أخيل والتطرف

النهاردة هنتكلم عن البطل الإغريقي أخيل Achilles (ايوه براد بيت في فيلم Troy) وهل هو يستحق لقب بطل فعلاً ولا لأ.

أخيل هو ابن الملك بيليوس Peleus وحورية البحر ثيتيس Thetis اللي كانت بتحب ابنها حب جنوني. أخيل أتولد كطفل بشري عادي جدًا بس يُقال إن من كتر خوف ثيتيس عليه ورغبتها في حمايته أخدته وهو لسه طفل رضيع وغطسته في النهر المقدس ستيكس Styx اللي بيفصل بين عالم الأحياء وعالم الموتى علشان تمنحه مناعة إلهية – وده يفكرنا شوية بطقس تعميد الأطفال في المسيحية Baptism – بس بما إن ثيتيس كانت غشيمة شويتين، مسكت أخيل من كعبه وغطست جسمه كله ما عدا الكعب اللي هي ماسكاه منه زي ما بنسأسأ البقسمطاية في الشاي بلبن كده، ويُقال إنها كانت هتغطس الجسم كله لكن بيليوس شافها وأخد الولد منها. فيه روايات تانية بتقول إنها عملت نفس الحركة بس بدل ما تغطسه في مياه نهر ستيكس نزلته في نار مقدسة بس برضه كانت مشعلقاه من كعب رجله. النتيجة في النهاية يعني إن أخيل بقى فعلاً قوي ولا يُقهر بس نقطة ضعفه الوحيدة هي كعبه.

نجري بالأحداث شوية.. أخيل بقى بطل مغوار وسيرته جايبة الدنيا كلها لدرجة إن لما الملك الإغريقي أجاممنون Agamemnon قرر يحارب طروادة Troy لاسترجاع هيلين Helen مرات أخوه (هنبقى نحكي أسباب الحرب بالتفصيل مرة تانية) طلب أن أخيل يكون معاه. بعد مفاوضات مطولة، أخيل وافق وأخد جنوده واشترك في حرب طروادة الشهيرة اللي استمرت عشر سنين. طبعًا أخيل كان سلاح أجاممنون الأقوى وكان دخوله أي معركة بيضمن فوز الإغريق باكتساح. وفي واحدة من المعارك دي أخيل أسر أميرة اسمها بريسيس Briseis بعد ما قتل عيلتها كلها وأخدها كواحدة من السبايا بتوعه. المشكلة بقى إن أخيل حب بريسيس وأتعلق بيها جدًا لدرجة إن لما أجاممنون طلب ياخدها منه علشان يرجعها للطرواديين بسبب هدنة عقدها معاهم أخيل رفض وقال لأجاممنون إنه لو أخدها منه مش هيحارب في صفوفه تاني وأبقى شوف مين هيفوزك الحرب بقى يا عينيا. عِند بعِند، أجاممنون أخدها وأخيل فعلاً اتقمص وبطّل يخوض معارك وجيش أجاممنون أبتدى يخسر.

مين بقى اللي كان بيتفرج على اللي بيحصل ومش عاجبه الوضع؟ باتروكلس Patroclus ابن عم أخيل وصديقه المقرب، واللي برضه كان مشترك معاه في الحرب. باتروكلس حاول يقنع أخيل يرجع الحرب تاني ويلحق الدنيا اللي بتبوظ دي والتاني رأسه وألف سيف مايرجعش انتقامًا من أجاممنون. ففي يوم من الأيام باتروكلس أخد درع أخيل الشهير ولبسه وراح المعركة على إنه هو علشان يشجع الجنود الإغريق ويحسس الطرواديين بالرعب. طبعًا هي كلها كام ساعة وباتروكلس اتقتل زي البلاص على أيد هيكتور Hector ابن ملك طروادة.

أخيل أول ما عرف بموت باتروكلس هاج وماج وراح موتله المئات من الطرواديين وراح عند أسوار طروادة وطلب يقاتل هكتور في عركة راجل لراجل كده. طبعًا مش محتاجين نقول إن هكتور اتمرمط واتقتل وأخيل أخد جثته علشان يأكلها لكلابه، وده كان شيء مهين جدًا وقتها إنه مايرجّعش جثة الأمير لأهله علشان يودعوه. ملك طروادة بقى راح بنفسه لأخيل وقعد يترجاه يرجع له جثة ابنه ومايمثلش بيها لحد ما أخيل قلبه لان وساب له جثة هيكتور فعلاً.

أخيل فضل طايح في الطرواديين برضه وفي معركة من المعارك باريس Paris، الابن التاني لملك طروادة، رمى أخيل بسهم والسهم جيه في نقطة ضعفه الوحيدة، كعب رجله، ومات.

الأحداث دي كلنا عارفينها خصوصًا اللي شاف الفيلم. نيجي للمهم بقى واللي ممكن نطلع بيه من الأسطورة دي..

الأحداث دي معظمها جيه في ملحمة هوميروس الشهيرة الإلياذة The Iliad اللي سطورها الأولى بتقول:

“Rage—Goddess, sing the rage of Peleus’ son Achilles,
murderous, doomed, that cost the Achaeans countless losses.”

“الغضب” هي أول كلمة بتقابلنا في الملحمة لما هوميروس بيطلب من ربة الشعر إنها تتغنى بغضب أخيل ابن بيليوس وتحكي قصته وإزاي إن الغضب ده أدى لآلام وخسائر لا تُحصى. وده يخلينا نتساءل هل الغضب في أسطورة أخيل هو السبب في سقوطه؟ هل هو الخلل في شخصيته كبطل تراجيدي أو ما يُسمى بال tragic flaw؟ لكن السؤال اللي الحقيقي اللي المفروض نطرحه هو: هل أخيل بطل أصلاً؟

تعالوا نشوف الأحداث بمنظور حيادي كده، أخيل ده واحد الآلهة مدياله شوية عافية مابيستخدمهاش غير في القتل والدمار. في الحرب أزهق أرواح ألوف ودمر مدن واغتصب الكثير من النساء وأخدهم كسبايا وحتى الست اللي حبها قتل عيلتها كلها وكانت سجينته ورفض إنه يديها حريتها. ولما ابن عمه اتقتل – بسببه! – الانتقام أتمكن منه وقعد يقتل ويدمر زي التور الهايج لحد ما مات. بطل إيه ده بقى إن شاء الله؟!

وده خلاني أفكر إيه معايير البطولة؟ إيه اللي بيخلينا نطلق على شخصية بعينها في الأساطير أو في الروايات والأفلام صفة “بطل” وشخصية تانية صفة “شرير”؟ ومن خلال الأسئلة دي ممكن نستنتج إن معايير البطولة مش مستقلة بذاتها وإنها مرتبطة ارتباط وثيق بالمجتمع أو الثقافة أو الوقت التي اتوجدت فيه.

الأستاذ الفاضل كارل يونج Carl Jung بيقول لنا إن نموذج البطل Hero Archetype في الوعي الإنساني الجمعي عبارة عن شخص بيواجه مصاعب عديدة وبيتغلب عليها وفي الأخر بيكتشف حقيقة ما عن نفسه. طبعًا المصاعب العديدة دي بترمز لتغلبه على الشر اللي جواه هو حتى لو الشر ده أتصور بشكل رمزي كوحوش أو كوارث طبيعية أو آلهة مجنونة. ولو تفتكروا لما اتكلمنا عن أوديسيوس Odysseus كمثال لـ“رحلة البطل” وإن رحلة عودته من حرب طروادة الشهيرة وكل ما فيها من صعاب بتمثل ثورته على نفسه ومعرفته لحقيقتها. طيب هل ممكن نطبق الكلام ده على أخيل؟

أخيل رحلته ملهاش نقطة بداية ونهاية واضحة زي أبطال تانيين زي أوديسيوس وهرقل.. أخيل عامل زي البندول بيتمرجح بشكل مستمر ومتطرف بين ما يمكن أن نطلق عليه قيم الخير وقيم الشر. في لحظة بيبقى محارب شجاع ولحظة تانية قتال قتلة مش شايف قدامه.. لحظة الحب يملأ الحب قلبه ولحظة الغيرة والرغبة في التملك يعموه.. لحظة بيقدّر الصداقة والوفاء ولحظة تانية الانتقام بيخليه تور هايج.. لحظة بيمثل بجثث أعدائه ولحظة تانية اللين بيتمكن منه وبيرجع عن قراراته.. حتى التناقض ده متمثل في جسمه اللي كله قوي وخارق في مقابل كعب رجله اللي أضعف من ورك فرخة. شخصية متطرفة جدًا وبتضرب بعرض الحائط كل القيم اللي المفروض البطل يمتلكها.. بندول بيتحرك بشكل متطرف وسرعة كبيرة جدًا بين الخير والشر. وده اللي أنا شايفاه ال tragic flaw بتاعته، مش الغضب زي ما هوميروس قال، إنما التطرف.. التطرف في المشاعر.

والتطرف في المشاعر ده كان من صفات الآلهة في الأساطير الإغريقية، أرجعوا كده لأي أسطورة حكيناها قبل كده هنلاقي إن الآلهة بتغير وتنتقم وتدمر وفي ثانية تسامح وتحب، ده غير إن مفهوم الخير والشر عندهم متداخل فطبيعي إننا نلاقي إن صورة البطل، اللي هي الانعكاس البشري لصورة الإله، فيها نفس الصفات. فلو مجتمع مثلاً شايف إن الإله يمتلك صفات الخير والكرم والتسامح المطلق هنلاقي إن الأبطال في المجتمع ده صفاتهم قريبة من الصفات دي. والموضوع يتشاف كمان بشكل دائري حلزوني لطيف بإن فكرتنا عن الإله ما هو إلا انعكاس لفكرتنا عن نفسنا أو ما نصبوا إليه وبالتالي بنخلق صورة البطل كوسيط بين الفكرة والحقيقة. فكروا كده إزاي رؤيتنا لنفسنا اتغيرت في العصر الحديث وبالتالي فكرتنا عن الدين والإله وإزاي ده أثر على صورة البطل في الأعمال الفنية والأدبية وبالتالي أثر على رؤيتنا لنفسنا… وهكذا!

ومن هنا ممكن نرجع تاني لفكرة “رحلة البطل” وإنها مش بس بتمثل تغلب الإنسان على نفسه ومحاولة فهمها وإنما، بمعنى أكثر شمولية، بتمثل رحلة الإنسان على مر العصور في مطاردة حقيقة إنسانيته.

أخيل بطل لأنه في حياة قصيرة واحدة قدر يختبر الحب والكره بكل ما في المشاعر دي من معاني.. قدر يمارس التسامح والانتقام.. اللين والغضب.. القوة والضعف. كتلة متحركة من المشاعر بدون أي ضوابط منطقية.

أخيل بطل لأنه بيعكس قدرة الإنسان على احتواء هذا الكم الهائل المتناقض من المشاعر الخام المتطرفة في قلبه – نقطة ضعفه – اللي لو كشف عنه وأطلق له العنان هيكون السبب في هلاكه زي ما كان كعب أخيل هو السبب في هلاكه.

تأثير مانديلا والذكريات الكاذبة

هل حصل قبل كده إن حد شكك لك في ذكرياتك لدرجة إنك مابقتش عارف إذا كانت حصلت فعلاً ولا لأ؟ طيب تعمل إيه لو الذكريات المُشكك فيها دي واضحة وضوح الشمس في دماغك وكأنها حصلت امبارح؟ هل هتكدّب نفسك ولا هتكدّب اللي حواليك؟

سنة 2009 سيدة أمريكية اسما فيونا برووم Fiona Broome لاحظت انتشار الموضوع ده خصوصًا بعد ما وجدت تعليقات على الانترنت من ناس كتيرة جدًا من أماكن مختلفة في العالم بيتكلموا عن موت نيلسون مانديلا Nelson Mandela اللي كان ساعتها حي يرزق لسه – الراجل مات سنة 2013 – وإزاي إن عندهم ذكريات واضحة مشتركة عن موته في السجن في التمنينات لدرجة إن بعضهم كانوا فاكرين مشاهدة جنازته في التلفزيون كمان! برووم ابتدت تبحث في الموضوع أكتر وعملت مقابلات واكتشفت إن فيه عدد مهول عندهم ذكريات جلية عن موت نيلسون مانديلا، ومن هنا برووم اسمت الظاهرة دي ب”تأثير مانديلا” The Mandela Effect. برووم ابتدت تلاقي أمثلة تانية على وجود الظاهرة دي زي الراجل أبو شنب اللي مرسوم على لعبة مونوبولي (في ذكريات ناس كتيرة إنه كان بنضارة في حين إنه في الحقيقة مش لابس نضارة) ولوحة الموناليزا (الناس اختلفوا على ابتسامتها برضه اللي كانت في ذاكرتهم أوضح من كده).

برووم قالت إن الظاهرة دي ليها تفسيرين.

التفسير الأول إننا عايشين في كون متعدد الأبعاد أو ما يُسمى بالـ multiverse وإن سبب وجود ذكريات واضحة عندنا لا تتناسب مع الأحداث التاريخية هو إن الأبعاد دي بتتداخل مع بعضها. وسريعًا كده اللي مش عارف إيه موضوع تعدد الأكوان ده، فببساطة ده اعتقاد مثير للجدل في فيزياء الكم بيقول إن الكون بتاعنا مش بيتكون من مكان وزمان واحد وإنما من عدة أكوان متشابهة ماشية بشكل متوازي مع اختلافات في كل كون منهم. يعني أنت فيه نسخة منك في كل كون من الأكوان دي.. ممكن في واحد أنت دخلت الكلية اللي نفسك فيها، في كون تاني خالتك هي عمتك، في كون تالت أنت ست مش راجل، في كون رابع أنت ماتولدتش أصلاً، في كون خامس السيزون الأخير من جيم أوف ثرونز كان حلو.. وهكذا. المهم يعني إن تأثير مانديلا ده بيحصل لما الأكوان المتوازية دي بتتداخل مع بعضها لوهلة من الوقت. ده معناه إن ذكريات الناس عن موت مانديلا حقيقية وإنه مات فعلاً في التمنينات بس في كون موازي تداخل مع الكون بتاعنا في فترة ما.

أما التفسير التاني فهو إننا عايشين في محاكاة simulation متطورة جدًا – اتكلمنا عن الموضوع ده باستفاضة لما جبنا سيرة نظرية نِك بوستروم Nick Bostrom – وإن كل اللي بيحصل من صدف وأمور خارقة للطبيعة هي مجرد أخطاء glitches في المحاكاة.

طبعًا علماء النفس والأعصاب ردوا على برووم وقالوا لها كفاية هبل بقى يا ست! أكوان موازية ومحاكاة إيه بس.. الظاهرة اللي بتوصفيها دي هي ببساطة الذكريات الكاذبة ودي حاجة معروفة في علم النفس والأعصاب. فكرة الذكرى الكاذبة false memory موجودة من زمان وفرويد كان من أوائل الناس اللي اتكلموا عنها وبتشير للذكريات المغلوطة التي بتنتج من تسجيل أو استدعاء دماغنا للأحداث بشكل مختلف مما كانت عليه في الواقع لأسباب عديدة منها وجود خلل عصبي ما أو التعرض لصدمة.. إلخ، أو ممكن يكون سبب وجود الذكريات الكاذبة أبسط من كده بكتير وهو إن ذاكرة الإنسان بطبيعتها انتقائية وتميل لخلق الأنماط المألوفة وبالتالي بتقوم بعمليات ذي الحذف والتبديل.

الكاتب الأمريكي مايكل شيرمر Michael Shermer بيقسم المغالطات اللي بتقوم بيها الذاكرة لنوعين أساسيين: النوع الأول هو الربط بين حدثين\حاجتين ملهمش علاقة ببعض علشان الذاكرة تخلق نمط معين متعودة عليه، والنوع التاني هو رفض شيء ما واقعي أو علاقة حقيقية بين شيئين لإنها لا تتناسب مع النمط اللي الذاكرة متعودة عليه.  شيرمر بيقول لنا إن النوعين قايمين على فكرة الإيمان وإن الـ default بتاع دماغنا كبني آدم هو البحث عن أنماط علشان نؤمن بيها لأن عبثية ولانمطية الواقع أكبر من إن عقلنا يستوعبها.

تعالوا ناخد مثال عبيط كده علشان نوضح الفرق بين النوعين:

فلنفترض إنك عملت مصيبة سودا في العمارة اللي أنت ساكن فيها فجيرانك اتلموا عليك في يوم وقعدوا يضربوا فيك وعدموك العافية. المهم بعد ما طلعت شقتك افتكرت إنك في نص المدعكة سمعت صوت الحاجة فيفي اللي في التاسع وهي بتقول “كفاية ضرب في الولد حرام” في حين إن اللي قالت كده في الحقيقة هي مدام سوسن اللي في التالت والحاجة فيفي اللي في التاسع كانت نازلة عض فيك بطقم السنان الجديد أصلاً. طيب ليه ذاكرتك عملت كده؟ عقلك اختار إن يربط بين اللمحة اللطيفة دي وبين الحاجة فيفي اللي في التاسع لأن أنت بتحبها علشان بتفكرك بجدتك وجدة صاحبك اللي ربتك بعد ما جدتك ماتت، فبالتالي علشان عقلك يحافظ على نمط “كل الجدات طيبات” ده ربط بين الجملة وبين الحاجة فيفي اللي في التاسع (النوع الأول). أما لما عقلك قرر إنه يرفض الصوت اللي قال الجملة دي كصوت مدام سوسن اللي في التالت فده علشان هي مدرسة حساب وأنت بتكره كل مدرسات الحساب علشان كانوا بيعذبوك وأنت صغير، فبالتالي عقلك رفض شيء حقيقي حصل علشان يحافظ على نمط “كل مدرسات الحساب شريرات” (النوع التاني). وزي ما قولنا العقل في استدعائه للذكريات بيلجأ للحفاظ على الأنماط المألوفة ليه لأن لو ماعملش كده هيضطر يواجه عدد لا نهائي من الأحداث العبثية ومخك مش مستعد إنه يتقبل بشكل واعي حقيقية إن فيه جدات شريرات وإن فيه مدرسات حساب طيبات وبالتالي يهدم كل الأسس اللي قايمة عليها معتقداتك.

شيرمر بيقول إن الذكريات الكاذبة دي أحيانًا بتحصل بشكل جمعي لما بتكون بخصوص أمور غريزية أو خبرات مشتركة وده من أهم أسباب وجود الخزعبلات والأمور الخارقة للطبيعة. ده بيفسر حالات الناس اللي بتشوف معجزة في دار عبادة مثلاً لأن كلهم بيبقوا متدينين فعقولهم بتلجأ لدعم نمط مشابه من الربط بين الأشياء فذكرياتهم عن الحدث بتبقى واحدة.

اللي بيقوله شيرمر وغيره من علماء النفس بيفسر ظاهرة تأثير مانديلا وإن الذكريات اللي قد تبدو حقيقية للبعض – حتى لو اختبرها أكتر من شخص – قد تكون نتاج طبيعة عقولنا للربط بين الأشياء والتلاعب بالواقع من أجل الحفاظ على الأنماط اللي بتكوّن شخصيتنا. يعني ممكن يكون جنازة مانديلا اللي الناس بيحلفوا إنهم شافوها في التلفزيون دي تكون بتاعت حد تاني مشهور بس عقلهم مسح الشخص وحط مكانه مانديلا في الذكرى، أو إن الراجل بتاع مونوبولي ده شبه شخصية كرتونية تانية لابسة نضارة والعقل ضمّنّهم في صورة واحدة.

كمان فرويد أشار لحاجة اسمها الذكريات المقنّعة screen memories – اتكلمنا عليها قبل كده – وإن إزاي عقلنا بيجيب ذكريات من الماضي وبيتلاعب بتفاصيلها علشان يعكس رغبة حالية للنفس. يعني ذكرياتك الكاذبة ممكن تكون انعكاس لمشكلة أنت بتمر بيها دلوقتي.

على الرغم إن تفسير علماء النفس منطقي وعقلاني وكلام الأخت فيونا برووم مايقنعش بصلة مفرومة، إلا إن فكرة الأكوان المتعددة دي مثيرة جدًا بالنسبة لي وأعتقد لأي حد تاني – زي حالاتي – عايز كل حاجة في نفس الوقت ومش راضي عن أي حاجة وفكرة “الواقع” الواحد اللي مفروض علينا مقيدة بالنسبة له. مجرد إمكانية إن يمكن في كون موازي ما أنت دلوقتي قاعد مع اللي بتحبه\ها أو اشتغلت في المكان اللي نفسك تشتغل فيه أو بعدت عن الشخص اللي بيؤذيك مريحة ومربكة في نفس الوقت.. أو فكرة إنك بتختبر كل الحاجات دي بكل احتمالاتها في نفس الوقت! ده غير إنها بتدي بعد تاني خالص لفكرة الذكريات اللي حصلت لنا ومابنبقاش عارفين ده كان حلم ولا حقيقية.. ويمكن السبب في إننا شايفينها فكرة مثيرة هو إن برضه عقلنا مش عايز يتقبل فكرة العبث وبيبحث عن النظام والأنماط حتى لو كان في شكل أكوان موازية متداخلة وماتريكس وأي بتنجان.

ده الموقع بتاع الأستاذة فيونا برووم اللي مخصصاه لظاهرة تأثير مانديلا.

وده فيديو لمايكل شيرمر بيتكلم عن نوعين المغالطات السالف ذكرهم.

دمتم متحابين متوازيين متداخلين.

فيلوميلا والعندليب والمقاومة

النهاردة هنتكلم عن فيلوميلا.. وعن الأشياء اللي لا يمكن التحدث عنها..

وفقًا للأسطورة الإغريقية، ملك مدينة أثينا Athena كان عنده بنتين غاية في الجمال واحدة اسمها فيلوميلا Philomela والتانية اسمها بروكني Procne. الملك أضطر يجوّز بروكني لتيريوس Tereus ملك مدينة تراقيا Thrace لأغراض سياسية كالعادة. المهم بعد فترة من جوازهم بروكني اشتاقت لأختها فيلوميلا جدًا وطلبت من جوزها تيريوس إنه يجيبها تقعد معاهم شوية. وفعلاً فيلوميلا وصلت ولما شافها تيريوس انبهر بجمالها لحد ما دماغه المعفنة دفعته إنه ياخد فيلوميلا للغابة ويغتصبها. طبعًا بعد عملته السودا، فيلوميلا هددت إنها تفضحه قدام أختها وفي المملكة كلها فتيريوس قطع لسانها وخلاها تبلعه وسابها مرمية في الغابة في حتة مقطوعة كده.

فيلوميلا المسكينة فضلت عايشة في كوخ في الغابة فترة طويلة قدرت خلالها تعمل لحاف نسجت فيه اللي حصل معاها بالتفصيل من خلال الأشكال اللي عليه وبعتت اللحاف لأختها بروكني. بروكني لما شافت اللحاف انهارت وأول حاجة عملتها إنها راحت جابت أختها وخبتها في القصر، وفي نفس اليوم فكرت في خطة جهنمية: بروكني راحت قتلت ابنها اللي خلفته من تيريوس وقطعته حتت وحطته في الأكل لجوزها! المهم جوزها وهو بيأكل غداه زي الأهبل سألها الواد فين يا ولية ماشوفتهوش النهاردة، قالت له في بطنك وحكت له اللي عملته بالظبط. تيريوس اتجنن طبعًا وفضل يطارد الأختين لحد ما الآلهة اشفقوا عليهم من غضب تيريوس فحولوا فيلوميلا لعندليب وحولوا بروكني لسنونو.. ومن ساعتها وفيلوميلا بتغني الجريمة اللي ارتُكبت في حقها بصوتها الجميل.

الأسطورة لأسباب واضحة تحولت لرمز لمقاومة الظلم بالفن. تيريوس ارتكب جريمة في حق فيلوميلا وأفتكر إنه لما يقطع لسانها – مصدر قوتها ووسيلتها للتواصل مع العالم – فكده خلاص هيقدر يهرب بفعلته ويداري المصيبة اللي عملها، بس فيلوميلا قدرت من خلال قدرتها على النسج، اللي بتُعتبر برضه وسيلة فنية للتعبير والتواصل، قدرت إنها توصّل صوتها لأختها اللي كان عقابها لجوزها من جنس عمله.. زي ما قطع لسان أختها وخلاها تبلعه، هي كمان قطعت نسله ومصدر قوته المتمثلة في ابنه وخلته يأكله (ست مفترية مش سهلة برضه). تحول فيلوميلا لعصفورة في أخر الأسطورة وإصرارها على الغناء بيعكس مقاومتها للسلطة الظالمة المتمثلة في تيريوس – اللي كان عايز يخرسها للأبد – من خلال الاستمرار في حكي فجيعتها.

وبعيدًا عن موضوع مقاومة الظلم واللَبَش ده، الأسطورة فكرتني بقصة قصيرة لأوسكار وايلد Oscar Wilde اسمها “العندليب والوردة” The Nightingale and the Rose كتبها سنة 1888. القصة – وهي قايمة على التراث الفارسي على فكرة – بتحكي عن ولد كان قاعد في بلكونة بيتهم يكلم نفسه ويقول إنه واقع في حب بنت الأستاذ بتاعه اللي وافقت إنها تروح الحفل الراقص معاه بشرط إنه يجيب لها وردة لونها أحمر. الولد كان قاعد يندب حظه لأن في الوقت ده في السنة مكانش فيه ورد أحمر. المهم وهو قاعد سهتان وولهان وحزنان على نفسه كده مين سمعه؟ طائر عندليب صغير (هشير إليه بـ”العصفورة” علشان وايلد استخدم ضمير المؤنث) كان قاعد في الجنينة اللي تحت بيتهم. العصفورة اتعاطفت مع الولد جدًا وقررت إنها تساعده وتدور على الوردة الحمرا.. كله في سبيل الحب اللي حاسه الولد للبنت واللي كانت العصفورة شايفاه على إنه حاجة جميلة وتستحق العناء. المهم العصفورة راحت لشجرة قالت لها هاتي وردة حمرا يا شجرة، فالشجرة قالت لها بس أنا كل الورد بتاعي أبيض. راحت لشجرة تانية، الشجرة قالت لها بس أنا الورد بتاعي أصفر، راحت للتالتة قالت لها الورد بتاعي أحمر بس احنا في الشتاء دلوقتي وأنا معنديش ورد. العصفورة اتضايقت ولما الشجرة لقيتها محبطة كده قالت لها فيه طريقة يا عصفورة إني أزرّع وردة لونها أحمر بس ده هيكلفك حياتك. الشجرة وضحت لها إنها لازم تفضل تغني طول الليل وهي بتغني تغرز صدرها في غصن من الأغصان علشان دمها يسري في الشجرة وتقدر تنتج ورد أحمر. العصفورة وافقت وقالت إن معندهاش مانع تضحي بحياتها في سبيل إنها تكون سبب في اكتمال حب الولد والبنت. وفعلاً فضلت العصفورة تغني\تصوّت طول الليل وتضحي بدمها للشجرة. الجميل بقى إن الولد – المغفل – سمع صوتها وقال لنفسه العندليب ده صوت جميل جدًا خسارة إنه بيقول أي كلام وإن الغناء اللي بيغنيه بلا هدف أو معنى! المهم لما الشمس طلعت، الولد خرج البلكونة وشاف إن الشجرة اللي قدامه زرّعت وردة حمرا ماشفش قبل كده في لونها وجمالها، بس للأسف فشل إنه يشوف جثة العصفورة اللي كانت مرمية على الأرض جنب الشجرة.

المثير للسخرية والحزن بقى إن لما الولد راح بالوردة للبنت اللي بيحبها قالت له إيه يابني الهبل ده أنت صدقت إني هبص لواحد زيك فعلاً؟ ده فيه واحد تاني أغنى منك بيحبني وهروح معاه الحفلة.. ثانيًا الوردة اللي معاك دي مش هتليق على فستاني. الولد اتصدم طبعًا وقالها أبوكي على اللي خلفوكي ورمى الوردة وقرر يرجع لمذاكرته بلا حب بلا كلام فارغ.

بس كده.. خلصت القصة.

القصة قد تبدو عبيطة للبعض بس من المهم نفهم إن أوسكار وايلد كتير كان بيتكلم عن علاقة الفن بالحياة وعلاقة الفنان بمجتمعه وبالتالي لازم نربط بينه كفنان وبين العندليب في قصته اللي غالبًا بيعتبر رمز له هو شخصيًا أو لأي فنان في المطلق. الولد في القصة كان طالب علم وكان بيدرس منطق وحاجات من دي ولما سمع العصفورة بتغني أعجب بصوتها لوهلة وقال خسارة إن الغناء بتاعها بلا معنى ومش بيفيد أي حد، على عكس العلوم اللي هو بيدرسها طبعًا. واضح جدًا إن الولد بيمثل المجتمع أو نظرة المجتمع السائدة للفن والفنانين اللي بيشوفوا فنهم على إنه حاجة مسلية وجميلة بس بلا هدف ولا ترقى لمنزلة العلوم اللي بتفيد البشرية بشكل عملي. من خلال القصة ومن خلال تبني وجهة نظر العصفورة، وايلد بيحاول يقول لنا إن الفنان علشان ينتج عمل فني – الوردة الحمرا – بيضحي بجزء من نفسه وروحه وده متمثل في تضحية العصفورة بدمها وحياتها، وفي الأخر معظم الناس بتفشل إنها تشوف معناه والتضحية اللي بُذلت علشانه وبتعتبره شيء مسلي بلا قيمة حقيقية والوردة بتترمي على الأرض زي ما حصل في أخر القصة. البعض ممكن يشوف إن السبب اللي اتعملت علشانه الوردة أصلاً تافه والولد والبنت سابوا بعض من قبل صباح الخير حتى، بس من وجهة نظر العصفورة السبب كان حقيقي وعظيم ويستاهل التضحية بعيدًا عن اللي حصل في الواقع.

نرجع بقى لفيلوميلا عصفورتنا الإغريقية اللي بعد ما نربطها بعصفورة وايلد هنشوف إنها مش بس أسطورة عن مقاومة الظلم ولكنها أسطورة عن الصدمة وعلاقتها بالإبداع.. فيلوميلا ماتحولتش لطائر صوته جميل إلا بعد المرور بتجربة بشعة فقدت خلالها وسيلة التواصل بشكل تقليدي مع الآخرين فأصبح غناها هو فجيعتها وفنها ورسالتها.

الكلام ده فكرني بمقال جميل نشرته الواشنطن بوست الشهر اللي فات كاتباه طبيبة نفسية بتشجع مرضاها من ضحايا الحروب والعنف والاغتصاب على التعبير عن صدماتهم عن طريق الرسم على الأقمشة ونسج الألحفة (بالظبط زي ما فيلوميلا عملت!). الطبيبة بتقول إن بعض الضحايا من فجاعة اللي مروا بيه بيفقدوا القدرة عن الكلام عنه فبيصبح الفن – من خلال الرسم أو غيره – هو وسيلتهم الوحيدة للتعبير عن صدماتهم ومشاعرهم. ودي أمثلة من لوحات القماش اللي عملوها الضحايا..

أخر لوحة عملتها بنت من الكونغو اتخطفت وأغتصبت ولما حملت وخلفت أهلها أخدوا منها الطفل وهي هربت من المصير الأسود اللي كان مستنيها. المثير للاهتمام في لوحتها إنها رسمت نفسها بخيط أبيض علشان هي شايفة نفسها كده.. كأن ملهاش وجود.

مش بقول إن الفن بالضرورة لازم يُولد من رحم المعاناة ولكن عملية الإبداع نفسها بتتضمن صراع مع الآخرين ومع النفس ولأن الإنسان بيفشل إنه يعبر عن نفسه وما يشغل قلبه بالشكل التقليدي فبيلجأ للفن كوسيلة غير تقليدية، ولكن في المقابل بيخاطر بفقدان رسالته للمعنى من وجهة نظر من حوله.. زي بالظبط ما الناس مافهمتش غناء فيلوميلا وإنه بيحكي عن جريمة اغتصابها وقمعها وزي برضه ما الولد مافهمش غناء العصفورة اللي كانت بتصرخ وهي بتضحي بحياتها علشانه.

وبس علشان كلامي مايتفهمش غلط وشرطة المصنفات ماتقفش عليا مش بقول إن أي عمل فني غير مفهوم أو متشاف بصورة سيئة يبقى بالضرورة حلو وعظيم. فيه أعمال بلا قيمة فعلاً.. ولكن الحكم الأول والأخير في الموضوع ده هو الشخص نفسه اللي أنا على يقين إنه بيبقى مدرك تمامًا إذا كانت الحاجة اللي بيخلقها دي ليها قيمة وأداها حتة من روحه ولا لأ مهما حاول يتظاهر بالعكس.

فيلوميلا وعصفورة وايلد بيورونا إن العمل الفني مش بس وسيلة للتواصل وإنما محاولة للمقاومة والتعبير عن الأشياء اللي بتفشل اللغة في التعبير عنها.. فيلوميلا قاومت طغيان السلطة وعصفورة وايلد قاومت طغيان المادة والواقع وغيرهم عصافير تانية من خلال غناها بتقاوم طغيان الحياة.. ولكن أغلب العصافير – في رأيي – بتغني علشان تقاوم طغيان النفس.

ودول سعداء الحظ اللي بيعرفوا يغنوا أصلاً.. بعضنا بيبلعوا لسانهم ويخرسوا للأبد.

ده لينك لقصة أوسكار وايلد اللي حابب يقرأها.

وده لينك لمقال الواشنطن بوست برضه اللي حابب يقرأه.