تفاحة الفُرقة

التفاحة الذهبية، أو كما يُطلق عليها “تفاحة الفُرقة” The Apple of Discord، هي تفاحة تسببت في النزاع بين الآلهة في جبل الأوليمب واللي انتقل بدوره بين البشر على الأرض..

Golden Apple of Discord (1633), Jacob Jordaens

الأسطورة بتقول لنا إن أثناء احتفال الآلهة بزواج الملك بيليوس Peleus بالحورية ثيتس Thetis – الزواج اللي نتج عنه أخيل Achilles – وكل الحضور مبسوطين، فجأة طبت عليهم الربّة إريس Eris ربة النزاع والفُرقة (متخصصة في التكدير والنكد يعني) وقالت لهم “إزاي ماتعزمونيش على الفرح!”.. طبعًا كله قعد يمأمأ ويسأسأ.. أصل هيقولوا لها إيه؟ أنتي فقر وهتفرقي بين العروسين من قبل ما يتجوزوا؟ المهم إريس شالت في نفسها وقررت تنكد على الكل فعلاً وطلعت من جيبها تفاحة ذهبية خلابة مكتوب عليها “إلى الأجمل”. التفاحة وقعت على الترابيزة وثلاثة أشخاص تحديدًا عينهم ماتشالتش من عليها..

الثلاثة دول هم: هيرا Hera ربّة الزواج والأمومة وزوجة كبير الآلهة زيوس، أفروديت Aphrodite ربّة الجمال والحب، وأثينا Athena ربّة الحكمة والحرب. هيرا وأفروديت وأثينا قعدوا يتخانقوا على التفاحة الذهبية لحد ما زيوس قال لهم احنا نشوف حد محايد يختار ما بينكم. زيوس وقع اختياره على باريس Paris ابن ملك طروادة، أمير صغير عبيط من البشر ملهوش تحيزات. الثلاث ربّات ظهروا لباريس وقالوا له يختار الأجمل بينهم، وكل واحدة منهم أغرته بحاجة: هيرا وعدته بالسلطة الواسعة، أثينا بالقوة والمهارة، أما أفروديت فوعدته بالفوز بحب أجمل امرأة على وجه الأرض..

باريس أختار أفروديت، وبمرور السنوات أفروديت بالفعل أوفت بوعدها وخلت هيلين Helen، اللي كانت وقتها زوجة لمينلاوس Menelaus، تقع في غرام باريس أول ما تشوفه وتهرب معاه لطروادة. وبسبب هروبها ده قامت طبعًا حرب طروادة الشهيرة اللي كلنا عارفينها واللي استمرت عشر سنوات.

الملفت للنظر في الموضوع هو ارتباط التفاح بالمرأة في الوعي الجمعي للإنسان خاصة في سياق الإغواء.. يعني مثلاً عندنا حواء والتفاحة المُحرمة، وعندنا أتالانتا والتفاح الذهبي اللي كان السبب في خسارتها للسباق، حتى الربّات ماسلموش من إغواء التفاحة ووقعوا فريسة لها زي ما شوفنا.

The Apple of Discord (2010), Angel Delafe

سيربيروس كلب الجحيم

سيربيروس Cerberus في عالم الأساطير الإغريقية هو كلب شرس كابوسي بثلاثة رؤوس مهمته الوحيدة هي الوقوف على بوابة عالم الموتى (العالم السفلي) لمنع الأحياء من الدخول ومنع أرواح الموتى من الخروج، وكان معروف باسم “كلب الجحيم”.

الفنان التجريدي الأمريكي مارك برادفورد استخدم أسطورة سيربيروس كمصدر إلهام لأحد معارضه وللوحة دي تحديدًا علشان يعبر عن الصراع الطبقي\الإقتصادي اللي بيعانيه في محيطه الجغرافي واللي بيترتب عليه صراع متعلق بهويته هو نفسه.

Cerberus (2018), Mark Bradford

برادفورد شايف أن سيربيروس بيعبر عن حالة غضب وصراع لا يهدأ والسبب في ده هو وجوده بين مكانين (الحياة والموت) مع عدم القدرة على الانتماء لأي منهما، وحالة ال in-betweenness دي هي السبب في شراسته وكونه مصدر تهديد.. والحالة دي كتير مننا – كبشر يعني – بيحسها بسبب الحروب أو التغيرات الإقتصادية والإجتماعية، أو حتى بسبب تغير شكل الحياة السريع اللي بيحسسنا أننا لا عارفين نتنمي لثقافة معينة ولا حقبة معينة ولا أي حاجة معينة.

في رأيي كل جزء في اللوحة لو اتشاف من قريب فعلاً بيعبر عن الصراع ده من خلال عنف الخطوط وتداخل الألوان، بس كل ما بعدنا عن اللوحة وشوفنها ككل هنلاقي أن فيها من الجمال اللي يخليها متجانسة، وكأن حالة عدم الانتماء أو البين-بين دي ضرورة علشان نوصل لنوع من التآلف على مستوى أوسع وأبعد..

وفي النهاية سيربيروس كان الكائن الوحيد اللي بيقدر برؤوسه يبص في اتجاهات مختلفة في نفس اللحظة وبيشوف الحياة والموت في نفس الوقت.

لوحة: ينبوع أريثيوزا

Arethusa “The Waterer” ― Ian Palmer

اللوحة التجريدية دي مستوحاة من أسطورة من الأساطير اليونانية عن حورية البحر أريثيوزا Arethusa وإله البحر ألفيوس Alpheus..

في يوم من الأيام الحورية أريثيوزا راحت تستحمى عند نهر ألفيوس وإله النهر اللي بيحمل نفس الاسم أُعجب بيها وحاول يطاردها لكن أريثيوزا هربت منه وفضلت تجري وتتوسل للربة أرتيميس Artemis إنها تحميها منه.. أرتيميس استجابت لأريثيوزا وحولتها لمياه (خطة في منتهى الذكاء!) وحفرت في الأرض مجرى جوفي تحت البحر علشان أريثيوزا تقدر تهرب منه بصورتها السائلة وألفيوس مايشوفهاش خالص..

أريثيوزا جريت في الممر الجوفي ده وطلعت على سطح الأرض في صورة ينبوع اتسمى على اسمها ولسه موجود ليومنا هذا في مدينة سرقوسة Siracusa في صقلية، إيطاليا.

نرجع للأسطورة.. المهم بقى أن بعد ما أريثيوزا اتحولت لمياه جوفية يُقال إن ألفيوس نزل وراها بصورته النهرية ومشي في نفس المجرى المائي ده لحد ما وصل للينبوع اللي كونته أريثيوزا واختلط ماؤه بمائها ويٌقال إن هو اللي لسه بيمد ينبوع أريثيوزا بالماء.

فيه ناس بتزور الينبوع ده وبتشوف قصته دليل على الحب الأبدي اللي مهما اتغيرت صورته بيفضل موجود.. بس الحقيقة الأسطورة حزينة جدًا مش بس علشان أريثيوزا اتحولت لبركة مياه للأبد علشان إله قرر يحبها بالعافية، ولكن علشان أريثيوزا اتحولت لنفس الشيء اللي كانت بتحاول جاهدة تهرب منه.

وده يفسر لنا شوية نظرة إيان بالمر المُقبضة للأسطورة في لوحته التجريدية اللي فوق.. هل تحت ظاهرنا الهادئ العاقل بنخفي قبح الأذى اللي اعتقدنا أننا هربنا منه واللي كل يوم بنكتشف أنه بيشغل جزء كبير من وجودنا؟ هل بالتدريج بنصبح من\ما أساء إلينا؟

نظرية العوالم الممكنة

في الفلسفة اليونانية القديمة كانوا بيؤمنوا أن احنا عايشين في نسخة غير مكتملة من العالم الحقيقي True World وعلشان كده دايما بيلازمنا شعور بالنقصان وأن كل حاجة بنختبرها أو بنستخدمها غير مكتملة.. المتدينين من الفلاسفة كانوا شايفين أن العالم الحقيقي اللي هنشعر فيه بالاكتمال ده هو الحياة بعد الموت، وغيرهم كانوا شايفين أن العالم الحقيقي لا يمكن الوصول إليه أصلاً واحنا عايشين في نسخة من النسخ الكتير اللي شبهه. أيا كان، مش هنقدر نختلف أن الشعور بالنقص ده هو السبب في تطور الجنس البشري وبيمثل دافع من دوافع الحياة.

في القرن العشرين بقى جيه فيلسوف أمريكي اسمه ديفيد لويس David Lewis قال مفيش حاجة اسمها عالم واحد حقيقي، الكون بيتكون من عدد لا نهائي من العوالم الممكنة واحنا عايشين في واحد منهم.. كل العوالم دي “ممكنة” بس برضه كلها “حقيقية”. يعني إيه الكلام ده؟ لويس بيقول أن موضوع عالمنا ده هو الواقع ولا لأ بيعتمد على وجهة النظر اللي بنشوف منها العالم..

David Lewis

يعني مثلاً لو افترضنا أن فيه واحد اسمه عليوة وبيشتغل سواق أتوبيس، عيلوة كان حلم حياته يشتغل محاسب بس ماعرفش.. فبالنسبة لـ”عليوة سواق الأتوبيس” العالم اللي هو شغال فيه سواق أتوبيس ده العالم الواقعي والعالم اللي بيشتغل فيه محاسب ده العالم الممكن، في حين ان بالنسبة لـ”عليوة المحاسب” العالم اللي شغال فيه محاسب ده العالم الواقعي والعالم اللي شغال فيه سواق أتوبيس ده عالم ممكن. العالمين حقيقيين وممكنين ولكن صفة الواقعية بتُنسب اعتمادًا على وجهة النظر مش كصفة متأصلة فيهم.

النظرية دي اسمها الواقعية الشكلية Modal Realism واللي لويس كان من روادها. النظرية مش فلسفية بحتة ولكن ليها جذور في علم المنطق واللغة والأدب. النظرية مهمة في علم اللغويات لأن من غيرها مش هنفهم فكرة الـ modality. يعني مثلاً لو قولت “مبروكة ممكن تكون ركبت المترو” الجملة دي بشكل لا واعي بتخلق داخل دماغ المتلقي عالم مبروكة ركبت فيه المترو وعالم آخر مبروكة ركبت فيه تاكسي وعالم تالت مبروكة ركبت فيه أتوبيس وعالم رابع مبروكة مشيت على رجليها.. إلخ، كل العوالم دي ممكنة وبتتواجد داخل دماغ المتلقي في نفس الوقت. ودي بالظبط الحالة بتاعت وجودنا في الكون زي ما لويس ما بيقول.. كوننا موجودين في احتمال من الاحتمالات دي ومقيدين بيه لا ينفي وجود الاحتمالات التانية.

من وجهة نظر أدبية، فعل الكتابة نفسه أو خلق قصة\نص قائم على نظرية العوالم الممكنة دي Possible Worlds Theory. الفيلسوف والكاتب الإيطالي الشهير اومبرتو إكو Umberto Eco بيقول إن بمجرد ما القصة بتتخلق، بيُخلق معاها ثلاثة أنواع من العوالم الممكنة: 1) النوع الأول هو العالم الممكن اللي خلقه الكاتب واللي الشخصيات عايشة فيه. 2) النوع التاني هو كل العوالم الممكنة اللي الشخصيات فاكرة إنها عايشة فيها. 3) النوع التالت هو كل العوالم الممكنة اللي بيتخيلها القارئ وهو بيتلقى القصة وبميلأ من خلالها الفراغات.

Umberto Eco

لو أخدنا قصة “ذات الرداء الأحمر” كمثال كلنا عارفينه: العالم الممكن الأول هو اللي خلقه مؤلف القصة داخل دماغه واللي فيه الذئب بيتكلم وبيفكر وبيروح يتنكر كجدة البنت الصغيرة وده العالم اللي عايش فيه الشخصيات وبالنسبة لهم هو ده الواقع. النوع التاني من العوالم الممكنة موجود داخل دماغ الشخصيات ومن وجهة نظرهم.. يعني بالنسبة للبنت الصغير العالم الممكن ده جدتها فيه بُقها كبير وعندها شعر في وشها وعلى إيديها، وده العالم اللي البنت قررت تختاره وتصدقه وأصبح الواقع بالنسبة لها. أما النوع التالت فبيتمثل في رؤيتنا للي بيحصل كقراء.. كل واحد فينا هيتخيل البنت بشكل والذئب بشكل والبيت بشكل وكل واحد فينا هيتخيل اللي حصل وماتكتبش في القصة بشكل مختلف وبالتالي هيبني عليه تفسيره.. كل دي عوالم ممكنة موجودة داخل العالم الممكن بتاع القصة، ونرجع لكلام لويس تاني أن مفيش عالم منهم حقيقي أكتر من التاني.. كلهم حقيقيين ولكن واقعيتهم بتختلف باختلاف وجهة النظر.

ده معناه أن احنا ممكن نكون شخصيات داخل قصة ذات عالم ممكن (من تأليف الإله أو الكون أيا كان بتؤمن بإيه) واحنا عايشين في واحد بس من العوالم الممكنة اللي خلقها\بيخلقها\هيخلقها المؤلف وشايفين إن عالمنا ده هو العالم الحقيقي الوحيد في حين أن فيه عوالم تانية ممكنة مش بس خارج نطاق إدراكنا ولكن داخل دماغ كل واحد فينا واللي على أساسها بيشوف بيها الآخرين والواقع بتاعه.

بالرغم من أن الكلام عن نظرية العوالم الممكنة عادًة لا يخرج عن نطاق المنطق واللغويات والأدب إلا أن فيه ناس بتاخدها بشكل حرفي، بسبب كلام لويس وبسبب النظريات الفيزيائية المحتملة عن الأكوان المتعددة Multiverse، وده أدى للكلام عن ظواهر ميتافيزيقية زي تأثير مانديلا اللي اتكلمنا عنه قبل كده.

ده بحث أكاديمي لطيف جدًا للي حابب يقرأ أكتر عن الموضوع من ناحية أدبية لغوية:

“Possible Worlds in Recent Literary Theory” by Marie-Laure Ryan

ربات الانتقام

الثلاث كائنات اللي في الصورة واللي قابلهم دانتي وفيرجل قبل دخولهم دائرة الجحيم السادسة هم المعروفين في الأساطير الإغريقية بال Erinyes أو ال Furies أو ربات الانتقام..

Virgil Pointing out the Erinyes to Dante (1861), Gustave Doré [Dante’s Divine Comedy]

ربات الانتقام عادة ما بيتم تصويرهم كثلاث نساء (أو أكثر) بأجنحة ضخمة ورؤوسهم وأجسامهم محاطة بالثعابين. أليكتو وماجيرا وتيسيفوني -كما أُطلق عليهم- كان الهدف من وجودهم هو الانتقام من مرتكبي الجرائم الكبيرة الخاصة بصلات الدم أو الآلهة مثل قتل الأم\الأب\الابن ونقض العهد ومعاداة الآلهة.

وكان عقابهم هو تعذيب المجرم (أو المجرمين لأن أحيانًا عقابهم كان بيحل بمدن بأكملها) واصابته بالمرض والجنون. واحدة من الروايات بترجع أصل وجودهم لحادثة انتقام كرونوس – أبو زيوس – من والده أورانوس وأنهم اتولدوا من دم أورانوس بعد إخصاء كرونوس له وإقصائه.. وده بيفسر ليه هم بيلحقوا الأذى واللعنات بمرتكبي جرائم الدم ونقض العهد. وبرغم تصوير ربات الانتقام كأدوات للثأر الغاشم الأعمى إلا أنهم برضه بيتشافوا كأدوات لتحقيق التوازن الطبيعي.

ومن المثير للاهتمام أن في المعالجات الأدبية اللاحقة للأسطورة كان أحيانًا بيطلق عليهم The Kindly Ones.

ربات القَدَر

Moirae (2018), Bruce Dean

اللوحة دي بتصور المويراي أو ربات القَدَر في الأساطير الإغريقية واللي كان عددهم ثلاثة وكل واحدة فيهم بتمثل جزء قدري من حياة كل إنسان من وقت ولادته حتى وفاته..

الربة الأولى كلوثو Klotho ومعناها باليونانية “التي تنسج” ودي كانت مسئولة عن الولادة وبداية حياة الشخص، الربة الثانية لاهيسيس Lakhesis “التي تخصص” كانت مسئولة عن مد خيط حياة الشخص ورسم شكله، أما الثالثة أتروبوس Atropos “التي لا تتزعزع” كانت هي اللي بتقص الخيط ده وطبعا بتمثل الموت.

معظم لوحات المويراي بتصورهم كثلاث نساء شمطاوات ممسكات بخيط (واحدة بتنسج والتانية بتشد والتالتة بتقص).. اللي عجبني في اللوحة دي أنها أضافت عليهم لمحة من القدسية والغموض. وإخفاء وجوههن وما هن عاكفات عليه مناسب أكتر لمعرفة الإنسان شبه المعدومة بقدره وفكرته عن الولادة والحياة والموت.

هيكاتي والثلاثيات

النهاردة هنتكلم عن الربّة الإغريقية هيكاتي Hekate وأشياء أخرى..
هيكاتي من الآلهة اللي كانت عبادتهم منتشرة بين عموم الإغريق وده لأنها مسئولة عن حاجات كتيرة هنتكلم عليها دلوقتي وبالتالي بتلبي احتياجات مختلفة، وبسبب شموليتها الكثير من علماء الأساطير ربطوا بينها وبين آلهة من حضارات مختلفة سابقة ولاحقة.

هيكاتي كانت دايمًا بتُصور على شكل امرأة بثلاثة رؤوس أو – الشكل الأكثر شيوعًا – ثلاث نساء واقفين في ضهر بعض على شكل مثلث. هيكاتي كانت إلهة شاملة لأنها كانت مسئولة عن جوانب مختلفة ومتناقضة من الحياة زي الخصوبة والولادة والجمال والحكمة وفي نفس الوقت السحر والشعوذة والموت، وعلشان كده كانت تُسمى بإلهة مفترق الطرق لوقوفها كوسيط بين الحياة والموت والإعمار والدمار والحكمة والسحر.

طيب ليه تلاتة؟ ليه معظم الرسومات والأساطير اللي بتصور هيكاتي بتصورها على إنها ثلاث نساء في بعض؟ هل التعددية دي دليل على شموليتها وقدرتها على الـ multi-tasking ولا ده ممكن يكون له مدلول آخر؟

فيه نظرية من النظريات بتقول إن هيكاتي بتعكس الجوانب الأساسية في شخصية المرأة: الخصوبة\البراءة والحب\الشهوة والموت\الحكمة. الكاتب البريطاني روبرت جريفز Robert Graves هو أول من لفت انتباهنا إلى الثلاثية دي في كتابه الشهير The White Goddess (1948) واللي بيتناول فيه العديد من الأساطير والحكايات الشعبية الأوروبية لإثبات تشابه صورة الرّبّة في الحضارات والأديان الأوروبية وأن الصورة دي بتعكس رؤيتنا للمرأة بمراحلها الثلاثة:
1- الخصوبة (المرأة بتتولد وبتولد، كفتاة بترمز للبراءة وكأم بترمز للحماية)

2- الحب (المرأة بترتبط هنا بالتزاوج والشهوة)

3- الحكمة (المرأة بتتقدم في العمر وبتمتلك الخبرة والحكمة ولكن أيضًا بتقترب من الموت)

طبعًا مع انتشار الفكرة في الأدب والفنون أصبحت الثلاثية الشهيرة دي المسماة أحيانًا بالـ Mother-Maiden-Crone مبالغ فيها شوية فمثلاً هنلاقي مرحلة الحكمة قلبت على جو الساحرات الشريرات الشمطاوات في حين أنها أصلاً بترمز للقوة المعرفية والحكمة.

كتاب جريفز حقق شهرة واسعة ولكنه أتعرض لهجوم نقدي كبير نتيجة لترويجه أفكار مجحفة بالمرأة وتأكيده للنظرة الذكورية اللي بتصنف المرأة حسب رؤية الرجل لها، الست بالنسبة للرجل يا أم\فتاة بريئة حنونة يا امرأة لعوب تثير غرائزه يا واحدة عجوز حيزبونة. الفكرة أن الموضوع اللي عرضه جريفز في الكتاب مش جديد وهو مجرد إعادة تدوير لأفكار موجودة من قبل كده سواء اتفقنا أو اختلفنا معها.

جان توروب Jan Toorop مثلاً رسم لوحة سنة 1893 اسمها “The Three Brides” بيصور فيها المرأة بمراحلها الثلاثة السالف ذكرها: في أقصى اليسار امرأة تشبه السيدة العذراء كرمز للبراءة والخصوبة والأمومة، في المنتصف امرأة شبه عارية كرمز للرغبة الجنسية والشهوة وفي أقصى اليمين امرأة شعرها أبيض تبدو عليها القوة وحوالين رقبتها جماجم صغيرة كرمز للموت أو للسحر. النرويجي إدفارد مونك Edvard Munch برضه ليه لوحة شهيرة اسمها “The Dance of Life” (1899) بيصور فيها الثلاثية دي لكن بشكل مختلف شوية: على الشمال هنلاقي امرأة لابسة أبيض وبجانبها تنبت الأزهار، في المنتصف امرأة لابسة أحمر ناري وبترقص مع رجل، وعلى اليمين امرأة لابسة اللون الأسود. طبعًا مدلولات الألوان واضحة وضوح الشمس. اللي لفت انتباهي أكتر هو الفرق بين تصوير توروب ومونك للمرحلة الأخيرة.. الأول صورها كلها قوة وتمكن (وشر؟) والثاني صورها كشخص هزيل حزين تنظر للمراحل السابقة ويبدو عليها الهم. خلينا نسيب الفرق بين اللوحتين ده هنا وهنبقى نرجع له تاني.

The Three Brides (1893)
The Dance of Life (1899)

طبعًا نظرية ربط هيكاتي بمراحل المرأة وصورتها في الوعي الجمعي الذكوري ده جميل وكل حاجة بس في رأيي أننا ممكن نوسع رؤيتنا أكتر من كده ونشوف الموضوع من وجهة نظر تانية.

ممكن نطلع من المزنق الجندري ده ونلاحظ أن فكرة الثلاثيات مش مرتبطة بالمرأة بس.. الكائنات الحية بتعيش في واحد من ثلاثة أماكن: يا على الأرض يا في المياه يا في الهوا، الإغريق شافوا الحياة على ثلاثة مستويات: جبل الأوليمب، الأرض، عالم الموتى، المسرحيات زمان ومعظم القصص والأفلام دلوقتي بتتقسم على ثلاثة أجزاء، التصوير فيه حاجة اسمها قاعدة الثلاث، وغيرها كتير أمثلة بتقول لنا إن الإنسان من قديم الأزل وهو بيحب يقسم كل حاجة لثلاثة أجزاء أو بيشوف من كل حاجة ثلاثة جوانب، وده ينطبق عليه هو ذات نفسه كمان.

أفلاطون Plato مثلاً، يجي من 24 قرن فاتوا كده، قسم وجدان الإنسان لثلاثة أجزاء:

العقل Logistikon: وده الجزء العقلاني من الوجدان بتاعنا المسئول عن التفكير المنطقي الواقعي، والجزء المقابل له في جسمنا هو طبعًا المخ.

العاطفة Thymoeides: وده الجزء العاطفي من الوجدان والمسئول عن المشاعر، والجزء المقابل له في جسمنا هو القلب.

الغريزة Epithymetikon: وده الجزء الشهواني المسئول عن الغرائز، والجزء المقابل له في جسمنا منطقة البطن والأعضاء التناسلية.

تقسيمة أفلاطون الثلاثية للوجدان دي مابتفكركوش بحاجة؟ الحقيقة إنها شبه تقسيمة فرويد Freud الشهيرة للنفس جدًا. فرويد قسم نفس الإنسان برضه لثلاثة أجزاء: الأنا Ego والأنا العليا Super-ego والهو Id، الأنا العليا والهو في صراع دائم لأن الأولى تريد تحقيق المثالية والثانية تريد تحقيق الغرائز والأنا هي اللي بتحاول تتحقق التوازن بين الاتنين بما يخدم واقع الفرد.

العقل عند أفلاطون هو شبيه الأنا عند فرويد، والعاطفة عند أفلاطون شبيهة الأنا العليا عند فرويد (ناخد بالنا إن أفلاطون كان معتمد على فكرة “المشاعر” القوية على أنها شيء نبيل إن لم تستخدم لخدمة الغرائز طبعًا، في حين فرويد استبدلها بالمُثل العليا والأنظمة الأخلاقية)، والغريزة عند أفلاطون شبيهة الهو عند فرويد. في النهاية، نموذج أفلاطون ونموذج فرويد الهدف منهم مساعدتنا على فهم نفسنا أكتر ومحاولة السيطرة على الصراع القائم بين أجزائها.

نرجع بقى لهيكاتي ونشوف علاقتها إيه بالرغي ده كله.

هيكاتي بأوجهها الثلاثة قد تكون رمز للوجدان البشري بأقسامه اللي أشار إليهم أفلاطون ومن بعده فرويد.. نرجع تاني كده للمراحل اللي قال عليها جريفز في كتابه: مرحلة الخصوبة والبراءة والحماية والمشاعر القوية هي المعادل للعاطفة عند أفلاطون والأنا العليا عند فرويد، ده الجزء المثالي من النفس اللي بيمجد الطهر والعواطف والأخلاق النبيلة.. مرحلة الحب والشهوة هي المعادل للغريزة عند أفلاطون والهو عند فرويد، ده الجزء من النفس اللي بيجري ورا الغرائز والشهوات دون أي اعتبارات أخرى.. وأخيرًا مرحلة الخبرة والحكمة هي المعادل للعقل عن أفلاطون والأنا عند فرويد، وده الجزء من النفس اللي بيتبع التفكير العلاقني وبيوازن الأمور وبيستفيد من الخبرات السابقة.

وده معناه أن هيكاتي مش بس رمز للمرأة بمراحلها المختلفة، ولكن هي رمز لوجدان الإنسان سواء رجل أو امرأة. علشان كده هيكاتي ربة المتناقضات زي الخصوبة والحياة والحكمة والسحر والإعمار والدمار لأن النفس البشرية هي نفسها بؤرة متناقضات.

نرجع بقى للوحات توروب ومونك.. ممكن جدًا يكون قصد الفنانين هو أجزاء النفس مش مراحل المرأة زي ما قولنا في الأول: (1) المشاعر\المثل العليا و(2) الشهوة وأخيرًا (3) العقلانية\الحكمة. لاحظنا أن كان فيه فرق بين تصوير توروب ومونك لمرحلة الحكمة (الأنا\العقل).. توروب صورها كامرأة قوية شعرها أبيض فيها خبث في حين أن مونك صورها كامرأة هزيلة حزينة. الأخلاق والغرائز بتعتبر أجزاء شبه ثابتة في كل إنسان على اختلاف نوعها طبعًا، اللي بيفرق نفس عن أخرى هي قدرتها على الموازنة بين الغرائز والعواطف\الأخلاق المثلى وده الإنسان مابيعرفش يعمله إلا بعد مرور الوقت والخبرات اللي بتمكنه من اكتساب القدرة دي وتحقيقها. إهمال الغرائز والأخلاق تمامًا والاهتمام الزائد بالأنا قد يؤدي إلى حالة من الهوس بالذات وفقدان التعاطف مع الآخرين ومن هنا جائت فكرة الـ crone الشريرة (وعلشان كده برضه الشخص الأناني بيتسمى egotistical)، وعلى النقيض بقى الاستسلام التام للغرائز أو الأخلاق بيؤدي لشخصية باهتة هزيلة.

هيكاتي هي ربة مفترق الطرق لأنها بتوضح لنا أن الإنسان ذا النفس السليمة هو القادر على الوقوف بين أجزاء وجدانه الثلاثة دون الانحياز لأي منهم. فيه تماثيل كتيرة لهيكاتي كانوا بيصوروها وهي ماسكة في إيديها مصباح ومفتاح وده لاعتقاد القدماء أن عندها القدرة على إرشاد الأرواح لعالم الأحياء والعكس. قد تكون القدرة الميتافزيقية دي هي إشارة لجوانب نفسنا اللي هنفضل طول عمرنا نكتشفها ونفتح أبوابها.

زيوس ونموذج المحتال

موضوع النهاردة طويل شوية وده علشان هنحكي ثلاث أساطير بيربطهم ببعض عناصر كتير، أول وأهم عنصر فيهم، اللي كاسفنا في الأساطير الإغريقية والأساطير المجاورة، كبير الآلهة زيوس Zeus..

الأسطورة الأولى بتحكي إن في يوم من الأيام الأميرة الإسبرطية بارعة الجمال ليدا Leda راحت تستحمى، وهي بتستحمى شافت بجعة جميلة جدًا بتهرب من أحد الطيور الجارحة وراحت البجعة دي مرمية في حضن ليدا ومارست الجنس معاها. الأعجب بقى من إن بجعة تمارس الجنس مع إنسانة هو إن الروايات اختلفت في الحتة دي تحديدًا.. اللي يقول البجعة اغتصبتها، واللي يقول البجعة أغوتها، واللي يقول مارست الجنس مع البجعة برضاها. ما علينا من الخبل ده، المهم إن البجعة زي ما احنا عارفين هي زيوس اللي قرر يتنكر بالشكل ده لأن عينه كانت من ليدا الجميلة.

الأسطورة التانية بتحكى إن في يوم من الأيام الأميرة الفينيقية بارعة الجمال أوروبا Europa راحت برضه تستحمى، وهي بتستحمى وبتلعب في الحديقة وبتلم الأزهار مع وصيفاتها – والهبل اللي بيعملوه في الأساطير ده – شافت ثور أبيض جميل جدًا. هي وصاحبتها اقتربوا بحذر من الثور وقعدوا يلعبوا معاه لحد ما أوروبا قررت إنها تجرب، لا مؤاخذة، تركبه. أول ما أوروبا ركبت الثور خطفها وجري بيها على جزيرة كريت وعمل عملته السودا هناك. أوروبا فضلت عايشة كعشيقة لزيوس على الجزيرة لفترة وخلفت منه أولاد كمان.

الأسطورة التالتة بتحكي إن في يوم من الأيام الأمير الطروادي بارع الجمال جانيميد Ganymede كان ماشي في حاله كده وفجأة ظهر قدامه نسر عملاق خطفه وطار بيه على جبل الأوليمب. زيوس كان برضه عينه من جانيميد لأنه كان شديد الوسامة والبعيد – زيوس – مابيعتقش ما شاء الله. المهم يعني تختلف الروايات هنا ما بين اختطاف بس أو اختطاف واغتصاب، ولكن الأكيد إن هيرا كانت بتغير جدًا من جانيميد خصوصًا بعد ما بقى عايش معاهم في جبل الأوليمب كساقي للآلهة cup-bearer.

الثلاث أساطير زي ما قولنا فيهم عناصر كتير متشابهة أولاً فكرة اختطاف\اغتصاب زيوس لليدا وأوروبا وجانيميد. ثانيًا الأساطير الثلاث ارتبطوا ببعض المجموعات النجمية.. يعني مثلاً ليدا باضت – ايوه باضت – من البجعة\زيوس بيضتين، بيضة منهم فقست عن التوأمين كاستور وبولوكس Castor and Pollux اللي المجموعة النجمية الجوزاء Gemini – تعني التوأمان باللاتينية – سُمّيت تيمنًا بهما، وهنبقي نحكي قصتهم بعدين. برضه يُقال إن المجموعة النجمية الثور Taurus سُمّيت كده لتخليد حادثة تنكر زيوس واختطافه لأوروبا في هيئة ثور. أما جانيميد فمن كتر حب زيوس فيه أهداه المجموعة النجمية المعروفة حاليًا بالدلو Aquarius ومعناها باللاتينية “حامل الماء” وده كان دور جانيميد في جبل الأوليمب.

نرجع بقى لموضوع الاختطاف\الاغتصاب المشترك في الثلاث قصص. ليه دايمًا كل القصص اللي فيها زيوس لازم يبقى فيها اغتصاب؟ إله إيه المُهزأ اللي ماشي يغتصب يمين وشمال ده؟ بيغتصب آلهة، حوريات، بشر، أي حاجة. ليه أصلاً الأساطير كانت مليئة بقصص الاغتصاب والخيانة؟ السبب الأبسط والأوضح هو إن، منذ بدء الخليقة ولحد دلوقتي، الجنس بيشد وبيخلي الحدوتة أكثر تشويقًا وبالتالي جمهورها يكتر وسرعة انتشارها تزيد. السبب التاني هو إن الاغتصاب الهدف منه مش المتعة الجنسية على قد ما هو عرض قوة وإثبات سيطرة وعلشان كده للأسف ده اللي بيحصل في السجون والحروب، وبما إن زيوس هو كبير الآلهة فطبيعي إن ممارسة الجنس مع أي كائن حي أو مش حي، بإرادته أو غصب عنه، هو نوع من الهيمنة وفرض السيطرة، وده يفكرنا بالمقولة الشهيرة “كل شيء في هذا العالم يدور حول الجنس، إلا الجنس فهو مسألة سلطة.” مش عايزين ندخل في حفرة الدراسات الجندرية والأبعاد السياسية والإجتماعية للموضوع، بس طبعًا الموضوع واضح.

اللي يهمني نقطة كمان مشتركة بين الأساطير الثلاث وهي فكرة تحول زيوس لحيوان أو طائر من أجل تحقيق غرضه. السؤال هنا ليه زيوس أتحول لبجعة وثور ونسر؟ الإجابة الأوضح هي إن زيوس ماينفعش يظهر بهيئته الإلهية أمام البشر (فاكرين اللي حصل لسيميلي أم ديونيسيوس؟)، طيب ليه ما ظهرش بصورة بشر عادي زي ما كان بيعمل أحيانًا؟ ليه جو عالم الحيوان ده؟ الفكرة إن مش بس دي الأساطير اللي فيها تحول.. من قديم الأزل والأساطير من كل مكان في الدنيا فيها بشر وآلهة بيتحولوا لعناكب وكلاب وخفافيش وذئاب.. إلخ، حتى القصص الشعبية وحواديت الأطفال الأبطال فيها بيتحولوا لوحوش وبط وضفادع، حتى في العصر الحديث عندنا وولفرين والرجل النملة والرجل العنكبوت وغيرهم من عائلة مارفل ودي سي. القدرة على التحول فكرة مسيطرة على العقل البشري من زمان، البعض شافها على إنها هبة بتحول الشخص لصاحب قدرات خارقة وهنا الإنسانية بتتشاف على إنها مرتبة من الوجود محدودة والتحول ده بيزيد من إمكانياتها، في حين إن البعض الآخر بيشوفها على إنا نقمة وتعتبر نزول عن درجة الإنسانية اللي في الحالة دي بتُعتبر من أسمى درجات الوجود.

في حالة زيوس ممكن نعتبر إنه تحوله لحيوان\طائر نوع من السمو والتدني.. الاتنين مع بعض. سمو لأن من منظور برجماتي قدر يحقق هدف مايقدرش يحققه بصورته الإلهية، وتندي لأن الهدف في حد ذاته زفت على دماغه.

بس نرجع ونسأل نفسنا، هل اللي عمله زيوس ده تحول ولا تنكر؟ وإيه الفرق بين الاتنين أصلاً؟ التحول، غالبًا، بيبقى مفروض على الشخص أو جزء من طبيعته كنقمة أو نعمة.. يعني ممكن يكون واحد أغضب الآلهة فحولوه لخنفسة، أو بسبب تعويذة سحرية أتحول لوحش زي “الجميلة والوحش” و”الأميرة والضفدع”، وممكن برضه التحول يكون نعمة زي تحول بيتر باركر للرجل العنكبوت وإنه بالتحول ده بيقدر يكتشف البطل اللي جواه وبيساعد غيره وإلى أخره. أما التنكر بقى فهو، غالبًا، بيكون تحول الشخص بإرادته لصورة معينة هي ليست جزء من طبيعته من أجل تحقيق أغراض معينة. طبعًا أحيانًا الخطوط بتتلاقى بين التحول والتنكر، لكن حالة زيوس، في رأيي، تميل أكثر للتنكر.

من منظور نفسي فكرة التنكر مرتبطة بشكل كبير بنموذج المحتال The Trickster Archetype. زي ما قولنا قبل كده، النماذج الأولية دي مفهوم طرحه كارل يونج Carl Jung وقال إنها الأنماط اللي بتشكل الوعي الجمعي الإنساني، أو بمعنى آخر هي جوانب مختلفة من وجدان كل فرد فينا توارثناها عبر العصور، فيه طبعًا جوانب بتبقى أقوى من جوانب أخرى لكن كلها موجودة فينا بشكل أو بآخر. والمعروف إن يونج وعلماء النفس من بعده استخدموا الأساطير والأدب للاستدلال على النماذج الأولية لأن الأساطير والأعمال الأدبية مليئة بشخصيات نمطية ممكن تعبر عن النماذج دي بشكل مجازي.

إيه بقى نموذج المحتال أو المخادع ده؟ المحتال هو جانب من الشخصية معروف عنه التناقض وميله لكسر القوانين والخلط بين الأخلاقي واللاأخلاقي، وبيعمل ده عن طريق استخدام أساليب الحيلة والخداع والتنكر. بس على الرغم من كل ده، نموذج المحتال لا يُمثل الشر المطلق، لأن هدفه مش تحقيق الشر وإنما إزالة الحدود بين الخير والشر وإدخال الشك على أي مُسلمات في الكون. وعلشان كده نموذج المحتال في الأساطير والأدب مش كريه تمامًا وإنما بيبقى غالبًا مُهرج فيه ذكاء وشقاوة وعبث وأفعاله على قد ما بتثير التحفظ والغضب أحيانًا كتير بتثير الإعجاب برضه. مثال شهير على نموذج المحتال هو شخصية “القناع” The Mask في الفيلم الشهير اللي بيحمل نفس الاسم. اللي شاف فيكم الفيلم هيعرف إنها شخصية مهرجة مضحكة وذكية جدًا بس أفعالها كلها عبثية بتثير الشغب لمجرد إثارة الشغب وخلاص، وهتلاقي نفسك بتحبه وتكرهه في نفس الوقت. في الفيلم المفروض القناع اللي بيلبسه البطل ده أصلاً بيعكس شخصية الإله لوكي Loki من الميثولوجيا النوردية، ولوكي نفسي هو أشهر مثال على نموذج المحتال في عالم الأساطير.

كلنا فينا نموذج المحتال ده.. طبعًا فيه ناس النموذج ده بيطغى فيها على النماذج الأخرى، بس كلنا فينا الجانب العبثي اللي عايز يكسر القواعد والقوانين لمجرد كسرها ويسخر من المعايير اللي بيضعها الآخرون للتفرقة بين الخير والشر.

يونج بقى بيقول لنا على الرغم من إن نموذج المحتال ده بيتشاف كنموذج بغيض إلا أنه ضروري للحفاظ على التوازن في النفس البشرية أو الوعي الجمعي ككل، وأنه نواة تحقق الـ Enantiodromia أو ظاهرة التغيير الضدي. ظاهر التغيير الضدي مفهوم أتكلم عنه يونج في كتاباته وقال إن الإنسان لما بيفضل منهمك في حالة معينة أو فارض على نفسه شعور معين لفترة طويلة لازم العقل اللاواعي يخلق حالة\شعور مضاد بتبدأ تظهر وتأثر على العقل الواعي لتحقيق التوازن في وجدان الشخص. هدّي مثال تافه وبسيط جدًا: ليه ما بتظهرش عندك الرغبة في إنك ترجع للرسم أو للكتابة تاني غير وأنت مزنوق ومتكربس وعندك مذاكرة وامتحانات؟ أو العكس، ليه وأنت رايق وفي إجازة وقاعد فاضي طول اليوم مابتحسش إنك عايز لا تقرأ ولا تكتب ولا أي حاجة؟ السبب في ده هو إن العقل اللاواعي بشكل أوتوماتيكي بيخلق تيار مضاد للحالة المسيطرة علينا وبتظهر في صورة رغبات أو نزعات أو أحلام. من قريب كنت بتفرج على فيلم The Road (2009) والأب قال لابنه حاجة لفتت انتباهي جدًا.. قال له لما تحلم بكوابيس تعرف إن حياتك كويسة ولسه بتعافر، لكن اللي يقلق فعلاً لما تبقى كل أحلامك حلوة. نتفق أو نتختلف مع الكلام ده، لكنه بشكل ما بيعبر عن فكرة التغيير الضدي اللي قال عليها يونج.

الهدف من الموضوع ده كله هو تحقيق التوازن ومزج طرفي الثنائيات، وهو ده اللي بيسعى إليه نموذج المحتال حتى لو بطرق خبيثة وملتوية. في عالم ونظم عقائدية وأخلاقية بتميل للتشدد ووضع خطوط عريضة وحقول ألغام بين الخير والشر والإلهي والبشري بيجي نموذج المحتال يضرب ده كله في الخلاط ويضحك علينا وبالتالي احنا كمان بنكتشف إن مفيش حاجة مطلقة وإن الخير والشر والحق والظلم وكله منفد على بعضه (فكروا كده في شخصية الجوكر ودوافعه).

نرجع بقى لزيوس ونحاول نفكر فيه كمثال لنموذج المحتال. قولنا إن من أشهر صفات النموذج ده استخدام الحيلة والخداع وده كان واضح في محاولاته لقرطسة زوجته هيرا طول الوقت وخداع ضحاياه. كمان النموذج معروف عنه التناقض، وده موجود في زيوس: إله بس رغباته كلها بشرية وضيعة، طيوب وخيّر وعادل في أساطير بس في أساطير تانية ظالم ابن مجنونة، بيلعب دور المغتصب أحيانًا ودور الراعي والأم الحنون في أحيان أخرى (هو كان بمثابة الرحِم لأثينا وديونيسيوس). وفي الأساطير الثلاث بتاعت النهاردة هنلاقي إنه بيستخدم التنكر – العبثي والمثير للضحك أكثر من الخوف – كحيلة لخداع ضحاياه وإقناعهم بممارسة الجنس معاه، وعلى الرغم إنه بيخطفهم إلا إنه في نفس الوقت بيديهم عطايا إلهية زي الهدايا والتكريم والرفع إلى جبل الأوليمب.

كل ده يخلينا نتسأل هل فعلاً هدف الأساطير تصوير إله مش عارف يتحكم في رغباته الجنسية وخلاص، ولّا، في ضوء الهري اللي قعدنا نهري فيه من شوية ده، هو نوع من ترسيخ لنموذج المحتال في الوعي الجمعي وفكرة إزالة الحواجز بين الثنائيات المطلقة من أجل تحقيق التوازن؟ في الثلاث أساطير دي شوفنا إزاي إن صفات بشرية زي الاندفاع والخداع قد يحملها الآلهة وبرضه شوفنا إزاي إن صفات إلهية زي الجمال والطهر والتسامح قد يحملها البشر.

الهدف في النهاية هو إزالة الحواجز وفهم إن كل وجدان هو عالم مكتمل بداخله مكونات الخير والشر.. حقيقة قد نحتاج للقليل من الحيلة والعبث لفهمها.

فيليس تمتطي ظهر أرسطو

Phyllis Riding Aristotle

قصة التمثال ده تعود للقرون الوسطى لقصة مشهورة لكن غير حقيقية تم تداولها عن المفكر أرسطو وعشيقة الإسكندر فيليس..

يُقال إن أرسطو كان دايمًا بيحذر تلميذه الإسكندر من الانسياق ورا عشيقته فيليس وإهمال دروسه لأن وجودها في حياته هيأثر على قراراته وحكمه على الأمور. فيليس سمعت كلام أرسطو عنها وحلفت لتنتقم منه وتخليه عبرة لمن يعتبر. في يوم طلبت من الإسكندر يراقبها من بلكونته وراحت لأرسطو في الحديقة وفردت له شعرها ورفعت فستانها – أغوته يعني – ولما أرسطو مابقاش قادر خلاص فيليس اشترطت عليه إنه لو عايز يقرب منها لازم يمشي على إيده ورجله زي الحمار.

فعلاً أرسطو عمل كده وفيليس ركبت على ضهره وحطت على فمه لجام وخلته يمشيها في الحديقة على مرأى ومسمع من الإسكندر، وفي روايات أخرى فيليس خرجت وهي راكبة أرسطو كده لسوق المدينة علشان الناس كلها تشوف الفيلسوف المحترم بتاعهم وهو مُهزأ.

يُقال إن القصة اتفبركت وانتشرت على يد رجال الدين في القرون الوسطى علشان يبينوا إن شر المرأة وغوايتها للرجل أقوى من أي علم وحكمة وعلشان كده لازم ناخد بالنا منها.. واضح إن رجال الدين عندهم مشكلة مع الستات في كل الأزمنة والعصور.

عرافة كوماي وحلم الخلود

في ظل هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العالم، بدل ما نستسلم للفزع ممكن نسلي نفسنا بممارسة أبسط الأنشطة الإنسانية، ألا وهي – لا مش اللي في دماغكم – حكي الحواديت والانخراط في المشاكل الوجودية والأسئلة الفلسفية.

النهاردة هنتكلم عن عرافة كوماي The Sibyl of Cumae..

اللي قرأ فيكم قصيدة “أرض الخراب” The Waste Land (1922) للشاعر توماس ستيرنز إليوت T. S. Eliot هيفتكر إنه ابتداها باقتباس من الكاتب الروماني بترونيوس Petronius بيقول فيها:

“لقد رأيت بأم عيني عرافة كوماي معلقة في إناء زجاجي، وعندما سألها الأطفال: أيتها العرافة، ماذا تريدين؟.. أجابت: أريد الموت.”

موت إيه وكوماي فين والست دي مين؟! نفرمل هنا شوية ونحكي الحدوتة من أولها.


وفقًا للأسطورة، كان فيه عرافة في مدينة كوماي معروفة بإخلاصها للمعبد وجمالها المبهر – كالعادة يعني! – وده خلى مين بقى يقع في حبها؟ الإله أبولو Apollo. أبولو عرض على العرافة إنه يحقق لها أي أمنية هي عايزاها مقابل إنه ينام معاها (في الروايات المؤدبة من الأسطورة، مقابل إنها تحبه). العرافة قعدت تفكر لحد ما قالت لأبولو “خلاص يا عم هنام معاك بس في المقابل عايزاك تخليني أعيش سنين بعدد حبات الرمل اللي في أيدي دي.” وراحت مسكت حفنة من الرمال في إيديها – كبشت شوية رملة من الأرض يعني – ووريتهم لأبولو. أبولو قال لها “بس كده؟ من عينيا يا ست البنات.” وفعلاً حقق لها أمنيتها. يُقال إن عدد حبات الرمل اللي هي مسكتهم كان ألف فالبتالي عاشت ألف سنة.

أبولو بقى جيه يطالبها بتنفيذ الجزء بتاعها من الصفقة بس العرافة رفضت وقالت له لأ ماينفعش أنا خادمة للمعبد وشرفي وكلام من ده. طبعًا أبولو أتجنن وحس إنه أتقرطس من العرافة لأنها خلفت وعدها له، فقرر ينتقم منها انتقام ملائم لغضب الآلهة.

أبولو ما أخدش منها الحياة شبه الأبدية اللي منحها لها – علشان مايبقش شكله إله عيل برضه – ولكنه فكر إنها في طلبها ماحددتش هي عايزة تعيش الحياة المديدة دي إزاي. فأداها فعلاً الحياة شبة الأبدية ولكن ما أدهاش معاها هبة الشباب، بالتالي العرافة فضلت تكبر تكبر تكبر وجسمها يضعف وعظامها تتهالك من غير ما تموت. جسم العرافة فضل يذبل بالشكل ده لحد ما أصبح كومة من اللحم والعظم.. الناس حطوها في برطمان وعلقوها في شجرة لحد ما عدت الألف سنة وماتت.

عقاب أبولو للعرافة بيفكرنا بعقابه لكاسندرا لو تفتكروا.. كاسندرا برضه وعدته إنها هتنام معاه وبعد ما أخدت منه القدرة على التنبؤ رفضته (تقريبًا أبولو كان إله الفريند زون) وبالتالي لعنها بإنه خلى كل اللي يسمعها مايفهمهاش ولا يصدقها. الاتنين ما أخدش منهم المنح اللي وهبها لهم في الأول، لكن عرف يحول المنح الإلهية دي للعنات.

أول سؤال تبادر لذهني بعد قراءة الأسطورة، ليه ممكن حد يتمنى حياة طويلة أقرب للخلود؟ من جمال الحياة أوي؟

الفيلسوف الإنجليزي برنارد ويليامز Bernard Williams بيحاول يجاوب لنا على السؤال ده في مقاله الشهير “The Makropulos Case: Reflections on the Tedium of Immortality” (1973). ويليامز بيقول إن احنا كجنس بشري مدفوعين بحلم الخلود والحياة المديدة مش حبًا في الحياة على قد ما هو خوف من الموت.. الخوف من المجهول أو من الفناء، إن الذات هتتوقف عن الوجود، إن احنا لسه ماخدناش كفايتنا من الحياة وإن أكيد فيه أكتر.

ويليامز بيقول لنا إن الشعور ده خادع لإن متع الحياة praemia vitae أو خوفنا من الموت بيعتمد بشكل رئيسي على رغباتنا غير المشروطة اللي كل ما زادت هتزيد رغبتنا في الحياة وخوفنا من الموت. هي إيه أصلاً الرغبات غير المشروطة دي؟
ويليامز بيقسم رغبات الإنسان لنوعين: رغبات مشروطة contingent desires ورغبات غير مشروطة categorical desires. الرغبات المشروطة هي الرغبات العابرة اللي بتجيلي طالما أنا عايش لكن مش عايش علشانها، زي مثلاً رغبتي في إني أطلب بيتزا دلوقتي علشان جعان. الرغبة مشروطة بالجوع.. أول ما الجوع يروح، الرغبة مش هتبقى عندي خلاص، وأكيد برضه أنا مش عايش علشان أكل بيتزا دلوقتي. أما الرغبات غير المشروطة فهي الرغبات اللي بعيش علشانها.. اللي بتدي معنى وسبب للاستمرار في الحياة، زي مثلاً إني أبقى أنجح رجل أعمال في المجرة أو إني أربي أولادي كويس.. وهكذا، كل واحد وحسب شخصيته. وليامز بقى بيقول إن الرغبات غير المشروطة دي هي اللي بتزيد تعلقنا بالحياة ونفورنا من الموت.

وعلشان كده عزيزي القارئ الشخص المصاب بالاكتئاب بيبقى غالبًا استنفد رغباته غير المشروطة لسبب أو لآخر وبقى عايش على الرغبات المشروطة العابرة وبالتالي كاره للحياة ومتقبل فكرة الموت.

ويليامز شايف إن الرغبة في الخلود أو العمر المديد فكرة سيئة لأن الإنسان هيجي عليه وقت لازم يستنفد فيه رغباته غير المشروطة، ده غير إنها أصلاً فكرة متناقضة لأن رغبة الإنسان في الخلود بتبقى مدفوعة بالحفاظ على الذات\النفس في حين إن السعي وراء تحقيق الرغبات غير المشروطة مبني على تغيير الذات\النفس. يعني إيه الكلام المكعبل ده؟

يعني الإنسان بطبيعته جواه غريزة الحفاظ على النفس.. جسمًا ووعيًا وكل حاجة، وعلشان كده فكرة الموت مخيفة لمعظمنا. لكن علشان نفضل عايشين ونحب الحياة وبتاع محتاجين نفضل نجري ورا رغبات غير مشروطة، ولكن طبيعة الرغبة غير المشروطة هي – على حسب كلام ويليامز – الهروب من الذات اللي مش هنقدر نواجهها لو مفيش حاجة تلهينا عنها أو توعدنا بتغييرها.. الشخص اللي عايز يبقى أحسن رجل أعمال في المجرة نفسه يبقى شخصيته كذا وكذا وبالتالي بيعمل جاهدًا علشان يوصل لده، الراجل اللي عايز يربي أطفاله كويس برضه عايز يشوف فيهم صفات مش عنده وبالتالي يشوف نفسه شخص أحسن.. وده التناقض اللي في قلب رغبتنا في الحياة: عايزين نعيش علشان نحافظ على ذواتنا اللي إحنا مش طايقينها أصلاً.

في رواية Interview with the Vampire (1976) للكاتبة آن رايس Anne Rice (ايوه هي اللي اتعملت فيلم)  واللي بنصح بقراءتها جدًا لأنها ذات طابع فلسفي نفسي، واحد من مصاصي الدماء وأكبرهم عمرًا، أرماند Armand، بيتكلم بشكل مفصل عن فكرة الخلود وإن أبشع جزء فيها إنه بيضطر يواجه ذاته اللي مابتتغيرش في حين إن كل حاجة حواليه بتتغير، وكأن ذاته – وعيه وذكرياته وأهرماته – هي الحاجة الثابتة الوحيدة في حياته وفي نفس الوقت السجن اللي مش عارف يهرب منه.

إيه علاقة ده كله بالعرافة الغلبانة اللي قاعدة في البرطمان؟

استمرار العرافة في الحياة بلا جسد هو رمز لحياة الإنسان بلا رغبات غير مشروطة، أو ممكن نسميها إلهاءات طويلة المدى. عقاب أبولو للعرافة هو إنها تفضل تواجه نفسها\وعيها بشكل مجرد.. ودي اللعنة الحقيقية اللي ويليامز بيقول لنا عليها، واللي أسوأ مليون مرة من الموت.

طيب، إحنا كده اتكلمنا عن فكرة الخلود أو الحياة الطويلة بشكل حرفي في حين إن الفكرة ليها بعد آخر رمزي. فيه أشخاص بتسعى للخلود بشكل مجازي، يعني تسيب أثر في حياتها وحياة اللي حواليها بحيث الناس تفضل فاكراهم حتى بعد موتهم. هل دي حاجة كويسة ولا لعنة برضه؟

من وجهة نظري، هي فكرة منيلة برضه لأن لو افترضنا إن ذاتك اللي عايز تحافظ عليها دي انتقلت لذكراك – اللي الناس فاكرينك بيه يعني – فأنت فقدت السيطرة عليها لأنها هتبقى عايشة في أدمغة وذكريات ناس تانية هم المتحكمين فيها وهيحطوك بالشكل وفي الشكل اللي شايفينه مناسب لك (مش اللي أنت كنت متخيله خالص).. مهما كانت ذكراك حلوة مسيرك هتتحول لفكرة متيبسة محبوسة في عقول الناس زي العرافة ما كانت محبوسة في البرطمان.

فيه قصة جميلة جدًا اسمها “Metamorphosis” للكاتب الأمريكي دايفد إيجلمان David Eagleman ضمن مجموعته القصصية Sum: Forty Tales from the Afterlives (2009) واللي بيتخيل فيها سيناريوهات مختلفة للي هيحصل بعد ما نموت. السيناريو في القصة دي هو إننا لما نموت هنصحى نلاقي نفسنا في مكان زي صالة الانتظار في المطارات وفيه صوت بينده على أسماء بعينها.. بنكتشف بعد كده إننا بنفضل قاعدين في الصالة طول ما فيه حد على الأرض – في الحياة يعني – فاكرنا وبيتفوه بأسمائنا، وأول ما أخر شخص فاكرنا بيموت بيتنده على اسمنا وبنروح لمكان أحسن بس مانعرفش إيه هو.

الراوي بيحكي إن لما حد بيبقى لسه واصل ويتنده على اسمه بيحس بالحزن علشان كده بيعرف إن محدش هيفتكره على الأرض تاني خلاص، بس بيلاحظ برضه إن فيه مجموعة كبيرة من الناس، أشرار وطيبين، هيتجننوا من طول القعدة في صالة الانتظار دي لأن واضح بقالهم مئات وآلاف السنين.. قاعدين رايحين جايين وبيبكوا وبيتوسلوا للشخص اللي بينده الأسماء إنه ينده أسماءهم ويخلصهم من العذاب ده بس بيرفض ويطلب منهم الانتظار.

القصة قصيرة جدًا بس بديعة في تصويرها لبشاعة فكرة الخلود سواء بالمعنى الحرفي أو المجازي.

العرافة أصبحت حبيسة جسدها المتهاوي كإنسانة ثم أصبحت حبيسة الإناء الزجاجي كفكرة، ويمكن رغبتها في الموت لما الأطفال سألوها عايزة إيه هي أيضًا رغبة في أن تُنسى.

دمتم أحرارًا.. جسدًا وذكرى.