلاقي يبقى كده حضرتك deontologist ولو قولت آه طبعًا هموت أمه يبقى أنت consequentialist.. التصنيف ده ملهوش علاقة بكونك أخدت التطعيم وأنت صغير ولا لأ بس له علاقة بفلسفتك الأخلاقية وبالتالي طريقتك في إتخاذ القرارات.

نبتدي بال deontology أو الأخلاق الواجبة. ولو هنتكلم عن الأخلاق الواجبة يبقى لازم نتكلم عن الأستاذ إيمانويل كانط Immanuel Kant، وبرغم أن كانط كان ناظر مدرسة في نفسه وبرغم أن مصطلح الأخلاق الواجبة ظهر بعده بكتير إلا أن فلسفته عن الأخلاق بتعتبر الحجر الأساسي لمذهب الأخلاق الواجبة.

كانط بيقولنا إن الإطار الأخلاقي اللي بيتحكم في قراراتنا وأفعالنا بينقسم لنوعين من الأوامر: أوامر أخلاقية افتراضية hypothetical imperatives وأوامر أخلاقية مطلقة categorical imperatives. الأوامر الأخلاقية الافتراضية هي القوانين الأخلاقية اللي لازم نمشي عليها لإنها بتخدم نتيجة معينة، مثال على ده لما واحد يقول “أنا لازم أرعى والدي ووالدتي علشان لما أكبر أولادي يراعوني”، أو “لازم أشتغل بضمير علشان محدش يعرف يمسك عليا حاجة”.. هنا الطبيعة الأخلاقية للأمر اعتمدت بشكل كبير على النتيجة اللي بيحققها تنفيذ الأمر. أما النوع التاني من الأوامر، الأوامر الأخلاقية المطلقة، فهي بتعتمد على القواعد الأخلاقية في حد ذاتها بغض النظر عن النتائج، يعني لازم أرعى والدي ووالدتي علشان ده مبدأ أخلاقي واجب.. لازم أشتغل بضمير علشان ده اللي المفروض أعمله. بس!

طيب لو مفيش نتائج نحكم عليها بمدى أخلاقية الفعل، الفعل بيستمد طبيعته الأخلاقية المطلقة منين؟ يعني إيه اللي يخلينا نحكم على فعل معين إنه نابع من أمر أخلاقي مطلق؟ كانط بيقولنا إن الفعل ده لو شمولي وغير متحيز يبقى فعل أخلاقي مطلق. يعني إيه؟ كانط يقصد إن الأوامر الأخلاقية المطلقة بتتميز بأنها منفصلة تمامًا عن الشخص اللي بيتخذ القرار والظروف المحيطة به، وإن قوة الطبيعة الأخلاقية للفعل مستمدة من كون المبدأ غير مرتبط بإنسان معين أو مكان معين أو ظروف معينة.

وده بالظبط الفكر اللي قايم عليه مذهب الأخلاق الواجبة.. بحكم على أفعالي بمعيار واحد فقط: هل الأفعال دي أخلاقية أم لا؟ بغض النظر بقى عن نظرتي الشخصية للأمور وتفسيري للموقف والظروف المحيطة والنتائج المحتملة. وعلشان كده في الموقف الافتراضي اللي ابتديت بيه الثريد، الشخص اللي بيتبع مذهب الأخلاق الواجبة هيرفض يقتل الراجل اللي بيعذب الأطفال لأن القتل عمل غير أخلاقي ومفيش أي حاجة تبرره (حتى لو كانت الحاجة دي تعذيب تلات أطفال\حيوانات!)، فالفعل الأخلاقي أتفصل تمامًا عن الظروف المحيطة به.

المذهب الأخلاقي التاني consequentialism أو العواقبية مش محتاج تفسير لأنه نقيض الأخلاق الواجبة. المذهب ده بيشوف إن طبيعة الأخلاقية للفعل أولاً وأخيرًا بتعتمد على نتائج الفعل: لو النتائج إيجابية، يبقى الفعل أخلاقي.. لو النتائج سلبية، يبقى الفعل غير أخلاقي. وبالتالي الشخص اللي بيتبع مذهب العواقبية مش هيتردد في قتل الراجل وهيشوفه عمل أخلاقي عظيم كمان علشان النتائج اللي ترتبت عليه إيجابية وهي إنقاذ الأطفال\الحيوانات الضعيفة.

بالتأكيد معظمكم دلوقتي بيفكر أن فيه مذهب من الاتنين دول أحسن من التاني وبيحقق المعايير الأخلاقية بشكل أفضل، بس للأسف الشديد لو فكرنا فيهم هنلاقي أن المذهبين سخام برك والإنسان – يا عين أمه – برضه عمره ما هيلاقي إجابة قاطعة لتحديد الجدوى الأخلاقية لأفعاله:

لو ابتدينا مثلاُ بمذهب الأخلاق المطلقة.. أولاً المذهب بيعتمد على إلغاء ذاتية الأخلاق والاعتماد على الإطار الشمولي للمبادئ الأخلاقية. حلو أوي، بس هو مين حط الإطار الشمولي ده؟ الدين؟ أنهي دين؟.. القانون؟ أنهي قانون؟.. الفطرة؟ أنهي فطرة؟.. ده حتى تقديرنا لشمولية أي شيء بيعتمد على ذاتية التقدير ده اللي بيبقى مُحدد بزمان ومكان معينين. اللي الناس كانت شايفاه فطري من 500 سنة دلوقتي مابقاش فطري، والعكس صحيح. الأديان والقوانين والفطرة كلها بتتغير، يبقى على أي أساس بنينا الشمولية دي؟

ثانيًا، اتباع مذهب الأخلاق المطلقة في أحيان كتير بيؤدي للتضارب.. أو بيعمل تربنة في النظام الأخلاقي للفرد. لو أخدنا موقفنا الافتراضي كمثال، الشخص اللي بيتبع مذهب الأخلاق المطلقة هيرفض يقتل الراجل علشان القتل عمل غير أخلاقي، حلو. طيب هو مش التغافل عن الظلم والقسوة برضه عمل غير أخلاقي؟ معنى كده أن اتباع أمر أخلاقي مطلق قد يؤدي بالضرورة لنفي أمر أخلاقي مطلق آخر ملازم له… اللي هو جيت أظبت الجاكيت البنطلون ضرب.

أما مذهب العواقبية فبلاويه كتيرة برضه. أولاً، الحكم على الموقف وجدواه الأخلاقية بيختلف اختلاف كبير من شخص للتاني لاعتماده على النظرة الذاتية للأمور وبالتالي هيبقى عندنا 900 ألف نتيجة للموقف الواحد كلهم بيدّعوا الأخلاق. ثانيًا، على الرغم من أن التصرف على أساس النتائج حل عملي جدًا ومقبول إلا أنه خطر لعدم قدرتنا على التنبؤ بالمستقبل. يعني مهما كانت النتائج دي في تقديرنا حلوة أو وحشة فهي برضه غير مؤكدة. مفيش حاجة بتأكدلي إني لو قتلت الراجل الأطفال مش هتموت أو أنهم هيطلعوا ناس أسوياء.. وممكن جدًا يكون لتعذيبهم نتائج إيجابية أنا عمري ما هقدر أشوفها (مش ببرر التعذيب أكيد، ده موقف افتراضي).

تعالوا نطبق على مثال تاني: دلوقتي واحد كتب بوست أو تويت متخلف بيسيء فيها لناس تانية. طبيعي جدًا أن ناس هتقول يالا نسف عليه علشان يحرم يكتب الكلام ده تاني، أو علشان الناس تفكها من القفش اللي هي عايشة فيه ده.. إلخ. أي كانت الأسباب فهي قايمة على النتائج اللي هيحققها فعل السف. طبعًا النتائج دي بتبقى معتمدة على تفسيرات وتوقعات ذاتية ممكن تبقى صح أو غلط: ممكن صاحب البوست يتعظ فعلاً أو ممكن يحس بالقهر ويأذي نفسه.. ممكن الناس تضحك وتنبسط، وممكن لأ. فيه نوع تاني من الناس هيقولوا السف ده تنمر واستحالة نشترك فيه أي كان الشخص أو الكلام اللي كتبه. كلام جميل، بس أي نوع من السف بالظبط قررت أنه تنمر؟ ويا ترى لو سبت الشخص ده في حاله مش كده برضه يبقى سكوت عن كذب وتضليل (خصوصًا لو لكلام اللي كتبه هيأذي حد تاني).

الفكرة بقى أن مفيش حد فينا بيتبع مذهب الأخلاق المطلقة أو مذهب العواقبية على طول الطريق في حياته، أغلبنا بيعمل مهلبية من الاتنين على حسب الوقت والظروف، وبيبرر لنفسه أفعاله في الحالتين عادي خالص (لازم للأسف نعمل كده وإلا هنتجنن أو هندخل في حلزونة ملهاش أخر من جلد الذات).

المهم بالنسبة لي أننا نفضل نتساءل عن الجدوى الأخلاقية لأفعالنا أي كانت النتيجة اللي هنوصل لها.