ايكسيون والعجلة الجهنمية

وفقًا للأساطير الإغريقية، ايكسيون Ixion كان زعيم من زعماء منطقة تساليا Thessaly في اليونان. في يوم قرر أنه يتزوج من الأمير الجميلة ديا Dia وفعلاً راح وطلبها من والدها الملك ووعده بتقديم بعض من خيوله المشهورة كمهر لها.

ايكسيون تزوج من ديا وأخدها تعيش معاه في قصره، الملك والد ديا فضل مستني ايكسيون يبعت له المهر المتفق عليه.. يوم واتنين وتلاتة ومفيش حاجة وصلت! الملك قال مابدهاش بقى وبعت مجموعة من رجاله لقصر ايكسيون علشان ياخدوا الخيل المتفق عليه بالعافية، وحصل فعلاً.

ايكسيون استشاط غضبًا أن حد تجرأ وأخد منه حاجة غصب عنه، فراح فكر في خطة انتقامية وعزم حماه الملك عنده في القصر بنية التصالح وإرجاع المياه لمجاريها، والراجل جيه بحسن نية مش مدي خوانة خالص. ايكسيون استقبل الملك وعزمه على وليمة عملاقة وبعدين وهما بيتمشوا في البلكونة راح زقه والراجل وقع على فحم مشتعل كان ايكسيون محضره مسبقًا.

طبعًا كلنا عارفين أن في الحضارة الإغريقية القديمة قتل الضيف كان بيعتبر من الجرائم الكبرى وإهانة للآلهة ذات نفسهم، فالناس لما عرفت بعملة ايكسيون المهببة في حق ضيفه، وحماه، بقوا يعاملوه كمجرم منبوذ وبيشتموه ويحدفوه بالطوب في الشارع لحد ما ساب المدينة خالص وفضل هايم على وجهه زي المجانين.

هنا بقى كبير الآلهة زيوس Zeus قرر يتدخل بعد ما شعر بالشفقة تجاه ايكسيون (محدش يسألني ليه مع أنه كان بيعاقب ناس على حاجات أهبل من كده بمراحل!) ورفع ايكسيون لجبل الأوليمب علشان يقعد في النعيم مع الآلهة شوية يفك عن نفسه ويتبسط كده. المهم، ايكسيون أول لما شاف هيرا Hera زوجة زيوس اتهبل عليها وفضل يلاحقها ويبصبص لها ويحاول يتقرب منها لحد ما هيرا اشتكته لزيوس وقالت له شوف لك حل في ابن العبيطة اللي أنت جبته ده. وعلشان يتأكد من كلامها، زيوس عمل سحابة على شكل هيرا بالظبط وقال لهيرا تختفي شوية. ايكسيون أول ما شاف السحابة افتكرها هيرا وقعد يتحرش بيها لحد ما مارس معاها الجنس، زيوس أول ما شاف اللي عمله ايكسيون اتجنن وأمر بمعاقبته بعقاب أبدي يليق بفعلته المهببة.

زيوس أمر بربط ايكسيون في عجلة من ايديه ورجليه، والعجلة دي هتفضل تدور للأبد في حقل من النار في تارتاروس Tartarus (الجحيم في الأساطير الإغريقية) وايكسيون هيدور معاها زي الفرخة في شواية الحاتي كده.

عادةً لما بقرأ أي قصة\أسطورة فيها البطل بيتعرض لمشاكل أو مصايب أوعذاب أبدي بتعاطف معاه على طول وبحاول أفهم دوافعه وأحط نفسي مكانه وأشوف إيه اللي ممكن يخلي شخص يتصرف كده، بس حقيقي ايكسيون مثال متوج في العفانة والدونية.. الراجل ماسبش خطيئة ولا مصيبة إلا وعملها: خيانة وحنث بالوعد وقتل وتحرش واغتصاب.. ما شاء الله ماشي بقائمة موبقات في جيبه.. ده مش بطل عنده خطأ\عيب تراجيدي أدى لسقوطه، ده هو كله خطأ أصلاً ماشي على رجلين. وده خلاني أفكر أن ايكسيون في الأسطورة ممكن مايكونش رمز لنموذج بشري مستقل بذاته وإنما هو مجاز لصفة بشرية محددة وهي الرغبة.

لو رجعنا للأسطورة تاني هنلاقي أن ايكسيون هو تجسد للرغبة بغشوميتها وتسرعها وإحساسها بالاستحقاق: شاف واحدة عجبته تزوجها من غير مقابل وكأنها حق مكتسب، واحد أخد منه حاجة مستحقة يقتله، شاف ربّة جميلة عجبته ينام معاها.. كل شيء سهل ومستحق ولازم يتحقق لحظيًا بغض النظر عن الأسباب والنتائج. الرغبة هي وليدة اللحظة دون أي اعتبارات أخرى زي ما اتكلمنا قبل كده في أسطورة أتالانتا.

وعلشان كده الفيلسوف الألماني آرثر شوبينهاور Arthur Schopenhauer استخدم أسطورة ايكسيون وعقابه الأبدي علشان يقول لنا إننا كبشر كائنات مدوفعة برغباتها وده بيخلينا زي ايكسيون كده مربوطين في عجلة طول حياتنا وقاعدين نلف حوالين نفسنا في جحيم من الرغبات اللي مابتتحققش وحتى لو اتحققت بنحس بلحظات قصيرة جدًا لا تُذكر من النشوة ونرجع نلف تاني مع العجلة الجهنمية.

الجميل في الموضوع بقى إن في أسطورة تانية لما أورفيوس Orpheus الشاعر صاحب الصوت العذب الملائكي لما بينزل العالم السفلي علشان يتسعيد زوجته وبيغني لبيرسيفونPersephone  على قيثارته يُقال إن عجلة ايكسيون توقفت عن الدوران والنيران توقفت عن حرق جسده، فقط في اللحظات القليلة اللي أورفيس كان بيغني فيها، وبعدها رجعت العجلة للدوران.. وكأن فعلاً ده بيصدق على كلام شوبينهاور أن العجلة قد تتوقف للحظات خاطفة بسبب قد يثري الروح، زي أغنية أورفيوس، ولكنها سرعان ما تعود للدوران مرة أخرى في حتمية أبدية.

فيه روايات للأسطورة بتقول إن ايكسيون فقد عقله بعد نبذ الناس له وكان بيمشي في الشوارع يزعق ويصرخ، وده بيخليني أفكر أن ممكن تكون الفقرة اللامنطقية بتاعت العفو الإلهي وشعور زيوس بالشفقة تجاهه ورفعه لجبل الأوليمب وتحرشه بهيرا قد تكون كلها كده من وحي خياله وأن عقله المثقل بالذنب حبسه في سيناريو تاني بيقابل فيه الكرم بالإساءة والحب بالفجر، وبكده بيصبح جنونه ده هو العجلة الجهنمية المربوط فيها للأبد.

نظرية العوالم الممكنة

في الفلسفة اليونانية القديمة كانوا بيؤمنوا أن احنا عايشين في نسخة غير مكتملة من العالم الحقيقي True World وعلشان كده دايما بيلازمنا شعور بالنقصان وأن كل حاجة بنختبرها أو بنستخدمها غير مكتملة.. المتدينين من الفلاسفة كانوا شايفين أن العالم الحقيقي اللي هنشعر فيه بالاكتمال ده هو الحياة بعد الموت، وغيرهم كانوا شايفين أن العالم الحقيقي لا يمكن الوصول إليه أصلاً واحنا عايشين في نسخة من النسخ الكتير اللي شبهه. أيا كان، مش هنقدر نختلف أن الشعور بالنقص ده هو السبب في تطور الجنس البشري وبيمثل دافع من دوافع الحياة.

في القرن العشرين بقى جيه فيلسوف أمريكي اسمه ديفيد لويس David Lewis قال مفيش حاجة اسمها عالم واحد حقيقي، الكون بيتكون من عدد لا نهائي من العوالم الممكنة واحنا عايشين في واحد منهم.. كل العوالم دي “ممكنة” بس برضه كلها “حقيقية”. يعني إيه الكلام ده؟ لويس بيقول أن موضوع عالمنا ده هو الواقع ولا لأ بيعتمد على وجهة النظر اللي بنشوف منها العالم..

David Lewis

يعني مثلاً لو افترضنا أن فيه واحد اسمه عليوة وبيشتغل سواق أتوبيس، عيلوة كان حلم حياته يشتغل محاسب بس ماعرفش.. فبالنسبة لـ”عليوة سواق الأتوبيس” العالم اللي هو شغال فيه سواق أتوبيس ده العالم الواقعي والعالم اللي بيشتغل فيه محاسب ده العالم الممكن، في حين ان بالنسبة لـ”عليوة المحاسب” العالم اللي شغال فيه محاسب ده العالم الواقعي والعالم اللي شغال فيه سواق أتوبيس ده عالم ممكن. العالمين حقيقيين وممكنين ولكن صفة الواقعية بتُنسب اعتمادًا على وجهة النظر مش كصفة متأصلة فيهم.

النظرية دي اسمها الواقعية الشكلية Modal Realism واللي لويس كان من روادها. النظرية مش فلسفية بحتة ولكن ليها جذور في علم المنطق واللغة والأدب. النظرية مهمة في علم اللغويات لأن من غيرها مش هنفهم فكرة الـ modality. يعني مثلاً لو قولت “مبروكة ممكن تكون ركبت المترو” الجملة دي بشكل لا واعي بتخلق داخل دماغ المتلقي عالم مبروكة ركبت فيه المترو وعالم آخر مبروكة ركبت فيه تاكسي وعالم تالت مبروكة ركبت فيه أتوبيس وعالم رابع مبروكة مشيت على رجليها.. إلخ، كل العوالم دي ممكنة وبتتواجد داخل دماغ المتلقي في نفس الوقت. ودي بالظبط الحالة بتاعت وجودنا في الكون زي ما لويس ما بيقول.. كوننا موجودين في احتمال من الاحتمالات دي ومقيدين بيه لا ينفي وجود الاحتمالات التانية.

من وجهة نظر أدبية، فعل الكتابة نفسه أو خلق قصة\نص قائم على نظرية العوالم الممكنة دي Possible Worlds Theory. الفيلسوف والكاتب الإيطالي الشهير اومبرتو إكو Umberto Eco بيقول إن بمجرد ما القصة بتتخلق، بيُخلق معاها ثلاثة أنواع من العوالم الممكنة: 1) النوع الأول هو العالم الممكن اللي خلقه الكاتب واللي الشخصيات عايشة فيه. 2) النوع التاني هو كل العوالم الممكنة اللي الشخصيات فاكرة إنها عايشة فيها. 3) النوع التالت هو كل العوالم الممكنة اللي بيتخيلها القارئ وهو بيتلقى القصة وبميلأ من خلالها الفراغات.

Umberto Eco

لو أخدنا قصة “ذات الرداء الأحمر” كمثال كلنا عارفينه: العالم الممكن الأول هو اللي خلقه مؤلف القصة داخل دماغه واللي فيه الذئب بيتكلم وبيفكر وبيروح يتنكر كجدة البنت الصغيرة وده العالم اللي عايش فيه الشخصيات وبالنسبة لهم هو ده الواقع. النوع التاني من العوالم الممكنة موجود داخل دماغ الشخصيات ومن وجهة نظرهم.. يعني بالنسبة للبنت الصغير العالم الممكن ده جدتها فيه بُقها كبير وعندها شعر في وشها وعلى إيديها، وده العالم اللي البنت قررت تختاره وتصدقه وأصبح الواقع بالنسبة لها. أما النوع التالت فبيتمثل في رؤيتنا للي بيحصل كقراء.. كل واحد فينا هيتخيل البنت بشكل والذئب بشكل والبيت بشكل وكل واحد فينا هيتخيل اللي حصل وماتكتبش في القصة بشكل مختلف وبالتالي هيبني عليه تفسيره.. كل دي عوالم ممكنة موجودة داخل العالم الممكن بتاع القصة، ونرجع لكلام لويس تاني أن مفيش عالم منهم حقيقي أكتر من التاني.. كلهم حقيقيين ولكن واقعيتهم بتختلف باختلاف وجهة النظر.

ده معناه أن احنا ممكن نكون شخصيات داخل قصة ذات عالم ممكن (من تأليف الإله أو الكون أيا كان بتؤمن بإيه) واحنا عايشين في واحد بس من العوالم الممكنة اللي خلقها\بيخلقها\هيخلقها المؤلف وشايفين إن عالمنا ده هو العالم الحقيقي الوحيد في حين أن فيه عوالم تانية ممكنة مش بس خارج نطاق إدراكنا ولكن داخل دماغ كل واحد فينا واللي على أساسها بيشوف بيها الآخرين والواقع بتاعه.

بالرغم من أن الكلام عن نظرية العوالم الممكنة عادًة لا يخرج عن نطاق المنطق واللغويات والأدب إلا أن فيه ناس بتاخدها بشكل حرفي، بسبب كلام لويس وبسبب النظريات الفيزيائية المحتملة عن الأكوان المتعددة Multiverse، وده أدى للكلام عن ظواهر ميتافيزيقية زي تأثير مانديلا اللي اتكلمنا عنه قبل كده.

ده بحث أكاديمي لطيف جدًا للي حابب يقرأ أكتر عن الموضوع من ناحية أدبية لغوية:

“Possible Worlds in Recent Literary Theory” by Marie-Laure Ryan

إميل سيوران وفلسفة الفشل

كنت بكتب حاجة عن الفيلسوف الروماني إميل سيوران Emil Cioran واتكعبلت في مقال لطيف عن حياته وفلسفته وإزاي إنه كان متخذ الفشل منهج وأسلوب حياة.

أولاً لازم ننوه أن سيوران كان معاصر لسارتر Sartre وكامو Camus، وعلى الرغم من إنه مكانش بيطيقهم إلا أن فلسفته كانت بتدور في نفس فلك الوجودية والعدمية وأن الحياة ملهاش معنى ووجودنا ملهوش لازمة وماتقرفوناش بقى والكلام ده. في حين أن كامو توصل لأن الحل الوحيد لحالة اللامعنى اللي احنا عايشين فيها دي إننا نستمتع باللحظة الحالية وخلاص ومانفكرش في معنى ولا ماضي ولا حاضر ولابتنجان، سيوران كان شايف أن الفشل هو الطريق الوحيد لاكتشاف ذواتنا لأن لما بنفشل بنقرب من نفسنا وبنقدر نفهمها أكتر.

سيوران كان شايف أن الفشل هو حال الكون الطبيعية أصلاً.. كل حاجة فاشلة: العلاقات والحضارات والأنظمة السياسية والفكرية والفلسفية (بما فيهم فلسفته!). محاولات النجاح طبعًا ضرورية علشان تلهينا عن إدراك فشلنا الوجودي، بس كله محكوم عليه بالفشل.

حد ممكن يقول: “إيه القرف ده؟ طيب مانتحرش ليه وريح نفسه من الفشل الحتمي ده؟”.. سيوران كان حاطط الانتحار قدامه كاختيار متاح دائمًا، بس برضه كان شايف أن طالما هو معندهوش سبب للحياة، ليه يبقى عنده سبب للموت ويبقى متأكد منه كمان لدرجة الإقبال على الانتحار؟ فالأحسن الواحد يعيش كأنه ميت.

المهم يعني أن حياته كانت سلسلة من الفشل فعلاً.. اشتغل كمدرس بس ماقدرش يكمل، سافر باريس يحضّر دكتوراه وكل اللي كان بيعمله هناك أنه كان بيأكل ويشرب على قفا الجامعة.. وبعد ما ساب الجامعة فضل عايش عالة على أصحابه ومعارفه المؤقتين، وكان شايف أن دي الحياة المثالية بلا أهداف أو إنجازات.

يُقال إن سيوران كان مقرر أنه ينتحر – هو وصديق له – لما يبكر، بس للأسف لما كبر أُصيب بمرض الزهايمر وتقريبًا نسي أنه كان عايز ينتحر.. فحتى قراره ده فشل أنه ينفذه (سواء نسي فعلاً ولا تناسى).

تقريبًا الحاجة الوحيدة اللي نجح فيها سيوران هي كتاباته اللي نجحت وانتشرت رغم أنفه. كتابات سيوران السياسية والفلسفية قد تُعتبر متناقضة ولكن السبب في ده هو أن سيوران مكانش بيكتب للناس على قد ما كان بيكتب علشان يحافظ على صحته العقلية والنفسية قدر المستطاع (على حسب قوله)، فطبيعي أن خلال رحلته لفهم نفسه والوجود من حواليه تطلع آراء غير متسقة مع نفسها.

وده اللي بحبه في سيوران.. أن عمره ما أخد نفسه أو أي حاجة قالها أو عملها على محمل الجد. كان مثالاً متجسدًا للإنسان الهلامي الفاشل الجميل.

كاستور وبولوكس والثنائيات

النهاردة هنتكلم عن التوأمين الأشهر في عالم الأساطير الإغريقية كاستور وبولوكس Castor and Pollux، أو كما يُطلق عليهم أحيانًا الديوسكوري The Dioscuri…

ظروف ولادة كاستور وبولوكس غريبة شوية، ولو تفتكروا إحنا اتكلمنا عليها المرة اللي فات في قصة ليدا Leda والبجعة. اللي حصل إن زيوس كانت عينه من ليدا، الفتاة الإسبرطية الجميلة، فقرر يتنكر في هيئة بجعة وقدر يغويها وينام معاها. بعديها بكام شهر ليدا “باضت” (علشان نامت مع بجعة بقى!) بيضتين، بيضة فقست عن هيلين Helen – ايوه اللي قامت بسببها حرب طروادة – وكليتمنيسترا Clytemnestra، والبيضة التانية فقست عن كاستور وبولوكس.

وعلى الرغم من أن كاستور وبولوكس كانوا مشهورين باسم الديوسكوري أو أبناء الإله – المقصود به هنا زيوس طبعًا – إلا أن واحد فيهم بس كان ابن زيوس، والسبب في ده إن وقت ما زيوس نام مع ليدا هي كانت بالفعل متزوجة من ملك إسبرطة تينداريوس Tyndareus.. فقوم إيه بقى؟ يا سبحان الله توأم طلع ابن زيوس والتوأم التاني اللي من نفس البيضة طلع ابن تينداريوس. طيب هم عملوا تحليل DNA مثلاً ولا عرفوا المعلومة دي إزاي؟ اللي حصل إنهم اكتشفوا إن واحد فيهم بيتمتع بصفة الخلود في حين إن الآخر بشري فاني.. كاستور كان هو الفاني ابن تيندرايوس، وبولوكس هو الخالد ابن زيوس.

كاستور وبولوكس كانوا محبوبين جدًا وكانوا مشهورين بالشجاعة ومهارتهم في المصارعة والفروسية، لكن أهم حاجة بتميزهم هي إنهم كانوا مابيفترقوش عن بعض أبدًا لشدة حبهم وتعلقهم ببعض. ومن أشهر البطولات اللي اشتركوا فيها هي إنهم كانوا من مجموعة الأبطال اللي اصطحبهم جاسون Jason في رحلته الأرجونية الشهيرة The Argonauts.

وبعيدًا بقى عن البطولات والإنجازات، كاستور وبولوكس اتورطوا في خناقة تافهة كده مش هندخل في تفاصيلها مع أقرباء لهم انتهت بأن واحد من الأقرباء دول قتل كاستور على غفلة ولما بولوكس هب للانتقام زي المجنون، زيوس تدخل وضرب الشخص اللي كان بيحاول يقتل ابنه بولوكس بصاعقة. وبالتالي الموضوع انتهى بأن بولوكس قاعد يبكي بحرقة على جثة أخوه كاستور ومش عارف يعمل إيه، وهنا زيوس تدخل للمرة الثانية وخيّر ابنه بين حاجتين: يا يسيب كاستور يروح عالم الموتى ويطلع هو لجبل الأوليمب يعيش مع الآلهة في مكانه المناسب.. يا يقتسم خلوده مع كاستور بحيث إنهم يقعدوا مع بعض يوم في الأوليمب ويوم في عالم الموتى بالتبادل للأبد. بولوكس بدون تفكير اختار إنه يشارك كاستور خلوده ومش مهم يقضوا يوم في أعلى العليين ويوم في أسفل السافلين، المهم يبقوا مع بعض.

ووفقًا للأسطورة، زيوس عمل المجموعة النجمية المسماة بالجوزاء Gemini تخليدًا لذكراهم وذكرى وفائهم وحبهم لبعض. وبالاستعانة ببعض الخيال هنلاقي إن فعلاً شكل النجوم في المجموعة دي متخذة هيئة شخصين ماسكين إيد بعض.. وكأن حلمهم بالبقاء معًا للأبد اتحقق.

الكثير بيشوف العلاقة بين كاستور وبولوكس أنها رمز للعلاقة بين الجسد (كاستور) والروح (بولوكس) وده يفسر تعلقهم ببعض وليه واحد فيهم كان فاني والتاني خالد، وإزاي أن بولوكس حياته على الأرض بقت مستحيلة بعد موت كاستور، وده لأن مفيش روح تقدر تعيش على الأرض من غير الجسد اللي بيحتويها. والنظرية دي بتفسر برضه إشكالية نسبهم، وإزاي أنهم، زي الإنسان بالظبط، الجسد مولود من إنسان آخر ولكن الروح من عند الإله. والجميل في الموضوع كمان إن أكبر نجمين في المجموعة النجمية الجوزاء اسمهم كاستور وبولوكس.. وطبعًا بولوكس (الروح) هو النجم الأكبر والأكثر سطوعًا.

ما علينا، العلاقة بين كاستور وبولوكس شايفاها أعقد من مجرد العلاقة بين الجسد والروح. لو اعتبرنا أن كاستور بيمثل الفناء وبولوكس بيمثل الخلود، فده يخلينا نفكر في العلاقة بين المفهومين المتضادين دول. الطريقة اللي بنشوف بيها الفناء والخلود لا تختلف كثيرًا عن طريقة رؤيتنا للحياة والموت.. علاقة ثنائية ضرورية ولكن متتالية، يعني الاتنين بيأكدوا وجود بعض لكن لازم واحد فيهم يحصل قبل التاني: لازم الواحد يبقى عنده حياة الأول قبل ما يموت.. زي بالظبط ما الجسد لازم يفنى علشان الروح تحظى بالخلود.

الفكرة بقى أن حدوتة كاستور وبولوكس ضربت بفكرة التوالي الزمني ده عرض الحائط وبنلاقي إن الفناء والخلود أو الموت والحياة مش بس اتوجدوا في نفس اللحظة وبيعيشوا متلاصقين طول حياتهم لأ ده كمان اختاروا التقارب ده كحالة أبدية. فناء كاستور ماكنش مشروط بخلود بولوكس، ولا خلود بولوكس كان مشروط بفناء كاستور.. الاتنين حققوا حالة الفناء\الخلود مع بعض في نفس الوقت وحملوا الصفات البشرية والإلهية برضه مع بعض، وده متمثلاً في انتقالهم المستمر بين جبل الأوليمب والعالم السفلي كآلهة وبشر.

تعالوا نوضح الفكرة أكتر ونحدف شوية على نظرية فلسفية فيزيائية ظريفة اسمها الأبدية Eternalism. النظرية دي مبنية على عدة نظريات في فيزياء الكم بتقترح إن الوقت مش بيسير في خط مستقيم زي ما إحنا متخيلين وبينتج عنه الماضي والحاضر والمستقبل.. فكرة التوالي الزمني يعني. النظريات، وبالتالي الفلسفة، بتقول لنا إن الوقت هو بعد رابع وإنه موجود بالفعل زي وجود المكان كده. لو جيت دلوقتي سألتك هل بلكونة بيتكم موجودة على الرغم إنك مش شايفها دلوقتي هتقول إيه؟ أكيد هتقول آه طبعًا موجودة ومش معنى إني مش شايفها دلوقتي إنها مش موجودة! هي دي بالظبط فكرة التعامل مع الزمن كبعد رابع، مش معنى إن فيه حاجة لسه ماحصلتش إنها ماحصلتش فعلاً. الفلسفة بتفترض إن كل حاجة حصلت وبتحصل وهتحصل في العالم حصلت بالفعل ولكن علشان عقلنا محدود مش بنقدر نستوعب كل الأحداث دي إلا بشكل متتالي مقسم إلى ماضي وحاضر ومستقبل.. دي محدوديتنا الزمانية، زي برضه محدوديتنا المكانية اللي بتمنعنا نبقى في أكتر من مكان في نفس الوقت.

نرجع بقى للأسطورة وفكرة تشارك كاستور وبولوكس للحياة والموت والفناء والخلود. اللي حصل مع كاستور وبولوكس هو توضيح لفكرة الفلسفة الأبدية وإن علاقة الموت بالحياة والفناء بالخلود ليست علاقة متوالية تعمل على الاستثناء: إحنا بنموت وقت ما بنتولد، وبنحظى بالحياة وقت ما بنموت.. يعني لحظة ولادتنا هي لحظة موتنا، عقلنا المحدود بس هو اللي بيهيأ لنا إن واحد حصل قبل التاني وإن أحدهما مشروط بحدوث الآخر.

أسطورة كاستور وبولوكس هي تذكرة أن وجودنا كله قائم على الثنائيات: الموت والحياة، الجسد والروح، الخير والشر، الإلهي والبشري.. إلخ. الحاجات دي كلها وجود أحدهما لا يسبق الآخر ولا ينفيه، ولكن وجودهم مع بعض وفي نفس الوقت هو اللي بيعرّف كل شيء عن عالمنا وذواتنا. كاستور وبولوكس مش رمز للتضاد والتناقض زي ما مشهور عنهم. قد تكون محدوديتنا الزمانية دي هي السبب في ابتكارنا لفكرة الأضداد والمتناقضات متخيلين إن حالة معينة قد تنفي وجود الأخرى، في حين إن كل شيء متزامن.. متماسك.. مترابط.. زي كاستور وبولوكس اللي ماسكين إيد بعض للأبد في السماء.

الفلسفة الأنوية

تخيل إن كل اللي بيحصل حواليك في العالم ما هو إلا انعكاس لمشاعرك ورغباتك ومخاوفك الشخصية وإن مفيش أي حاجة لها وجود فعلي…

لو تفتكروا فيه فيلم أمريكي أتعمل سنة 1998 اسمه Sphere وبيحكي عن فريق من العلماء اكتشفوا جسم كروي غريب الشكل في قاع المحيط <تحذير حرق> وبعد ما بيدخلوا الجسم الكروي بتحصل سلسة من الأحداث الغريبة والمرعبة وفي الأخر بيكتشفوا إن الأحداث دي ما هي إلا انعكاس لمخاوف كل واحد فيهم تجسدت في الواقع. الفيلم متوسط المستوى بس بيعكس فكرة فلسفية مهمة جدًا ألا وهي الأنوية أو السولبسية Solipsism.

كلمة solipsism مشتقة من اللاتينية وتعني “الذات المتفردة”. الفلسفة ببساطة بتقول إن الإنسان مهما طلع ونزل واتشقلب ونام على جنبه ووقف على دماغه ففكرته عن المعرفة هي فكرة ذاتية بحتة لأن عمره ما هيقدر يعرف أي حاجة غير نفسه أو من خلال نفسه. بمعنى آخر، نفس الإنسان – بما تتضمنه من أفكار ومشاعر.. إلخ – هي الحاجة الوحيدة الأكيدة بالنسبة له والباقي كله بلح.

الفكرة دي الفلاسفة الإغريق اتكلموا فيها لحد ما ديكارت Descartes جيه في القرن السابع عشر وقال لنا بكل وضوح إن الإنسان هيفضل حبيس ذاته وإن لا سبيل للخروج من سجن الذات ده. اللي يقصده ديكارت إن معرفتنا بالعالم بتم من خلال الرؤية الذاتية: كأننا قاعدين في علبة صغيرة وخارمين فيها فتحة علشان نبص منها على العالم الخارجي، أي حاجة بنشوفها في العالم الخارجي محكومة باللي الفتحة دي بتسمح لنا برؤيته.

بعد ديكارت بثلاثة قرون، جيه الفيلسوف النمساوي لودفيج فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein عمل لنا تجربة الخنفسة في الصندوق اللي اتكلمنا عنها قبل كده. فيتجنشتاين أثبت من خلال التجربة دي إن على الرغم من إننا كجنس بشري اتفقنا على معاني مشتركة للأشياء المادية والمعنوية إلا إن كل واحد منا بيختبر الشيء ده بشكل مختلف خالص عن أي شخص تاني، وبالتالي فاحنا محكومين بتجاربنا الشخصية للأشياء واللي بنعكسها على الأشخاص الآخرين وبنعتبر إنهم بيختبروها بنفس الشكل لأن مفيش أي سبيل إني فعلاً أشوف الدنيا زي ما هم شايفينها، أو – من الأخر – إني أكون أي شخص آخر غير أنا.

أديت مثال على ده بمفهوم الألم. كل واحد مننا فكرته عن الألم مختلفة، وبالتأكيد كل واحد فيكم مجرد ما قرأ كلمة “ألم” رجع لتجربة ذاتية شعورية ما واستحضرها علشان يستوعب الكلمة، بس في النهاية كلنا بنتظاهر إن فكرتنا عن الألم مشتركة. نفس اللي بيحصل لما بتلاقوا حد كاتب بوست\تويت عن الحب أو عن الثورة أو عن المهلبية.. إلخ. من يومين كده كنت بتفرج على فيلم فيه طفلتين اتخطفوا وأي مشهد كان بيصور معاناة الأب والأم كنت بلاقي نفسي تلقائي بستحضر أو بتخيل تجربة ذاتية.. كنت بتخيل لو ده هحصل لبنت أخويا مثلاً وقلبي كان بيتقطع فعلاً.

هي دي الفكرة، عمرنا ما هنقدر نشوف الدنيا إلا من خلال السجن بتاعنا زي ما ديكارت ما قال، أو من خلال الصندوق اللي في إيدينا زي ما فيتجنشتاين وَضّح.

الفلسفة الأنوية ما وقفتش عند المحدودية المعرفية بس وبتسألنا: طيب بما إننا ما بنقدرش نختبر العالم إلا من خلال ذواتنا، ليه بنعتبر أصلاً إن فيه أي حاجة موجودة في العالم غير اللي احنا عارفينه وحاسين بيه؟ بتقول لنا ماذا لو كل اللي بيحصل حوالينا في الدنيا بواقعها وخيالها وبابا غنوجها هو انعكاس لأفكارنا ومشاعرنا وطموحاتنا ومخاوفنا زي بالظبط اللي حصل مع العلماء في فيلم Sphere؟

الفكرة مثيرة للاهتمام ومرعبة جدًا. مثيرة للاهتمام لأنها بتدفع الإنسان للتفكر في إنه قادر على التحكم في ظروفه واللي حواليه بما إن كل حاجة بتحصل له ما هي إلا مجرد انعكاس لذاته، بالمعنى الحرفي والنفسي. ومرعبة لأنها بتحط كل إنسان مكان الإله وبتقول له مفيش غيرك في الكون وإن كل حاجة موجودة حواليك علشان تخدم الواقع بتاعك أنت اللي مفيش غيره أصلاً. ده معناه إن كل الناس التانية اللي في العالم دي ملهاش وجود وإنهم مجرد جزء منك.. حاجة كده زي سيناريو The Matrix بس أنت الإنسان الوحيد اللي متوصل بالجهاز والنسخة دي من الواقع معمولة علشانك أنت بس.. يعني ماما وبابا وسميرة صاحبتك وحمادة ابن خالتك وطنط وفاء جارتك وعم ممدوح البقال كلهم ملهمش وجود في الواقع بمعزل عنك، هم موجودين علشان أنت تشوفهم وتتعامل معاهم. الفرق بس إن الأنوية بتقول لك إن المايتركس هي عقلك، كل حاجة حواليك في الكون هي نتاج عقلك وأنت الذات الوحيدة العاقلة في الكون.

ولو بصينا على الموضوع من ناحية نفسية فيه حالات من مرضى الذهان بيبقوا مقتنعين إن فعلاً مفيش أي حد أو أي حاجة حواليهم حقيقية وإن كل الواقع بتاعهم ده هو نتاج عقلهم ومخيلتهم، من وجهة نظر الفلسفة الأنوية الناس دس مش مجانين واحنا اللي مجانين.

بعيدًا عن الفلسفة والاحتمالات والخزعبلات، اللي بيهمني من أي فلسفة هو الجانب الأخلاقي منها. لو الفلسفة الأنوية بتقول لي إن مفيش غيري في الكون وإن مفيش أي طريقة أقدر أعرف بيها أي حاجة إلا من خلال ذاتي، هل ده يدفعني إني أكون شخص أناني ولا العكس؟

ممكن حد يقول أكيد يعني هبقى أناني! واحد شايف إن ذاته هي الحاجة الحقيقية الوحيدة في الكون فأكيد هيرمي أفكار زي التعاطف والمشاركة والحاجات دي في أقرب سلة زبالة ويركز على مشاعره ورغباته هو بس. ممكن حد تاني يقول لأ، لما أقتنع إن كل شخص حواليا هو امتداد\انعكاس لذاتي فده معناه إن محاولاتي لفهم الشخص الآخر هي أيضًا محاولات لفهم ذاتي.

الفهم ده للفلسفة هو بالظبط اللي استخدمه الكاتب الأمريكي آندي وير Andy Weir في قصته القصيرة “البيضة” “The Egg” اللي اتكلمت عليها كتير قبل كده واللي بيقول لنا من خلالها إن الإنسان بعد ما بيموت بيكتشف إن كل الناس اللي عاشت وعايشة وهتعيش على الأرض هي شخص واحد والكون ده كله معمول علشانه، وبالتالي فأن أي شخص بتقابله في حياتك وأحسنت إليه فأنت كده أحسنت لنفسك وأي شخص أسأت إليه فأنت كده أسأت لنفسك.

حتى لو ركزنا بس على فكرة محدودية المعرفة في الفلسفة الأنوية، هنلاقي إن لو اقتنعنا بأن كل قرارتنا وأحكامنا ورؤيتنا للعالم ككل مهما بدت في ظاهرها موضوعية فهي برضه متأثرة برؤينا الذاتية المحدودة، وده يخلينا نهبط شوية ونبطل نفترض إن كل ما هو بديهي\أخلاقي\جمالي\بطيخي بالنسبة لنا هو بالضرورة بديهي\أخلاقي\جمالي\بطيخي للآخرين.

سواء شوفت الفلسفة الأنوية على إنها محدودية المعرفة أو تفرد الوجود، ففي الحالتين النتيجة واحدة: أنت لوحدك.. بس على الأقل كلنا مشتركين في حالة الوحدة دي.

عرافة كوماي وحلم الخلود

في ظل هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العالم، بدل ما نستسلم للفزع ممكن نسلي نفسنا بممارسة أبسط الأنشطة الإنسانية، ألا وهي – لا مش اللي في دماغكم – حكي الحواديت والانخراط في المشاكل الوجودية والأسئلة الفلسفية.

النهاردة هنتكلم عن عرافة كوماي The Sibyl of Cumae..

اللي قرأ فيكم قصيدة “أرض الخراب” The Waste Land (1922) للشاعر توماس ستيرنز إليوت T. S. Eliot هيفتكر إنه ابتداها باقتباس من الكاتب الروماني بترونيوس Petronius بيقول فيها:

“لقد رأيت بأم عيني عرافة كوماي معلقة في إناء زجاجي، وعندما سألها الأطفال: أيتها العرافة، ماذا تريدين؟.. أجابت: أريد الموت.”

موت إيه وكوماي فين والست دي مين؟! نفرمل هنا شوية ونحكي الحدوتة من أولها.


وفقًا للأسطورة، كان فيه عرافة في مدينة كوماي معروفة بإخلاصها للمعبد وجمالها المبهر – كالعادة يعني! – وده خلى مين بقى يقع في حبها؟ الإله أبولو Apollo. أبولو عرض على العرافة إنه يحقق لها أي أمنية هي عايزاها مقابل إنه ينام معاها (في الروايات المؤدبة من الأسطورة، مقابل إنها تحبه). العرافة قعدت تفكر لحد ما قالت لأبولو “خلاص يا عم هنام معاك بس في المقابل عايزاك تخليني أعيش سنين بعدد حبات الرمل اللي في أيدي دي.” وراحت مسكت حفنة من الرمال في إيديها – كبشت شوية رملة من الأرض يعني – ووريتهم لأبولو. أبولو قال لها “بس كده؟ من عينيا يا ست البنات.” وفعلاً حقق لها أمنيتها. يُقال إن عدد حبات الرمل اللي هي مسكتهم كان ألف فالبتالي عاشت ألف سنة.

أبولو بقى جيه يطالبها بتنفيذ الجزء بتاعها من الصفقة بس العرافة رفضت وقالت له لأ ماينفعش أنا خادمة للمعبد وشرفي وكلام من ده. طبعًا أبولو أتجنن وحس إنه أتقرطس من العرافة لأنها خلفت وعدها له، فقرر ينتقم منها انتقام ملائم لغضب الآلهة.

أبولو ما أخدش منها الحياة شبه الأبدية اللي منحها لها – علشان مايبقش شكله إله عيل برضه – ولكنه فكر إنها في طلبها ماحددتش هي عايزة تعيش الحياة المديدة دي إزاي. فأداها فعلاً الحياة شبة الأبدية ولكن ما أدهاش معاها هبة الشباب، بالتالي العرافة فضلت تكبر تكبر تكبر وجسمها يضعف وعظامها تتهالك من غير ما تموت. جسم العرافة فضل يذبل بالشكل ده لحد ما أصبح كومة من اللحم والعظم.. الناس حطوها في برطمان وعلقوها في شجرة لحد ما عدت الألف سنة وماتت.

عقاب أبولو للعرافة بيفكرنا بعقابه لكاسندرا لو تفتكروا.. كاسندرا برضه وعدته إنها هتنام معاه وبعد ما أخدت منه القدرة على التنبؤ رفضته (تقريبًا أبولو كان إله الفريند زون) وبالتالي لعنها بإنه خلى كل اللي يسمعها مايفهمهاش ولا يصدقها. الاتنين ما أخدش منهم المنح اللي وهبها لهم في الأول، لكن عرف يحول المنح الإلهية دي للعنات.

أول سؤال تبادر لذهني بعد قراءة الأسطورة، ليه ممكن حد يتمنى حياة طويلة أقرب للخلود؟ من جمال الحياة أوي؟

الفيلسوف الإنجليزي برنارد ويليامز Bernard Williams بيحاول يجاوب لنا على السؤال ده في مقاله الشهير “The Makropulos Case: Reflections on the Tedium of Immortality” (1973). ويليامز بيقول إن احنا كجنس بشري مدفوعين بحلم الخلود والحياة المديدة مش حبًا في الحياة على قد ما هو خوف من الموت.. الخوف من المجهول أو من الفناء، إن الذات هتتوقف عن الوجود، إن احنا لسه ماخدناش كفايتنا من الحياة وإن أكيد فيه أكتر.

ويليامز بيقول لنا إن الشعور ده خادع لإن متع الحياة praemia vitae أو خوفنا من الموت بيعتمد بشكل رئيسي على رغباتنا غير المشروطة اللي كل ما زادت هتزيد رغبتنا في الحياة وخوفنا من الموت. هي إيه أصلاً الرغبات غير المشروطة دي؟
ويليامز بيقسم رغبات الإنسان لنوعين: رغبات مشروطة contingent desires ورغبات غير مشروطة categorical desires. الرغبات المشروطة هي الرغبات العابرة اللي بتجيلي طالما أنا عايش لكن مش عايش علشانها، زي مثلاً رغبتي في إني أطلب بيتزا دلوقتي علشان جعان. الرغبة مشروطة بالجوع.. أول ما الجوع يروح، الرغبة مش هتبقى عندي خلاص، وأكيد برضه أنا مش عايش علشان أكل بيتزا دلوقتي. أما الرغبات غير المشروطة فهي الرغبات اللي بعيش علشانها.. اللي بتدي معنى وسبب للاستمرار في الحياة، زي مثلاً إني أبقى أنجح رجل أعمال في المجرة أو إني أربي أولادي كويس.. وهكذا، كل واحد وحسب شخصيته. وليامز بقى بيقول إن الرغبات غير المشروطة دي هي اللي بتزيد تعلقنا بالحياة ونفورنا من الموت.

وعلشان كده عزيزي القارئ الشخص المصاب بالاكتئاب بيبقى غالبًا استنفد رغباته غير المشروطة لسبب أو لآخر وبقى عايش على الرغبات المشروطة العابرة وبالتالي كاره للحياة ومتقبل فكرة الموت.

ويليامز شايف إن الرغبة في الخلود أو العمر المديد فكرة سيئة لأن الإنسان هيجي عليه وقت لازم يستنفد فيه رغباته غير المشروطة، ده غير إنها أصلاً فكرة متناقضة لأن رغبة الإنسان في الخلود بتبقى مدفوعة بالحفاظ على الذات\النفس في حين إن السعي وراء تحقيق الرغبات غير المشروطة مبني على تغيير الذات\النفس. يعني إيه الكلام المكعبل ده؟

يعني الإنسان بطبيعته جواه غريزة الحفاظ على النفس.. جسمًا ووعيًا وكل حاجة، وعلشان كده فكرة الموت مخيفة لمعظمنا. لكن علشان نفضل عايشين ونحب الحياة وبتاع محتاجين نفضل نجري ورا رغبات غير مشروطة، ولكن طبيعة الرغبة غير المشروطة هي – على حسب كلام ويليامز – الهروب من الذات اللي مش هنقدر نواجهها لو مفيش حاجة تلهينا عنها أو توعدنا بتغييرها.. الشخص اللي عايز يبقى أحسن رجل أعمال في المجرة نفسه يبقى شخصيته كذا وكذا وبالتالي بيعمل جاهدًا علشان يوصل لده، الراجل اللي عايز يربي أطفاله كويس برضه عايز يشوف فيهم صفات مش عنده وبالتالي يشوف نفسه شخص أحسن.. وده التناقض اللي في قلب رغبتنا في الحياة: عايزين نعيش علشان نحافظ على ذواتنا اللي إحنا مش طايقينها أصلاً.

في رواية Interview with the Vampire (1976) للكاتبة آن رايس Anne Rice (ايوه هي اللي اتعملت فيلم)  واللي بنصح بقراءتها جدًا لأنها ذات طابع فلسفي نفسي، واحد من مصاصي الدماء وأكبرهم عمرًا، أرماند Armand، بيتكلم بشكل مفصل عن فكرة الخلود وإن أبشع جزء فيها إنه بيضطر يواجه ذاته اللي مابتتغيرش في حين إن كل حاجة حواليه بتتغير، وكأن ذاته – وعيه وذكرياته وأهرماته – هي الحاجة الثابتة الوحيدة في حياته وفي نفس الوقت السجن اللي مش عارف يهرب منه.

إيه علاقة ده كله بالعرافة الغلبانة اللي قاعدة في البرطمان؟

استمرار العرافة في الحياة بلا جسد هو رمز لحياة الإنسان بلا رغبات غير مشروطة، أو ممكن نسميها إلهاءات طويلة المدى. عقاب أبولو للعرافة هو إنها تفضل تواجه نفسها\وعيها بشكل مجرد.. ودي اللعنة الحقيقية اللي ويليامز بيقول لنا عليها، واللي أسوأ مليون مرة من الموت.

طيب، إحنا كده اتكلمنا عن فكرة الخلود أو الحياة الطويلة بشكل حرفي في حين إن الفكرة ليها بعد آخر رمزي. فيه أشخاص بتسعى للخلود بشكل مجازي، يعني تسيب أثر في حياتها وحياة اللي حواليها بحيث الناس تفضل فاكراهم حتى بعد موتهم. هل دي حاجة كويسة ولا لعنة برضه؟

من وجهة نظري، هي فكرة منيلة برضه لأن لو افترضنا إن ذاتك اللي عايز تحافظ عليها دي انتقلت لذكراك – اللي الناس فاكرينك بيه يعني – فأنت فقدت السيطرة عليها لأنها هتبقى عايشة في أدمغة وذكريات ناس تانية هم المتحكمين فيها وهيحطوك بالشكل وفي الشكل اللي شايفينه مناسب لك (مش اللي أنت كنت متخيله خالص).. مهما كانت ذكراك حلوة مسيرك هتتحول لفكرة متيبسة محبوسة في عقول الناس زي العرافة ما كانت محبوسة في البرطمان.

فيه قصة جميلة جدًا اسمها “Metamorphosis” للكاتب الأمريكي دايفد إيجلمان David Eagleman ضمن مجموعته القصصية Sum: Forty Tales from the Afterlives (2009) واللي بيتخيل فيها سيناريوهات مختلفة للي هيحصل بعد ما نموت. السيناريو في القصة دي هو إننا لما نموت هنصحى نلاقي نفسنا في مكان زي صالة الانتظار في المطارات وفيه صوت بينده على أسماء بعينها.. بنكتشف بعد كده إننا بنفضل قاعدين في الصالة طول ما فيه حد على الأرض – في الحياة يعني – فاكرنا وبيتفوه بأسمائنا، وأول ما أخر شخص فاكرنا بيموت بيتنده على اسمنا وبنروح لمكان أحسن بس مانعرفش إيه هو.

الراوي بيحكي إن لما حد بيبقى لسه واصل ويتنده على اسمه بيحس بالحزن علشان كده بيعرف إن محدش هيفتكره على الأرض تاني خلاص، بس بيلاحظ برضه إن فيه مجموعة كبيرة من الناس، أشرار وطيبين، هيتجننوا من طول القعدة في صالة الانتظار دي لأن واضح بقالهم مئات وآلاف السنين.. قاعدين رايحين جايين وبيبكوا وبيتوسلوا للشخص اللي بينده الأسماء إنه ينده أسماءهم ويخلصهم من العذاب ده بس بيرفض ويطلب منهم الانتظار.

القصة قصيرة جدًا بس بديعة في تصويرها لبشاعة فكرة الخلود سواء بالمعنى الحرفي أو المجازي.

العرافة أصبحت حبيسة جسدها المتهاوي كإنسانة ثم أصبحت حبيسة الإناء الزجاجي كفكرة، ويمكن رغبتها في الموت لما الأطفال سألوها عايزة إيه هي أيضًا رغبة في أن تُنسى.

دمتم أحرارًا.. جسدًا وذكرى.

ديوجين الكلبي والبرميل

النهاردة هنتكلم عن الفيلسوف اليوناني صاحب البرميل ديوجين الكلبي Diogenes the Cynic..

أولاً، لقب “الكلبي” ده أطلق عليه لأنه كان من أوائل الفلاسفة اللي نشروا الفلسفة الكلبية Cynicism (الكلمة أصلها يوناني ومعناها “كلب” أو “أشبه بالكلب”) ويُقال إن الفلسفة حملت الاسم ده لتفضيلها طبيعة الكلاب على طبيعة الإنسان المتحضر وهنعرف ليه دلوقتي.

أما موضوع “صاحب البرميل” فده لأن ديوجين كان عايش في الشارع جوا برميل زي الحيوانات بالظبط بيأكل وينام ويقضي حاجته مكان ما يحب.

ديوجين كان بيؤمن أن الإنسان أصلاً كائن كويس وابن حلال بس التحضر والقواعد الإجتماعية والسياسية والأخلاقية أفسدته وأبعدته عن طبيعته البسيطة، وده بالظبط الأساس اللي قامت عليه الفلسفة الكلبية اللي فحواها إن كل ما الإنسان بيتحضر بيفرض على نفسه قيود باسم الحرية والترقي في حين إن القيود دي بتخلق مخاوف جديدة الإنسان مابيعرفش يتعامل معاها وبتعقد مفهوم السعادة\المتعة وبتخليه صعب التحقق. الكلبية بتقول إن السعي نحو النجاح والسلطة والأموال والعائلة والألقاب الإجتماعية جعل الإنسان ينصرف عن طبيعته ومتطلباتها البسيطة، وبالتالي فالإنسان كل ما يقترب من الطبيعة ويبعد عن القواعد السياسية والإجتماعية اللي فرضتها عليه الحياة الحديثة كل ما بقى سعيد ومبسوط.. زي الكلب بالظبط.

الناس طبعًا كانت بتعامل ديوجين على إنه واحد مجنون عايش في برميل وده كان بيعصبه أكتر فكان بيهاجمهم فيتأكدوا إنه مجنون وهكذا. كل القصص اللي تناقلتها الكتب عن ديوجين بتصوره ككاره للبشر بس هو كان كاره للإنسان المتمدن والسحلة الحضارية اللي ساحل نفسه فيها بلا داعِ. ويمكن التصوير ده هو اللي شوية ربط بين الفلسفة الكلبية والفلسفة التشاؤمية في العصر الحديث. الاتنين بيحملوا نفس الاسم cynicism ولكن الأولى شايفة إن طبيعة الإنسان غير سيئة ولكن السبب في كل الشرور هو رغبة الإنسان في إخضاع نفسه لقيود الحضارة والذي منه، في حين إن الثانية شايفة إن أصلاً طبيعة الإنسان سيئة وهي السبب في كل البلاوي.

الكلبية ألهمت وأثرت على مدارس فلسفية كتير زي الرواقية Stoicism اللي بتشوف إن الإنسان سعادته تكمن في اللحظة الحاضرة وإنه المفروض مايخليش الخوف من الفشل أو الألم أو الرغبة في النجاح يتحكموا فيه، ودي بالتالي أتطورت وظهرت في شكل اتجاه فكري معاصر اسمه العبثية Absurdism اللي بيقول إن الإنسان هيبقى سعيد لو تقبل كل اللي الحياة بترميه في طريقه سواء حلو أو وحش – مفيش حاجة أصلاً حلوة أو وحشة بشكل متأصل، هي حاجات بتحصل بشكل عشوائي – ويعيش اللحظة بلحظتها وخلاص من غير ما يحاول يدور على معاني سامية وأسباب عليا وأهداف وآمال والبتنجان ده كله.

من فترة كده كنت بقرأ قصة قصيرة لكافكا Kafka اسمها “تقرير لأكاديمية” A Report to an Academy كافكا بيتكلم فيها على لسان قرد تم اختطافه من الأدغال من قبل بعثة علمية والقرد بيحكي إنه علشان يهرب من الحياة في القفص والقيود اللي فرضها عليه الإنسان لمجرد إنه حيوان الطريق الوحيد اللي كان متاح قدامه هو إنه يمشي على خطى الإنسان بالظبط ويتعلم لغته ويتصرف زيه. القرد بيقول إنه فعلاً أتعاون مع العلماء والمدرسين وأتفوق عليهم كمان وبقى عنده مستوى العلم والتمدن اللي عند أي مواطن أوروبي. القرد مابيظهرش استياءه من الموضوع ده بشكل واضح خالص، بالعكس.. ده بيطلب من الأكاديمية اللي هو بيكتب لها التقرير إنهم يسمحوا له إنه يكمل دراسته لأن ده السبيل الوحيد المتاح قدامه دلوقتي. اللي لفت انتباهي في القصة بقى إن قرب نهاية التقرير كده، القرد بيتكلم عن إنه إزاي عايش زي الإنسان وإن عنده ناس بيدرس معاهم ومدير أعمال بينظم له جدوله ومواعيده وبيقول إن عنده قردة، مش متعلمة ومتدربة زيه طبعًا، بتستناه كل يوم بليل علشان يلبي رغباته الجنسية معاها. المهم بقى إنه كل يوم لما بيصحى من النوم مابيبقاش طايق يبص في خلقتها لأنها بتفكره بطبيعته “الحيوانية”.

كافكا، كعادته، مابيقولش أي حاجة صراحة وبيرمي لنا رسائل من تحت لتحت كده. على الرغم إن القصة دي ليها تفسيرات سياسية كتير، بس اللي أنا شايفاه هو إن القرد المحترم ابن الناس المتعلم ده مش طايق الوضع اللي لقى نفسه فيه بس زي ما قال هو ده طريقه الوحيد للحرية.

ومن هنا ممكن نشوف التشابه بين القصة وبين ديوجين والكلبية.. القرد لقى نفسه في وضع اتفرض عليه إنه يا يعيش ك”حيوان” في قفص طول عمره واللي حواليه يشوفوه ككائن أقل منهم، يا يمشي مع التيار ويبعد عن طبيعته ويعمل زي كل اللي حواليه بيعملوا ويفرض على نفسه العلم والأخلاق والقواعد إلخ علشان يوصل للحرية المزعومة اللي هيكتشف بعد كده إنها قفص أكبر مائة مرة من القفص اللي كان فيه. ديوجين بقى، على عكس القرد، اختار القفص الصغير.. اختار يعيش في برميل متر في متر وخاطر إن الناس تشوفه كمجنون وغير سوي بس في المقابل أدى لنفسه الحرية إنه يكون على طبيعته من غير ما يتقيد بالحرية المجتمعية الزائفة بتاعت أقرانه.

موقف ديوجين والقرد يخلينا نفكر في وضعنا احنا كإنسان معاصر وهل سعينا الدائم نحو التحضر والحداثة بيحقق لنا الحرية والسعادة فعلاً ولا بيعقد حياتنا أكتر وبيزيد بؤس على بؤسنا كل يوم؟ هل التطور السياسي والمجتمعي والتكنولوجي طوّر وسهّل حياتنا فعلاً ولأ خلق جوانا رغبات ومخاوف لا قِبل لنا بها بعدتنا عن طبيعتنا وسعادتنا أكتر؟ هل كل اللي بنعمله في حياتنا بنعمله علشان فعلاً عايزين نعمله وهيسعدنا ولا علشان مضطرين نعمله وبيضيف وهم آخر لأوهامنا المؤجلة غير المحققة؟

ممكن نسخر من ديوجين إنه قضى حياته عايش في برميل في الشارع، بس على الأقل كان مدرك إنه عايش في برميل وبيتصرف على أساسه وبيعمل اللي هو عايزه، الدور والباقي علينا اللي محشورين في خزان وقافلين على نفسنا من جوا وواهمين نفسنا إننا أحرار في أنفسنا ومصائرنا.

دمتم في سعادة (داخل أو خارج البرميل).

استحالة التحقق المادي للموت في عقل من لا يزال حيًا

.

دي مش لوحة. ده “عمل فني” مثير للجدل قام بعرضه الفنان البريطاني داميان هيرست Damien Hirst سنة ١٩٩١. هيرست جاب قرش وحطه في حوض مُقسّم من الخارج مليان فورمالدهايد واسمى العمل ده “استحالة التحقق المادي للموت في عقل من لا يزال حيًا” The Physical Impossibility of Death in the Mind of Someone Living.

وكعادة الفن المعاصر، حصلت خناقة بين النقاد وقتها هل ده عمل فني أصلاً ولا لأ.. ومعظمهم قالوا هيرست بيستعبط كالعادة علشان جاب قرش ميت وشعلقه في مادة حافظة ولزق جنبه اسم شاعري مجعلص علشان يدعي العمق وخلاص. بس نقاد تانيين قالوا إن رؤية القرش في الخزان بالمنظر ده وربطه باسم العمل بيلقى الضوء فعلاً على إدراكنا – أو عدم إدراكنا – لفكرة الموت مهما قربنا منه. قرش هيرست بيوحي بالحركة والاستمرارية – بسبب وضعه وشكل الخزان – وبيبعث على الخوف بالرغم من معرفتنا بموته/سكونه.

أنا طبعًا ما شوفتش العمل ده بنفسي علشان أحكم عليه بس شكل الخزان من زوايا التصوير المختلفة بيديني إحساس بالشريط السينمائي celluloid اللي بيتكون من صور ثابتة لما بتتعرض ورا بعض بتوحي بالحركة. القرش ميت\ثابت بس طريقة رؤيتنا له هي اللي بتبعث فيه الحياة. وطالما احنا بنتحرك عمرنا ما هندرك فكرة موته. وده بالظبط الحاجز الإدراكي ما بين كل ما هو حي وكل ما هو ميت.

أو يمكن يكون قرش متخلل في شوية مياه واحنا بنأڨور عادي!

الآلة والإله

Deus Ex Machina ده تعبير لاتيني معناه “الإله من الآلة” أو بالإنجليزية God from the machine التعبير ظهر قديما أيام الإغريق لما كانوا بيمثلوا مسرحياتهم الترايجيدية والأحداث بتستلزم تدخل أحد الآلهة، فكانوا بيعلقوا ممثل على رافعة (آلة) وبينزلوه على المسرح بالتدريج كأنه نازل من السماء. والإله ده غالبًا كان بيحل المشكلة اللي أبطال المسرحية كانوا بيلاقوا نفسهم فيها. ومن هنا جاء تعبير الإله من الآلة أو ما نطلق عليه – ببساطة – التدخل الإلهي.

المسرحيات والأساطير الإغريقية فيها أمثلة كتير على استخدام deus ex machina.. لو تفتكروا مثلاً في أسطورة إيروس وسايكي لما سايكي دخلت في سبات أبدي والموضوع كان هينتهي نهاية غم لولا ظهور إيروس من اللاشيء كده علشان يصحيها بقدراته الإلهية ويرفعها معاه لجبل الأوليمب. وبرضه أسطورة ميديا اللي لسه حاكينها قريب لما إله الشمس بعت لها العربة بتاعته علشان تهرب فيها.

تعبير deus ex machina فضل مكمل معانا لحد عصرنا الحديث وبقى يستخدم لوصف أسلوب أدبي بيلجأ إليه الكاتب لما توصل بيه الأحداث لحارة سد وبيضطر يستخدم حاجة غير منطقية أو غير معقولة علشان يحل المشكلة ويفك عقدة الأحداث.. زي مثلاً لما تلاقي الأبطال اللي بقالهم 15 سنة على الجزيرة المهجورة طلعت لهم سفينة من العدم علشان تنقذهم أو لما البطل يطلع له خال غني فجأة كده يجي يسدد ديونه ويقتل الأشرار بلا أي حيثية أو مقدمات. وطبعًا مش محتاجين نقول إن استخدام الأسلوب ده في الأدب بيدل على ضعف الكتابة.

بعيدًا عن الأدب، فكرة deus ex machina من ناحية فلسفية بتعكس علاقة الإنسان المعقدة مع الإله. اسم الأسلوب وتطبيقه في المسرحيات الإغريقية بيدل على رغبتين متناقضتين: الرغبة في وجود قوة خارقة متحكمة في مصير الإنسان وراعية له، والرغبة في التخلص من القوة دي واستبدالها بالإرادة والفكر. كنا اتكلمنا قبل كده إن مهما الإنسان وصل من تقدم فجزء منه بيأنس لفكرة وجود كيان أكبر منه متحكم في الأمور ودي رغبة موجودة فينا من وإحنا أطفال لما كنا مريحين نفسنا خالص لأننا عارفين إن فيه شخص أكبر مننا، زي بابا أو ماما، واخد باله منّا ومن حياتنا ومسؤول عنّا. وده بالظبط اللي بتمثله فكرة “التدخل الإلهي” إننا مهما عكينا الدنيا وحشرنا نفسنا في مشاكل هنلاقي اللي يخرّجنا منها أو على الأقل يوجّهنا لجدواها.

موضوع بقى إن الكيان الإلهي معلق على آلة أو شيء من صنع الإنسان بيعكس رغبة الإنسان في تجاوز الكيان ده والاعتماد على نفسه وأدواته. الأدوات دي – المتمثلة في الآلة – اللي هي عقله وعلمه واختراعاته.. إلخ بتمكنه من التحكم في مصيره وتوفير إحساس الأمان أو سيبان الأيد اللي محتاجه ده مع الحفاظ على استقلاليته وإرادته الحرة الكاملة المتكاملة. نيتشه الله يرحمه قال جملة شهيرة جدًا وهي “God is dead” طبعًا هو مايقصدهاش بالمعنى الحرفي.. المقصود بيها إن الإنسان أتخلى عن فكرة وجود الإله وأدى لنفسه الدور ده وأخترع “الآلة” اللي تمكنه من القيام بواجبات الدور.

السؤال هنا بقى: هل الآلة المعقدة اللي اخترعها الإنسان من علوم وتكنولوجيا وفلسفة والذي منه قادرة على حمل فكرة الإله زي ما كانت الروافع بتشيل الإله على المسرح؟ هل هيبقى كفاية بالنسبة لنا علشان نقتنع بجدوى وجودنا ولا هنعتبرها رداءة في الكتابة زي ما بنتعامل مع الأسلوب في الأدب؟ وهل الإنسان عنده ما يكفى من الإرادة إنه يعمل على تطوير الآلة والحفاظ عليها بشكل مستمر؟ ولا الرغبة في التخلي عن الagency والاعتماد على كيان أكبر بتسيطر عليه أحيانًا؟

بقرأ حاليًا قصة قصيرة – الكاتب بتاعها عالم أعصاب على فكرة – من ضمن مجموعة قصصية خيالية عن الآخرة. القصة بتتخيل إن بعد ما الإنسان يموت هيكتشف إن حياته في الدنيا كانت مجرد انعكاس فكري لحظي لكائنات سماوية أكبر منه واجبها هو الحفاظ على الكون من التهاوي وإن تحول كل منهم لبني آدم للفترة القصيرة دي من الوقت – من منظورهم – بيعتبر إجازة وراحة من واجباتهم الجسيمة.. وده لأن الإنسان على الرغم من كل مشاكله هو تحت رحمة كيان أكبر – إله، طبيعة، إلخ – والفكرة دي نازلة في سيستم الوعي عنده، وعلى قد ما هي مخيفة ومُقيدة بس مريحة، زي بالظبط الطفل اللي بيخبط رجليه في الأرض علشان عايز يتخلص من سيطرة ماماته وباباه على حياته بس برضه بيبقى مطمن لوجودهم.

كلنا بنستخدم فكرة ال deus ex machina في حياتنا، مؤمنين أو غير مؤمنين بوجود إله، علشان نعرف نتعامل مع النص الوجودي (حياتنا) اللي لاقينا نفسنا فيه. الرافعة قد تكون عند البعض هي العلم أو الطبيعة أو الميتافيزيقا أو.. المهم إن الآلة تبقى قوية كفاية إنها تخلي النَص ذا مصداقية ومعنى.

هانا آرنت وتفاهة الشر

من كام يوم كده كنت بسمع بودكاست لستيفين ويست على Philosophize This (البودكاست اللي بنصح بيه وبشدة لأي حد مهتم بالفلسفة) بيتكلم فيه عن الفيلسوفة الألمانية هانا آرنت Hannah Arendt وفلسفتها عن طبيعة العمل في المنظومة الإنسانية وتحديدًا فكرتها الفلسفية الشهيرة المسماة بضآلة – أو تفاهة – الشر Banality of Evil.

هانا آرنت بتحكي إن أثناء متابعتها لمحاكمات القادة الألمان بعد انتهاء الحرب العالمية التانية كان فيه محاكمة واحدة تحديدًا لفتت انتباهها وهي محاكمة أدولف أيخمان Adolf Eichmann. أدولف أيخمان كان من الرؤوس الكبيرة في الرايخ الألماني ومن أهم منظمي المحارق ومعسكرات الاعتقال وقت الحرب. آرنت، وغيرها كتير، توقعوا إن هيطلع عليهم محمود المليجي بقى وإن أيخمان ده هيبقى الشر متجسدًا في صور إنسان. ولما المحاكمة ابتدت آرنت بتقول إنها ذُهلت من شكل أيخمان وطباعه وردوده على الأسئلة وأسبابه لارتكاب البلاوي اللي عملها دي لأنه بدا كشخص عادي جدًا وموظف بسيط – زي المواطن الأسمر أبو بطيخة عندنا كده – كل هدفه في الحياة هو اتباع الأوامر والحفاظ على منصبه وأكل العيش وخلاص.

الموضوع ده خلى آرنت تفكر في إن مفهومنا عن طبيعة الشر وأسبابه مبالغ فيه وبنتخيل الشر والأشرار كأشياء خارجة عن الطبيعة الإنسانية عارفين تحديدًا هم بيعملوا إيه علشان يعيثوا في الأرض فسادًا ويؤذوا الخلق ويحققوا أجندتهم الشريرة. لكن اللي بيحصل في الواقع إن الشر بيُرتكب لأسباب أتفه من كده بكتير وأحيانًا مرتكبيه مش بيبقوا مدركين إنه شر أصلاً.. وده اللي آرنت أطلقت عليه the Banality of Evil.. وهو إن جذور الشر التافهة الضئيلة دي بتعني إن كلنا، مهما أدعينا الطيبة والفضيلة، قادرين على ارتكاب أفعال غاية في الشر.

طيب نيجي للسؤال المهم اللي آرنت وبعدها فلاسفة كتير طرحوه، هل ضآلة الدوافع المتسببة في الشر أو عدم إدراكنا لحجم نتائجه ينفي وجود الشر بمفهومه الجذري؟ وهل حالة عدم الإدراك دي تعفينا من مسئولية النتائج؟

كنا أتكلمنا قبل كده عن الفرق بين الأخلاق الواجبة والعواقبية وقولنا إن فيه ناس أفعالها مبنية على الأخلاق الواجبة أو الصح والغلط في المطلق دون النظر للعواقب، في حين إن فيه ناس أفعالها مبنية على العواقبية أو النظر لعواقب الفعل بغض النظر الفعل نفسه صح ولا غلط في المطلق. يعني ممكن جدًا إن أدولف أيخمان كان شايف إن اللي عمله وقت الحرب ده “أخلاقي” وكان بيروح بيته كل ليلة يأكل البليلة السخنة وينام مرتاح الضمير لأنه كان بيتبع الأوامر وده الشيء الواجب اللي المفروض كل مرؤوس يعمله بغض النظر نتائج الأوامر دي إيه.

ولو حطينا آرنت وأيخمان على جنب هنلاقي إن فيه ناس حوالينا كتير – واحنا منهم طبعًا – بتقوم بأفعال عواقبها سيئة وبالتالي تُعتبر “شريرة” وهم مش مدركين لده وبدون أدنى اعتبار لواجبات أخلاقية ولا عواقبية ولا مهلبية. هل نعتبر ده شر؟

الحقيقة بقى إن آرنت بتقول لنا آيوه، لأن حتى لو اعتبرنا إن الشر غير متأصل بطبعه أحيانًا فده لا ينفي جثامة العواقب. ممكن آه يدينا نوع من التفهم لمرتكب الأفعال الشريرة لكن ده لا يعفيه من المسئولية لأن المفروض إننا نفكر في دورنا في المجتمع وفي نتائج أفعالنا وكلامنا مهما بانت تافهة وضئيلة. طبعًا أحب أضيف على كلام آرنت إن تفكيرنا في العواقب أحيانًا بيزيد الطين بلة وبيزيد من تخبطنا الأخلاقي لأن الفعل الواحد ممكن يبقى له مليون نتيجة ما بين الخير والشر.

الفكرة بس إن لو اقتنعنا إن evil is banal فلازم برضه نفكر إن banal is evil. زي ما الشر المطلق قد تكون طبيعته تافهة وضئيلة، فالتقليل والتتفيه من حجم الأفعال هو أيضًا شر مطلق.

دمتم متفكرين في منظومتكم الأخلاقية.