تفاحة الفُرقة

التفاحة الذهبية، أو كما يُطلق عليها “تفاحة الفُرقة” The Apple of Discord، هي تفاحة تسببت في النزاع بين الآلهة في جبل الأوليمب واللي انتقل بدوره بين البشر على الأرض..

Golden Apple of Discord (1633), Jacob Jordaens

الأسطورة بتقول لنا إن أثناء احتفال الآلهة بزواج الملك بيليوس Peleus بالحورية ثيتس Thetis – الزواج اللي نتج عنه أخيل Achilles – وكل الحضور مبسوطين، فجأة طبت عليهم الربّة إريس Eris ربة النزاع والفُرقة (متخصصة في التكدير والنكد يعني) وقالت لهم “إزاي ماتعزمونيش على الفرح!”.. طبعًا كله قعد يمأمأ ويسأسأ.. أصل هيقولوا لها إيه؟ أنتي فقر وهتفرقي بين العروسين من قبل ما يتجوزوا؟ المهم إريس شالت في نفسها وقررت تنكد على الكل فعلاً وطلعت من جيبها تفاحة ذهبية خلابة مكتوب عليها “إلى الأجمل”. التفاحة وقعت على الترابيزة وثلاثة أشخاص تحديدًا عينهم ماتشالتش من عليها..

الثلاثة دول هم: هيرا Hera ربّة الزواج والأمومة وزوجة كبير الآلهة زيوس، أفروديت Aphrodite ربّة الجمال والحب، وأثينا Athena ربّة الحكمة والحرب. هيرا وأفروديت وأثينا قعدوا يتخانقوا على التفاحة الذهبية لحد ما زيوس قال لهم احنا نشوف حد محايد يختار ما بينكم. زيوس وقع اختياره على باريس Paris ابن ملك طروادة، أمير صغير عبيط من البشر ملهوش تحيزات. الثلاث ربّات ظهروا لباريس وقالوا له يختار الأجمل بينهم، وكل واحدة منهم أغرته بحاجة: هيرا وعدته بالسلطة الواسعة، أثينا بالقوة والمهارة، أما أفروديت فوعدته بالفوز بحب أجمل امرأة على وجه الأرض..

باريس أختار أفروديت، وبمرور السنوات أفروديت بالفعل أوفت بوعدها وخلت هيلين Helen، اللي كانت وقتها زوجة لمينلاوس Menelaus، تقع في غرام باريس أول ما تشوفه وتهرب معاه لطروادة. وبسبب هروبها ده قامت طبعًا حرب طروادة الشهيرة اللي كلنا عارفينها واللي استمرت عشر سنوات.

الملفت للنظر في الموضوع هو ارتباط التفاح بالمرأة في الوعي الجمعي للإنسان خاصة في سياق الإغواء.. يعني مثلاً عندنا حواء والتفاحة المُحرمة، وعندنا أتالانتا والتفاح الذهبي اللي كان السبب في خسارتها للسباق، حتى الربّات ماسلموش من إغواء التفاحة ووقعوا فريسة لها زي ما شوفنا.

The Apple of Discord (2010), Angel Delafe

هرقل والمهام المستحيلة

أسطورة المرة دي هتكون عن أشهر أبطال عالم الأساطير الإغريقية على الإطلاق.. البطل ونصف الإله هرقل Heracles..

الأسطورة كالعادة بتبدأ من عند كبير الآلهة زيوس Zeus اللي، كالعادة برضه، بيُعجب ببشرية اسمها ألكميني Alcmene. ألكميني كانت أميرة جميلة جدًا وكانت حفيدة البطل بيرسيوس Perseus قاتل الميدوسا وزوجها كان ملك، بس ده طبعًا ولا يفرق مع زيوس في حاجة. زيوس أتنكر في صورة زوجها الملك ونام معاها وبعد تسعة شهور ألكميني خلفت توأمين: هرقل وايفكليس Iphicles. وبالرغم أن الاتنين اتولدوا من نفس البطن وفي نفس الوقت، كان واضح جدًا أن هرقل ابن زيوس مختلف عن أخوه البشري ايفكليس ابن الملك.

وفي نفس الوقت في جبل الأوليمب، الربّة هيرا Hera زوجة زيوس كانت قاعدة تغلي وتنكت في نفسها وأول ما ألكميني أنجبت التوأمين قررت أنها تحط هرقل في دماغها وتطين عيشته طول ما هو حي يرزق. مثلاً.. هرقل لما كان طفل رضيع عبيط لسه، هيرا سلطت عليه ثعبانين سامين علشان يعضوه ويموت وتخلص منه، بس هرقل شاف الثعبانين وافتكرهم لعبة وقعد يلفهم ويعضعض فيهم لحد ما ماتوا (هرقل بقى!).

هرقل كبر وأتدرب على يد أفضل المدربين وقوته الخارقة كانت واضحة للعيان. في الفترة دي هرقل كان عايش حياته في سلام نسبي وأتجوز وخلّف.. بس هيرا مانسيتهوش.

في يوم من الأيام هيرا أصابت هرقل بلعنة تسببت في جنونه لبضع ساعات.. في الساعات القليلة دي، هرقل قتل زوجته وأطفاله بوحشية. وأول ما عاد لرشده ولقى نفسه واقف وسط جثث زوجته وأطفاله مابقاش مصدق نفسه ولا أنه هو السبب في اللي حصل ده. هرقل ماكانش عارف يروح فين ولا يجي منين وقرر يروح لمعبد الإله أبولو Apollo وقعد يعيط ويصلي لحد ما العرافة اللي هناك قالت له إن الآلهة قررت أنها تخلي هرقل يكفّر عن ذنبه في مقابل خدمته للملك يوريثيوس Eurystheus لمدة عشر سنوات، ولو هرقل قدر يخدم الملك على أكمل وجه طوال الفترة دي الآلهة هتكافئه برفعه لجبل الأوليمب والخلود.

هرقل وافق.

طبعًا الشرط كان غريب جدًا والموضوع مش محتاج فكاكة علشان نعرف أن هيرا كانت ورا الخطة الجهنمية دي. يوريثيوس كان من أقارب هرقل والأهم من كده أنه واحد من رعايا هيرا وكانت مراهنة عليه يكون الملك والبطل الأوحد في العصر ده، وكون هرقل هيخدمه فده هيديها فرصة أنها تقدر تتلاعب بهرقل أو تتخلص منه زي ما هي عايزة.. ده غير أنها هتذله قدام قريبه الأضعف منه واللي كان بينه وبين هرقل عداوة واضحة.

المهم أن العشر سنين دول مطوا ل12 سنة، وخلال ال12 سنة يوريثيوس أوكل لهرقل القيام باثنتي عشرة مهمة مستحيلة سُميت فيما بعد ب”مهام هرقل” The Labors of Heracles كل مهمة فيهم أنيل من التانية..

المهمة الأولى (أسد نيميا The Nemean Lion):

يوريثيوس أمر هرقل بقتل أسد شرس في منطقة نيميا وهو على يقين أن هرقل مش هيرجع لأن مفيش حد قدر يقتل الأسد ده قبل كده. أسد نيميا كان ضخم جدًا ومتوحش وجلده سميك لا يُخترق. هرقل أخد الشومة والعِدة بتاعته وأتوكل على الله وراح. هرقل قعد يراقب الأسد لحد ما دخل الكهف بتاعه، فهرقل سد مدخل من مدخلي الكهف وفاجأ الأسد من المدخل التاني علشان يزنقه جوا. طبعًا الأسد هجم على هرقل بس هرقل أداله بالشومة فدروخه شوية وراح مسكه بين دراعه وخنقه (هرقل بقى!). بعد ما هرقل موت الأسد حاول أنه يسلخه علشان ياخد جلده اللي لا يخُترق يستخدمه كدرع بس ماعرفش يقطعه بأي سكينة أو خنجر، فراح عمل إيه بقى؟ خلع ناب من أنياب الأسد واستخدمها لقطع جلد نفس ذات الأسد، ولبس فعلاً جلد الأسد كدرع.

المهمة الثانية (الهيدرا الليرنية The Lernean Hydra):

يوريثيوس لما شاف هرقل راجع بجلد الأسد مابقاش مصدق، فهيرا أوحت له يأمر هرقل بالمهمة الثانية وهي قتل وحش الهيدرا في منطقة ليرنا. وحش الهيدرا ده من أبشع الوحوش الإغريقية وهو أقرب لأفعى ضخمة ذات رؤوس كثيرة، لما بيتقطع رأس منهم بيطلع مكانها اتنين! حاجة كابوسية كده. هرقل في المهمة دي تحديدًا استعان بابن أخوه علشان يعرف يسيطر على الهيدرا ويقطع كل الرؤوس.. فكان أول ما يقطع رأس ابن أخوه يجري يحرق منبت الرقبة فماتطلعش رؤوس تانية وبكده قدروا يقضوا على الهيدرا. قبل ما يمشي، هرقل أخد كميات كبيرة من دم الهيدرا، اللي كان بيعتبر نوع نادر من السموم، علشان يستخدمها في تغطية رؤوس الرماح والسهام بتاعته وبكده بقى عنده سلاح قاتل.

المهمة الثالثة (غزال سيرينيا المقدس The Ceryneian Hind):

المهمة الثالثة قد تبدو في ظاهرها سهلة لكنها أخدت من هرقل وقت ومجهود أكثر من أي مهمة تانية. يوريثيوس أمر هرقل بإحضار غزال مقدس يعيش في مدينة سيرينيا.. خدوا بالكم أنه قال له يمسك الغزال ويجيبه بس، مش يقتله، وهنا تكمن صعوبة المهمة. الغزال المقدس ده تحديدًا كان سريع جدًا، ده غير أنه مقدس.. يعني أي محاولة لإصابته بالسهم أو أي حاجة تانية لإبطاء حركته هتثير غضب الآلهة وهرقل مش ناقص. هرقل فضل يراقب الغزال ويجري وراه لمدة سنة كاملة! سنة كاملة بيدرس حركة الغزال وسرعته وعاداته علشان يقدر يختار الوقت المناسب اللي يمسكه فيه. أخيرًا هرقل قدر يمسك الغزال ورجع بيه لقصر يوريثيوس.

المهمة الرابعة (خنزير إيرمانثيوس البري The Erymanthian Boar):

وزي المهمة اللي قبلها، يوريثيوس برضه أمر هرقل بإحضار – مش قتل – خنزير بري متوحش بيعيش في جبل إيرمانثيوس بمنطقة أركاديا. هرقل أخد بعضه وطلع الجبل وفي الطريق قابل صاحبه القنطور Centaur ودخل في عركة مع أصحابه القناطير بسبب حوار كده مش موضوعنا دلوقتي. المهم يعني أن القنطور نصح هرقل بطريقة سهلة لاصطياد الخنزير وهو أنه يفضل يطارد الخنزير لحد قمة الجبل المغطاة بالثلج وهناك حركة الخنزير هتبقى بطيئة وهرقل هيقدر يمسكه بسهولة. هرقل عمل كده فعلاً ومسك الخنزير ورجع بيه ليوريثيوس اللي كان ميت في جلده لما شاف الحيوان المتوحش.

المهمة الخامسة (حظائر الملك أوجياس The Augean Stables):

المهمة دي قذرة شوية. يوريثيوس قال لهرقل يروح للملك أوجياس ينضف حظائر الماشية بتاعته بشرط أنه يعمل ده في يوم واحد بس. هرقل طبعًا وافق بس طول السكة كان قاعد يقول إيه المهمة الحقيرة اللي ملهاش لازمة دي.. لما راح بقى لحظائر الملك أوجياس اكتشف أنها كبيرة جدًا وأنها ماتنضفتش من ثلاثين سنة (قمة في العفانة يعني!) والمفروض أنه يخليها فلة بتلمع خلال 24 ساعة بس. هرقل قعد يفكر ويفكر لحد ما وصل لخطة: هرقل شاف أن فيه نهرين بيمروا بالقرب من الحظائر فراح حافر مجرى بحيث إن النهرين يمروا من خلال الحظائر ويشيلوا معاهم القرف اللي متكوم بقال ثلاثين سنة ده. الخطة نجحت فعلاً والملك أعطى لهرقل جزء من الماشية بتاعته مقابل اللي عمله.

المهمة السادسة (طيور ستيمفالوس The Stymphalian Birds):

الطيور دي كانت بتعيش عند مستنقع قرب مدينة ستيمفالوس وكان معروف عنها أنها بتأكل البشر وريشها عامل زي النصال الحادة، والمفروض هرقل يروح يقتلهم كلهم. هرقل راح وقدر يخرّج الطيور دي من مخبأها، بمساعدة الربّة أثينا Athena، وبعدين استخدم سهامه المغطاة بدم الهيدرا السام علشان يقتلهم.

المهمة السابعة (ثور مدينة كريت The Cretan Bull):

لو تفتكروا اتكلمنا قبل كده عن أسطورة البطل ثيسيوس Theseus ودخوله للمتاهة علشان يقتل المينوتور Minotaur الكائن اللي نصفه إنسان ونصفه ثور. المينوتور ده كان نتاج تزاوج زوجة ملك مدينة كريت مع ثور كان هدية من بوسيدون. المهم يعني يوريثيوس أمر هرقل يروح يجيب له الثور ده تحديدًا، اللي هو أبو المينوتور. هرقل راح مدينة كريت فعلاً وقعد يصارع الثور بس طبعًا قدر يتغلب عليه ويكتفه ويجيبه في شوال ليوريثيوس.

المهمة الثامنة (خيول الملك دايوميد The Horses of Diomedes):

يُقال إن كان فيه ملك اسمه دايوميد كان مربي الخيول بتاعته على أكل لحم البشر. يوريثيوس قال لهرقل يروح يجيب الخيول دي من الملك غصب عنه. فهرقل عمل إيه بقى؟ راح الأول للملك ورجالته وصارعهم وكتفهم بكل سهولة (هرقل بقى!) وراح مأكلهم للخيول.. وبكده، وبعد ما أداهم كميات كبيرة من اللحم اللي بيحبوه، الخيول بقت مطيعة لهرقل وقدر يرجع بيها لمملكة يوريثيوس.

المهمة التاسعة (حزام الملكة هيبوليت  The Girdle of Hippolyte):

هيبوليت كانت ملكة محاربات الأمازون الشهيرات، والمهمة التاسعة لهرقل كان أنه يروح للملكة هيبوليت وياخد منها الحزام الذهبي بتاعها اللي أهداه لها والدها إله الحرب آريز Ares. هرقل كان رايح ومتوقع عركة كبيرة طبعًا مع نساء الأمازون وكان خايف إنه مايقدرش يهزمهم، بس على عكس توقعاته الملكة هيبوليت قابلته بكل ترحاب وقعدوا يرغوا لساعات وارتاحوا لبعض، ولما سألته عن سبب الزيارة قال لها الحقيقة وشرح لها كل حاجة من الأول. هيبوليت أُعجبت بصراحة هرقل ووافقت أنها تدي له الحزام.

بس طبعًا بما أن هيرا مش هتسيب مهمة تعدي بسلام كده، اتنكرت في شكل واحدة من محاربات الأمازون وقعدت تنشر الشائعات بينهم أن هرقل جاي علشان يقتل الملكة. وبالفعل وهو ماشي خلاص هرقل فوجئ بجيش الأمازون كله بيهجم عليه بما فيهم هيبوليت اللي وصيفاتها اقنعوها بالشائعات. هرقل اضطر يحارب الأمازونيات وللأسف قتل هيبوليت وأخد الحزام وهرب.

المهمة العاشرة (ماشية العملاق جيريون The Cattle of Geryon):

المهمة دي في حد ذاتها مش صعبة بقدر صعوبة رحلة الذهاب والعودة والصعاب اللي واجهها هرقل فيهم. المفروض أن هرقل كان يروح يسرق الماشية بتاعت عملاق اسمه جيريون. جيريون كان عنده ثلاثة رؤوس وستة أزرع وستة أرجل.. يعني كأنه تلات بني آدمين لازقين في بعض. هرقل قدر يقتل جيريون بسهولة لكن المشكلة في طابور الوحوش اللي قابله وهو رايح للمكان اللي جيريون عايش فيه، وطابور الكائنات والآلهة اللي حاولت تسرق الماشية من هرقل وهو راجع، ده غير أن هيرا سلطت ذباب على القطيع فخلته يجري في كل مكان وهرقل مابقاش عارف يسيطر عليه. المهم بعد الدوخة ووجع القلب ده كله، هرقل الحمد لله رجع بقطيع الماشية ليوريثيوس.

المهمة الحادية عشرة (تفاح هيسبيريدس The Apples of the Hesperides):

ودي واحدة من المهام المستحيلة فعلاً واللي كانت هيرا متوقعة أن هرقل عمره ما هيقدر يعملها. المهمة كانت أن هرقل يروح لحديقة بتعيش فيها حوريات الهيسبيرديس بنات العملاق أطلس Atlas (الراجل اللي كان حرفيًا شايل الأرض على كتافه)، الحديقة دي فيها شجرة تفاحها من الذهب، والشجرة دي تحديدًا كانت مهر زيوس لهيرا لما تزوجها. وده لو مش صعب كفاية، فالحديقة موجودة في مكان غير معروف أصلاً ولا يمكن الوصول إليه.

هرقل لما سمع بالمهمة ضرب أخماس في أسداس بس برضه راح لما يشوف أخرتها إيه. وكالعادة قابله في الطريق تشكيلة متنوعة من الصعاب والأهوال بس أهم حاجة في الموضوع إنه قابل سارق النار بروميثيوس Prometheus وخلصه من عذابه الأبدي، ومقابل مساعدته دي بروميثيوس قال لهرقل على طريقة يقدر يحصل بيها على التفاح الذهبي وهي عن طريق خداع العملاق أطلس.

هرقل راح للحديقة وقابل أطلس وقال له إنه مستعد يشيل منه الأرض شوية على شرط أنه يروح بنفسه لبناته ويقطف من الشجرة التفاح الذهبي. أطلس طبعًا وافق على عرض هرقل علشان يرتاح من ثقل الأرض شوية. هرقل شال الأرض كلها على كتفه مكان أطلس. أطلس لما رجع بالتفاح رفض أنه ياخد الأرض تاني من هرقل وقال له إنه هيودي التفاح بنفسه ليوريثيوس (ما صدق لبّس الأرض لحد تاني). هرقل قال له “خلاص ماشي بس خد أمسك مني الأرض ثواني بس كده لحد ما أعدل هدومي وأحط مخدة على كتفي”.. أطلس زي الأهبل أخد منه الأرض تاني فراح هرقل خطف التفاح وحط ديله في سنانه وجري.

المهمة الثانية عشرة (كلب الجحيم سيربيروس The Hell Hound Cerberus):

في أخر مهمة، هيرا ويوريثيوس استخدموا أخر كارت معاهم ورموا على هرقل التقيلة بقى! يوريثيوس أمر هرقل بأنه يحضر له كلب الجحيم سيربيروس حيًا. كنا اتكلمنا قريب على سيربيروس وقولنا أنه كلب كابوسي بثلاثة رؤوس يحرس أبواب العالم السفلي ووظيفته أنه يمنع الموتى من الخروج والأحياء من الدخول. خطورة المهمة دي تحديدًا أن بنزول هرقل لعالم الموتى ممكن جدًا مايعرفش يرجع ويفضل هناك وبكده هيرا تكون حققت اللي هي عايزاه.

وعلشان كده هرقل استعد كويس للمهمة دي وقعد يتعلم عن عالم الموتى ويطلب من آلهة معينة المساعدة في النزول للعالم السفلي وقدم لهم العطايا علشان يضمن لنفسه الحماية والرجوع لعالم الأحياء. هرقل نزل فعلاً وأول حاجة عملها هو أنه طلب مقابلة إله العالم السفلي هاديس Hades. هرقل قال لهاديس الحقيقة وحكى القصة كلها من أولها.. هاديس السوسة قال لهرقل معنديش مشكلة تاخد سيربيروس بشرط أنك تصارعه من غير استخدام أي أسلحة أو أدوات أو دروع.. بطولك كده. هرقل اضطر أنه يوافق وراح يصارع سيربيروس وبعد معركة استمرت ساعات، هرقل نجح في إنهاك سيربيروس وأخده معاه لعالم الأحياء لمملكة يوريثيوس اللي يأس خلاص من محاولة التخلص من هرقل.

بعد 12 سنة خدمة ليوريثيوس، هرقل أتحرر من وعده أخيرًا وقدر يكفّر عن ذنبه، وبعد ما مات، وزي ما وعدته العرافة، هرقل صعد لجبل الأوليمب لينضم للآلهة ويكون واحدًا منهم كراعي للأبطال، وأصبحت بطولاته تزين السماء في صورة أجرام سماوية ومجموعات نجمية كمثال أبدي على القوة والمثابرة.

* * *

بعد ما عرفنا ظروف ولادته وحياته والمصاعب اللي قابلها، أول حاجة ممكن تلفت انتباهنا في حياة البطل هرقل هي العلاقة المركبة اللي بينه وبين هيرا. هيرا هي السبب في تعاسة هرقل وكل المصايب والأهوال اللي أتعرض لها، بس برضه وبشكل غير مباشر هي السبب في صعوده لجبل الأوليمب وخلود سيرته. حتى اسمه باليونانية معناه – وياللسخرية! – “المجد لهيرا”.. وكأن هيرا هي المحرك الأساسي، النار اللي كادت أن تحرق هرقل لكنه نجح في تحويلها إلى الشعلة اللي أنارت طريق المجد.

علاقة هرقل بهيرا بتبدأ من قبل ولادة هرقل، من رفضها لوجود المولود ده بسبب رفضها لزوجها أو لسلوكه عامةً. بس الغريب في الموضوع أن أولاد زيوس من نساء بشريات، أبطال أو غيره، كانوا ماليين الأرض، وهرقل مش أولهم ولا أخرهم. اشمعنى هرقل اللي أديته كل هذا الكم من الاهتمام؟ المثير للجدل في الموضوع ده أن معظم القراءات النفسية للأسطورة بتعتبر هيرا صورة الأم في وجدان هرقل وده بسبب غياب ألكميني من حياة هرقل وحصول هيرا على الحيز الأكبر فيها. طيب ليه أم ممكن تكره ابنها لهذه الدرجة؟ الإجابة الواضحة هي اضطراب العلاقة مع الزوج، زي العلاقة المهببة بين زيوس وهيرا، أو أن الطفل ده بيبقى دليل وتذكرة على فشل العلاقة.. أو الغيرة (اتكلمنا في ده قبل كده في أسطورة أراكني Arachne).. أو ممكن الكراهية تكون بلا أي سبب واضح. العلاقة بين الأم وابنها\بنتها مش دايمًا حب غير مشروط وفراشات زي ما المجتمع والأعراف بيصوروا لنا، فيه علاقات كتير بتشوبها الغيرة والغضب والسخط، وفيه أمهات بيجيلها اكتئاب ما بعد الولادة واللي لو ماتعالجش ممكن جدًا يتطور لشعور الأم بفقدان هويتها وسلطتها وسيطرتها على حياتها بسبب الطفل فبتوجه مشاعر الفقد والغضب دي ناحيته. هرقل كان بيحمل اسم هيرا، يعني كان مِلك لها، ولكن مجرد وجوده كان دليل على فشلها كربّة وزوجة وامرأة، وطول ما هو عايش بتشوف فيه انعكاس لفقدان سلطتها وسيطرتها وهويتها.

طيب نيجي لهرقل بقى، الطفل أو الابن.. ذنبه إيه في الليلة دي؟ الحقيقة إنه ملهوش أي ذنب وإنه للأسف بيضطر يشيل على عاتقه توابع اضطراب العلاقة مع الأم ومسئولية فهم الأسباب. الموضوع صعب، وبتبقى رحلة شاقة محفوفة بالكثير من المخاطر والمصاعب وجلد الذات علشان الابن يوصل للتصالح مع صورة الأم جواه والنفس.. بالظبط زي المصاعب اللي واجهها هرقل علشان في النهاية يوصل لجبل الأوليمب.

وعلى غرار عقدة أوديب، بعض علماء النفس استخدموا قصة هرقل لوصف بعض المشاكل النفسية اللي بتنتج من اضطراب علاقة الأم بابنها وسيطرتها عليه بشكل سلبي واسموها “عقدة هرقل” Heracles Complex. وعلشان نفهم العقدة دي أكتر وتأثيرها على هرقل وحياته محتاجين نرجع لعالم النفس كارل يونج Carl Jung وتحليله للأنماط اللي بتشكل شخصية كل واحد فينا. واحدة من هذه الأنماط هي الأنيما anima أو صورة المرأة في وجدان الرجل واللي بتتشكل منذ الطفولة وبتأثر على شخصية الرجل بشكل غير واعي بعد ذلك. يعني لو علاقة الأم بطفلها سليمة وقايمة على الحب المعتدل من البداية هنلاقي أن الرجل متفهم أكتر للجانب الأنثوي في شخصيته وده بينعكس بشكل صحي على علاقاته مع النساء بعد كده، والعكس صحيح طبعًا.

Carl Jung

هرقل للأسف لقى نفسه في علاقة سامة مع صورة الأم المتجسدة في هيرا. هرقل كان بيحاول يرضي هيرا بشتى الطرق – في الأول علشان يتفادى غضبها وبعدين علشان يكفّر عن ذنبه اللي كان بسببها برضه – وده بالظبط اللي بيحصل مع الطفل اللي بيلاقي نفسه مكروه من الأم، طبيعي أن عقله بيترجم ده على أنه تقصير من ناحيته فبيحس بالذنب وبيحاول يرضي الأم ويتفادى غضبها بشتى الطرق – وعلشان كده هرقل أتسمى الاسم ده – والإحساس بالتقصير والذنب بيفضل معاه كمان لما بيكبر، وحتى بعد ما الأم مابيبقاش لها سلطة عليه أو بيبعد عنها، برضه بيفضل شعوره بقيمة نفسه مربوط بيها وبيعيش خادم للعلاقة المضطربة المؤذية دي.

حتى محاولاته لتأسيس علاقة صحية مع الجنس الآخر بتختل بسبب اختلال وتشوه صورة الأنيما في نفسه. فكّروا كده في علاقات هرقل بالجنس الآخر في الأسطورة: زوجته… قتلها هي وأولاده بسبب الجنون اللي تسببت فيه هيرا. هيبوليت.. قتلها بسبب الشائعات اللي نشرتها هيرا. القتل هنا رمزي طبعًا.. حتى تدخل هيرا رمزي، الفكرة أنه بيقضي على العلاقات دي بنفسه بشكل غير واعي بسبب الصورة المشوهة للأم في وجدانه.

السؤال بقى هنا.. هل المهام اللي قام بيها هرقل دي كانت مجرد بتخدم العلاقة المؤذية مع صورة الأم وبتعقدها أكتر ولا كانت محاولات من ناحيته للتغلب عليها والوصول للتصالح؟ أعتقد إني بميل للإجابة الثانية أكتر. على الرغم من صعوبة المهام وتأكيدها على خضوع هرقل اللاوعي لهيرا، ففي النهاية المهام دي كانت السبب في وصول هرقل لمبتغاه والتصالح مع صورة الأم ومع نفسه واللي بيتمثل في وصوله لجبل الأوليمب وتحوله لواحد من الآلهة. بعد صعوده لجبل الأوليمب علاقة هرقل بهيرا خلاص مابقتش علاقة خادم بيحاول يرضي المخدوم بشتى الطرق، بقت علاقة متساوية قائمة على استقلال الطرفين، وهي دي الفكرة: سواء قررت تقرب أو تبعد عن الأم نفسها، فالمهم هو أنك تحقق الاستقلال من جواك، أنك تتعايش مع نفسك ومع صورتها جواك بشكل سليم. المهام دي للأسف هي الطريق الصعب اللي كل سجين علاقة مؤذية مع الأم بيضطر يمشيه علشان يتصالح مع نفسه، علشان يخلص نفسه من عقد التقصير والتعلق وجلد الذات.. المهام دي هي رحلة البطل الحقيقية.

كل الوحوش والأهوال اللي واجهها هرقل هي تجسد للكلاكيع والمشاكل اللي العلاقة دي سابتها في نفسه، وبإنجاز كل مهمة، هرقل كان بيقرب أكتر للتعافي والتفهم.

أول شيء ممكن نلاحظه في رحلة هرقل البطولية أن مش كل المهام كانت محتاجة قوة، بعضها كان محتاج ذكاء وحيلة زي قتل الهيدرا وتنضيف حظائر الملك أوجياس وإحضار التفاح الذهبي، بعضها كان محتاج صبر ومثابرة زي الإمساك بالغزال المقدس والخنزير البري، وبعضها كان محتاج صراحة ومواجهة زي إحضار حزام هيبوليت والإمساك بسيربيروس.. مهام منهم هرقل تلقى فيها المساعدة من أصحاب وأقرباء وآلهة، ومهام تانية اضطر يخوضها لوحده. وده يوضح لنا أن رحلة التعافي هتحتاج أن الشخص يوظف فيها كل ما يملك من موارد بدنية وعقلية وعاطفية.. هتحتاج أنه يطلب المساعدة أحيانًا، وفي أحيان أخرى أنه يقف بطوله.

الجميل في الموضوع كمان أن المهام مرتبطة ببعض بشكل تصاعدي، بمعنى أن كل مهمة بتساعد هرقل على تخطي المهمة اللي بعدها وبتديله القوة والصفات اللازمة لإكمال الرحلة. قتله للأسد كان صعب، بس بمجرد انتهاء المهمة استفاد من جلد الأسد اللي أصبح درع بيحميه من السهام وأنياب الوحوش في المهام التالية. نفس الموضوع مع الهيدرا، قتلها كان صعب وعنيف، بس بمجرد انتهاء المهمة استفاد من دمها اللي استخدمه في قتل الطيور والعملاق جيريون وغيرهم بعد كده. والصبر اللي أتعلمه في الإمساك بالغزال استفاد بيه في الإمساك بالخنزير البري. كل تجربة سيئة أو تحدي في رحلة التعافي بيضيف شيء لشخصيتنا بيساعدنا على الاستمرار.. بعض التجارب والمواجهات بتخلينا أقوى، بعضها بتخلينا أكثر حرصًا، والبعض الآخر أكثر تفهمًا.. وهكذا.

حاجة كمان بخصوص المهام، نلاحظ أن المهام في أولها كانت أكثر عنفًا من أخرها، بمعنى أن في الأول أوامر يوريثيوس كانت بالقتل والتدمير، وبعدين بالتدريج تحولت للسيطرة على حيوانات أو إحضار أشياء معينة أو الخروج من مواقف معقدة أو تنضيف أماكن. وده يورينا أن الرحلة في أولها بتنطوي على عنف وتدمير – مش مقصود بالعنف هروح أقتل اللي مضايقني! – لأن الإنسان في أول رحلته بيبقى متخبط وعايم في مشاعر الغضب والألم فطبيعي أن ردود الفعل تكون عنيفة تجاه نفسه وتجاه اللي حواليه، بس بمجرد تخطيه المرحلة دي المعارك الداخلية بتبتدي تاخد أشكال مختلفة أقل عنفًا بس أكثر تعقيدًا. مثال: لما تكون في علاقة معقدة مع الأم أو الأب، طبيعي أن هتلاقي نفسك في مرحلة الطفولة والمراهقة بتميل للتمرد والإنفجار والتدمير، وده تعبير عن الرفض طبيعي ومتوقع، بس بمجرد ما بتتخطى المرحلة دي بتبتدي تدور على أسباب الألم والمشاعر السيئة جواك علشان تمسكها وتدرسها وتفهمها، وبعدين بتحاول تغسل رؤيتك لنفسك من كل المشاعر المغلوطة اللي اتعلقت بيها عبر السنين.. كل خطوة بتتجاوز بيها مشاعر الغضب بتسمو بيك ذراعًا نحو التفهم.

وعلشان كده بشوف أن أخر مهمتين في رحلة هرقل هما أهم اتنين. في رحلة حصوله على التفاح الذهبي من الشجرة – كإشارة واضحة للمعرفة الكاملة – هرقل بيضطر حرفيًا يشيل ثقل العالم على كتفيه. الثقل ده في رحلة التصالح هو إدراك أن كل الأطراف بتتألم بشكل أو بآخر.. الثقل ده هو القدرة على رؤية نفسك والأخرين بنفس المقدار من التعاطف والتفهم. القدرة على موازنة كل المشاعر دي بعقلانية هي أقرب لموازنة الأرض على كتفيك. أما المهمة الأخيرة، الإمساك بكلب الجحيم سيربيروس، هي القدرة على تحقيق التوازن ده بما يحقق التصالح مع النفس في النهاية. قبل كده لما تكلمنا على سيربيروس في موضوع سابق قولنا إنه برؤوسه الثلاثة ووجوده بين عالمين بيحتل مكان وسطي شامل قادر على رؤية كل شيء. هرقل لما بيصارع سيربيروس بدون أي أدوات أو مساعدات خارجية فكأنه بيسترجع القدرة على التحكم في جميع جوانب نفسه بشكل كامل: جسده وعقله ومشاعره.. الثلاثة رؤوس. وهي دي بالظبط عملية الـ individuation اللي قال لنا عليه كارل يونج، وهي قدرة الشخص على احتواء جميع أجزاء نفسه ووجدانه الواعية واللاواعية والتصالح معها.

فيه قراءات تانية للأسطورة زي القراءات الفلكية واللي بتشوف أن كل مهمة من مهام هرقل الاثنتي عشرة بتتوافق مع برج من الأبراج الفلكية، فمهمة قتل أسد نيميا مثلاً تتوافق مع برج الأسد، والإمساك بالغزال المقدس مع برج الجدي، والإمساك بثور كريت مع برج الثور، وقتل العملاق جيريون مع الجوزاء.. وهكذا. بس القراءات دي الصراحة مبهوقة شوية وغير مقنعة خصوصًا لغير المتخصصين من أمثالي.

اللي لفت انتباهي في موضوع ربط المهام بالأبراج الفلكية دي هي فكرة التكرار والتواتر.. الأرض بتتعامد مع كل مجموعة نجمية من دول مرة كل سنة.. كل سنة بنمر بالرحلة اللي مر بيها هرقل وبنعدي على كل مهمة قام بيها. وده إن دل فإنما يدل أن الحياة لا تنتهي بالوصول، وإننا لو خلصنا رحلة فلسه قدامنا رحلات تانية كتير في اتجاهات مختلفة.

الكاتبة الأمريكية كوبية الأصل أناييس نين Anaïs Nin بتقول في الجزء الرابع من مذكراتها إننا كبشر لا ننضج على خط زمني مستقيم وإنما بشكل نسبي متفرق، فقد نكون كبارًا في جانب من جوانب حياتنا وأطفالاً في جوانب أخرى، الماضي والحاضر والمستقبل يتداخلون ويتجازبون أطرافنا في جميع الاتجاهات لنكتشف أننا متعددي الطبقات والأبعاد.. كالمجموعات النجمية.

Anaïs Nin

فيه منا بيمر برحلة واحدة في حياته، ومنا بيمر برحلة كل سنة، وفيه اللي بيمر بكذا رحلة في أكتر من اتجاه كل يوم.. في رحلة ممكن نكون لسه في أول مهمة، في رحلة تانية ممكن نكون في الأخيرة، قد نفشل في رحلات وننجح في أخرى، المهم أن كل خطوة بنخطوها وكل مهمة بننجزها نحو الوصول هتُخلّد في سماء وجداننا وهتنور لنا طريقنا مثلما خُلّدت مهام هرقل في سماء عالمنا.

دمتم أبطالاً.

سيربيروس كلب الجحيم

سيربيروس Cerberus في عالم الأساطير الإغريقية هو كلب شرس كابوسي بثلاثة رؤوس مهمته الوحيدة هي الوقوف على بوابة عالم الموتى (العالم السفلي) لمنع الأحياء من الدخول ومنع أرواح الموتى من الخروج، وكان معروف باسم “كلب الجحيم”.

الفنان التجريدي الأمريكي مارك برادفورد استخدم أسطورة سيربيروس كمصدر إلهام لأحد معارضه وللوحة دي تحديدًا علشان يعبر عن الصراع الطبقي\الإقتصادي اللي بيعانيه في محيطه الجغرافي واللي بيترتب عليه صراع متعلق بهويته هو نفسه.

Cerberus (2018), Mark Bradford

برادفورد شايف أن سيربيروس بيعبر عن حالة غضب وصراع لا يهدأ والسبب في ده هو وجوده بين مكانين (الحياة والموت) مع عدم القدرة على الانتماء لأي منهما، وحالة ال in-betweenness دي هي السبب في شراسته وكونه مصدر تهديد.. والحالة دي كتير مننا – كبشر يعني – بيحسها بسبب الحروب أو التغيرات الإقتصادية والإجتماعية، أو حتى بسبب تغير شكل الحياة السريع اللي بيحسسنا أننا لا عارفين نتنمي لثقافة معينة ولا حقبة معينة ولا أي حاجة معينة.

في رأيي كل جزء في اللوحة لو اتشاف من قريب فعلاً بيعبر عن الصراع ده من خلال عنف الخطوط وتداخل الألوان، بس كل ما بعدنا عن اللوحة وشوفنها ككل هنلاقي أن فيها من الجمال اللي يخليها متجانسة، وكأن حالة عدم الانتماء أو البين-بين دي ضرورة علشان نوصل لنوع من التآلف على مستوى أوسع وأبعد..

وفي النهاية سيربيروس كان الكائن الوحيد اللي بيقدر برؤوسه يبص في اتجاهات مختلفة في نفس اللحظة وبيشوف الحياة والموت في نفس الوقت.

لوحة: ينبوع أريثيوزا

Arethusa “The Waterer” ― Ian Palmer

اللوحة التجريدية دي مستوحاة من أسطورة من الأساطير اليونانية عن حورية البحر أريثيوزا Arethusa وإله البحر ألفيوس Alpheus..

في يوم من الأيام الحورية أريثيوزا راحت تستحمى عند نهر ألفيوس وإله النهر اللي بيحمل نفس الاسم أُعجب بيها وحاول يطاردها لكن أريثيوزا هربت منه وفضلت تجري وتتوسل للربة أرتيميس Artemis إنها تحميها منه.. أرتيميس استجابت لأريثيوزا وحولتها لمياه (خطة في منتهى الذكاء!) وحفرت في الأرض مجرى جوفي تحت البحر علشان أريثيوزا تقدر تهرب منه بصورتها السائلة وألفيوس مايشوفهاش خالص..

أريثيوزا جريت في الممر الجوفي ده وطلعت على سطح الأرض في صورة ينبوع اتسمى على اسمها ولسه موجود ليومنا هذا في مدينة سرقوسة Siracusa في صقلية، إيطاليا.

نرجع للأسطورة.. المهم بقى أن بعد ما أريثيوزا اتحولت لمياه جوفية يُقال إن ألفيوس نزل وراها بصورته النهرية ومشي في نفس المجرى المائي ده لحد ما وصل للينبوع اللي كونته أريثيوزا واختلط ماؤه بمائها ويٌقال إن هو اللي لسه بيمد ينبوع أريثيوزا بالماء.

فيه ناس بتزور الينبوع ده وبتشوف قصته دليل على الحب الأبدي اللي مهما اتغيرت صورته بيفضل موجود.. بس الحقيقة الأسطورة حزينة جدًا مش بس علشان أريثيوزا اتحولت لبركة مياه للأبد علشان إله قرر يحبها بالعافية، ولكن علشان أريثيوزا اتحولت لنفس الشيء اللي كانت بتحاول جاهدة تهرب منه.

وده يفسر لنا شوية نظرة إيان بالمر المُقبضة للأسطورة في لوحته التجريدية اللي فوق.. هل تحت ظاهرنا الهادئ العاقل بنخفي قبح الأذى اللي اعتقدنا أننا هربنا منه واللي كل يوم بنكتشف أنه بيشغل جزء كبير من وجودنا؟ هل بالتدريج بنصبح من\ما أساء إلينا؟

ايكسيون والعجلة الجهنمية

وفقًا للأساطير الإغريقية، ايكسيون Ixion كان زعيم من زعماء منطقة تساليا Thessaly في اليونان. في يوم قرر أنه يتزوج من الأمير الجميلة ديا Dia وفعلاً راح وطلبها من والدها الملك ووعده بتقديم بعض من خيوله المشهورة كمهر لها.

ايكسيون تزوج من ديا وأخدها تعيش معاه في قصره، الملك والد ديا فضل مستني ايكسيون يبعت له المهر المتفق عليه.. يوم واتنين وتلاتة ومفيش حاجة وصلت! الملك قال مابدهاش بقى وبعت مجموعة من رجاله لقصر ايكسيون علشان ياخدوا الخيل المتفق عليه بالعافية، وحصل فعلاً.

ايكسيون استشاط غضبًا أن حد تجرأ وأخد منه حاجة غصب عنه، فراح فكر في خطة انتقامية وعزم حماه الملك عنده في القصر بنية التصالح وإرجاع المياه لمجاريها، والراجل جيه بحسن نية مش مدي خوانة خالص. ايكسيون استقبل الملك وعزمه على وليمة عملاقة وبعدين وهما بيتمشوا في البلكونة راح زقه والراجل وقع على فحم مشتعل كان ايكسيون محضره مسبقًا.

طبعًا كلنا عارفين أن في الحضارة الإغريقية القديمة قتل الضيف كان بيعتبر من الجرائم الكبرى وإهانة للآلهة ذات نفسهم، فالناس لما عرفت بعملة ايكسيون المهببة في حق ضيفه، وحماه، بقوا يعاملوه كمجرم منبوذ وبيشتموه ويحدفوه بالطوب في الشارع لحد ما ساب المدينة خالص وفضل هايم على وجهه زي المجانين.

هنا بقى كبير الآلهة زيوس Zeus قرر يتدخل بعد ما شعر بالشفقة تجاه ايكسيون (محدش يسألني ليه مع أنه كان بيعاقب ناس على حاجات أهبل من كده بمراحل!) ورفع ايكسيون لجبل الأوليمب علشان يقعد في النعيم مع الآلهة شوية يفك عن نفسه ويتبسط كده. المهم، ايكسيون أول لما شاف هيرا Hera زوجة زيوس اتهبل عليها وفضل يلاحقها ويبصبص لها ويحاول يتقرب منها لحد ما هيرا اشتكته لزيوس وقالت له شوف لك حل في ابن العبيطة اللي أنت جبته ده. وعلشان يتأكد من كلامها، زيوس عمل سحابة على شكل هيرا بالظبط وقال لهيرا تختفي شوية. ايكسيون أول ما شاف السحابة افتكرها هيرا وقعد يتحرش بيها لحد ما مارس معاها الجنس، زيوس أول ما شاف اللي عمله ايكسيون اتجنن وأمر بمعاقبته بعقاب أبدي يليق بفعلته المهببة.

زيوس أمر بربط ايكسيون في عجلة من ايديه ورجليه، والعجلة دي هتفضل تدور للأبد في حقل من النار في تارتاروس Tartarus (الجحيم في الأساطير الإغريقية) وايكسيون هيدور معاها زي الفرخة في شواية الحاتي كده.

عادةً لما بقرأ أي قصة\أسطورة فيها البطل بيتعرض لمشاكل أو مصايب أوعذاب أبدي بتعاطف معاه على طول وبحاول أفهم دوافعه وأحط نفسي مكانه وأشوف إيه اللي ممكن يخلي شخص يتصرف كده، بس حقيقي ايكسيون مثال متوج في العفانة والدونية.. الراجل ماسبش خطيئة ولا مصيبة إلا وعملها: خيانة وحنث بالوعد وقتل وتحرش واغتصاب.. ما شاء الله ماشي بقائمة موبقات في جيبه.. ده مش بطل عنده خطأ\عيب تراجيدي أدى لسقوطه، ده هو كله خطأ أصلاً ماشي على رجلين. وده خلاني أفكر أن ايكسيون في الأسطورة ممكن مايكونش رمز لنموذج بشري مستقل بذاته وإنما هو مجاز لصفة بشرية محددة وهي الرغبة.

لو رجعنا للأسطورة تاني هنلاقي أن ايكسيون هو تجسد للرغبة بغشوميتها وتسرعها وإحساسها بالاستحقاق: شاف واحدة عجبته تزوجها من غير مقابل وكأنها حق مكتسب، واحد أخد منه حاجة مستحقة يقتله، شاف ربّة جميلة عجبته ينام معاها.. كل شيء سهل ومستحق ولازم يتحقق لحظيًا بغض النظر عن الأسباب والنتائج. الرغبة هي وليدة اللحظة دون أي اعتبارات أخرى زي ما اتكلمنا قبل كده في أسطورة أتالانتا.

وعلشان كده الفيلسوف الألماني آرثر شوبينهاور Arthur Schopenhauer استخدم أسطورة ايكسيون وعقابه الأبدي علشان يقول لنا إننا كبشر كائنات مدوفعة برغباتها وده بيخلينا زي ايكسيون كده مربوطين في عجلة طول حياتنا وقاعدين نلف حوالين نفسنا في جحيم من الرغبات اللي مابتتحققش وحتى لو اتحققت بنحس بلحظات قصيرة جدًا لا تُذكر من النشوة ونرجع نلف تاني مع العجلة الجهنمية.

الجميل في الموضوع بقى إن في أسطورة تانية لما أورفيوس Orpheus الشاعر صاحب الصوت العذب الملائكي لما بينزل العالم السفلي علشان يتسعيد زوجته وبيغني لبيرسيفونPersephone  على قيثارته يُقال إن عجلة ايكسيون توقفت عن الدوران والنيران توقفت عن حرق جسده، فقط في اللحظات القليلة اللي أورفيس كان بيغني فيها، وبعدها رجعت العجلة للدوران.. وكأن فعلاً ده بيصدق على كلام شوبينهاور أن العجلة قد تتوقف للحظات خاطفة بسبب قد يثري الروح، زي أغنية أورفيوس، ولكنها سرعان ما تعود للدوران مرة أخرى في حتمية أبدية.

فيه روايات للأسطورة بتقول إن ايكسيون فقد عقله بعد نبذ الناس له وكان بيمشي في الشوارع يزعق ويصرخ، وده بيخليني أفكر أن ممكن تكون الفقرة اللامنطقية بتاعت العفو الإلهي وشعور زيوس بالشفقة تجاهه ورفعه لجبل الأوليمب وتحرشه بهيرا قد تكون كلها كده من وحي خياله وأن عقله المثقل بالذنب حبسه في سيناريو تاني بيقابل فيه الكرم بالإساءة والحب بالفجر، وبكده بيصبح جنونه ده هو العجلة الجهنمية المربوط فيها للأبد.

أتالانتا والتفاح الذهبي

عادةً لما بنتكلم عن النساء في الأساطير الإغريقية بتبقى بطلة القصة يا ضحية مغلوبة على أمرها، يا شخصية شريرة عملت حاجة مهببة.. نادرًا ما بنشوف بطلات صاحبات عزم وقوة تضاهي قوة الأبطال من الرجال مثل هرقل وأخيل..

النهاردة هنتكلم عن البطلة الإغريقية أتالانتا Atalanta

أبو أتالانتا كان ملك مقاطعة أركاديا Arcadia وكان راجل دقة قديمة ودماغه جزمة ونفسه في ولد يشيل اسمه ويرث الحكم من بعده، لما عرف أن مراته خلفت بنت هاج وماج وأخد المولودة ورماها في الغابة علشان يتخلص منها. الطفلة الرضيعة المسكينة فضلت تعيط لحد ما شافتها دبة وأخدتها وأرضعتها من لبنها. أتالاتنا كبرت في الغابة مع الدببة والأسود واتعلمت الجري والوثب والصيد زيهم (كده عرفنا قصة طرزان مستوحاة منين). وفي مرة شافها اتنين من كائنات القنطور Centaurs، اللي نصهم حصان والنص التاني إنسان دول، وانبهروا بجمالها الشرس وحاولوا يغتصبوها، لكن طبعًا أتالانتا صارعتهم وقتلتهم بكل سهولة.

أتالانتا لما كبرت وبقت شابة سابت الغابة وابتدت تتنقل من مدينة للتانية تصارع الأبطال والوحوش وتنجز المهمات الصعبة مقابل الشهرة والمال، وفعلاً ذاع صيتها كبطلة مغوارة لدرجة أن الناس كانوا بيطلبوها بالاسم. أتالانتا مثلاً شاركت البطل جاسون Jason في رحلته الأرجونية مع أبطال آخرين، وكمان صارعت البطل بيليوس Peleus وهزمته شر هزيمة وعرته قدام صحابه الأبطال.

ما علينا، عدت سنين كتيرة وأتالانتا البطلة التي لا تُقهر بقت معروفة في جميع أرجاء اليونان وهنا أبوها المعفن قرر أنه يعترف بيها (ماحدش يسألني عرف أن دي بنته إزاي أصلاً). المهم يعني أتالانتا، اللي عاشت طول عمرها وحيدة من غير لا حبيب ولا قريب ولا غريب، لما عرفت برغبة أبوها لانت وقررت ترجع علشان تبقى أميرة أركاديا. الملك أول ما اتطمن أن أتالانتا رجعت تحت طوعه تاني قال لها احنا لازم نجوزك بقي!.. أي محاولة للسيطرة على بنته وخلاص. أتالانتا طبعًا رفضت وبشدة لأنها كانت واهبة نفسها للربّة أرتميس Artemis ربّة الصيد والبرية وكانت واخدة عهد على نفسها أنها هتفضل عذراء حرة طول حياتها، ده غير إنها كانت غير متقبلة للحياة الزوجية غير المتناسبة مع شخصيتها الجامحة.

المهم فضلت تعارض رغبة والدها وهو يصمم لحد ما وصلوا لحل وسط: أتالاتنا هتسابق أي شخص راغب في الزواج منها ولو قدر يسبقها هتتجوزه لكن لو هي اللي سبقت هتموته. أتالانتا كانت متأكدة أن طبعًا مفيش حد هيقدر يسبقها، وفعلاً عشرات من الراغبين في الزواج منها أقبلوا على السباق وهي كانت كل مرة بتسبق وكانت بتقتلهم واحد ورا التاني لحد ما جيه واحد اسمه هيبومينيس Hippomenes. هيبومينيس كان شاب وسيم شكله ابن ناس ولطيف وأتالانتا أول ما شافته افتكرت أنها هتسبقه بسهولة زي غيره، بس هيبومينيس مكانش زي غيره. قبل ما يروح يتقدم لأتالانتا، هيبومينيس الذكي راح لمعبد ربّة الحب والجمال أفروديت Aphrodite وطلب منها إنها تساعده علشان يفوز في السباق ويتجوز أتالانتا. بعد أيام من الصلاة والتضرع أفروديت وافقت تساعده بشرط إنه يرجع لها بعد ما أمنيته تتحق علشان يظهر الامتنان (أكيد كانت ناوية له على نية سودا، الآلهة وقتها ماكانوش بيهبوا أي حاجة بلا مقابل). هيبومينيس وافق وأفروديت أعطته ثلاث تفحات من الذهب وقالت له يرمي واحدة قدام أتالاتنا كل ما يحس أنها هتسبقه.

يوم السباق هيبومينيس استعد وحط الثلاث تفاحات في جيبه ولما ابتدى السباق وحس أن أتالانتا هتسبقه بسهولة راح رامي أول تفاحة على جانب طريق السباق، أتالانتا لما شافت حاجة لامعة ذهبية بتترمي قدامها توقفت عن الجري وراحت تلتقطها ولما اكتشفت أنها تفاحة من الذهب أخدتها وحطتها في جيبها.. ساعتها كان هيبومينيس اتقدم عليها بحبة حلوين فراحت هي جارية أسرع، فراح هو رامي التفاحة التانية وبرضه ماقدرتش تقاوم ووقفت علشان تلتقطها وتحتفظ بيها، وحصل نفس الكلام في التفاحة التالتة اللي كانت قرب نهاية السباق.. وبالفعل قدر هيبومينيس يسبق أتالانتا بفرق شعرة، أتالانتا ماقدرتش تعترض طبعًا ووافقت على الزواج من هيبومينيس.

ولنا هنا وقفة..

أتالانتا مثال يُحتذى بيه في القوة والمثابرة والذكاء في عالم أبطاله كلهم كانوا من الرجال والمرأة فيه دورها ضئيل جدًا، بس دايمًا أجي عند حتة التفاحات دي واستغرب جدًا من هطلها وسرعة وقوعها في فخ عبيط زي ده. كل القراءات السطحية للأسطورة بتعزي هزيمة أتالانتا إلى طمعها علشان الثلاث تفاحات زغللوا عينيها زي ما بيتقال، بس لو حطينا نفسنا مكانها ممكن نحاول نفهم دوافعها أكتر والمغزى وراء الأسطورة.

الأول نسأل نفسنا اشمعنى تفاح من الذهب؟ ليه هيبومينيس مارماش قدام أتالانتا سبايك ذهب؟ أو مثلاً حرنكش من الذهب أو قفص مانجة عويسي من ذهب؟ اشمعنى التفاح؟

التفاحة متأصلة في الوعي الجمعي كفاكهة الخطيئة بسبب قصة آدم وحواء الشهيرة وأكلهم من الشجرة المحرمة اللي ربنا نهاهم عنها. طيب هم ليه أكلوا منها أصلاً؟ علشان الشيطان استخدم نقطة ضعفهم ضدهم وأغراهم بالخلود والمعرفة. وهنلاقي أن التفاحة المحرمة بتظهر في قصص تانية زي المهام اللي أوكلت لهرقل للتكفير عن ذنبه وإثبات بطولته ومنها مهمة الحصول على التفاح الذهبي اللي استخدمه زيوس Zeus كمهر لزوجته هيرا Hera وهرقل قعد يصارع تنانين وبتاع علشان يوصل له. وفي قصة تالتة هنلاقي أن تفاحة ذهبية كانت السبب في إشعال الضغينة بين الربّات الثلاثة هيرا وأفروديت وأثينا واللي ترتب عنها نشوب حرب طروادة (هنبقى نحكي القصة دي بعدين).

فواضح كده أن التفاح ده عامل مشاكل في كل زمان ومكان.. ولكن العامل المشترك في القصص دي هو أن التفاحة هي رمز لما يرغب فيه الشخص وبالتالي نقطة ضعفه: آدم يرغب في الخلود والمعرفة، هرقل يرغب في الخلود والبطولة، هيرا وأفروديت وأثينا يرغبن في السلطة والتميز، وهنلاقي أن في كل قصة من دول رغبة كل واحد من أبطالها تجسدت في صورة تفاحة بريئة.. وحصولهم على التفاحة جيه على دماغم في الأخر.

طيب ليه أتالانتا سعت وراء التفاح؟ شافت فيه إيه ينقصها؟ أتالانتا التصقت فيها صفة الدونية من ساعة ولادتها بسبب كونها بنت وعلشان كده قضت حياتها كلها بتحاول تثبت أنها مثل الرجال وأفضل، وعلى فكرة اسمها باليونانية يعني equal in weight أو “مساوي في الوزن”.. يعني وجودها كله هو محاولة لإثبات أنها جديرة بالحياة اللي أبوها حرمها منها لمجرد أنها مش رجل، فطبيعي أن رد فعلها يكون أنها تسعى للقوة والبطولة والتميز.. وده اللي هي شافته في التفاح الذهبي.

وهنا احنا مش بنلوم أتالاتنا على رغبتها في البطولة والتميز، ولكن الفخ اللي وقعت فيه ده بيوضح لنا أن أحيانًا بيبقى فيه فرق كبير بين الرغبة في الشيء وتحقيقه وأن مش لازم الاتنين يكونوا متوافقين. الرغبة في أغلب الأوقات بتعمينا عن الطريق اللي المفروض ناخده علشان نوصل للمرغوب فيه، يعني مثلاً واحد عايز يوصل لمنصب معين في شغله بدل ما يشتغل ويتعب ممكن رغبته الشديدة في المنصب ده تدفعه للتحايل والتملق والزنبقة في زمايله.. بالظبط زي آدم وحواء كده، رغبتهم الشديدة دفعتهم لاختيار أقصر الطرق للمعرفة والخلود اللي هم كده كده كانوا هيوصلوا لها. وقد تكون رغبة أتالانتا الجارفة في البطولة – لتعويض النقص اللي تسبب فيه أبوها العرة – هي اللي عمتها عن حقيقة أن الوصول لغايتها هيتم بإكمال السباق مش بالتشتت والمتعة اللحظية بالحصول على شوية تفاح. الروائي نييل جايمان Neil Gaiman في The Sandman بيوصف الرغبة (وهي شخصية من شخصيات الكتاب) بإنها كائن وليد اللحظة “Desire is a creature of the moment” وإنها بتنسى كتير لأنها مابتبصش على الماضي والمستقبل وكل اللي يهمها هو دلوقتي، المتعة اللحظية وأقصر الطرق للوصول إليها، مع أن وجودها ممتد وأبدي وبيلقي بظلاله على الماضي والحاضر والمستقبل.

أنا شايفة إننا دلوقتي وضعنا لا يختلف كثيرًا عن وضع أتالانتا، بنجري في سباق علشان نحقق السعادة أو السلام النفسي (أو أيا كان اللي هيخلينا مبسوطين) والتفاح الذهبي قاعد يتحدف علينا من كل حتة وبنشوف فيه تحقيق لرغباتنا فبنجري وراه زي الهُبل وننسى السباق، ولما نعرف حقيقة التفاح ونحاول نرجع تاني للسباق بنلاقي نفسنا اتأخرنا شوية.. وأحيانًا كتير، وهكذا.

في النهاية أتالاتنا اتجوزت هيبومينيس، بس هيبومينيس نسي يرجع لأفروديت علشان يشكرها زي ما وعدها (فاكرين؟)، وطبعًا بما أن الآلهة مابتنساش، أفروديت انتقمت من الزوجين (أتالانتا المسكينة اتاخدت في الرجلين بذنب جوزها) بإنها وقعتهم في فخ ودفعتهم إنهم يدنسوا معبد من معابد زيوس وبالتالي فقدوا هيئتهم البشرية واتحولوا لأسدين. وعلى الرغم من غرابة وقسوة العقوبة إلا أني مش قادرة أشوفها غير أسعد نهاية تستحقها أتالاتنا الشجاعة الجميلة.. كلنا عارفين إن في أي قطيع من الأسود الأنثي هي اللي بتقوم بالصيد معظم الوقت في حين أن الذكر بيقعد يحمي القطيع، فبكده أتالانتا بتحقق حلمها بأنها تعيش حرة وقوية وتفضل تجري وتصطاد وتثبت أنها أقوى وأشجع من أي رجل.. وكأن حلمها لم يسعه عالم البشر.

بيليروفون: عودة أم هروب؟

النهاردة هنتكلم عن ابن ملك مدينة كورينث Corinth البطل الإغريقي المغوار بيليروفون Bellerophon..

بيليروفون كان أمير معروف عنه الوسامة والشهامة والشجاعة، لكن للأسف حصل أنه في يوم قتل واحد في خناقة ونتيجة لفعلته المهببة دي أبوه الملك اضطر ينفيه لمدينة تانية. برويتوس Proetus، ملك المدينة التانية، استقبل بيليروفون بترحاب واستضافه في قصره وكل الناس في القصر والمدينة اجمعوا على أدب وشهامة بيليروفون. مين بقى اللي أُعجب ببيليروفون وهام به حبًا؟ زوجة الملك برويتوس.. الست فضلت تحوم حوالين بيليروفون وتغريه بشتى الطرق والتاني يصدها لحد ما حست بالإهانة وقررت تنتقم منه –  a la امرأة العزيز – وراحت لزوجها الملك وقالت له أن بيليروفون حاول يغتصبها. برويتوس أتجنن طبعًا وقرر يقتله، لكنه أفتكر أن بيليروفون ضيفه (زمان كانوا بيؤمنوا أن قتل الضيوف بيتسبب في غضب الآلهة) وماينفعش يقتله في المكان اللي استضافه. برويتوس بقى فكر في فُكيرة علشان يتحايل على الموقف وأرسل بيليروفون برسالة لحماه الملك أيوباتيس Iobates، وكتب في الرسالة “اقتل حامل هذه الرسالة لأنه حاول أن يتعدى على زوجتي، ابنتك.”

بيليروفون، بكل العبط اللي في الدنيا، أخد الرسالة المقفولة وراح بيها للملك أيوباتيس، وبما أن بيليروفون سمعته الطيبة سابقاه أيوباتيس رحب بيه واستضافه في القصر وأكل معاه عيش وملح، ولما افتكر بقى وقرأ الرسالة اللي باعتها له زوج بنته اتصدم ولقى نفسه واقع في نفس مشكلة برويتوس لأن بيليروفون بقى ضيفه وماينفعش يقتله. فراح فكّر في فكرة جهنمية وبعت بيليروفون في مهمة انتحارية لقتل الوحش الأسطوري الشهير الكيميرا Chimera اللي كان بيروّع العديد من المدن المجاورة. الكيميرا كان وحش كابوسي بثلاث رؤوس في أماكن مختلفة في جسمه: جسده كان جسد أسد وديله رأس ثعبان وطالع من ضهره رأس جَدْي، ده غير إن رأس الأسد كانت بتطلع نار زي التنين كده.

بيليروفون وافق على التحدي ولكنه أدرك أنه مش هيقدر يقتل الكيميرا بطوله كده وهيحتاج مساعدة خارقة ملائمة للمهمة، وبعد السؤال والبحث عرف أنه محتاج يروض الحصان الطائر الشهير بيجاسوس Pegasus وأن الطريقة الوحيدة لترويضه هي طلب المساعدة من الآلهة. بالفعل بيليروفون راح لمعبد آثينا Athena وقعد يدعي طول الليل ويطلب منها المساعدة في ترويض بيجاسوس لحد ما تعب ونام في المعبد، وهناك حِلم بآثينا وهي بتديله لجام ذهبي. بيليروفون صحي من النوم ولقى جنبه على الأرض لجام ذهبي، طبعًا أخد اللجام وراح بيه لبيجاسوس وقدر فعلاً يروضه بسهولة. أنطلق بيليروفون على ظهر بيجاسوس وواجه الكيميرا الكابوسي وقدر فعلاً يقتله بفضل شجاعته وذكائه.

بيليروفون رجع للملك ايوباتيس وهو منتصر، ايوباتيس اتكبس طبعًا فراح بعته في مهمة انتحارية تانية. وفضل الوضع على كده فترة طويلة.. ايوباتيس يبعت بيليروفون في مهمة شبه مستحيلة والتاني يرجع منتصر مرفوع الرأس لحد ما سمعته كأشجع الشجعان وبطل الأبطال انتشرت من مشرق الأرض لمغربها.

ايوباتيس يأس بقى من محاولة التسبب في موت بيليروفون وقرر يسامحه بعد ما اقتنع أن تهمة التعدي على بنته دي كانت كيدية وغير صحيحة بالمرة وزوّجه بنته التانية.

بيليروفون فضل عايش كبطل مشهور وانتصاراته استمرت، وبعد مرور السنين الطويلة انتابه شعور بعدم الرضا وقرر يعمل حاجة غريبة جدًا: بيليروفون أخد حصانه بيجاسوس وحلق بيه في السماء وفضل طاير بيه ناحية جبل الأوليمب علشان ينضم للآلهة. زيوس Zeus لما شاف بيليروفون بيقرب قال في باله “بيعمل إيه ابن العبيطة ده!” وبعت دبانة صغيرة قرصت بيجاسوس فرفص بيليروفون من على ضهره.. بيليروفون وقع من سابع سما وأتدب على الأرض زي البلاص. السقطة تسببت في فقدانه لبصره وإصابته بالعجز (ده غير فقدانه لحصانه الوفي بيجاسوس اللي زيوس قرر يبقيه عنده في جبل الأوليمب)، وبكده كُتب على بيليروفون يقضي بقية أيامه وهو عاجز وأعمى وتايه في الأرض مش عارف يرجع لبيته.

حدوتة بيليروفون دايمًا بتستخدم كتحذير من الغرور ونتائجه.. الراجل كان عنده كل حاجة، نسب وثروة وسلطة وسمعته أشهر من النار على العلم، لكنه ماحسش بالرضا وغروره صور له أن مكانه الطبيعي مع الآلهة في جبل الأوليمب مش على الأرض مع بقية البشر، والنتيجة كانت أنه فقد كل حاجة في حياته مكانش شايف قيمتها.

الأسطورة كمان ليها أبعاد دينية واضحة لأنها بترصد الجانب الروحاني من علاقة الإنسان بالإله أو بمفهوم الإيمان عامًة، وعلشان كده الأسطورة بتلمّس مع القصص في الأديان الإبراهيمية بشكل واضح. في البداية بنشوف إنسان عنده من النعم ما يكفيه ولكنه بيرتكب ذنبًا ما (قتل بيليروفون لشخص آخر من مدينته) والذنب ده اللي هيكون السبب في بداية رحلته للوصول لليقين أو الإيمان، أو أيا كان المسمى. بيبدأ الإنسان بالتكفير عن ذنبه وصده للإغراءات والثبات على موقفه (نفي بيليروفون ورفضه لزوجة برويتوس) والمكافأة بتكون الوصول لليقين المتمثل في بيجاسوس كهدية من الإله. ناخد بالنا أن بيجاسوس كان هو السبب الرئيسي في قدرة بيليروفون على هزيمة الكيميرا وغيرها من الوحوش والمصاعب اللي أيوباتيس حطها في طريقه، وزي ما بيجاسوس بياخد دلالة معنوية فممكن كمان نعتبر أن الوحوش والمصاعب دي بترمز للصراعات النفسية الداخلية.

ومن الحاجات اللي بتدعم التفسير الديني للأسطورة هو وحش الكيميرا نفسه لأنه بيتكون من ثلاث حيوانات مرتبطة بشكل أو بآخر بالشر في الوجدان الجمعي الإنساني. في رسالة بطرس الأولى مثلاً بيتم تشبيه الشيطان بالأسد المفترس.. وفي بعض الأديان الثعبان بيتشاف على إنه الشكل اللي أتخذه إبليس لما أغوى آدم وحواء.. ده غير إن في القصص الشعبي والأديان القديمة الشيطان على طول كان بيتصور كجَدْي بقرون طويلة. وبالتالي فالكيميرا هو الشيطان أو الشر الأعظم اللي بيليروفون بيقدر ينتصر عليه بمساعدة بيجاسوس.

طبعًا الأسطورة مش بتنتهي هنا وبتتحول لعبرة لما الإنسان يغتر بنفسه والإيمان اللي عنده يتحول لغطرسة وإحساس بدونية كل من حوله ويحس إنه إله على الأرض، وده اللي بيحصل مع ناس كتير للأسف، والنتيجة بتبقى إنه بيفقد الإيمان ده (بيجاسوس) وبيعيش في تخبط وتيه.

كلام جميل جدًا، بس بعد قراءة الأسطورة جزء مني فضل متعاطف مع بيليروفون وأشفقت عليه من العقاب البشع ده. وده خلاني أحاول أقرأ الأسطورة بشكل مختلف شوية عن القراءة الوعظية\الدينية\الروحانية الواضحة.

لو تفتكروا كنا اتكلمنا قبل كده عن فكرة “رحلة البطل” في الأساطير الإغريقية وقولنا إنه نمط بيتكرر في العديد من الأساطير وبينقسم لثلاثة أجزاء: 1) انفصال ورحيل البطل عن عالمه المألوف، 2) مواجهة البطل للصعوبات والتحديات في العالم غير المألوف وده بينتج عنه تغير في شخصية البطل، 3) رجوع البطل لعالمه المألوف ومحاولة الاندماج فيه.

وقولنا أن رحلة البطل دي ذات دلالات نفسية في المقام الأول لأنها بتمثل أي تغيير جذري بيحصل في شخصيتنا أو حياتنا وطريقة تعاملنا معاه، وقولنا كمان أن أصعب مرحلة في الرحلة دي مش الصعوبات والتحديات ومواجهة الوحوش، وإنما القدرة على العودة إلى العالم المعتاد بالشخصية الجديدة والتأقلم مع التغيير وتقبل أسبابه.

نرجع لأسطورتنا بقى، بيليروفون انفصل عن عالمه المألوف بسبب قتله للراجل ومن هنا بدأت المرحلة التانية في رحلته وهي مواجهة التحديات والصعوبات واللي اتسببت في تغيير شخصيته – وتقبله لبيجاسوس كجزء لا يتجزأ منها – وتطورها من مجرد أمير وسيم ابن حلال لبطل مغوار كل العالم بيتغنى باسمه. بيليروفون عِطل بقى في المرحلة التالتة (مرحلة العودة)، وناخد بالنا أن العودة هنا مش مقصود بيها مجرد العودة المادية لكورينث وطنه الأم، ولكن المقصود بيها العودة للتعامل مع أهله والناس اللي حواليه والتأقلم معاهم بهويته الجديدة.

مشكلة أوديسيوس Odysseus في المرحلة دي، لما اتكلمنا عليه قبل كده، هي أنه كان خايف يرجع لأن الرجوع لعالمه المألوف هيفكره بقد إيه هو اتغير لكنه في النهاية قدر يتغلب على الخوف ده. مشكلة بيليروفون بقى مختلفة وهي أنه أخطأ في العالم المألوف اللي المفروض يرجع له وبدل ما يرجع لنقطة البداية علشان دائرة التغيير تكتمل، قرر أن عالمه المألوف اللي ابتدى منه غير مناسب أصلاً ولازم يتغير زي ما شخصيته أتغيرت. وهنا لازم أنوه تاني أن العالم المألوف مش بالضرورة مكان مادي وإنما المقصود بيه عودة الإنسان للبيئة النفسية والعوامل اللي تسببت في حدوث التغيير في المقام الأول ومحاولة التصالح معاها. بيليروفون رفض العودة أصلاً لنقطة البداية وقرر أنه يفرض نقطة بداية\نهاية مختلفة (رغبته في الصعود لجبل الأوليمب) متلائمة أكتر مع شخصيته الجديدة غير مدرك أن عمر التغيير ده ما هيكتمل بشكل سوي دون الرجوع لأسبابه. والنتيجة هي أنه فشل في تحقيق التغيير وتقبله، وأصبح نسخة مشوهة من نفسه وبقى ماشي يتخبط مش عارف هو مين ولا رايح فين.

أعتقد علشان كده تعاطفت مع بيليروفون لأني معظم الأوقات بفكر زيه، وكل مرة بيطرأ تغيير في شخصيتي كل اللي بفكر فيه هو الهرب والبحث عن نقطة بداية\نهاية جديدة من غير ما أفكر في أسباب التغيير وأحاول أرجع إليها وأفهمها.

وممكن كمان يكون سبب تعاطفي معاه هو شعوره الدائم بعدم الرضا، ليه كل اللي بيقرأ الأسطورة شايف أن رغبة بيليروفون في الصعود لجبل الأوليمب هي انعكاس لغروره؟ ليه مايكونش السبب هو أنه مش لاقي ما يسعده على الأرض؟ الراجل حقق كل حاجة ممكن تخلي أي إنسان في الدنيا سعيد.. بس برضه فضل حاسس إنه في المكان الغلط. شعور لعين لو تعلمون.
الكاتب الإنجليزي سي. اس. لويس C. S. Lewis له جملة شهيرة بيقول فيها:

“If we find ourselves with a desire that nothing in this world can satisfy, the most probable explanation is that we were made for another world.”

Mere Christianity (1952)

قد يكون بيليروفون أدرك الحقيقة دي وأراد الذهاب بنفسه للعالم الآخر اللي هيلاقي فيه سعادته.. سواء شايفين اللي عمله بيليروفون دليل على اليأس ولا الغباء، هيفضل سقوطه من على بيجاسوس مثير للتعاطف بالنسبة لي لأنه مش بس فقد بصره وقوته، ده كمان فقد أمله في الهروب، واضطراره للعيش مع الواقع، من وجهة نظره، هو التيه والعجز الحقيقيين.

آيو وصدمة الاغتصاب

النهاردة هنتكلم عن أشهر ضحية من ضحايا زيوس Zeus.. الأميرة الجميلة آيو Io

آيو كانت ابنة ملك مدينة آرجوس Argos اليونانية وكانت طبعًا جميلة جدًا لدرجة أنها لفتت انتباه زيوس وقعد يطاردها وهي تصده وتهرب منه لحد ما اغتصبها. مين بقى اللي كانت بتشمشم ورا زيوس وعايزة تقفشه متلبس وهو بيخونها؟ أكيد زوجته الإلهة هيرا Hera اللي أول لما حست أنه بيلعب بديله، كعادته يعني مش هيشتريها من بره، نزلت الأرض تشوف بيهبب إيه..

زيوس بعد ما اغتصب آيو حس بقدوم زوجته، وفي حالة من الارتباك والخوف حوّل آيو المسكينة، اللي لسه ما استوعبتش صدمة الاغتصاب، لبقرة! هيرا نزلت الأرض لاقت زيوس واقف بيصفّر جنب بقرة لونها أبيض في مشهد عبثي بلا أي حيثية كده، فسألته إيه البقرة دي يا زيوس؟ قال لها لأ عادي أنا كنت بتمشى ولاقيتها في وشي. طبعًا هيرا مش عبيطة وكانت فقساه من الأول، فأبدت إعجابها بالبقرة وطلبت من زيوس أنها تاخدها تربيها عندها. زيوس، في الموقف المنيّل اللي هو فيه ده، لم يجرؤ على الاعتراض وقال لهيرا خديها عادي وأنا مالي.

كل ده حصل وآيو المسكينة مش مستعوبة أنها فقدت جسمها وصوتها واتحولت لبقرة كل اللي تقدر عليه أنها تخور (تقول “مووو مووو” يعني) استنجادًا بأي حد لكن للأسف محدش فهمها ولا حد عرف أنها الأميرة آيو.

هيرا أخدت البقرة وحبستها وولت مهمة مراقبتها لآرجوس بانوبتيس Argus Panoptes.

آرجوس بانوبتيس ده بقى كان كائن عملاق عنده مائة من العيون منتشرة من رأسه حتى قدميه، وطبعًا هيرا ولته مهمة حراسة آيو بسبب عيونه التي لا تنام.. حتى لو بعض من العيون نامت فالباقي بيفضل صاحي وهكذا. بعيدًا عن شكل آرجوس بانوبتيس الكابوسي، قدرته على المراقبة الدائمة دي هي اللي أنتجت لنا فكرة البانوبتيكون Panopticon اللي اتكلمنا عليها قبل كده واللي بترمز لسيطرة السلطة الكاملة على الأفراد الخاضعين لها من خلال زرع الخوف وتعزيز وهم المراقبة الدائمة.

المهم، زيوس لما عرف بمصير آيو وأنها أصبحت سجينة لآرجوس بانوبتيس بعت رسوله هيرميز Hermes لتحرير آيو. هيرميز اضطر يلجأ للخديعة علشان يعرف يسهّي آرجوس فقعد يغني له ويحكي له حواديت لمدة أيام لحد ما تأكد أن عيونه كلها نامت وقتله.. وبالفعل قدر يحرر المسكينة آيو اللي لسه محبوسة في جسد بقرة.

هيرا لما عرفت ثارت من الغضب وأمرت بتخليد ذكرى آرجوس بانوبتيس بأنها استخدمت عيونه لتزيين ريش الطاووس، وقررت تكمل انتقامها من آيو بأنها أرسلت دبانة – ذبابة – في أثر آيو وأمرتها أنها تفضل تطاردها وتزن في ودنها طول ما هي حية.

آيو يا عيني فضلت تجري في الأرض وجابتها من مشرقها لمغربها وهي على شكل بقرة بسبب الدبانة اللي مش عايزة تسيبها في حالها، وفي رواية من الروايات وآيو هايمة على وجهها كده قابلت بروميثيوس Prometheus وهو مقيد بالجبل ويلاقي عذابه الأبدي. بروميثيوس عرف أن دي الأميرة آيو وقال لها ماتفقدش الأمل لأن هيجي اليوم اللي هترجع لصورتها البشرية تاني وهتستقر في مصر وذريتها هتبقى سلسلة من الملوك والأبطال.

وقتها بقى زيوس، أخيرًا، قلبه رق وحن وقعد يترجى هيرا أنها ترفع عقابها عن آيو واعترف لها بكل حاجة وقال لها رجلك أبوسها يا ست الكل بس سيبي البنت الغلبانة دي في حالها. وبالفعل هيرا سامحته والدبانة سابتها في حالها وزيوس رجع آيو لصورتها البشرية وساعتها بس اكتشفت أنها حامل من زيوس.

أسطورة آيو من أشهر الأساطير المتعلقة بالاغتصاب وأكثرهم حزنًا لأنها بترصد المعاناة النفسية والجسدية والإجتماعية اللي بتمر بيها ضحية الصدمات الشديدة وتحديدًا صدمة الاغتصاب.

آيو بعد ما زيوس اغتصبها على طول حولها لبقرة، فالانتهاك الجسدي ده أخد صورة مادية ومعنوية. تحول آيو لبقرة بيرمز لإحساسها بفقدان سلطتها على جسدها، ده غير أن فقدانها إنسانيتها وتحولها لحيوان بيعكس إحساسها بنظرة المجتمع لها وأنها بقت dehumanized بشكل ما، وده اللي بيحصل للأسف مع معظم ضحايا الاغتصاب. وناخد بالنا كمان أن في الأسطورة آيو حاولت تتكلم وتستنجد بأي حد تقابله علشان تحكي له اللي حصل لكن كل اللي بيطلع منها كان خوار، فهي مش بس فقدت جسدها دي فقدت صوتها كمان وقدرتها على التواصل كنتيجة للصدمة اللي تعرضت لها.

بعد كده الأسطورة بتتوسع في رصد الجانب النفسي-الإجتماعي للصدمة وبتورينا أن الضحية بتضطر تعيش كسجينة لكائن جسده مليء بالعيون كلها مُسلطة عليها. آرجوس هنا هو طبعًا رمز واضح جدًا للمجتمع ككل اللي بيتحول لسجن بانوبتيكون كبير الضحية بتُجبر على أنها تعيش فيه بشكل دائم مع العيون اللي بتلاحقها بنظرات الاتهام واللوم والعار. وحتى بعد ما الضحية بتقدر تهرب من السجن ده زي ما آيو عملت بتفضل عايشة مع مشاعر الذنب والخزي المتمثلة في الدبانة اللي قعدت تلاحق آيو وخلتها تفضل تجري من نفسها زي المجنونة. وهنا يكمن الحزن في الأسطورة.. أن بالرغم من هروب الضحية من السجن (العائلة، المجتمع.. إلخ) إلا أنها – أوقات كتير – أينما ذهبت بتفضل حبيسة نفسها ومشاعرها السلبية اللي تكونت بسبب الصدمة.

حد ممكن يقول لي بس آيو في الأخر رجعت لهيئتها البشرية ونبوءة بروميثيوس اتحققت وبقت زي الفل. ده حقيقي، وقد يكون ده إشارة للتعافي فعلاً، بس العديد من القراءات النفسية للأسطورة بتوضح أن رجوع آيو لهيئتها البشرية مش نهاية سعيدة أوي زي ما احنا متخيلين.

في رواية الشاعر أوفيد Ovid للأسطورة بيقول أن بعد ما آيو رجعت لشكلها الطبيعي فضل يتملكها الخوف من النطق، لأن كل مرة بتفتح بُقها كانت خايفة يطلع خوار مش كلام مفهوم، كأن الخوف ده من فقدان الجسد والصوت فضل عايش معاها لأخر عمرها.

ده غير أن دخول بروميثيوس في الموضوع وتنبؤه بالنهاية السعيدة عزز من فقدان آيو لدورها كعنصر فاعل في القصة.. قصتها! في الكتابة الإبداعية مثلاً، عادًة ما بيُنصح الكتاب الجدد بالابتعاد قدر المستطاع عن إقحام النبوءات في قصصهم، لأن النبوءة، كأعبط نوع من أنواع الـ foreshadowing، بتأثر على إرادة البطل ودوره كعنصر فاعل وبتحوله لعنصر سلبي أو ترس هيوصل لنهاية محددة له مسبقًا (طبعًا فيه نبوءات بتتكتب بحرفية لتفادي ده بس الموضوع مش سهل خالص). المهم، لو رجعنا لأسطورتنا هنلاقي أن مش بس آيو فقدت دورها كعنصر فاعل لما تم اغتصابها ولما تم إخراسها وتحويلها لبقرة غصب عنها ولما تم سجنها ووضعها تحت أعين آرجوس بانوبتيس، لأ ده كمان سلبناها الدور الفاعل لما فرضنا عليها نسخة بروميثيوس من “النهاية السعيدة” بأنها هتستقر في مصر وهتتجوز ملك وهتفضل تزرب في أطفال!

كفاية أن بعد ما آيو بترجع لهيئتها البشرية بتكتشف أنها حامل من زيوس، وكأن موت آرجوس وغفران هيرا ورأفة زيوس مانجحوش في محو الأثر اللي هيفضل حي جواها.

….

دول ورقتان بحثيتان لطاف جدًا بيربطوا بين صدمة الاغتصاب والأسطورة اللي حابب يقرأهم:

“The Io Syndrome: Symptom Formation in Victims of Sexual Abuse” – S. Mayr & J. L. Price

“Io and Trauma in Ovid’s Metamorphoses: Rape and Transformation” – M. Sawyer

ربات الانتقام

الثلاث كائنات اللي في الصورة واللي قابلهم دانتي وفيرجل قبل دخولهم دائرة الجحيم السادسة هم المعروفين في الأساطير الإغريقية بال Erinyes أو ال Furies أو ربات الانتقام..

Virgil Pointing out the Erinyes to Dante (1861), Gustave Doré [Dante’s Divine Comedy]

ربات الانتقام عادة ما بيتم تصويرهم كثلاث نساء (أو أكثر) بأجنحة ضخمة ورؤوسهم وأجسامهم محاطة بالثعابين. أليكتو وماجيرا وتيسيفوني -كما أُطلق عليهم- كان الهدف من وجودهم هو الانتقام من مرتكبي الجرائم الكبيرة الخاصة بصلات الدم أو الآلهة مثل قتل الأم\الأب\الابن ونقض العهد ومعاداة الآلهة.

وكان عقابهم هو تعذيب المجرم (أو المجرمين لأن أحيانًا عقابهم كان بيحل بمدن بأكملها) واصابته بالمرض والجنون. واحدة من الروايات بترجع أصل وجودهم لحادثة انتقام كرونوس – أبو زيوس – من والده أورانوس وأنهم اتولدوا من دم أورانوس بعد إخصاء كرونوس له وإقصائه.. وده بيفسر ليه هم بيلحقوا الأذى واللعنات بمرتكبي جرائم الدم ونقض العهد. وبرغم تصوير ربات الانتقام كأدوات للثأر الغاشم الأعمى إلا أنهم برضه بيتشافوا كأدوات لتحقيق التوازن الطبيعي.

ومن المثير للاهتمام أن في المعالجات الأدبية اللاحقة للأسطورة كان أحيانًا بيطلق عليهم The Kindly Ones.

ربات القَدَر

Moirae (2018), Bruce Dean

اللوحة دي بتصور المويراي أو ربات القَدَر في الأساطير الإغريقية واللي كان عددهم ثلاثة وكل واحدة فيهم بتمثل جزء قدري من حياة كل إنسان من وقت ولادته حتى وفاته..

الربة الأولى كلوثو Klotho ومعناها باليونانية “التي تنسج” ودي كانت مسئولة عن الولادة وبداية حياة الشخص، الربة الثانية لاهيسيس Lakhesis “التي تخصص” كانت مسئولة عن مد خيط حياة الشخص ورسم شكله، أما الثالثة أتروبوس Atropos “التي لا تتزعزع” كانت هي اللي بتقص الخيط ده وطبعا بتمثل الموت.

معظم لوحات المويراي بتصورهم كثلاث نساء شمطاوات ممسكات بخيط (واحدة بتنسج والتانية بتشد والتالتة بتقص).. اللي عجبني في اللوحة دي أنها أضافت عليهم لمحة من القدسية والغموض. وإخفاء وجوههن وما هن عاكفات عليه مناسب أكتر لمعرفة الإنسان شبه المعدومة بقدره وفكرته عن الولادة والحياة والموت.