هرقل والمهام المستحيلة

أسطورة المرة دي هتكون عن أشهر أبطال عالم الأساطير الإغريقية على الإطلاق.. البطل ونصف الإله هرقل Heracles..

الأسطورة كالعادة بتبدأ من عند كبير الآلهة زيوس Zeus اللي، كالعادة برضه، بيُعجب ببشرية اسمها ألكميني Alcmene. ألكميني كانت أميرة جميلة جدًا وكانت حفيدة البطل بيرسيوس Perseus قاتل الميدوسا وزوجها كان ملك، بس ده طبعًا ولا يفرق مع زيوس في حاجة. زيوس أتنكر في صورة زوجها الملك ونام معاها وبعد تسعة شهور ألكميني خلفت توأمين: هرقل وايفكليس Iphicles. وبالرغم أن الاتنين اتولدوا من نفس البطن وفي نفس الوقت، كان واضح جدًا أن هرقل ابن زيوس مختلف عن أخوه البشري ايفكليس ابن الملك.

وفي نفس الوقت في جبل الأوليمب، الربّة هيرا Hera زوجة زيوس كانت قاعدة تغلي وتنكت في نفسها وأول ما ألكميني أنجبت التوأمين قررت أنها تحط هرقل في دماغها وتطين عيشته طول ما هو حي يرزق. مثلاً.. هرقل لما كان طفل رضيع عبيط لسه، هيرا سلطت عليه ثعبانين سامين علشان يعضوه ويموت وتخلص منه، بس هرقل شاف الثعبانين وافتكرهم لعبة وقعد يلفهم ويعضعض فيهم لحد ما ماتوا (هرقل بقى!).

هرقل كبر وأتدرب على يد أفضل المدربين وقوته الخارقة كانت واضحة للعيان. في الفترة دي هرقل كان عايش حياته في سلام نسبي وأتجوز وخلّف.. بس هيرا مانسيتهوش.

في يوم من الأيام هيرا أصابت هرقل بلعنة تسببت في جنونه لبضع ساعات.. في الساعات القليلة دي، هرقل قتل زوجته وأطفاله بوحشية. وأول ما عاد لرشده ولقى نفسه واقف وسط جثث زوجته وأطفاله مابقاش مصدق نفسه ولا أنه هو السبب في اللي حصل ده. هرقل ماكانش عارف يروح فين ولا يجي منين وقرر يروح لمعبد الإله أبولو Apollo وقعد يعيط ويصلي لحد ما العرافة اللي هناك قالت له إن الآلهة قررت أنها تخلي هرقل يكفّر عن ذنبه في مقابل خدمته للملك يوريثيوس Eurystheus لمدة عشر سنوات، ولو هرقل قدر يخدم الملك على أكمل وجه طوال الفترة دي الآلهة هتكافئه برفعه لجبل الأوليمب والخلود.

هرقل وافق.

طبعًا الشرط كان غريب جدًا والموضوع مش محتاج فكاكة علشان نعرف أن هيرا كانت ورا الخطة الجهنمية دي. يوريثيوس كان من أقارب هرقل والأهم من كده أنه واحد من رعايا هيرا وكانت مراهنة عليه يكون الملك والبطل الأوحد في العصر ده، وكون هرقل هيخدمه فده هيديها فرصة أنها تقدر تتلاعب بهرقل أو تتخلص منه زي ما هي عايزة.. ده غير أنها هتذله قدام قريبه الأضعف منه واللي كان بينه وبين هرقل عداوة واضحة.

المهم أن العشر سنين دول مطوا ل12 سنة، وخلال ال12 سنة يوريثيوس أوكل لهرقل القيام باثنتي عشرة مهمة مستحيلة سُميت فيما بعد ب”مهام هرقل” The Labors of Heracles كل مهمة فيهم أنيل من التانية..

المهمة الأولى (أسد نيميا The Nemean Lion):

يوريثيوس أمر هرقل بقتل أسد شرس في منطقة نيميا وهو على يقين أن هرقل مش هيرجع لأن مفيش حد قدر يقتل الأسد ده قبل كده. أسد نيميا كان ضخم جدًا ومتوحش وجلده سميك لا يُخترق. هرقل أخد الشومة والعِدة بتاعته وأتوكل على الله وراح. هرقل قعد يراقب الأسد لحد ما دخل الكهف بتاعه، فهرقل سد مدخل من مدخلي الكهف وفاجأ الأسد من المدخل التاني علشان يزنقه جوا. طبعًا الأسد هجم على هرقل بس هرقل أداله بالشومة فدروخه شوية وراح مسكه بين دراعه وخنقه (هرقل بقى!). بعد ما هرقل موت الأسد حاول أنه يسلخه علشان ياخد جلده اللي لا يخُترق يستخدمه كدرع بس ماعرفش يقطعه بأي سكينة أو خنجر، فراح عمل إيه بقى؟ خلع ناب من أنياب الأسد واستخدمها لقطع جلد نفس ذات الأسد، ولبس فعلاً جلد الأسد كدرع.

المهمة الثانية (الهيدرا الليرنية The Lernean Hydra):

يوريثيوس لما شاف هرقل راجع بجلد الأسد مابقاش مصدق، فهيرا أوحت له يأمر هرقل بالمهمة الثانية وهي قتل وحش الهيدرا في منطقة ليرنا. وحش الهيدرا ده من أبشع الوحوش الإغريقية وهو أقرب لأفعى ضخمة ذات رؤوس كثيرة، لما بيتقطع رأس منهم بيطلع مكانها اتنين! حاجة كابوسية كده. هرقل في المهمة دي تحديدًا استعان بابن أخوه علشان يعرف يسيطر على الهيدرا ويقطع كل الرؤوس.. فكان أول ما يقطع رأس ابن أخوه يجري يحرق منبت الرقبة فماتطلعش رؤوس تانية وبكده قدروا يقضوا على الهيدرا. قبل ما يمشي، هرقل أخد كميات كبيرة من دم الهيدرا، اللي كان بيعتبر نوع نادر من السموم، علشان يستخدمها في تغطية رؤوس الرماح والسهام بتاعته وبكده بقى عنده سلاح قاتل.

المهمة الثالثة (غزال سيرينيا المقدس The Ceryneian Hind):

المهمة الثالثة قد تبدو في ظاهرها سهلة لكنها أخدت من هرقل وقت ومجهود أكثر من أي مهمة تانية. يوريثيوس أمر هرقل بإحضار غزال مقدس يعيش في مدينة سيرينيا.. خدوا بالكم أنه قال له يمسك الغزال ويجيبه بس، مش يقتله، وهنا تكمن صعوبة المهمة. الغزال المقدس ده تحديدًا كان سريع جدًا، ده غير أنه مقدس.. يعني أي محاولة لإصابته بالسهم أو أي حاجة تانية لإبطاء حركته هتثير غضب الآلهة وهرقل مش ناقص. هرقل فضل يراقب الغزال ويجري وراه لمدة سنة كاملة! سنة كاملة بيدرس حركة الغزال وسرعته وعاداته علشان يقدر يختار الوقت المناسب اللي يمسكه فيه. أخيرًا هرقل قدر يمسك الغزال ورجع بيه لقصر يوريثيوس.

المهمة الرابعة (خنزير إيرمانثيوس البري The Erymanthian Boar):

وزي المهمة اللي قبلها، يوريثيوس برضه أمر هرقل بإحضار – مش قتل – خنزير بري متوحش بيعيش في جبل إيرمانثيوس بمنطقة أركاديا. هرقل أخد بعضه وطلع الجبل وفي الطريق قابل صاحبه القنطور Centaur ودخل في عركة مع أصحابه القناطير بسبب حوار كده مش موضوعنا دلوقتي. المهم يعني أن القنطور نصح هرقل بطريقة سهلة لاصطياد الخنزير وهو أنه يفضل يطارد الخنزير لحد قمة الجبل المغطاة بالثلج وهناك حركة الخنزير هتبقى بطيئة وهرقل هيقدر يمسكه بسهولة. هرقل عمل كده فعلاً ومسك الخنزير ورجع بيه ليوريثيوس اللي كان ميت في جلده لما شاف الحيوان المتوحش.

المهمة الخامسة (حظائر الملك أوجياس The Augean Stables):

المهمة دي قذرة شوية. يوريثيوس قال لهرقل يروح للملك أوجياس ينضف حظائر الماشية بتاعته بشرط أنه يعمل ده في يوم واحد بس. هرقل طبعًا وافق بس طول السكة كان قاعد يقول إيه المهمة الحقيرة اللي ملهاش لازمة دي.. لما راح بقى لحظائر الملك أوجياس اكتشف أنها كبيرة جدًا وأنها ماتنضفتش من ثلاثين سنة (قمة في العفانة يعني!) والمفروض أنه يخليها فلة بتلمع خلال 24 ساعة بس. هرقل قعد يفكر ويفكر لحد ما وصل لخطة: هرقل شاف أن فيه نهرين بيمروا بالقرب من الحظائر فراح حافر مجرى بحيث إن النهرين يمروا من خلال الحظائر ويشيلوا معاهم القرف اللي متكوم بقال ثلاثين سنة ده. الخطة نجحت فعلاً والملك أعطى لهرقل جزء من الماشية بتاعته مقابل اللي عمله.

المهمة السادسة (طيور ستيمفالوس The Stymphalian Birds):

الطيور دي كانت بتعيش عند مستنقع قرب مدينة ستيمفالوس وكان معروف عنها أنها بتأكل البشر وريشها عامل زي النصال الحادة، والمفروض هرقل يروح يقتلهم كلهم. هرقل راح وقدر يخرّج الطيور دي من مخبأها، بمساعدة الربّة أثينا Athena، وبعدين استخدم سهامه المغطاة بدم الهيدرا السام علشان يقتلهم.

المهمة السابعة (ثور مدينة كريت The Cretan Bull):

لو تفتكروا اتكلمنا قبل كده عن أسطورة البطل ثيسيوس Theseus ودخوله للمتاهة علشان يقتل المينوتور Minotaur الكائن اللي نصفه إنسان ونصفه ثور. المينوتور ده كان نتاج تزاوج زوجة ملك مدينة كريت مع ثور كان هدية من بوسيدون. المهم يعني يوريثيوس أمر هرقل يروح يجيب له الثور ده تحديدًا، اللي هو أبو المينوتور. هرقل راح مدينة كريت فعلاً وقعد يصارع الثور بس طبعًا قدر يتغلب عليه ويكتفه ويجيبه في شوال ليوريثيوس.

المهمة الثامنة (خيول الملك دايوميد The Horses of Diomedes):

يُقال إن كان فيه ملك اسمه دايوميد كان مربي الخيول بتاعته على أكل لحم البشر. يوريثيوس قال لهرقل يروح يجيب الخيول دي من الملك غصب عنه. فهرقل عمل إيه بقى؟ راح الأول للملك ورجالته وصارعهم وكتفهم بكل سهولة (هرقل بقى!) وراح مأكلهم للخيول.. وبكده، وبعد ما أداهم كميات كبيرة من اللحم اللي بيحبوه، الخيول بقت مطيعة لهرقل وقدر يرجع بيها لمملكة يوريثيوس.

المهمة التاسعة (حزام الملكة هيبوليت  The Girdle of Hippolyte):

هيبوليت كانت ملكة محاربات الأمازون الشهيرات، والمهمة التاسعة لهرقل كان أنه يروح للملكة هيبوليت وياخد منها الحزام الذهبي بتاعها اللي أهداه لها والدها إله الحرب آريز Ares. هرقل كان رايح ومتوقع عركة كبيرة طبعًا مع نساء الأمازون وكان خايف إنه مايقدرش يهزمهم، بس على عكس توقعاته الملكة هيبوليت قابلته بكل ترحاب وقعدوا يرغوا لساعات وارتاحوا لبعض، ولما سألته عن سبب الزيارة قال لها الحقيقة وشرح لها كل حاجة من الأول. هيبوليت أُعجبت بصراحة هرقل ووافقت أنها تدي له الحزام.

بس طبعًا بما أن هيرا مش هتسيب مهمة تعدي بسلام كده، اتنكرت في شكل واحدة من محاربات الأمازون وقعدت تنشر الشائعات بينهم أن هرقل جاي علشان يقتل الملكة. وبالفعل وهو ماشي خلاص هرقل فوجئ بجيش الأمازون كله بيهجم عليه بما فيهم هيبوليت اللي وصيفاتها اقنعوها بالشائعات. هرقل اضطر يحارب الأمازونيات وللأسف قتل هيبوليت وأخد الحزام وهرب.

المهمة العاشرة (ماشية العملاق جيريون The Cattle of Geryon):

المهمة دي في حد ذاتها مش صعبة بقدر صعوبة رحلة الذهاب والعودة والصعاب اللي واجهها هرقل فيهم. المفروض أن هرقل كان يروح يسرق الماشية بتاعت عملاق اسمه جيريون. جيريون كان عنده ثلاثة رؤوس وستة أزرع وستة أرجل.. يعني كأنه تلات بني آدمين لازقين في بعض. هرقل قدر يقتل جيريون بسهولة لكن المشكلة في طابور الوحوش اللي قابله وهو رايح للمكان اللي جيريون عايش فيه، وطابور الكائنات والآلهة اللي حاولت تسرق الماشية من هرقل وهو راجع، ده غير أن هيرا سلطت ذباب على القطيع فخلته يجري في كل مكان وهرقل مابقاش عارف يسيطر عليه. المهم بعد الدوخة ووجع القلب ده كله، هرقل الحمد لله رجع بقطيع الماشية ليوريثيوس.

المهمة الحادية عشرة (تفاح هيسبيريدس The Apples of the Hesperides):

ودي واحدة من المهام المستحيلة فعلاً واللي كانت هيرا متوقعة أن هرقل عمره ما هيقدر يعملها. المهمة كانت أن هرقل يروح لحديقة بتعيش فيها حوريات الهيسبيرديس بنات العملاق أطلس Atlas (الراجل اللي كان حرفيًا شايل الأرض على كتافه)، الحديقة دي فيها شجرة تفاحها من الذهب، والشجرة دي تحديدًا كانت مهر زيوس لهيرا لما تزوجها. وده لو مش صعب كفاية، فالحديقة موجودة في مكان غير معروف أصلاً ولا يمكن الوصول إليه.

هرقل لما سمع بالمهمة ضرب أخماس في أسداس بس برضه راح لما يشوف أخرتها إيه. وكالعادة قابله في الطريق تشكيلة متنوعة من الصعاب والأهوال بس أهم حاجة في الموضوع إنه قابل سارق النار بروميثيوس Prometheus وخلصه من عذابه الأبدي، ومقابل مساعدته دي بروميثيوس قال لهرقل على طريقة يقدر يحصل بيها على التفاح الذهبي وهي عن طريق خداع العملاق أطلس.

هرقل راح للحديقة وقابل أطلس وقال له إنه مستعد يشيل منه الأرض شوية على شرط أنه يروح بنفسه لبناته ويقطف من الشجرة التفاح الذهبي. أطلس طبعًا وافق على عرض هرقل علشان يرتاح من ثقل الأرض شوية. هرقل شال الأرض كلها على كتفه مكان أطلس. أطلس لما رجع بالتفاح رفض أنه ياخد الأرض تاني من هرقل وقال له إنه هيودي التفاح بنفسه ليوريثيوس (ما صدق لبّس الأرض لحد تاني). هرقل قال له “خلاص ماشي بس خد أمسك مني الأرض ثواني بس كده لحد ما أعدل هدومي وأحط مخدة على كتفي”.. أطلس زي الأهبل أخد منه الأرض تاني فراح هرقل خطف التفاح وحط ديله في سنانه وجري.

المهمة الثانية عشرة (كلب الجحيم سيربيروس The Hell Hound Cerberus):

في أخر مهمة، هيرا ويوريثيوس استخدموا أخر كارت معاهم ورموا على هرقل التقيلة بقى! يوريثيوس أمر هرقل بأنه يحضر له كلب الجحيم سيربيروس حيًا. كنا اتكلمنا قريب على سيربيروس وقولنا أنه كلب كابوسي بثلاثة رؤوس يحرس أبواب العالم السفلي ووظيفته أنه يمنع الموتى من الخروج والأحياء من الدخول. خطورة المهمة دي تحديدًا أن بنزول هرقل لعالم الموتى ممكن جدًا مايعرفش يرجع ويفضل هناك وبكده هيرا تكون حققت اللي هي عايزاه.

وعلشان كده هرقل استعد كويس للمهمة دي وقعد يتعلم عن عالم الموتى ويطلب من آلهة معينة المساعدة في النزول للعالم السفلي وقدم لهم العطايا علشان يضمن لنفسه الحماية والرجوع لعالم الأحياء. هرقل نزل فعلاً وأول حاجة عملها هو أنه طلب مقابلة إله العالم السفلي هاديس Hades. هرقل قال لهاديس الحقيقة وحكى القصة كلها من أولها.. هاديس السوسة قال لهرقل معنديش مشكلة تاخد سيربيروس بشرط أنك تصارعه من غير استخدام أي أسلحة أو أدوات أو دروع.. بطولك كده. هرقل اضطر أنه يوافق وراح يصارع سيربيروس وبعد معركة استمرت ساعات، هرقل نجح في إنهاك سيربيروس وأخده معاه لعالم الأحياء لمملكة يوريثيوس اللي يأس خلاص من محاولة التخلص من هرقل.

بعد 12 سنة خدمة ليوريثيوس، هرقل أتحرر من وعده أخيرًا وقدر يكفّر عن ذنبه، وبعد ما مات، وزي ما وعدته العرافة، هرقل صعد لجبل الأوليمب لينضم للآلهة ويكون واحدًا منهم كراعي للأبطال، وأصبحت بطولاته تزين السماء في صورة أجرام سماوية ومجموعات نجمية كمثال أبدي على القوة والمثابرة.

* * *

بعد ما عرفنا ظروف ولادته وحياته والمصاعب اللي قابلها، أول حاجة ممكن تلفت انتباهنا في حياة البطل هرقل هي العلاقة المركبة اللي بينه وبين هيرا. هيرا هي السبب في تعاسة هرقل وكل المصايب والأهوال اللي أتعرض لها، بس برضه وبشكل غير مباشر هي السبب في صعوده لجبل الأوليمب وخلود سيرته. حتى اسمه باليونانية معناه – وياللسخرية! – “المجد لهيرا”.. وكأن هيرا هي المحرك الأساسي، النار اللي كادت أن تحرق هرقل لكنه نجح في تحويلها إلى الشعلة اللي أنارت طريق المجد.

علاقة هرقل بهيرا بتبدأ من قبل ولادة هرقل، من رفضها لوجود المولود ده بسبب رفضها لزوجها أو لسلوكه عامةً. بس الغريب في الموضوع أن أولاد زيوس من نساء بشريات، أبطال أو غيره، كانوا ماليين الأرض، وهرقل مش أولهم ولا أخرهم. اشمعنى هرقل اللي أديته كل هذا الكم من الاهتمام؟ المثير للجدل في الموضوع ده أن معظم القراءات النفسية للأسطورة بتعتبر هيرا صورة الأم في وجدان هرقل وده بسبب غياب ألكميني من حياة هرقل وحصول هيرا على الحيز الأكبر فيها. طيب ليه أم ممكن تكره ابنها لهذه الدرجة؟ الإجابة الواضحة هي اضطراب العلاقة مع الزوج، زي العلاقة المهببة بين زيوس وهيرا، أو أن الطفل ده بيبقى دليل وتذكرة على فشل العلاقة.. أو الغيرة (اتكلمنا في ده قبل كده في أسطورة أراكني Arachne).. أو ممكن الكراهية تكون بلا أي سبب واضح. العلاقة بين الأم وابنها\بنتها مش دايمًا حب غير مشروط وفراشات زي ما المجتمع والأعراف بيصوروا لنا، فيه علاقات كتير بتشوبها الغيرة والغضب والسخط، وفيه أمهات بيجيلها اكتئاب ما بعد الولادة واللي لو ماتعالجش ممكن جدًا يتطور لشعور الأم بفقدان هويتها وسلطتها وسيطرتها على حياتها بسبب الطفل فبتوجه مشاعر الفقد والغضب دي ناحيته. هرقل كان بيحمل اسم هيرا، يعني كان مِلك لها، ولكن مجرد وجوده كان دليل على فشلها كربّة وزوجة وامرأة، وطول ما هو عايش بتشوف فيه انعكاس لفقدان سلطتها وسيطرتها وهويتها.

طيب نيجي لهرقل بقى، الطفل أو الابن.. ذنبه إيه في الليلة دي؟ الحقيقة إنه ملهوش أي ذنب وإنه للأسف بيضطر يشيل على عاتقه توابع اضطراب العلاقة مع الأم ومسئولية فهم الأسباب. الموضوع صعب، وبتبقى رحلة شاقة محفوفة بالكثير من المخاطر والمصاعب وجلد الذات علشان الابن يوصل للتصالح مع صورة الأم جواه والنفس.. بالظبط زي المصاعب اللي واجهها هرقل علشان في النهاية يوصل لجبل الأوليمب.

وعلى غرار عقدة أوديب، بعض علماء النفس استخدموا قصة هرقل لوصف بعض المشاكل النفسية اللي بتنتج من اضطراب علاقة الأم بابنها وسيطرتها عليه بشكل سلبي واسموها “عقدة هرقل” Heracles Complex. وعلشان نفهم العقدة دي أكتر وتأثيرها على هرقل وحياته محتاجين نرجع لعالم النفس كارل يونج Carl Jung وتحليله للأنماط اللي بتشكل شخصية كل واحد فينا. واحدة من هذه الأنماط هي الأنيما anima أو صورة المرأة في وجدان الرجل واللي بتتشكل منذ الطفولة وبتأثر على شخصية الرجل بشكل غير واعي بعد ذلك. يعني لو علاقة الأم بطفلها سليمة وقايمة على الحب المعتدل من البداية هنلاقي أن الرجل متفهم أكتر للجانب الأنثوي في شخصيته وده بينعكس بشكل صحي على علاقاته مع النساء بعد كده، والعكس صحيح طبعًا.

Carl Jung

هرقل للأسف لقى نفسه في علاقة سامة مع صورة الأم المتجسدة في هيرا. هرقل كان بيحاول يرضي هيرا بشتى الطرق – في الأول علشان يتفادى غضبها وبعدين علشان يكفّر عن ذنبه اللي كان بسببها برضه – وده بالظبط اللي بيحصل مع الطفل اللي بيلاقي نفسه مكروه من الأم، طبيعي أن عقله بيترجم ده على أنه تقصير من ناحيته فبيحس بالذنب وبيحاول يرضي الأم ويتفادى غضبها بشتى الطرق – وعلشان كده هرقل أتسمى الاسم ده – والإحساس بالتقصير والذنب بيفضل معاه كمان لما بيكبر، وحتى بعد ما الأم مابيبقاش لها سلطة عليه أو بيبعد عنها، برضه بيفضل شعوره بقيمة نفسه مربوط بيها وبيعيش خادم للعلاقة المضطربة المؤذية دي.

حتى محاولاته لتأسيس علاقة صحية مع الجنس الآخر بتختل بسبب اختلال وتشوه صورة الأنيما في نفسه. فكّروا كده في علاقات هرقل بالجنس الآخر في الأسطورة: زوجته… قتلها هي وأولاده بسبب الجنون اللي تسببت فيه هيرا. هيبوليت.. قتلها بسبب الشائعات اللي نشرتها هيرا. القتل هنا رمزي طبعًا.. حتى تدخل هيرا رمزي، الفكرة أنه بيقضي على العلاقات دي بنفسه بشكل غير واعي بسبب الصورة المشوهة للأم في وجدانه.

السؤال بقى هنا.. هل المهام اللي قام بيها هرقل دي كانت مجرد بتخدم العلاقة المؤذية مع صورة الأم وبتعقدها أكتر ولا كانت محاولات من ناحيته للتغلب عليها والوصول للتصالح؟ أعتقد إني بميل للإجابة الثانية أكتر. على الرغم من صعوبة المهام وتأكيدها على خضوع هرقل اللاوعي لهيرا، ففي النهاية المهام دي كانت السبب في وصول هرقل لمبتغاه والتصالح مع صورة الأم ومع نفسه واللي بيتمثل في وصوله لجبل الأوليمب وتحوله لواحد من الآلهة. بعد صعوده لجبل الأوليمب علاقة هرقل بهيرا خلاص مابقتش علاقة خادم بيحاول يرضي المخدوم بشتى الطرق، بقت علاقة متساوية قائمة على استقلال الطرفين، وهي دي الفكرة: سواء قررت تقرب أو تبعد عن الأم نفسها، فالمهم هو أنك تحقق الاستقلال من جواك، أنك تتعايش مع نفسك ومع صورتها جواك بشكل سليم. المهام دي للأسف هي الطريق الصعب اللي كل سجين علاقة مؤذية مع الأم بيضطر يمشيه علشان يتصالح مع نفسه، علشان يخلص نفسه من عقد التقصير والتعلق وجلد الذات.. المهام دي هي رحلة البطل الحقيقية.

كل الوحوش والأهوال اللي واجهها هرقل هي تجسد للكلاكيع والمشاكل اللي العلاقة دي سابتها في نفسه، وبإنجاز كل مهمة، هرقل كان بيقرب أكتر للتعافي والتفهم.

أول شيء ممكن نلاحظه في رحلة هرقل البطولية أن مش كل المهام كانت محتاجة قوة، بعضها كان محتاج ذكاء وحيلة زي قتل الهيدرا وتنضيف حظائر الملك أوجياس وإحضار التفاح الذهبي، بعضها كان محتاج صبر ومثابرة زي الإمساك بالغزال المقدس والخنزير البري، وبعضها كان محتاج صراحة ومواجهة زي إحضار حزام هيبوليت والإمساك بسيربيروس.. مهام منهم هرقل تلقى فيها المساعدة من أصحاب وأقرباء وآلهة، ومهام تانية اضطر يخوضها لوحده. وده يوضح لنا أن رحلة التعافي هتحتاج أن الشخص يوظف فيها كل ما يملك من موارد بدنية وعقلية وعاطفية.. هتحتاج أنه يطلب المساعدة أحيانًا، وفي أحيان أخرى أنه يقف بطوله.

الجميل في الموضوع كمان أن المهام مرتبطة ببعض بشكل تصاعدي، بمعنى أن كل مهمة بتساعد هرقل على تخطي المهمة اللي بعدها وبتديله القوة والصفات اللازمة لإكمال الرحلة. قتله للأسد كان صعب، بس بمجرد انتهاء المهمة استفاد من جلد الأسد اللي أصبح درع بيحميه من السهام وأنياب الوحوش في المهام التالية. نفس الموضوع مع الهيدرا، قتلها كان صعب وعنيف، بس بمجرد انتهاء المهمة استفاد من دمها اللي استخدمه في قتل الطيور والعملاق جيريون وغيرهم بعد كده. والصبر اللي أتعلمه في الإمساك بالغزال استفاد بيه في الإمساك بالخنزير البري. كل تجربة سيئة أو تحدي في رحلة التعافي بيضيف شيء لشخصيتنا بيساعدنا على الاستمرار.. بعض التجارب والمواجهات بتخلينا أقوى، بعضها بتخلينا أكثر حرصًا، والبعض الآخر أكثر تفهمًا.. وهكذا.

حاجة كمان بخصوص المهام، نلاحظ أن المهام في أولها كانت أكثر عنفًا من أخرها، بمعنى أن في الأول أوامر يوريثيوس كانت بالقتل والتدمير، وبعدين بالتدريج تحولت للسيطرة على حيوانات أو إحضار أشياء معينة أو الخروج من مواقف معقدة أو تنضيف أماكن. وده يورينا أن الرحلة في أولها بتنطوي على عنف وتدمير – مش مقصود بالعنف هروح أقتل اللي مضايقني! – لأن الإنسان في أول رحلته بيبقى متخبط وعايم في مشاعر الغضب والألم فطبيعي أن ردود الفعل تكون عنيفة تجاه نفسه وتجاه اللي حواليه، بس بمجرد تخطيه المرحلة دي المعارك الداخلية بتبتدي تاخد أشكال مختلفة أقل عنفًا بس أكثر تعقيدًا. مثال: لما تكون في علاقة معقدة مع الأم أو الأب، طبيعي أن هتلاقي نفسك في مرحلة الطفولة والمراهقة بتميل للتمرد والإنفجار والتدمير، وده تعبير عن الرفض طبيعي ومتوقع، بس بمجرد ما بتتخطى المرحلة دي بتبتدي تدور على أسباب الألم والمشاعر السيئة جواك علشان تمسكها وتدرسها وتفهمها، وبعدين بتحاول تغسل رؤيتك لنفسك من كل المشاعر المغلوطة اللي اتعلقت بيها عبر السنين.. كل خطوة بتتجاوز بيها مشاعر الغضب بتسمو بيك ذراعًا نحو التفهم.

وعلشان كده بشوف أن أخر مهمتين في رحلة هرقل هما أهم اتنين. في رحلة حصوله على التفاح الذهبي من الشجرة – كإشارة واضحة للمعرفة الكاملة – هرقل بيضطر حرفيًا يشيل ثقل العالم على كتفيه. الثقل ده في رحلة التصالح هو إدراك أن كل الأطراف بتتألم بشكل أو بآخر.. الثقل ده هو القدرة على رؤية نفسك والأخرين بنفس المقدار من التعاطف والتفهم. القدرة على موازنة كل المشاعر دي بعقلانية هي أقرب لموازنة الأرض على كتفيك. أما المهمة الأخيرة، الإمساك بكلب الجحيم سيربيروس، هي القدرة على تحقيق التوازن ده بما يحقق التصالح مع النفس في النهاية. قبل كده لما تكلمنا على سيربيروس في موضوع سابق قولنا إنه برؤوسه الثلاثة ووجوده بين عالمين بيحتل مكان وسطي شامل قادر على رؤية كل شيء. هرقل لما بيصارع سيربيروس بدون أي أدوات أو مساعدات خارجية فكأنه بيسترجع القدرة على التحكم في جميع جوانب نفسه بشكل كامل: جسده وعقله ومشاعره.. الثلاثة رؤوس. وهي دي بالظبط عملية الـ individuation اللي قال لنا عليه كارل يونج، وهي قدرة الشخص على احتواء جميع أجزاء نفسه ووجدانه الواعية واللاواعية والتصالح معها.

فيه قراءات تانية للأسطورة زي القراءات الفلكية واللي بتشوف أن كل مهمة من مهام هرقل الاثنتي عشرة بتتوافق مع برج من الأبراج الفلكية، فمهمة قتل أسد نيميا مثلاً تتوافق مع برج الأسد، والإمساك بالغزال المقدس مع برج الجدي، والإمساك بثور كريت مع برج الثور، وقتل العملاق جيريون مع الجوزاء.. وهكذا. بس القراءات دي الصراحة مبهوقة شوية وغير مقنعة خصوصًا لغير المتخصصين من أمثالي.

اللي لفت انتباهي في موضوع ربط المهام بالأبراج الفلكية دي هي فكرة التكرار والتواتر.. الأرض بتتعامد مع كل مجموعة نجمية من دول مرة كل سنة.. كل سنة بنمر بالرحلة اللي مر بيها هرقل وبنعدي على كل مهمة قام بيها. وده إن دل فإنما يدل أن الحياة لا تنتهي بالوصول، وإننا لو خلصنا رحلة فلسه قدامنا رحلات تانية كتير في اتجاهات مختلفة.

الكاتبة الأمريكية كوبية الأصل أناييس نين Anaïs Nin بتقول في الجزء الرابع من مذكراتها إننا كبشر لا ننضج على خط زمني مستقيم وإنما بشكل نسبي متفرق، فقد نكون كبارًا في جانب من جوانب حياتنا وأطفالاً في جوانب أخرى، الماضي والحاضر والمستقبل يتداخلون ويتجازبون أطرافنا في جميع الاتجاهات لنكتشف أننا متعددي الطبقات والأبعاد.. كالمجموعات النجمية.

Anaïs Nin

فيه منا بيمر برحلة واحدة في حياته، ومنا بيمر برحلة كل سنة، وفيه اللي بيمر بكذا رحلة في أكتر من اتجاه كل يوم.. في رحلة ممكن نكون لسه في أول مهمة، في رحلة تانية ممكن نكون في الأخيرة، قد نفشل في رحلات وننجح في أخرى، المهم أن كل خطوة بنخطوها وكل مهمة بننجزها نحو الوصول هتُخلّد في سماء وجداننا وهتنور لنا طريقنا مثلما خُلّدت مهام هرقل في سماء عالمنا.

دمتم أبطالاً.

ايكسيون والعجلة الجهنمية

وفقًا للأساطير الإغريقية، ايكسيون Ixion كان زعيم من زعماء منطقة تساليا Thessaly في اليونان. في يوم قرر أنه يتزوج من الأمير الجميلة ديا Dia وفعلاً راح وطلبها من والدها الملك ووعده بتقديم بعض من خيوله المشهورة كمهر لها.

ايكسيون تزوج من ديا وأخدها تعيش معاه في قصره، الملك والد ديا فضل مستني ايكسيون يبعت له المهر المتفق عليه.. يوم واتنين وتلاتة ومفيش حاجة وصلت! الملك قال مابدهاش بقى وبعت مجموعة من رجاله لقصر ايكسيون علشان ياخدوا الخيل المتفق عليه بالعافية، وحصل فعلاً.

ايكسيون استشاط غضبًا أن حد تجرأ وأخد منه حاجة غصب عنه، فراح فكر في خطة انتقامية وعزم حماه الملك عنده في القصر بنية التصالح وإرجاع المياه لمجاريها، والراجل جيه بحسن نية مش مدي خوانة خالص. ايكسيون استقبل الملك وعزمه على وليمة عملاقة وبعدين وهما بيتمشوا في البلكونة راح زقه والراجل وقع على فحم مشتعل كان ايكسيون محضره مسبقًا.

طبعًا كلنا عارفين أن في الحضارة الإغريقية القديمة قتل الضيف كان بيعتبر من الجرائم الكبرى وإهانة للآلهة ذات نفسهم، فالناس لما عرفت بعملة ايكسيون المهببة في حق ضيفه، وحماه، بقوا يعاملوه كمجرم منبوذ وبيشتموه ويحدفوه بالطوب في الشارع لحد ما ساب المدينة خالص وفضل هايم على وجهه زي المجانين.

هنا بقى كبير الآلهة زيوس Zeus قرر يتدخل بعد ما شعر بالشفقة تجاه ايكسيون (محدش يسألني ليه مع أنه كان بيعاقب ناس على حاجات أهبل من كده بمراحل!) ورفع ايكسيون لجبل الأوليمب علشان يقعد في النعيم مع الآلهة شوية يفك عن نفسه ويتبسط كده. المهم، ايكسيون أول لما شاف هيرا Hera زوجة زيوس اتهبل عليها وفضل يلاحقها ويبصبص لها ويحاول يتقرب منها لحد ما هيرا اشتكته لزيوس وقالت له شوف لك حل في ابن العبيطة اللي أنت جبته ده. وعلشان يتأكد من كلامها، زيوس عمل سحابة على شكل هيرا بالظبط وقال لهيرا تختفي شوية. ايكسيون أول ما شاف السحابة افتكرها هيرا وقعد يتحرش بيها لحد ما مارس معاها الجنس، زيوس أول ما شاف اللي عمله ايكسيون اتجنن وأمر بمعاقبته بعقاب أبدي يليق بفعلته المهببة.

زيوس أمر بربط ايكسيون في عجلة من ايديه ورجليه، والعجلة دي هتفضل تدور للأبد في حقل من النار في تارتاروس Tartarus (الجحيم في الأساطير الإغريقية) وايكسيون هيدور معاها زي الفرخة في شواية الحاتي كده.

عادةً لما بقرأ أي قصة\أسطورة فيها البطل بيتعرض لمشاكل أو مصايب أوعذاب أبدي بتعاطف معاه على طول وبحاول أفهم دوافعه وأحط نفسي مكانه وأشوف إيه اللي ممكن يخلي شخص يتصرف كده، بس حقيقي ايكسيون مثال متوج في العفانة والدونية.. الراجل ماسبش خطيئة ولا مصيبة إلا وعملها: خيانة وحنث بالوعد وقتل وتحرش واغتصاب.. ما شاء الله ماشي بقائمة موبقات في جيبه.. ده مش بطل عنده خطأ\عيب تراجيدي أدى لسقوطه، ده هو كله خطأ أصلاً ماشي على رجلين. وده خلاني أفكر أن ايكسيون في الأسطورة ممكن مايكونش رمز لنموذج بشري مستقل بذاته وإنما هو مجاز لصفة بشرية محددة وهي الرغبة.

لو رجعنا للأسطورة تاني هنلاقي أن ايكسيون هو تجسد للرغبة بغشوميتها وتسرعها وإحساسها بالاستحقاق: شاف واحدة عجبته تزوجها من غير مقابل وكأنها حق مكتسب، واحد أخد منه حاجة مستحقة يقتله، شاف ربّة جميلة عجبته ينام معاها.. كل شيء سهل ومستحق ولازم يتحقق لحظيًا بغض النظر عن الأسباب والنتائج. الرغبة هي وليدة اللحظة دون أي اعتبارات أخرى زي ما اتكلمنا قبل كده في أسطورة أتالانتا.

وعلشان كده الفيلسوف الألماني آرثر شوبينهاور Arthur Schopenhauer استخدم أسطورة ايكسيون وعقابه الأبدي علشان يقول لنا إننا كبشر كائنات مدوفعة برغباتها وده بيخلينا زي ايكسيون كده مربوطين في عجلة طول حياتنا وقاعدين نلف حوالين نفسنا في جحيم من الرغبات اللي مابتتحققش وحتى لو اتحققت بنحس بلحظات قصيرة جدًا لا تُذكر من النشوة ونرجع نلف تاني مع العجلة الجهنمية.

الجميل في الموضوع بقى إن في أسطورة تانية لما أورفيوس Orpheus الشاعر صاحب الصوت العذب الملائكي لما بينزل العالم السفلي علشان يتسعيد زوجته وبيغني لبيرسيفونPersephone  على قيثارته يُقال إن عجلة ايكسيون توقفت عن الدوران والنيران توقفت عن حرق جسده، فقط في اللحظات القليلة اللي أورفيس كان بيغني فيها، وبعدها رجعت العجلة للدوران.. وكأن فعلاً ده بيصدق على كلام شوبينهاور أن العجلة قد تتوقف للحظات خاطفة بسبب قد يثري الروح، زي أغنية أورفيوس، ولكنها سرعان ما تعود للدوران مرة أخرى في حتمية أبدية.

فيه روايات للأسطورة بتقول إن ايكسيون فقد عقله بعد نبذ الناس له وكان بيمشي في الشوارع يزعق ويصرخ، وده بيخليني أفكر أن ممكن تكون الفقرة اللامنطقية بتاعت العفو الإلهي وشعور زيوس بالشفقة تجاهه ورفعه لجبل الأوليمب وتحرشه بهيرا قد تكون كلها كده من وحي خياله وأن عقله المثقل بالذنب حبسه في سيناريو تاني بيقابل فيه الكرم بالإساءة والحب بالفجر، وبكده بيصبح جنونه ده هو العجلة الجهنمية المربوط فيها للأبد.

أتالانتا والتفاح الذهبي

عادةً لما بنتكلم عن النساء في الأساطير الإغريقية بتبقى بطلة القصة يا ضحية مغلوبة على أمرها، يا شخصية شريرة عملت حاجة مهببة.. نادرًا ما بنشوف بطلات صاحبات عزم وقوة تضاهي قوة الأبطال من الرجال مثل هرقل وأخيل..

النهاردة هنتكلم عن البطلة الإغريقية أتالانتا Atalanta

أبو أتالانتا كان ملك مقاطعة أركاديا Arcadia وكان راجل دقة قديمة ودماغه جزمة ونفسه في ولد يشيل اسمه ويرث الحكم من بعده، لما عرف أن مراته خلفت بنت هاج وماج وأخد المولودة ورماها في الغابة علشان يتخلص منها. الطفلة الرضيعة المسكينة فضلت تعيط لحد ما شافتها دبة وأخدتها وأرضعتها من لبنها. أتالاتنا كبرت في الغابة مع الدببة والأسود واتعلمت الجري والوثب والصيد زيهم (كده عرفنا قصة طرزان مستوحاة منين). وفي مرة شافها اتنين من كائنات القنطور Centaurs، اللي نصهم حصان والنص التاني إنسان دول، وانبهروا بجمالها الشرس وحاولوا يغتصبوها، لكن طبعًا أتالانتا صارعتهم وقتلتهم بكل سهولة.

أتالانتا لما كبرت وبقت شابة سابت الغابة وابتدت تتنقل من مدينة للتانية تصارع الأبطال والوحوش وتنجز المهمات الصعبة مقابل الشهرة والمال، وفعلاً ذاع صيتها كبطلة مغوارة لدرجة أن الناس كانوا بيطلبوها بالاسم. أتالانتا مثلاً شاركت البطل جاسون Jason في رحلته الأرجونية مع أبطال آخرين، وكمان صارعت البطل بيليوس Peleus وهزمته شر هزيمة وعرته قدام صحابه الأبطال.

ما علينا، عدت سنين كتيرة وأتالانتا البطلة التي لا تُقهر بقت معروفة في جميع أرجاء اليونان وهنا أبوها المعفن قرر أنه يعترف بيها (ماحدش يسألني عرف أن دي بنته إزاي أصلاً). المهم يعني أتالانتا، اللي عاشت طول عمرها وحيدة من غير لا حبيب ولا قريب ولا غريب، لما عرفت برغبة أبوها لانت وقررت ترجع علشان تبقى أميرة أركاديا. الملك أول ما اتطمن أن أتالانتا رجعت تحت طوعه تاني قال لها احنا لازم نجوزك بقي!.. أي محاولة للسيطرة على بنته وخلاص. أتالانتا طبعًا رفضت وبشدة لأنها كانت واهبة نفسها للربّة أرتميس Artemis ربّة الصيد والبرية وكانت واخدة عهد على نفسها أنها هتفضل عذراء حرة طول حياتها، ده غير إنها كانت غير متقبلة للحياة الزوجية غير المتناسبة مع شخصيتها الجامحة.

المهم فضلت تعارض رغبة والدها وهو يصمم لحد ما وصلوا لحل وسط: أتالاتنا هتسابق أي شخص راغب في الزواج منها ولو قدر يسبقها هتتجوزه لكن لو هي اللي سبقت هتموته. أتالانتا كانت متأكدة أن طبعًا مفيش حد هيقدر يسبقها، وفعلاً عشرات من الراغبين في الزواج منها أقبلوا على السباق وهي كانت كل مرة بتسبق وكانت بتقتلهم واحد ورا التاني لحد ما جيه واحد اسمه هيبومينيس Hippomenes. هيبومينيس كان شاب وسيم شكله ابن ناس ولطيف وأتالانتا أول ما شافته افتكرت أنها هتسبقه بسهولة زي غيره، بس هيبومينيس مكانش زي غيره. قبل ما يروح يتقدم لأتالانتا، هيبومينيس الذكي راح لمعبد ربّة الحب والجمال أفروديت Aphrodite وطلب منها إنها تساعده علشان يفوز في السباق ويتجوز أتالانتا. بعد أيام من الصلاة والتضرع أفروديت وافقت تساعده بشرط إنه يرجع لها بعد ما أمنيته تتحق علشان يظهر الامتنان (أكيد كانت ناوية له على نية سودا، الآلهة وقتها ماكانوش بيهبوا أي حاجة بلا مقابل). هيبومينيس وافق وأفروديت أعطته ثلاث تفحات من الذهب وقالت له يرمي واحدة قدام أتالاتنا كل ما يحس أنها هتسبقه.

يوم السباق هيبومينيس استعد وحط الثلاث تفاحات في جيبه ولما ابتدى السباق وحس أن أتالانتا هتسبقه بسهولة راح رامي أول تفاحة على جانب طريق السباق، أتالانتا لما شافت حاجة لامعة ذهبية بتترمي قدامها توقفت عن الجري وراحت تلتقطها ولما اكتشفت أنها تفاحة من الذهب أخدتها وحطتها في جيبها.. ساعتها كان هيبومينيس اتقدم عليها بحبة حلوين فراحت هي جارية أسرع، فراح هو رامي التفاحة التانية وبرضه ماقدرتش تقاوم ووقفت علشان تلتقطها وتحتفظ بيها، وحصل نفس الكلام في التفاحة التالتة اللي كانت قرب نهاية السباق.. وبالفعل قدر هيبومينيس يسبق أتالانتا بفرق شعرة، أتالانتا ماقدرتش تعترض طبعًا ووافقت على الزواج من هيبومينيس.

ولنا هنا وقفة..

أتالانتا مثال يُحتذى بيه في القوة والمثابرة والذكاء في عالم أبطاله كلهم كانوا من الرجال والمرأة فيه دورها ضئيل جدًا، بس دايمًا أجي عند حتة التفاحات دي واستغرب جدًا من هطلها وسرعة وقوعها في فخ عبيط زي ده. كل القراءات السطحية للأسطورة بتعزي هزيمة أتالانتا إلى طمعها علشان الثلاث تفاحات زغللوا عينيها زي ما بيتقال، بس لو حطينا نفسنا مكانها ممكن نحاول نفهم دوافعها أكتر والمغزى وراء الأسطورة.

الأول نسأل نفسنا اشمعنى تفاح من الذهب؟ ليه هيبومينيس مارماش قدام أتالانتا سبايك ذهب؟ أو مثلاً حرنكش من الذهب أو قفص مانجة عويسي من ذهب؟ اشمعنى التفاح؟

التفاحة متأصلة في الوعي الجمعي كفاكهة الخطيئة بسبب قصة آدم وحواء الشهيرة وأكلهم من الشجرة المحرمة اللي ربنا نهاهم عنها. طيب هم ليه أكلوا منها أصلاً؟ علشان الشيطان استخدم نقطة ضعفهم ضدهم وأغراهم بالخلود والمعرفة. وهنلاقي أن التفاحة المحرمة بتظهر في قصص تانية زي المهام اللي أوكلت لهرقل للتكفير عن ذنبه وإثبات بطولته ومنها مهمة الحصول على التفاح الذهبي اللي استخدمه زيوس Zeus كمهر لزوجته هيرا Hera وهرقل قعد يصارع تنانين وبتاع علشان يوصل له. وفي قصة تالتة هنلاقي أن تفاحة ذهبية كانت السبب في إشعال الضغينة بين الربّات الثلاثة هيرا وأفروديت وأثينا واللي ترتب عنها نشوب حرب طروادة (هنبقى نحكي القصة دي بعدين).

فواضح كده أن التفاح ده عامل مشاكل في كل زمان ومكان.. ولكن العامل المشترك في القصص دي هو أن التفاحة هي رمز لما يرغب فيه الشخص وبالتالي نقطة ضعفه: آدم يرغب في الخلود والمعرفة، هرقل يرغب في الخلود والبطولة، هيرا وأفروديت وأثينا يرغبن في السلطة والتميز، وهنلاقي أن في كل قصة من دول رغبة كل واحد من أبطالها تجسدت في صورة تفاحة بريئة.. وحصولهم على التفاحة جيه على دماغم في الأخر.

طيب ليه أتالانتا سعت وراء التفاح؟ شافت فيه إيه ينقصها؟ أتالانتا التصقت فيها صفة الدونية من ساعة ولادتها بسبب كونها بنت وعلشان كده قضت حياتها كلها بتحاول تثبت أنها مثل الرجال وأفضل، وعلى فكرة اسمها باليونانية يعني equal in weight أو “مساوي في الوزن”.. يعني وجودها كله هو محاولة لإثبات أنها جديرة بالحياة اللي أبوها حرمها منها لمجرد أنها مش رجل، فطبيعي أن رد فعلها يكون أنها تسعى للقوة والبطولة والتميز.. وده اللي هي شافته في التفاح الذهبي.

وهنا احنا مش بنلوم أتالاتنا على رغبتها في البطولة والتميز، ولكن الفخ اللي وقعت فيه ده بيوضح لنا أن أحيانًا بيبقى فيه فرق كبير بين الرغبة في الشيء وتحقيقه وأن مش لازم الاتنين يكونوا متوافقين. الرغبة في أغلب الأوقات بتعمينا عن الطريق اللي المفروض ناخده علشان نوصل للمرغوب فيه، يعني مثلاً واحد عايز يوصل لمنصب معين في شغله بدل ما يشتغل ويتعب ممكن رغبته الشديدة في المنصب ده تدفعه للتحايل والتملق والزنبقة في زمايله.. بالظبط زي آدم وحواء كده، رغبتهم الشديدة دفعتهم لاختيار أقصر الطرق للمعرفة والخلود اللي هم كده كده كانوا هيوصلوا لها. وقد تكون رغبة أتالانتا الجارفة في البطولة – لتعويض النقص اللي تسبب فيه أبوها العرة – هي اللي عمتها عن حقيقة أن الوصول لغايتها هيتم بإكمال السباق مش بالتشتت والمتعة اللحظية بالحصول على شوية تفاح. الروائي نييل جايمان Neil Gaiman في The Sandman بيوصف الرغبة (وهي شخصية من شخصيات الكتاب) بإنها كائن وليد اللحظة “Desire is a creature of the moment” وإنها بتنسى كتير لأنها مابتبصش على الماضي والمستقبل وكل اللي يهمها هو دلوقتي، المتعة اللحظية وأقصر الطرق للوصول إليها، مع أن وجودها ممتد وأبدي وبيلقي بظلاله على الماضي والحاضر والمستقبل.

أنا شايفة إننا دلوقتي وضعنا لا يختلف كثيرًا عن وضع أتالانتا، بنجري في سباق علشان نحقق السعادة أو السلام النفسي (أو أيا كان اللي هيخلينا مبسوطين) والتفاح الذهبي قاعد يتحدف علينا من كل حتة وبنشوف فيه تحقيق لرغباتنا فبنجري وراه زي الهُبل وننسى السباق، ولما نعرف حقيقة التفاح ونحاول نرجع تاني للسباق بنلاقي نفسنا اتأخرنا شوية.. وأحيانًا كتير، وهكذا.

في النهاية أتالاتنا اتجوزت هيبومينيس، بس هيبومينيس نسي يرجع لأفروديت علشان يشكرها زي ما وعدها (فاكرين؟)، وطبعًا بما أن الآلهة مابتنساش، أفروديت انتقمت من الزوجين (أتالانتا المسكينة اتاخدت في الرجلين بذنب جوزها) بإنها وقعتهم في فخ ودفعتهم إنهم يدنسوا معبد من معابد زيوس وبالتالي فقدوا هيئتهم البشرية واتحولوا لأسدين. وعلى الرغم من غرابة وقسوة العقوبة إلا أني مش قادرة أشوفها غير أسعد نهاية تستحقها أتالاتنا الشجاعة الجميلة.. كلنا عارفين إن في أي قطيع من الأسود الأنثي هي اللي بتقوم بالصيد معظم الوقت في حين أن الذكر بيقعد يحمي القطيع، فبكده أتالانتا بتحقق حلمها بأنها تعيش حرة وقوية وتفضل تجري وتصطاد وتثبت أنها أقوى وأشجع من أي رجل.. وكأن حلمها لم يسعه عالم البشر.

بيليروفون: عودة أم هروب؟

النهاردة هنتكلم عن ابن ملك مدينة كورينث Corinth البطل الإغريقي المغوار بيليروفون Bellerophon..

بيليروفون كان أمير معروف عنه الوسامة والشهامة والشجاعة، لكن للأسف حصل أنه في يوم قتل واحد في خناقة ونتيجة لفعلته المهببة دي أبوه الملك اضطر ينفيه لمدينة تانية. برويتوس Proetus، ملك المدينة التانية، استقبل بيليروفون بترحاب واستضافه في قصره وكل الناس في القصر والمدينة اجمعوا على أدب وشهامة بيليروفون. مين بقى اللي أُعجب ببيليروفون وهام به حبًا؟ زوجة الملك برويتوس.. الست فضلت تحوم حوالين بيليروفون وتغريه بشتى الطرق والتاني يصدها لحد ما حست بالإهانة وقررت تنتقم منه –  a la امرأة العزيز – وراحت لزوجها الملك وقالت له أن بيليروفون حاول يغتصبها. برويتوس أتجنن طبعًا وقرر يقتله، لكنه أفتكر أن بيليروفون ضيفه (زمان كانوا بيؤمنوا أن قتل الضيوف بيتسبب في غضب الآلهة) وماينفعش يقتله في المكان اللي استضافه. برويتوس بقى فكر في فُكيرة علشان يتحايل على الموقف وأرسل بيليروفون برسالة لحماه الملك أيوباتيس Iobates، وكتب في الرسالة “اقتل حامل هذه الرسالة لأنه حاول أن يتعدى على زوجتي، ابنتك.”

بيليروفون، بكل العبط اللي في الدنيا، أخد الرسالة المقفولة وراح بيها للملك أيوباتيس، وبما أن بيليروفون سمعته الطيبة سابقاه أيوباتيس رحب بيه واستضافه في القصر وأكل معاه عيش وملح، ولما افتكر بقى وقرأ الرسالة اللي باعتها له زوج بنته اتصدم ولقى نفسه واقع في نفس مشكلة برويتوس لأن بيليروفون بقى ضيفه وماينفعش يقتله. فراح فكّر في فكرة جهنمية وبعت بيليروفون في مهمة انتحارية لقتل الوحش الأسطوري الشهير الكيميرا Chimera اللي كان بيروّع العديد من المدن المجاورة. الكيميرا كان وحش كابوسي بثلاث رؤوس في أماكن مختلفة في جسمه: جسده كان جسد أسد وديله رأس ثعبان وطالع من ضهره رأس جَدْي، ده غير إن رأس الأسد كانت بتطلع نار زي التنين كده.

بيليروفون وافق على التحدي ولكنه أدرك أنه مش هيقدر يقتل الكيميرا بطوله كده وهيحتاج مساعدة خارقة ملائمة للمهمة، وبعد السؤال والبحث عرف أنه محتاج يروض الحصان الطائر الشهير بيجاسوس Pegasus وأن الطريقة الوحيدة لترويضه هي طلب المساعدة من الآلهة. بالفعل بيليروفون راح لمعبد آثينا Athena وقعد يدعي طول الليل ويطلب منها المساعدة في ترويض بيجاسوس لحد ما تعب ونام في المعبد، وهناك حِلم بآثينا وهي بتديله لجام ذهبي. بيليروفون صحي من النوم ولقى جنبه على الأرض لجام ذهبي، طبعًا أخد اللجام وراح بيه لبيجاسوس وقدر فعلاً يروضه بسهولة. أنطلق بيليروفون على ظهر بيجاسوس وواجه الكيميرا الكابوسي وقدر فعلاً يقتله بفضل شجاعته وذكائه.

بيليروفون رجع للملك ايوباتيس وهو منتصر، ايوباتيس اتكبس طبعًا فراح بعته في مهمة انتحارية تانية. وفضل الوضع على كده فترة طويلة.. ايوباتيس يبعت بيليروفون في مهمة شبه مستحيلة والتاني يرجع منتصر مرفوع الرأس لحد ما سمعته كأشجع الشجعان وبطل الأبطال انتشرت من مشرق الأرض لمغربها.

ايوباتيس يأس بقى من محاولة التسبب في موت بيليروفون وقرر يسامحه بعد ما اقتنع أن تهمة التعدي على بنته دي كانت كيدية وغير صحيحة بالمرة وزوّجه بنته التانية.

بيليروفون فضل عايش كبطل مشهور وانتصاراته استمرت، وبعد مرور السنين الطويلة انتابه شعور بعدم الرضا وقرر يعمل حاجة غريبة جدًا: بيليروفون أخد حصانه بيجاسوس وحلق بيه في السماء وفضل طاير بيه ناحية جبل الأوليمب علشان ينضم للآلهة. زيوس Zeus لما شاف بيليروفون بيقرب قال في باله “بيعمل إيه ابن العبيطة ده!” وبعت دبانة صغيرة قرصت بيجاسوس فرفص بيليروفون من على ضهره.. بيليروفون وقع من سابع سما وأتدب على الأرض زي البلاص. السقطة تسببت في فقدانه لبصره وإصابته بالعجز (ده غير فقدانه لحصانه الوفي بيجاسوس اللي زيوس قرر يبقيه عنده في جبل الأوليمب)، وبكده كُتب على بيليروفون يقضي بقية أيامه وهو عاجز وأعمى وتايه في الأرض مش عارف يرجع لبيته.

حدوتة بيليروفون دايمًا بتستخدم كتحذير من الغرور ونتائجه.. الراجل كان عنده كل حاجة، نسب وثروة وسلطة وسمعته أشهر من النار على العلم، لكنه ماحسش بالرضا وغروره صور له أن مكانه الطبيعي مع الآلهة في جبل الأوليمب مش على الأرض مع بقية البشر، والنتيجة كانت أنه فقد كل حاجة في حياته مكانش شايف قيمتها.

الأسطورة كمان ليها أبعاد دينية واضحة لأنها بترصد الجانب الروحاني من علاقة الإنسان بالإله أو بمفهوم الإيمان عامًة، وعلشان كده الأسطورة بتلمّس مع القصص في الأديان الإبراهيمية بشكل واضح. في البداية بنشوف إنسان عنده من النعم ما يكفيه ولكنه بيرتكب ذنبًا ما (قتل بيليروفون لشخص آخر من مدينته) والذنب ده اللي هيكون السبب في بداية رحلته للوصول لليقين أو الإيمان، أو أيا كان المسمى. بيبدأ الإنسان بالتكفير عن ذنبه وصده للإغراءات والثبات على موقفه (نفي بيليروفون ورفضه لزوجة برويتوس) والمكافأة بتكون الوصول لليقين المتمثل في بيجاسوس كهدية من الإله. ناخد بالنا أن بيجاسوس كان هو السبب الرئيسي في قدرة بيليروفون على هزيمة الكيميرا وغيرها من الوحوش والمصاعب اللي أيوباتيس حطها في طريقه، وزي ما بيجاسوس بياخد دلالة معنوية فممكن كمان نعتبر أن الوحوش والمصاعب دي بترمز للصراعات النفسية الداخلية.

ومن الحاجات اللي بتدعم التفسير الديني للأسطورة هو وحش الكيميرا نفسه لأنه بيتكون من ثلاث حيوانات مرتبطة بشكل أو بآخر بالشر في الوجدان الجمعي الإنساني. في رسالة بطرس الأولى مثلاً بيتم تشبيه الشيطان بالأسد المفترس.. وفي بعض الأديان الثعبان بيتشاف على إنه الشكل اللي أتخذه إبليس لما أغوى آدم وحواء.. ده غير إن في القصص الشعبي والأديان القديمة الشيطان على طول كان بيتصور كجَدْي بقرون طويلة. وبالتالي فالكيميرا هو الشيطان أو الشر الأعظم اللي بيليروفون بيقدر ينتصر عليه بمساعدة بيجاسوس.

طبعًا الأسطورة مش بتنتهي هنا وبتتحول لعبرة لما الإنسان يغتر بنفسه والإيمان اللي عنده يتحول لغطرسة وإحساس بدونية كل من حوله ويحس إنه إله على الأرض، وده اللي بيحصل مع ناس كتير للأسف، والنتيجة بتبقى إنه بيفقد الإيمان ده (بيجاسوس) وبيعيش في تخبط وتيه.

كلام جميل جدًا، بس بعد قراءة الأسطورة جزء مني فضل متعاطف مع بيليروفون وأشفقت عليه من العقاب البشع ده. وده خلاني أحاول أقرأ الأسطورة بشكل مختلف شوية عن القراءة الوعظية\الدينية\الروحانية الواضحة.

لو تفتكروا كنا اتكلمنا قبل كده عن فكرة “رحلة البطل” في الأساطير الإغريقية وقولنا إنه نمط بيتكرر في العديد من الأساطير وبينقسم لثلاثة أجزاء: 1) انفصال ورحيل البطل عن عالمه المألوف، 2) مواجهة البطل للصعوبات والتحديات في العالم غير المألوف وده بينتج عنه تغير في شخصية البطل، 3) رجوع البطل لعالمه المألوف ومحاولة الاندماج فيه.

وقولنا أن رحلة البطل دي ذات دلالات نفسية في المقام الأول لأنها بتمثل أي تغيير جذري بيحصل في شخصيتنا أو حياتنا وطريقة تعاملنا معاه، وقولنا كمان أن أصعب مرحلة في الرحلة دي مش الصعوبات والتحديات ومواجهة الوحوش، وإنما القدرة على العودة إلى العالم المعتاد بالشخصية الجديدة والتأقلم مع التغيير وتقبل أسبابه.

نرجع لأسطورتنا بقى، بيليروفون انفصل عن عالمه المألوف بسبب قتله للراجل ومن هنا بدأت المرحلة التانية في رحلته وهي مواجهة التحديات والصعوبات واللي اتسببت في تغيير شخصيته – وتقبله لبيجاسوس كجزء لا يتجزأ منها – وتطورها من مجرد أمير وسيم ابن حلال لبطل مغوار كل العالم بيتغنى باسمه. بيليروفون عِطل بقى في المرحلة التالتة (مرحلة العودة)، وناخد بالنا أن العودة هنا مش مقصود بيها مجرد العودة المادية لكورينث وطنه الأم، ولكن المقصود بيها العودة للتعامل مع أهله والناس اللي حواليه والتأقلم معاهم بهويته الجديدة.

مشكلة أوديسيوس Odysseus في المرحلة دي، لما اتكلمنا عليه قبل كده، هي أنه كان خايف يرجع لأن الرجوع لعالمه المألوف هيفكره بقد إيه هو اتغير لكنه في النهاية قدر يتغلب على الخوف ده. مشكلة بيليروفون بقى مختلفة وهي أنه أخطأ في العالم المألوف اللي المفروض يرجع له وبدل ما يرجع لنقطة البداية علشان دائرة التغيير تكتمل، قرر أن عالمه المألوف اللي ابتدى منه غير مناسب أصلاً ولازم يتغير زي ما شخصيته أتغيرت. وهنا لازم أنوه تاني أن العالم المألوف مش بالضرورة مكان مادي وإنما المقصود بيه عودة الإنسان للبيئة النفسية والعوامل اللي تسببت في حدوث التغيير في المقام الأول ومحاولة التصالح معاها. بيليروفون رفض العودة أصلاً لنقطة البداية وقرر أنه يفرض نقطة بداية\نهاية مختلفة (رغبته في الصعود لجبل الأوليمب) متلائمة أكتر مع شخصيته الجديدة غير مدرك أن عمر التغيير ده ما هيكتمل بشكل سوي دون الرجوع لأسبابه. والنتيجة هي أنه فشل في تحقيق التغيير وتقبله، وأصبح نسخة مشوهة من نفسه وبقى ماشي يتخبط مش عارف هو مين ولا رايح فين.

أعتقد علشان كده تعاطفت مع بيليروفون لأني معظم الأوقات بفكر زيه، وكل مرة بيطرأ تغيير في شخصيتي كل اللي بفكر فيه هو الهرب والبحث عن نقطة بداية\نهاية جديدة من غير ما أفكر في أسباب التغيير وأحاول أرجع إليها وأفهمها.

وممكن كمان يكون سبب تعاطفي معاه هو شعوره الدائم بعدم الرضا، ليه كل اللي بيقرأ الأسطورة شايف أن رغبة بيليروفون في الصعود لجبل الأوليمب هي انعكاس لغروره؟ ليه مايكونش السبب هو أنه مش لاقي ما يسعده على الأرض؟ الراجل حقق كل حاجة ممكن تخلي أي إنسان في الدنيا سعيد.. بس برضه فضل حاسس إنه في المكان الغلط. شعور لعين لو تعلمون.
الكاتب الإنجليزي سي. اس. لويس C. S. Lewis له جملة شهيرة بيقول فيها:

“If we find ourselves with a desire that nothing in this world can satisfy, the most probable explanation is that we were made for another world.”

Mere Christianity (1952)

قد يكون بيليروفون أدرك الحقيقة دي وأراد الذهاب بنفسه للعالم الآخر اللي هيلاقي فيه سعادته.. سواء شايفين اللي عمله بيليروفون دليل على اليأس ولا الغباء، هيفضل سقوطه من على بيجاسوس مثير للتعاطف بالنسبة لي لأنه مش بس فقد بصره وقوته، ده كمان فقد أمله في الهروب، واضطراره للعيش مع الواقع، من وجهة نظره، هو التيه والعجز الحقيقيين.

آيو وصدمة الاغتصاب

النهاردة هنتكلم عن أشهر ضحية من ضحايا زيوس Zeus.. الأميرة الجميلة آيو Io

آيو كانت ابنة ملك مدينة آرجوس Argos اليونانية وكانت طبعًا جميلة جدًا لدرجة أنها لفتت انتباه زيوس وقعد يطاردها وهي تصده وتهرب منه لحد ما اغتصبها. مين بقى اللي كانت بتشمشم ورا زيوس وعايزة تقفشه متلبس وهو بيخونها؟ أكيد زوجته الإلهة هيرا Hera اللي أول لما حست أنه بيلعب بديله، كعادته يعني مش هيشتريها من بره، نزلت الأرض تشوف بيهبب إيه..

زيوس بعد ما اغتصب آيو حس بقدوم زوجته، وفي حالة من الارتباك والخوف حوّل آيو المسكينة، اللي لسه ما استوعبتش صدمة الاغتصاب، لبقرة! هيرا نزلت الأرض لاقت زيوس واقف بيصفّر جنب بقرة لونها أبيض في مشهد عبثي بلا أي حيثية كده، فسألته إيه البقرة دي يا زيوس؟ قال لها لأ عادي أنا كنت بتمشى ولاقيتها في وشي. طبعًا هيرا مش عبيطة وكانت فقساه من الأول، فأبدت إعجابها بالبقرة وطلبت من زيوس أنها تاخدها تربيها عندها. زيوس، في الموقف المنيّل اللي هو فيه ده، لم يجرؤ على الاعتراض وقال لهيرا خديها عادي وأنا مالي.

كل ده حصل وآيو المسكينة مش مستعوبة أنها فقدت جسمها وصوتها واتحولت لبقرة كل اللي تقدر عليه أنها تخور (تقول “مووو مووو” يعني) استنجادًا بأي حد لكن للأسف محدش فهمها ولا حد عرف أنها الأميرة آيو.

هيرا أخدت البقرة وحبستها وولت مهمة مراقبتها لآرجوس بانوبتيس Argus Panoptes.

آرجوس بانوبتيس ده بقى كان كائن عملاق عنده مائة من العيون منتشرة من رأسه حتى قدميه، وطبعًا هيرا ولته مهمة حراسة آيو بسبب عيونه التي لا تنام.. حتى لو بعض من العيون نامت فالباقي بيفضل صاحي وهكذا. بعيدًا عن شكل آرجوس بانوبتيس الكابوسي، قدرته على المراقبة الدائمة دي هي اللي أنتجت لنا فكرة البانوبتيكون Panopticon اللي اتكلمنا عليها قبل كده واللي بترمز لسيطرة السلطة الكاملة على الأفراد الخاضعين لها من خلال زرع الخوف وتعزيز وهم المراقبة الدائمة.

المهم، زيوس لما عرف بمصير آيو وأنها أصبحت سجينة لآرجوس بانوبتيس بعت رسوله هيرميز Hermes لتحرير آيو. هيرميز اضطر يلجأ للخديعة علشان يعرف يسهّي آرجوس فقعد يغني له ويحكي له حواديت لمدة أيام لحد ما تأكد أن عيونه كلها نامت وقتله.. وبالفعل قدر يحرر المسكينة آيو اللي لسه محبوسة في جسد بقرة.

هيرا لما عرفت ثارت من الغضب وأمرت بتخليد ذكرى آرجوس بانوبتيس بأنها استخدمت عيونه لتزيين ريش الطاووس، وقررت تكمل انتقامها من آيو بأنها أرسلت دبانة – ذبابة – في أثر آيو وأمرتها أنها تفضل تطاردها وتزن في ودنها طول ما هي حية.

آيو يا عيني فضلت تجري في الأرض وجابتها من مشرقها لمغربها وهي على شكل بقرة بسبب الدبانة اللي مش عايزة تسيبها في حالها، وفي رواية من الروايات وآيو هايمة على وجهها كده قابلت بروميثيوس Prometheus وهو مقيد بالجبل ويلاقي عذابه الأبدي. بروميثيوس عرف أن دي الأميرة آيو وقال لها ماتفقدش الأمل لأن هيجي اليوم اللي هترجع لصورتها البشرية تاني وهتستقر في مصر وذريتها هتبقى سلسلة من الملوك والأبطال.

وقتها بقى زيوس، أخيرًا، قلبه رق وحن وقعد يترجى هيرا أنها ترفع عقابها عن آيو واعترف لها بكل حاجة وقال لها رجلك أبوسها يا ست الكل بس سيبي البنت الغلبانة دي في حالها. وبالفعل هيرا سامحته والدبانة سابتها في حالها وزيوس رجع آيو لصورتها البشرية وساعتها بس اكتشفت أنها حامل من زيوس.

أسطورة آيو من أشهر الأساطير المتعلقة بالاغتصاب وأكثرهم حزنًا لأنها بترصد المعاناة النفسية والجسدية والإجتماعية اللي بتمر بيها ضحية الصدمات الشديدة وتحديدًا صدمة الاغتصاب.

آيو بعد ما زيوس اغتصبها على طول حولها لبقرة، فالانتهاك الجسدي ده أخد صورة مادية ومعنوية. تحول آيو لبقرة بيرمز لإحساسها بفقدان سلطتها على جسدها، ده غير أن فقدانها إنسانيتها وتحولها لحيوان بيعكس إحساسها بنظرة المجتمع لها وأنها بقت dehumanized بشكل ما، وده اللي بيحصل للأسف مع معظم ضحايا الاغتصاب. وناخد بالنا كمان أن في الأسطورة آيو حاولت تتكلم وتستنجد بأي حد تقابله علشان تحكي له اللي حصل لكن كل اللي بيطلع منها كان خوار، فهي مش بس فقدت جسدها دي فقدت صوتها كمان وقدرتها على التواصل كنتيجة للصدمة اللي تعرضت لها.

بعد كده الأسطورة بتتوسع في رصد الجانب النفسي-الإجتماعي للصدمة وبتورينا أن الضحية بتضطر تعيش كسجينة لكائن جسده مليء بالعيون كلها مُسلطة عليها. آرجوس هنا هو طبعًا رمز واضح جدًا للمجتمع ككل اللي بيتحول لسجن بانوبتيكون كبير الضحية بتُجبر على أنها تعيش فيه بشكل دائم مع العيون اللي بتلاحقها بنظرات الاتهام واللوم والعار. وحتى بعد ما الضحية بتقدر تهرب من السجن ده زي ما آيو عملت بتفضل عايشة مع مشاعر الذنب والخزي المتمثلة في الدبانة اللي قعدت تلاحق آيو وخلتها تفضل تجري من نفسها زي المجنونة. وهنا يكمن الحزن في الأسطورة.. أن بالرغم من هروب الضحية من السجن (العائلة، المجتمع.. إلخ) إلا أنها – أوقات كتير – أينما ذهبت بتفضل حبيسة نفسها ومشاعرها السلبية اللي تكونت بسبب الصدمة.

حد ممكن يقول لي بس آيو في الأخر رجعت لهيئتها البشرية ونبوءة بروميثيوس اتحققت وبقت زي الفل. ده حقيقي، وقد يكون ده إشارة للتعافي فعلاً، بس العديد من القراءات النفسية للأسطورة بتوضح أن رجوع آيو لهيئتها البشرية مش نهاية سعيدة أوي زي ما احنا متخيلين.

في رواية الشاعر أوفيد Ovid للأسطورة بيقول أن بعد ما آيو رجعت لشكلها الطبيعي فضل يتملكها الخوف من النطق، لأن كل مرة بتفتح بُقها كانت خايفة يطلع خوار مش كلام مفهوم، كأن الخوف ده من فقدان الجسد والصوت فضل عايش معاها لأخر عمرها.

ده غير أن دخول بروميثيوس في الموضوع وتنبؤه بالنهاية السعيدة عزز من فقدان آيو لدورها كعنصر فاعل في القصة.. قصتها! في الكتابة الإبداعية مثلاً، عادًة ما بيُنصح الكتاب الجدد بالابتعاد قدر المستطاع عن إقحام النبوءات في قصصهم، لأن النبوءة، كأعبط نوع من أنواع الـ foreshadowing، بتأثر على إرادة البطل ودوره كعنصر فاعل وبتحوله لعنصر سلبي أو ترس هيوصل لنهاية محددة له مسبقًا (طبعًا فيه نبوءات بتتكتب بحرفية لتفادي ده بس الموضوع مش سهل خالص). المهم، لو رجعنا لأسطورتنا هنلاقي أن مش بس آيو فقدت دورها كعنصر فاعل لما تم اغتصابها ولما تم إخراسها وتحويلها لبقرة غصب عنها ولما تم سجنها ووضعها تحت أعين آرجوس بانوبتيس، لأ ده كمان سلبناها الدور الفاعل لما فرضنا عليها نسخة بروميثيوس من “النهاية السعيدة” بأنها هتستقر في مصر وهتتجوز ملك وهتفضل تزرب في أطفال!

كفاية أن بعد ما آيو بترجع لهيئتها البشرية بتكتشف أنها حامل من زيوس، وكأن موت آرجوس وغفران هيرا ورأفة زيوس مانجحوش في محو الأثر اللي هيفضل حي جواها.

….

دول ورقتان بحثيتان لطاف جدًا بيربطوا بين صدمة الاغتصاب والأسطورة اللي حابب يقرأهم:

“The Io Syndrome: Symptom Formation in Victims of Sexual Abuse” – S. Mayr & J. L. Price

“Io and Trauma in Ovid’s Metamorphoses: Rape and Transformation” – M. Sawyer

ماربيسا وإرث التملك

أسطورة النهاردة عن الأميرة ماربيسا والبطل ايداس..

وفقًا للأساطير الإغريقية، وفي منطقة اسمها أيتوليا Aetolia في اليونان، كان فيه ملك اسمه ايفنيوس Evenus كان عنده بنت جميلة جدًا اسمها ماربيسا Marpessa وكان رافض تمامًا أنها تتجوز من شدة تعلقه بيها. وبسبب رغبته في بقاء ماربيسا معه للأبد، كان بيرفض كل الأمراء والأبطال اللي بيطلبوا ايدها للزواج ويقول لهم أن بنته هتفضل عذراء. ولما الأسئلة كترت ومابقاش عارف يوفر أسباب مقنعة للرفض، قرر أنه يعمل شرط تعجيزي لأي شخص عايز يتقدم لماربيسا وهو أن الشخص ده لازم يدخل في سباق بالعربات – اللي بتجرها الخيول – مع ايفنيوس.. اللي هيقدر يسبق ايفنيوس هيفوز بماربيسا كزوجة، واللي مش هيقدر يسبقه هيتعدم!

وبالفعل أقبل الكثير على السباق وهم فاكرين أنهم عادي ممكن يسبقوا رجل عجوز ويفوزوا ببنته الجميلة، ولكن للأسف ايفنيوس كان كل مرة هو اللي بيسبق وبيعدم الخاسرين. ايفنيوس مكانش بطل ولا محارب ولا أي حاجة ولكن تفوقه كان سببه العربة بتاعته لأن الخيول اللي بتجرها كانت هدية من إله الحرب آريز Ares وبالتالي مفيش أمل لأي حد يكسب السباق.

ده طبعًا قبل ما يجي البطل ايداس Idas..

ايداس كان عارف اللي فيها وعارف موضوع الخيول الإلهية دي، وعلشان كده قبل ما يروح يطلب ماربيسا للزواج، طلب من إله البحر بوسيدون Poseidon – يُقال إنه أبوه – عربة بأجنحة. بوسيدون رفض في الأول لكن ايداس توسل إليه لحد ما بوسيدون وافق علشان يخلص من الزن بتاعه.

ايداس أخد العربة المجنحة وراح لايفنيوس وطلب يدخل السباق معاه للفوز بماربيسا. ايداس بالفعل قدر يسبق ايفنيوس ولما طالب بماربيسا، ايفنيوس أصر على رفضه وقال له “على جثتي أسيبها لك!” ايداس قال له “لأ ده أنت راجل عيّل بقى وأنا هاخدها غصب عنك” وفعلاً راح خطف ماربيسا اللي كانت واقفة تتفرج على اللي بيحصل وحطها في العربة المجنحة وجري. ايفنيوس طبعًا ماسكتش.. هوب.. نط في العربة بتاعته وقعد يطارد ايداس لمسافة طويلة جدًا لحد ما فقد أثره. ايفنيوس مكانش مصدق أنه خسر بنته، وفي نوبة من الغضب قتل الخيول بتاعته ورمى نفسه في البحر ومات.

ايداس أخد ماربيسا لمكان بعيد علشان يستفرد بالجائزة بتاعته بقى، ولكن اللي مكانش يعرفه هو أن ساعة المطاردة الإله أبولو Apollo كان بيتفرج عليهم ولما شاف ماربيسا أنبهر بجمالها وقرر ياخدها لنفسه. أبولو فضل ماشي وراهم لحد ما عرف مكانهم وحاول يخطف ماربيسا في غفلة من ايداس، لكن ايداس لحقه ورفض يتخلى عن ماربيسا وقعد يتخانق مع أبولو خناقة وصلت لرب السما – حرفيًا – لدرجة أن زيوس Zeus سمعهم وقرر أنه يتدخل علشان يوقف الهبل اللي بيحصل ده.

زيوس كان صوت العقل بقى وهو الوحيد اللي نَصَف ماربيسا وعاملها كإنسانة لها صوت بدل ما كان كله بيعاملها كمفرش ترابيزة. زيوس أمر أبولو وايداس بالتوقف عن العراك وأعطى لماربيسا حق الاختيار بين الاتنين. ماربيسا قعدت تفكر وبعدين اختارت ايداس. ولما زيوس سألها ليه تخلت عن حب إله زي أبولو (أبولو كان جماله يتعدى جمال البشر بمراحل) علشان حب بشري زي ايداس (ايداس مكانش وسيم خالص وكان همجي ومعروف عنه العنف.. ولو تفتكروا هو اللي قتل كاستور وحاول يقتل أخوه بولوكس)، ماربيسا قالت إن ايداس هيفضل معاها حتى لما تكبر وتعجّز وجلدها يكرمش لكن أبولو غالبًا هيرميها أول ما يحس أنها ابتدت تفقد جمالها. زيوس قال لها خلاص أنتي حرة وأمر أبولو بعدم التعرض لها، وفعلاً أتجوزت ايداس وفضلت معاه لحد ما كبروا.

قد تبدو الأسطورة للوهلة الأولى أسطورة سعيدة من نوعية الحب الذي لا يُقهر وعاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات بس الحقيقة الموضوع مش مُقنع خالص وغير مريح بالمرة.

أعتقد أن أهم جزء في القصة هو تعلق الأب المَرضي ببنته لأن ده اللي بيترتب عليه كل حاجة بعد كده. حُب ايفنيوس لماربيسا كان حب تملك مش مجرد حب أبوي لأن في الطبيعي أي أب عايز يشوف بنته سعيدة سواء قررت تتجوز أو ماتتجوزش أو حتى تمشي على ايديها، لكن ايفنيوس كان عايز يمتلك ماربيسا ويخليها طفلته للأبد مع أن ده ضد الطبيعة، ولما حس أنه فقدها – أو فقد الصورة اللي كان حاططها في ذهنه لماربيسا – قتل نفسه. نيجي بقى للأخ ايداس اللي مايختلفش كتير عن أبوها، ايداس مكانش يعرف ماربيسا ولا عمره شافها قبل السباق ولكن بعد ما “فاز” بيها كان بيعاملها كأنها من ممتلكاته، كأنها جائزة كسبها في مسابقة محدش له حق ياخدها منه.. وفيه روايات للقصة كمان بتقول أنه اغتصبها على طول بعد ما خطفها وجري بيها كنوع من إثبات الملكية. أما أبولو فماشفش فيها غير امرأة جميلة وكان عايز يتملكها وقتيًا لإشباع رغباته وماعتقدش أن كان فيه وقت أو مساحة للحب خالص سواء من طرف ايداس أو أبولو. يعني واحد كان عايز يتملكها كطفلة والتاني كجائزة والتالت كجسد دون أي اعتبار للبنية الغلبانة ورغباتها.. وعلشان كده ماسمعناش صوتها إلا في أخر الأسطورة.

طيب نروح لماربيسا نفسها ونحاول نفهم إيه سبب اختيارها لايداس.

كنا اتكلمنا قبل كده عن ضحايا الصدمات والعلاقات المسيئة وإزاي أن ده بيأثر على حياتهم واختياراتهم حتى بعد انتهاء الصدمة أو بعد الخروج من العلاقة المسيئة خصوصًا لو الأذى حصل خلال السنوات التكوينية الأولى في العلاقة مع الأب أو الأم. تخيلوا كده طفل أتربى في بيت متشدد مع أهل قاسيين، طبيعي أنه لما يكبر وينفصل عن أهله في الأغلب بيحصل له حاجة من حاجتين كلاهما متطرف: 1) حدوث ردة فعل عنيفة فنلاقيه بيعمل أي حاجة عكس الطريقة والبيئة اللي أتربى فيها، أو 2) اتباع نفس النمط اللي أتربى عليه بكلاكيعه وبلاويه وكل حاجة وبيبقى جزء من تفكيره وشخصيته. طبعًا فيه أشخاص بتقدر تخرج من المزنقين دول بس ده بيحتاج لوقت وشغل كتير على النفس.

تخيير ماربيسا بين أبولو وايداس بعد انفصالها عن والدها ايفنيوس قد يُعتبر مثال على الخيارين اللاشعوريين اللي بتنزلق إليهما ضحية العلاقات المسيئة بعد الخروج من العلاقة: ردة الفعل (أبولو) أو إدمان النمط المسيء (ايداس).

اختيار أبولو يُعتبر ردة فعل لأنه النموذج المضاد المتطرف لعلاقة ماربيسا بأبوها: أبوها كان عايزها تفضل طفلة بريئة وأبولو، فك-بوي الآلهة، كان هيقضيها انحراف وعربدة معاها.. أبوها كان رابطها بعلاقة تملك أبدية وأبولو كان هيتسلى بيها شوية لحد ما يزهق منها ويسيبها.

أما اختيار ايداس فيُعتبر إدمان للنمط المسيء. يعني إيه الكلام ده؟ العلاقة المسيئة – خصوصًا لو استمرت لفترة طويلة وكانت الأولى في حياة الضحية كما في حالة ماربيسا – بتتحول لنمط قد تنجذب إليه الضحية في علاقاتها التالية بشكل غير واعي زي إنجذاب المدمن للمخدرات كده مع أنه بيكرهها وعارف أنها مؤذية. ايداس، على الرغم من اتخاذه صورة المخلص، هو امتداد لعلاقة ماربيسا بأبوها لأنه برضه شايفها من ممتلكاته.

صراع أبولو وايداس على الفوز بماربيسا هو رمز لصراع الدافعين اللاشعوريين اللي اتكلمنا عليهم دلوقتي داخل الضحية بعد مرورها بالصدمة أو خروجها من العلاقة المسيئة، وطبعًا اختيار ماربيسا لايداس يدل على استسلامها للدافع الثاني والانجذاب لنمط آخر محب للتملك ومسيء.

زيوس لما جيه يخير ماربيسا أداها خيارين بس مع إن فيه خيارات تانية متاحة، وبما أن زيوس هنا هو انعكاس لوجدان ماربيسا نفسها، فده بيعلمنا أن أحيانًا احنا اللي بنسجن نفسنا بنفسنا وأن الخيارات المحدودة اللي قدامنا بتبقى محدودة علشان عقلنا الباطن عايزها كده.. وعايزنا نفضل أسرى لعقدنا ومخاوفنا.

هيكاتي والثلاثيات

النهاردة هنتكلم عن الربّة الإغريقية هيكاتي Hekate وأشياء أخرى..
هيكاتي من الآلهة اللي كانت عبادتهم منتشرة بين عموم الإغريق وده لأنها مسئولة عن حاجات كتيرة هنتكلم عليها دلوقتي وبالتالي بتلبي احتياجات مختلفة، وبسبب شموليتها الكثير من علماء الأساطير ربطوا بينها وبين آلهة من حضارات مختلفة سابقة ولاحقة.

هيكاتي كانت دايمًا بتُصور على شكل امرأة بثلاثة رؤوس أو – الشكل الأكثر شيوعًا – ثلاث نساء واقفين في ضهر بعض على شكل مثلث. هيكاتي كانت إلهة شاملة لأنها كانت مسئولة عن جوانب مختلفة ومتناقضة من الحياة زي الخصوبة والولادة والجمال والحكمة وفي نفس الوقت السحر والشعوذة والموت، وعلشان كده كانت تُسمى بإلهة مفترق الطرق لوقوفها كوسيط بين الحياة والموت والإعمار والدمار والحكمة والسحر.

طيب ليه تلاتة؟ ليه معظم الرسومات والأساطير اللي بتصور هيكاتي بتصورها على إنها ثلاث نساء في بعض؟ هل التعددية دي دليل على شموليتها وقدرتها على الـ multi-tasking ولا ده ممكن يكون له مدلول آخر؟

فيه نظرية من النظريات بتقول إن هيكاتي بتعكس الجوانب الأساسية في شخصية المرأة: الخصوبة\البراءة والحب\الشهوة والموت\الحكمة. الكاتب البريطاني روبرت جريفز Robert Graves هو أول من لفت انتباهنا إلى الثلاثية دي في كتابه الشهير The White Goddess (1948) واللي بيتناول فيه العديد من الأساطير والحكايات الشعبية الأوروبية لإثبات تشابه صورة الرّبّة في الحضارات والأديان الأوروبية وأن الصورة دي بتعكس رؤيتنا للمرأة بمراحلها الثلاثة:
1- الخصوبة (المرأة بتتولد وبتولد، كفتاة بترمز للبراءة وكأم بترمز للحماية)

2- الحب (المرأة بترتبط هنا بالتزاوج والشهوة)

3- الحكمة (المرأة بتتقدم في العمر وبتمتلك الخبرة والحكمة ولكن أيضًا بتقترب من الموت)

طبعًا مع انتشار الفكرة في الأدب والفنون أصبحت الثلاثية الشهيرة دي المسماة أحيانًا بالـ Mother-Maiden-Crone مبالغ فيها شوية فمثلاً هنلاقي مرحلة الحكمة قلبت على جو الساحرات الشريرات الشمطاوات في حين أنها أصلاً بترمز للقوة المعرفية والحكمة.

كتاب جريفز حقق شهرة واسعة ولكنه أتعرض لهجوم نقدي كبير نتيجة لترويجه أفكار مجحفة بالمرأة وتأكيده للنظرة الذكورية اللي بتصنف المرأة حسب رؤية الرجل لها، الست بالنسبة للرجل يا أم\فتاة بريئة حنونة يا امرأة لعوب تثير غرائزه يا واحدة عجوز حيزبونة. الفكرة أن الموضوع اللي عرضه جريفز في الكتاب مش جديد وهو مجرد إعادة تدوير لأفكار موجودة من قبل كده سواء اتفقنا أو اختلفنا معها.

جان توروب Jan Toorop مثلاً رسم لوحة سنة 1893 اسمها “The Three Brides” بيصور فيها المرأة بمراحلها الثلاثة السالف ذكرها: في أقصى اليسار امرأة تشبه السيدة العذراء كرمز للبراءة والخصوبة والأمومة، في المنتصف امرأة شبه عارية كرمز للرغبة الجنسية والشهوة وفي أقصى اليمين امرأة شعرها أبيض تبدو عليها القوة وحوالين رقبتها جماجم صغيرة كرمز للموت أو للسحر. النرويجي إدفارد مونك Edvard Munch برضه ليه لوحة شهيرة اسمها “The Dance of Life” (1899) بيصور فيها الثلاثية دي لكن بشكل مختلف شوية: على الشمال هنلاقي امرأة لابسة أبيض وبجانبها تنبت الأزهار، في المنتصف امرأة لابسة أحمر ناري وبترقص مع رجل، وعلى اليمين امرأة لابسة اللون الأسود. طبعًا مدلولات الألوان واضحة وضوح الشمس. اللي لفت انتباهي أكتر هو الفرق بين تصوير توروب ومونك للمرحلة الأخيرة.. الأول صورها كلها قوة وتمكن (وشر؟) والثاني صورها كشخص هزيل حزين تنظر للمراحل السابقة ويبدو عليها الهم. خلينا نسيب الفرق بين اللوحتين ده هنا وهنبقى نرجع له تاني.

The Three Brides (1893)
The Dance of Life (1899)

طبعًا نظرية ربط هيكاتي بمراحل المرأة وصورتها في الوعي الجمعي الذكوري ده جميل وكل حاجة بس في رأيي أننا ممكن نوسع رؤيتنا أكتر من كده ونشوف الموضوع من وجهة نظر تانية.

ممكن نطلع من المزنق الجندري ده ونلاحظ أن فكرة الثلاثيات مش مرتبطة بالمرأة بس.. الكائنات الحية بتعيش في واحد من ثلاثة أماكن: يا على الأرض يا في المياه يا في الهوا، الإغريق شافوا الحياة على ثلاثة مستويات: جبل الأوليمب، الأرض، عالم الموتى، المسرحيات زمان ومعظم القصص والأفلام دلوقتي بتتقسم على ثلاثة أجزاء، التصوير فيه حاجة اسمها قاعدة الثلاث، وغيرها كتير أمثلة بتقول لنا إن الإنسان من قديم الأزل وهو بيحب يقسم كل حاجة لثلاثة أجزاء أو بيشوف من كل حاجة ثلاثة جوانب، وده ينطبق عليه هو ذات نفسه كمان.

أفلاطون Plato مثلاً، يجي من 24 قرن فاتوا كده، قسم وجدان الإنسان لثلاثة أجزاء:

العقل Logistikon: وده الجزء العقلاني من الوجدان بتاعنا المسئول عن التفكير المنطقي الواقعي، والجزء المقابل له في جسمنا هو طبعًا المخ.

العاطفة Thymoeides: وده الجزء العاطفي من الوجدان والمسئول عن المشاعر، والجزء المقابل له في جسمنا هو القلب.

الغريزة Epithymetikon: وده الجزء الشهواني المسئول عن الغرائز، والجزء المقابل له في جسمنا منطقة البطن والأعضاء التناسلية.

تقسيمة أفلاطون الثلاثية للوجدان دي مابتفكركوش بحاجة؟ الحقيقة إنها شبه تقسيمة فرويد Freud الشهيرة للنفس جدًا. فرويد قسم نفس الإنسان برضه لثلاثة أجزاء: الأنا Ego والأنا العليا Super-ego والهو Id، الأنا العليا والهو في صراع دائم لأن الأولى تريد تحقيق المثالية والثانية تريد تحقيق الغرائز والأنا هي اللي بتحاول تتحقق التوازن بين الاتنين بما يخدم واقع الفرد.

العقل عند أفلاطون هو شبيه الأنا عند فرويد، والعاطفة عند أفلاطون شبيهة الأنا العليا عند فرويد (ناخد بالنا إن أفلاطون كان معتمد على فكرة “المشاعر” القوية على أنها شيء نبيل إن لم تستخدم لخدمة الغرائز طبعًا، في حين فرويد استبدلها بالمُثل العليا والأنظمة الأخلاقية)، والغريزة عند أفلاطون شبيهة الهو عند فرويد. في النهاية، نموذج أفلاطون ونموذج فرويد الهدف منهم مساعدتنا على فهم نفسنا أكتر ومحاولة السيطرة على الصراع القائم بين أجزائها.

نرجع بقى لهيكاتي ونشوف علاقتها إيه بالرغي ده كله.

هيكاتي بأوجهها الثلاثة قد تكون رمز للوجدان البشري بأقسامه اللي أشار إليهم أفلاطون ومن بعده فرويد.. نرجع تاني كده للمراحل اللي قال عليها جريفز في كتابه: مرحلة الخصوبة والبراءة والحماية والمشاعر القوية هي المعادل للعاطفة عند أفلاطون والأنا العليا عند فرويد، ده الجزء المثالي من النفس اللي بيمجد الطهر والعواطف والأخلاق النبيلة.. مرحلة الحب والشهوة هي المعادل للغريزة عند أفلاطون والهو عند فرويد، ده الجزء من النفس اللي بيجري ورا الغرائز والشهوات دون أي اعتبارات أخرى.. وأخيرًا مرحلة الخبرة والحكمة هي المعادل للعقل عن أفلاطون والأنا عند فرويد، وده الجزء من النفس اللي بيتبع التفكير العلاقني وبيوازن الأمور وبيستفيد من الخبرات السابقة.

وده معناه أن هيكاتي مش بس رمز للمرأة بمراحلها المختلفة، ولكن هي رمز لوجدان الإنسان سواء رجل أو امرأة. علشان كده هيكاتي ربة المتناقضات زي الخصوبة والحياة والحكمة والسحر والإعمار والدمار لأن النفس البشرية هي نفسها بؤرة متناقضات.

نرجع بقى للوحات توروب ومونك.. ممكن جدًا يكون قصد الفنانين هو أجزاء النفس مش مراحل المرأة زي ما قولنا في الأول: (1) المشاعر\المثل العليا و(2) الشهوة وأخيرًا (3) العقلانية\الحكمة. لاحظنا أن كان فيه فرق بين تصوير توروب ومونك لمرحلة الحكمة (الأنا\العقل).. توروب صورها كامرأة قوية شعرها أبيض فيها خبث في حين أن مونك صورها كامرأة هزيلة حزينة. الأخلاق والغرائز بتعتبر أجزاء شبه ثابتة في كل إنسان على اختلاف نوعها طبعًا، اللي بيفرق نفس عن أخرى هي قدرتها على الموازنة بين الغرائز والعواطف\الأخلاق المثلى وده الإنسان مابيعرفش يعمله إلا بعد مرور الوقت والخبرات اللي بتمكنه من اكتساب القدرة دي وتحقيقها. إهمال الغرائز والأخلاق تمامًا والاهتمام الزائد بالأنا قد يؤدي إلى حالة من الهوس بالذات وفقدان التعاطف مع الآخرين ومن هنا جائت فكرة الـ crone الشريرة (وعلشان كده برضه الشخص الأناني بيتسمى egotistical)، وعلى النقيض بقى الاستسلام التام للغرائز أو الأخلاق بيؤدي لشخصية باهتة هزيلة.

هيكاتي هي ربة مفترق الطرق لأنها بتوضح لنا أن الإنسان ذا النفس السليمة هو القادر على الوقوف بين أجزاء وجدانه الثلاثة دون الانحياز لأي منهم. فيه تماثيل كتيرة لهيكاتي كانوا بيصوروها وهي ماسكة في إيديها مصباح ومفتاح وده لاعتقاد القدماء أن عندها القدرة على إرشاد الأرواح لعالم الأحياء والعكس. قد تكون القدرة الميتافزيقية دي هي إشارة لجوانب نفسنا اللي هنفضل طول عمرنا نكتشفها ونفتح أبوابها.

كاستور وبولوكس والثنائيات

النهاردة هنتكلم عن التوأمين الأشهر في عالم الأساطير الإغريقية كاستور وبولوكس Castor and Pollux، أو كما يُطلق عليهم أحيانًا الديوسكوري The Dioscuri…

ظروف ولادة كاستور وبولوكس غريبة شوية، ولو تفتكروا إحنا اتكلمنا عليها المرة اللي فات في قصة ليدا Leda والبجعة. اللي حصل إن زيوس كانت عينه من ليدا، الفتاة الإسبرطية الجميلة، فقرر يتنكر في هيئة بجعة وقدر يغويها وينام معاها. بعديها بكام شهر ليدا “باضت” (علشان نامت مع بجعة بقى!) بيضتين، بيضة فقست عن هيلين Helen – ايوه اللي قامت بسببها حرب طروادة – وكليتمنيسترا Clytemnestra، والبيضة التانية فقست عن كاستور وبولوكس.

وعلى الرغم من أن كاستور وبولوكس كانوا مشهورين باسم الديوسكوري أو أبناء الإله – المقصود به هنا زيوس طبعًا – إلا أن واحد فيهم بس كان ابن زيوس، والسبب في ده إن وقت ما زيوس نام مع ليدا هي كانت بالفعل متزوجة من ملك إسبرطة تينداريوس Tyndareus.. فقوم إيه بقى؟ يا سبحان الله توأم طلع ابن زيوس والتوأم التاني اللي من نفس البيضة طلع ابن تينداريوس. طيب هم عملوا تحليل DNA مثلاً ولا عرفوا المعلومة دي إزاي؟ اللي حصل إنهم اكتشفوا إن واحد فيهم بيتمتع بصفة الخلود في حين إن الآخر بشري فاني.. كاستور كان هو الفاني ابن تيندرايوس، وبولوكس هو الخالد ابن زيوس.

كاستور وبولوكس كانوا محبوبين جدًا وكانوا مشهورين بالشجاعة ومهارتهم في المصارعة والفروسية، لكن أهم حاجة بتميزهم هي إنهم كانوا مابيفترقوش عن بعض أبدًا لشدة حبهم وتعلقهم ببعض. ومن أشهر البطولات اللي اشتركوا فيها هي إنهم كانوا من مجموعة الأبطال اللي اصطحبهم جاسون Jason في رحلته الأرجونية الشهيرة The Argonauts.

وبعيدًا بقى عن البطولات والإنجازات، كاستور وبولوكس اتورطوا في خناقة تافهة كده مش هندخل في تفاصيلها مع أقرباء لهم انتهت بأن واحد من الأقرباء دول قتل كاستور على غفلة ولما بولوكس هب للانتقام زي المجنون، زيوس تدخل وضرب الشخص اللي كان بيحاول يقتل ابنه بولوكس بصاعقة. وبالتالي الموضوع انتهى بأن بولوكس قاعد يبكي بحرقة على جثة أخوه كاستور ومش عارف يعمل إيه، وهنا زيوس تدخل للمرة الثانية وخيّر ابنه بين حاجتين: يا يسيب كاستور يروح عالم الموتى ويطلع هو لجبل الأوليمب يعيش مع الآلهة في مكانه المناسب.. يا يقتسم خلوده مع كاستور بحيث إنهم يقعدوا مع بعض يوم في الأوليمب ويوم في عالم الموتى بالتبادل للأبد. بولوكس بدون تفكير اختار إنه يشارك كاستور خلوده ومش مهم يقضوا يوم في أعلى العليين ويوم في أسفل السافلين، المهم يبقوا مع بعض.

ووفقًا للأسطورة، زيوس عمل المجموعة النجمية المسماة بالجوزاء Gemini تخليدًا لذكراهم وذكرى وفائهم وحبهم لبعض. وبالاستعانة ببعض الخيال هنلاقي إن فعلاً شكل النجوم في المجموعة دي متخذة هيئة شخصين ماسكين إيد بعض.. وكأن حلمهم بالبقاء معًا للأبد اتحقق.

الكثير بيشوف العلاقة بين كاستور وبولوكس أنها رمز للعلاقة بين الجسد (كاستور) والروح (بولوكس) وده يفسر تعلقهم ببعض وليه واحد فيهم كان فاني والتاني خالد، وإزاي أن بولوكس حياته على الأرض بقت مستحيلة بعد موت كاستور، وده لأن مفيش روح تقدر تعيش على الأرض من غير الجسد اللي بيحتويها. والنظرية دي بتفسر برضه إشكالية نسبهم، وإزاي أنهم، زي الإنسان بالظبط، الجسد مولود من إنسان آخر ولكن الروح من عند الإله. والجميل في الموضوع كمان إن أكبر نجمين في المجموعة النجمية الجوزاء اسمهم كاستور وبولوكس.. وطبعًا بولوكس (الروح) هو النجم الأكبر والأكثر سطوعًا.

ما علينا، العلاقة بين كاستور وبولوكس شايفاها أعقد من مجرد العلاقة بين الجسد والروح. لو اعتبرنا أن كاستور بيمثل الفناء وبولوكس بيمثل الخلود، فده يخلينا نفكر في العلاقة بين المفهومين المتضادين دول. الطريقة اللي بنشوف بيها الفناء والخلود لا تختلف كثيرًا عن طريقة رؤيتنا للحياة والموت.. علاقة ثنائية ضرورية ولكن متتالية، يعني الاتنين بيأكدوا وجود بعض لكن لازم واحد فيهم يحصل قبل التاني: لازم الواحد يبقى عنده حياة الأول قبل ما يموت.. زي بالظبط ما الجسد لازم يفنى علشان الروح تحظى بالخلود.

الفكرة بقى أن حدوتة كاستور وبولوكس ضربت بفكرة التوالي الزمني ده عرض الحائط وبنلاقي إن الفناء والخلود أو الموت والحياة مش بس اتوجدوا في نفس اللحظة وبيعيشوا متلاصقين طول حياتهم لأ ده كمان اختاروا التقارب ده كحالة أبدية. فناء كاستور ماكنش مشروط بخلود بولوكس، ولا خلود بولوكس كان مشروط بفناء كاستور.. الاتنين حققوا حالة الفناء\الخلود مع بعض في نفس الوقت وحملوا الصفات البشرية والإلهية برضه مع بعض، وده متمثلاً في انتقالهم المستمر بين جبل الأوليمب والعالم السفلي كآلهة وبشر.

تعالوا نوضح الفكرة أكتر ونحدف شوية على نظرية فلسفية فيزيائية ظريفة اسمها الأبدية Eternalism. النظرية دي مبنية على عدة نظريات في فيزياء الكم بتقترح إن الوقت مش بيسير في خط مستقيم زي ما إحنا متخيلين وبينتج عنه الماضي والحاضر والمستقبل.. فكرة التوالي الزمني يعني. النظريات، وبالتالي الفلسفة، بتقول لنا إن الوقت هو بعد رابع وإنه موجود بالفعل زي وجود المكان كده. لو جيت دلوقتي سألتك هل بلكونة بيتكم موجودة على الرغم إنك مش شايفها دلوقتي هتقول إيه؟ أكيد هتقول آه طبعًا موجودة ومش معنى إني مش شايفها دلوقتي إنها مش موجودة! هي دي بالظبط فكرة التعامل مع الزمن كبعد رابع، مش معنى إن فيه حاجة لسه ماحصلتش إنها ماحصلتش فعلاً. الفلسفة بتفترض إن كل حاجة حصلت وبتحصل وهتحصل في العالم حصلت بالفعل ولكن علشان عقلنا محدود مش بنقدر نستوعب كل الأحداث دي إلا بشكل متتالي مقسم إلى ماضي وحاضر ومستقبل.. دي محدوديتنا الزمانية، زي برضه محدوديتنا المكانية اللي بتمنعنا نبقى في أكتر من مكان في نفس الوقت.

نرجع بقى للأسطورة وفكرة تشارك كاستور وبولوكس للحياة والموت والفناء والخلود. اللي حصل مع كاستور وبولوكس هو توضيح لفكرة الفلسفة الأبدية وإن علاقة الموت بالحياة والفناء بالخلود ليست علاقة متوالية تعمل على الاستثناء: إحنا بنموت وقت ما بنتولد، وبنحظى بالحياة وقت ما بنموت.. يعني لحظة ولادتنا هي لحظة موتنا، عقلنا المحدود بس هو اللي بيهيأ لنا إن واحد حصل قبل التاني وإن أحدهما مشروط بحدوث الآخر.

أسطورة كاستور وبولوكس هي تذكرة أن وجودنا كله قائم على الثنائيات: الموت والحياة، الجسد والروح، الخير والشر، الإلهي والبشري.. إلخ. الحاجات دي كلها وجود أحدهما لا يسبق الآخر ولا ينفيه، ولكن وجودهم مع بعض وفي نفس الوقت هو اللي بيعرّف كل شيء عن عالمنا وذواتنا. كاستور وبولوكس مش رمز للتضاد والتناقض زي ما مشهور عنهم. قد تكون محدوديتنا الزمانية دي هي السبب في ابتكارنا لفكرة الأضداد والمتناقضات متخيلين إن حالة معينة قد تنفي وجود الأخرى، في حين إن كل شيء متزامن.. متماسك.. مترابط.. زي كاستور وبولوكس اللي ماسكين إيد بعض للأبد في السماء.

زيوس ونموذج المحتال

موضوع النهاردة طويل شوية وده علشان هنحكي ثلاث أساطير بيربطهم ببعض عناصر كتير، أول وأهم عنصر فيهم، اللي كاسفنا في الأساطير الإغريقية والأساطير المجاورة، كبير الآلهة زيوس Zeus..

الأسطورة الأولى بتحكي إن في يوم من الأيام الأميرة الإسبرطية بارعة الجمال ليدا Leda راحت تستحمى، وهي بتستحمى شافت بجعة جميلة جدًا بتهرب من أحد الطيور الجارحة وراحت البجعة دي مرمية في حضن ليدا ومارست الجنس معاها. الأعجب بقى من إن بجعة تمارس الجنس مع إنسانة هو إن الروايات اختلفت في الحتة دي تحديدًا.. اللي يقول البجعة اغتصبتها، واللي يقول البجعة أغوتها، واللي يقول مارست الجنس مع البجعة برضاها. ما علينا من الخبل ده، المهم إن البجعة زي ما احنا عارفين هي زيوس اللي قرر يتنكر بالشكل ده لأن عينه كانت من ليدا الجميلة.

الأسطورة التانية بتحكى إن في يوم من الأيام الأميرة الفينيقية بارعة الجمال أوروبا Europa راحت برضه تستحمى، وهي بتستحمى وبتلعب في الحديقة وبتلم الأزهار مع وصيفاتها – والهبل اللي بيعملوه في الأساطير ده – شافت ثور أبيض جميل جدًا. هي وصاحبتها اقتربوا بحذر من الثور وقعدوا يلعبوا معاه لحد ما أوروبا قررت إنها تجرب، لا مؤاخذة، تركبه. أول ما أوروبا ركبت الثور خطفها وجري بيها على جزيرة كريت وعمل عملته السودا هناك. أوروبا فضلت عايشة كعشيقة لزيوس على الجزيرة لفترة وخلفت منه أولاد كمان.

الأسطورة التالتة بتحكي إن في يوم من الأيام الأمير الطروادي بارع الجمال جانيميد Ganymede كان ماشي في حاله كده وفجأة ظهر قدامه نسر عملاق خطفه وطار بيه على جبل الأوليمب. زيوس كان برضه عينه من جانيميد لأنه كان شديد الوسامة والبعيد – زيوس – مابيعتقش ما شاء الله. المهم يعني تختلف الروايات هنا ما بين اختطاف بس أو اختطاف واغتصاب، ولكن الأكيد إن هيرا كانت بتغير جدًا من جانيميد خصوصًا بعد ما بقى عايش معاهم في جبل الأوليمب كساقي للآلهة cup-bearer.

الثلاث أساطير زي ما قولنا فيهم عناصر كتير متشابهة أولاً فكرة اختطاف\اغتصاب زيوس لليدا وأوروبا وجانيميد. ثانيًا الأساطير الثلاث ارتبطوا ببعض المجموعات النجمية.. يعني مثلاً ليدا باضت – ايوه باضت – من البجعة\زيوس بيضتين، بيضة منهم فقست عن التوأمين كاستور وبولوكس Castor and Pollux اللي المجموعة النجمية الجوزاء Gemini – تعني التوأمان باللاتينية – سُمّيت تيمنًا بهما، وهنبقي نحكي قصتهم بعدين. برضه يُقال إن المجموعة النجمية الثور Taurus سُمّيت كده لتخليد حادثة تنكر زيوس واختطافه لأوروبا في هيئة ثور. أما جانيميد فمن كتر حب زيوس فيه أهداه المجموعة النجمية المعروفة حاليًا بالدلو Aquarius ومعناها باللاتينية “حامل الماء” وده كان دور جانيميد في جبل الأوليمب.

نرجع بقى لموضوع الاختطاف\الاغتصاب المشترك في الثلاث قصص. ليه دايمًا كل القصص اللي فيها زيوس لازم يبقى فيها اغتصاب؟ إله إيه المُهزأ اللي ماشي يغتصب يمين وشمال ده؟ بيغتصب آلهة، حوريات، بشر، أي حاجة. ليه أصلاً الأساطير كانت مليئة بقصص الاغتصاب والخيانة؟ السبب الأبسط والأوضح هو إن، منذ بدء الخليقة ولحد دلوقتي، الجنس بيشد وبيخلي الحدوتة أكثر تشويقًا وبالتالي جمهورها يكتر وسرعة انتشارها تزيد. السبب التاني هو إن الاغتصاب الهدف منه مش المتعة الجنسية على قد ما هو عرض قوة وإثبات سيطرة وعلشان كده للأسف ده اللي بيحصل في السجون والحروب، وبما إن زيوس هو كبير الآلهة فطبيعي إن ممارسة الجنس مع أي كائن حي أو مش حي، بإرادته أو غصب عنه، هو نوع من الهيمنة وفرض السيطرة، وده يفكرنا بالمقولة الشهيرة “كل شيء في هذا العالم يدور حول الجنس، إلا الجنس فهو مسألة سلطة.” مش عايزين ندخل في حفرة الدراسات الجندرية والأبعاد السياسية والإجتماعية للموضوع، بس طبعًا الموضوع واضح.

اللي يهمني نقطة كمان مشتركة بين الأساطير الثلاث وهي فكرة تحول زيوس لحيوان أو طائر من أجل تحقيق غرضه. السؤال هنا ليه زيوس أتحول لبجعة وثور ونسر؟ الإجابة الأوضح هي إن زيوس ماينفعش يظهر بهيئته الإلهية أمام البشر (فاكرين اللي حصل لسيميلي أم ديونيسيوس؟)، طيب ليه ما ظهرش بصورة بشر عادي زي ما كان بيعمل أحيانًا؟ ليه جو عالم الحيوان ده؟ الفكرة إن مش بس دي الأساطير اللي فيها تحول.. من قديم الأزل والأساطير من كل مكان في الدنيا فيها بشر وآلهة بيتحولوا لعناكب وكلاب وخفافيش وذئاب.. إلخ، حتى القصص الشعبية وحواديت الأطفال الأبطال فيها بيتحولوا لوحوش وبط وضفادع، حتى في العصر الحديث عندنا وولفرين والرجل النملة والرجل العنكبوت وغيرهم من عائلة مارفل ودي سي. القدرة على التحول فكرة مسيطرة على العقل البشري من زمان، البعض شافها على إنها هبة بتحول الشخص لصاحب قدرات خارقة وهنا الإنسانية بتتشاف على إنها مرتبة من الوجود محدودة والتحول ده بيزيد من إمكانياتها، في حين إن البعض الآخر بيشوفها على إنا نقمة وتعتبر نزول عن درجة الإنسانية اللي في الحالة دي بتُعتبر من أسمى درجات الوجود.

في حالة زيوس ممكن نعتبر إنه تحوله لحيوان\طائر نوع من السمو والتدني.. الاتنين مع بعض. سمو لأن من منظور برجماتي قدر يحقق هدف مايقدرش يحققه بصورته الإلهية، وتندي لأن الهدف في حد ذاته زفت على دماغه.

بس نرجع ونسأل نفسنا، هل اللي عمله زيوس ده تحول ولا تنكر؟ وإيه الفرق بين الاتنين أصلاً؟ التحول، غالبًا، بيبقى مفروض على الشخص أو جزء من طبيعته كنقمة أو نعمة.. يعني ممكن يكون واحد أغضب الآلهة فحولوه لخنفسة، أو بسبب تعويذة سحرية أتحول لوحش زي “الجميلة والوحش” و”الأميرة والضفدع”، وممكن برضه التحول يكون نعمة زي تحول بيتر باركر للرجل العنكبوت وإنه بالتحول ده بيقدر يكتشف البطل اللي جواه وبيساعد غيره وإلى أخره. أما التنكر بقى فهو، غالبًا، بيكون تحول الشخص بإرادته لصورة معينة هي ليست جزء من طبيعته من أجل تحقيق أغراض معينة. طبعًا أحيانًا الخطوط بتتلاقى بين التحول والتنكر، لكن حالة زيوس، في رأيي، تميل أكثر للتنكر.

من منظور نفسي فكرة التنكر مرتبطة بشكل كبير بنموذج المحتال The Trickster Archetype. زي ما قولنا قبل كده، النماذج الأولية دي مفهوم طرحه كارل يونج Carl Jung وقال إنها الأنماط اللي بتشكل الوعي الجمعي الإنساني، أو بمعنى آخر هي جوانب مختلفة من وجدان كل فرد فينا توارثناها عبر العصور، فيه طبعًا جوانب بتبقى أقوى من جوانب أخرى لكن كلها موجودة فينا بشكل أو بآخر. والمعروف إن يونج وعلماء النفس من بعده استخدموا الأساطير والأدب للاستدلال على النماذج الأولية لأن الأساطير والأعمال الأدبية مليئة بشخصيات نمطية ممكن تعبر عن النماذج دي بشكل مجازي.

إيه بقى نموذج المحتال أو المخادع ده؟ المحتال هو جانب من الشخصية معروف عنه التناقض وميله لكسر القوانين والخلط بين الأخلاقي واللاأخلاقي، وبيعمل ده عن طريق استخدام أساليب الحيلة والخداع والتنكر. بس على الرغم من كل ده، نموذج المحتال لا يُمثل الشر المطلق، لأن هدفه مش تحقيق الشر وإنما إزالة الحدود بين الخير والشر وإدخال الشك على أي مُسلمات في الكون. وعلشان كده نموذج المحتال في الأساطير والأدب مش كريه تمامًا وإنما بيبقى غالبًا مُهرج فيه ذكاء وشقاوة وعبث وأفعاله على قد ما بتثير التحفظ والغضب أحيانًا كتير بتثير الإعجاب برضه. مثال شهير على نموذج المحتال هو شخصية “القناع” The Mask في الفيلم الشهير اللي بيحمل نفس الاسم. اللي شاف فيكم الفيلم هيعرف إنها شخصية مهرجة مضحكة وذكية جدًا بس أفعالها كلها عبثية بتثير الشغب لمجرد إثارة الشغب وخلاص، وهتلاقي نفسك بتحبه وتكرهه في نفس الوقت. في الفيلم المفروض القناع اللي بيلبسه البطل ده أصلاً بيعكس شخصية الإله لوكي Loki من الميثولوجيا النوردية، ولوكي نفسي هو أشهر مثال على نموذج المحتال في عالم الأساطير.

كلنا فينا نموذج المحتال ده.. طبعًا فيه ناس النموذج ده بيطغى فيها على النماذج الأخرى، بس كلنا فينا الجانب العبثي اللي عايز يكسر القواعد والقوانين لمجرد كسرها ويسخر من المعايير اللي بيضعها الآخرون للتفرقة بين الخير والشر.

يونج بقى بيقول لنا على الرغم من إن نموذج المحتال ده بيتشاف كنموذج بغيض إلا أنه ضروري للحفاظ على التوازن في النفس البشرية أو الوعي الجمعي ككل، وأنه نواة تحقق الـ Enantiodromia أو ظاهرة التغيير الضدي. ظاهر التغيير الضدي مفهوم أتكلم عنه يونج في كتاباته وقال إن الإنسان لما بيفضل منهمك في حالة معينة أو فارض على نفسه شعور معين لفترة طويلة لازم العقل اللاواعي يخلق حالة\شعور مضاد بتبدأ تظهر وتأثر على العقل الواعي لتحقيق التوازن في وجدان الشخص. هدّي مثال تافه وبسيط جدًا: ليه ما بتظهرش عندك الرغبة في إنك ترجع للرسم أو للكتابة تاني غير وأنت مزنوق ومتكربس وعندك مذاكرة وامتحانات؟ أو العكس، ليه وأنت رايق وفي إجازة وقاعد فاضي طول اليوم مابتحسش إنك عايز لا تقرأ ولا تكتب ولا أي حاجة؟ السبب في ده هو إن العقل اللاواعي بشكل أوتوماتيكي بيخلق تيار مضاد للحالة المسيطرة علينا وبتظهر في صورة رغبات أو نزعات أو أحلام. من قريب كنت بتفرج على فيلم The Road (2009) والأب قال لابنه حاجة لفتت انتباهي جدًا.. قال له لما تحلم بكوابيس تعرف إن حياتك كويسة ولسه بتعافر، لكن اللي يقلق فعلاً لما تبقى كل أحلامك حلوة. نتفق أو نتختلف مع الكلام ده، لكنه بشكل ما بيعبر عن فكرة التغيير الضدي اللي قال عليها يونج.

الهدف من الموضوع ده كله هو تحقيق التوازن ومزج طرفي الثنائيات، وهو ده اللي بيسعى إليه نموذج المحتال حتى لو بطرق خبيثة وملتوية. في عالم ونظم عقائدية وأخلاقية بتميل للتشدد ووضع خطوط عريضة وحقول ألغام بين الخير والشر والإلهي والبشري بيجي نموذج المحتال يضرب ده كله في الخلاط ويضحك علينا وبالتالي احنا كمان بنكتشف إن مفيش حاجة مطلقة وإن الخير والشر والحق والظلم وكله منفد على بعضه (فكروا كده في شخصية الجوكر ودوافعه).

نرجع بقى لزيوس ونحاول نفكر فيه كمثال لنموذج المحتال. قولنا إن من أشهر صفات النموذج ده استخدام الحيلة والخداع وده كان واضح في محاولاته لقرطسة زوجته هيرا طول الوقت وخداع ضحاياه. كمان النموذج معروف عنه التناقض، وده موجود في زيوس: إله بس رغباته كلها بشرية وضيعة، طيوب وخيّر وعادل في أساطير بس في أساطير تانية ظالم ابن مجنونة، بيلعب دور المغتصب أحيانًا ودور الراعي والأم الحنون في أحيان أخرى (هو كان بمثابة الرحِم لأثينا وديونيسيوس). وفي الأساطير الثلاث بتاعت النهاردة هنلاقي إنه بيستخدم التنكر – العبثي والمثير للضحك أكثر من الخوف – كحيلة لخداع ضحاياه وإقناعهم بممارسة الجنس معاه، وعلى الرغم إنه بيخطفهم إلا إنه في نفس الوقت بيديهم عطايا إلهية زي الهدايا والتكريم والرفع إلى جبل الأوليمب.

كل ده يخلينا نتسأل هل فعلاً هدف الأساطير تصوير إله مش عارف يتحكم في رغباته الجنسية وخلاص، ولّا، في ضوء الهري اللي قعدنا نهري فيه من شوية ده، هو نوع من ترسيخ لنموذج المحتال في الوعي الجمعي وفكرة إزالة الحواجز بين الثنائيات المطلقة من أجل تحقيق التوازن؟ في الثلاث أساطير دي شوفنا إزاي إن صفات بشرية زي الاندفاع والخداع قد يحملها الآلهة وبرضه شوفنا إزاي إن صفات إلهية زي الجمال والطهر والتسامح قد يحملها البشر.

الهدف في النهاية هو إزالة الحواجز وفهم إن كل وجدان هو عالم مكتمل بداخله مكونات الخير والشر.. حقيقة قد نحتاج للقليل من الحيلة والعبث لفهمها.

الولد ونصف العملاقة

امبارح وأنا بسمع بودكاست للكاتب مايكل مييد Michael Meade حكى فيه قصة شعبية لطيفة من التراث الأفريقي. القصة بتقول إن كان فيه ولد صغير قرر إنه يسيب بيت أهله علشان يخرج يشوف العالم برة قريته المحدودة اللي ماشفش غيرها طول حياته..

وفعلاً الولد أخد بؤجته والكلب بتاعه وفضل يمشي يمشي لحد ما وصل لمكان فسيح فيه بحيرة كبيرة. الولد شرب من البحيرة هو والكلب وطلع على شجرة وأستخبى فيها وفضل يتفرج على المكان من فوق لحد ما شاف عملاقة بتقرب من بعيد.. وأكتشف إنها نصف عملاقة، برجل واحدة وأيد واحدة وعين واحدة. نصف العملاقة وصلت لحد البحيرة وقعدت تشرب منها لحد ما جفت تمامًا.

فجأة، نصف العملاقة لما اكتشفت إن المياه اللي في البحيرة خلصت قعدت تعيط وتصوت وتقول “مين اللي شرب من المياه بتاعتي! هعيش إزاي وأنا عطشانة كده!” وفضلت نصف العملاقة تعيط وتندب حظها لحد ما هدأت وسابت البحيرة.

الولد حس بفضول شديد جدًا تجاه اللي حصل قدامه وقرر إنه يمشي ورا نصف العملاقة من غير ما تحس بيه. الولد فضل ماشي وراها لحد ما وصلت للكوخ بتاعها والولد برضه استخبى عند شجرة هو والكلب بتاعه. نصف العملاقة ابتدت تحضر الأكل بتاعها في مرجَل (القدرة الكبيرة دي) ولما المياه أوشكت على الغليان ابتدت ترمي في المرجل كل حاجة حواليها.. رز ولحم ونباتات وأي حيوان يعدي جنبها. نصف العملاقة سابت العك ده يستوي ودخلت الكوخ بتاعها، راح الولد أخد حتة لحمة وأكل هو والكلب بتاعه.

بعد شوية نصف العملاقة رجعت وقعدت تأكل اللي في المرجل بنهم شديد لحد ما شطبت عليه خالص. وفجأة بدأت في الصريخ وقعدت تقول بغضب “مين اللي سرق الأكل بتاعي! مين اللي يجرؤ يسرق مني ويسيبني أجوع من غير أكل!” وفضلت في نوبة الغضب والبكاء دي لحد ما تعبت ودخلت الكوخ بتاعها تنام.

الولد أخد الكلب بتاعه ورجع القرية جري ولما سألوه رجعت تاني ليه وشوفت إيه.. قال لهم “خلاص أنا شوفت من العالم اللي يكفيني.”

مايكل مييد بيفسر الحدوتة في إطار نفسي وبيقول إن نصف العملاقة هي رمز للنموذج الأولي للأم في النفس البشرية (استنادًا لنظرية كارل يونج عن النماذج الأولية) وإن التجربة كلها اللي مر بيها الولد هي نوع من انفصال الابن عن الأم الحقيقة ومواجهة أثر أو صورة الأم بداخله متمثلة في العالم الخارجي، ومن هنا بتبدأ الكلاكيع تظهر بقى.

طيب نحط تفسير مييد على جنب دلوقتي ونرجع للحدوتة تاني، أول ما خلصت القصة تبادر لذهني سؤال واحد: هل نصف العملاقة عارفة بالظبط مقدار المياه والأكل اللي عندها وعلشان كده لما نقصوا شوية أدركت إن فيه حد سرق منها، ولا هي مش مدركة أصلاً إنها الشخص اللي خلص المياه والأكل (يعني في حالة إنكار إنها هي اللي شربت وأكلت)؟

لو مشينا مع الاحتمال الأول إنها عرفت إن فيه حد سرق منها فهل المقدار البسيط اللي أخده الولد من الأكل والشرب يستحق نوبات الحزن والغضب الشديد اللي مرت بيها نصف العملاقة؟ أصله ماتفّش مثلاً ولا عمل بيبي في المياه.. ده يدوب أخد اللي يروي عطشه هو والكلب بتاعه، يعني يا يموت من الجوع والعطش يا يتحمل نوبات الحزن والغضب غير المبررة دي وبالتالي يشعر بالذنب إنه السبب فيها. ولو اتفقنا مع مييد في موضوع إن الولد هنا هو الإنسان في مراحل التكوين الأولى فممكن نقول إن نصف العملاقة هي الأب أو الأم أو أي شخص بيمثل صورة الراعي في حياة الطفل. وطبعًا ده مثال للعلاقة المؤذية اللي الطفل فيها بيحاول يحصل على مشاعر الحب والحنان اللي محتاجهم من الراعي لكن بيُقابل بالحزن والغضب، كأنه بيطلب شيء مش من حقه، وبالتالي بيفضل شايل جواه الخوف وعقدة الذنب طول عمره.

ومن هنا ممكن نفهم ليه الشخص الراعي ده تمثل في شكل “نصف” عملاقة لأن هو نفسه غير ناضج عاطفيًا وعدم اكتماله العاطفي ده بيدفعه لرمي المشاعر السلبية من لوم وغضب على من حوله وطبعًا الأطفال هم الأكثر عرضة لاستقبال هذه المشاعر.

حد ممكن يقول طيب الولد بعد ما شرب المياه وشاف غضب نصف العملاقة ليه قبل ما يأخد الأكل ماستأذنش منها أو حاول يواجهها؟ سؤال وجيه وأعتقد بيختلف من شخص للتاني، بس لو حطينا في الاعتبار إن بطل القصة مجرد طفل صغير خايف وجعان وعطشان فموضوع المواجهة ده – خصوصًا إن معظم نتائجه بتبقى كارثية – غير متاح.

نرجع بقى للاحتمال التاني إن نصف العملاقة بتشرب المياه وبتأكل الأكل وبعد ما بيخلصوا مابتدركش إنها هي اللي أكلت وشربت، وأعتقد إنها في الحالة دي تستحق شفقتنا. تخيل حد بيستهلك كل حاجة حواليه، ماديًا وعاطفيًا، وعلى الرغم من كده يشتكي من الحرمان والظلم.. طبيعي هنقول ده شخص مصاب بالبارانويا أو الضلالات، بس إلى حد ما برضه مثير للشفقة. أكيد فيه أشخاص في حياتنا كده، نوعية الناس اللي بتبقى مستهلكة كل اللي حواليهم عاطفيًا وبرضه حاسين بأن محدش بيحبهم ولا مهتم بيهم، كأن احتياجهم للحب والحنان ده حاجة لا يُمكن إشباعها، زي بالظبط العطش والجوع اللي بتحس بيه نصف العملاقة بعد ما بتشرب مياه البحيرة كلها وتأكل محتويات المرجل. لو الاحتمالية دي صحيحة فأعتقد ده يخلينا نفكر ألف مرة قبل ما نحط نفسنا في دور الضحية في أي موقف نمر بيه.. هل احنا فعلاً مظلومين ومحرومين ولا – زي نصف العملاقة – معميين عن واقع الأمور ومدى استهلاكنا واستغلالنا للأشياء والأشخاص اللي حوالينا؟

الحدوتة هنا كمان ممكن تبقى رمز للإنسان وفكره الاستهلاكي الذي لا يُمكن إشباعه.. بنفضل نأتي على الأخضر واليابس وفي الأخر نرجع نشتكي إن محدش أخد كفايته وإننا محتاجين لسه أكتر وأكتر.

وده يورينا إن الإنسان مهما تقدم وتعملق فرؤيته للأمور هتفضل نصف رؤية، وقُدرته على التملك والتحكم هتفضل نصف قُدرة.