هرقل والمهام المستحيلة

أسطورة المرة دي هتكون عن أشهر أبطال عالم الأساطير الإغريقية على الإطلاق.. البطل ونصف الإله هرقل Heracles..

الأسطورة كالعادة بتبدأ من عند كبير الآلهة زيوس Zeus اللي، كالعادة برضه، بيُعجب ببشرية اسمها ألكميني Alcmene. ألكميني كانت أميرة جميلة جدًا وكانت حفيدة البطل بيرسيوس Perseus قاتل الميدوسا وزوجها كان ملك، بس ده طبعًا ولا يفرق مع زيوس في حاجة. زيوس أتنكر في صورة زوجها الملك ونام معاها وبعد تسعة شهور ألكميني خلفت توأمين: هرقل وايفكليس Iphicles. وبالرغم أن الاتنين اتولدوا من نفس البطن وفي نفس الوقت، كان واضح جدًا أن هرقل ابن زيوس مختلف عن أخوه البشري ايفكليس ابن الملك.

وفي نفس الوقت في جبل الأوليمب، الربّة هيرا Hera زوجة زيوس كانت قاعدة تغلي وتنكت في نفسها وأول ما ألكميني أنجبت التوأمين قررت أنها تحط هرقل في دماغها وتطين عيشته طول ما هو حي يرزق. مثلاً.. هرقل لما كان طفل رضيع عبيط لسه، هيرا سلطت عليه ثعبانين سامين علشان يعضوه ويموت وتخلص منه، بس هرقل شاف الثعبانين وافتكرهم لعبة وقعد يلفهم ويعضعض فيهم لحد ما ماتوا (هرقل بقى!).

هرقل كبر وأتدرب على يد أفضل المدربين وقوته الخارقة كانت واضحة للعيان. في الفترة دي هرقل كان عايش حياته في سلام نسبي وأتجوز وخلّف.. بس هيرا مانسيتهوش.

في يوم من الأيام هيرا أصابت هرقل بلعنة تسببت في جنونه لبضع ساعات.. في الساعات القليلة دي، هرقل قتل زوجته وأطفاله بوحشية. وأول ما عاد لرشده ولقى نفسه واقف وسط جثث زوجته وأطفاله مابقاش مصدق نفسه ولا أنه هو السبب في اللي حصل ده. هرقل ماكانش عارف يروح فين ولا يجي منين وقرر يروح لمعبد الإله أبولو Apollo وقعد يعيط ويصلي لحد ما العرافة اللي هناك قالت له إن الآلهة قررت أنها تخلي هرقل يكفّر عن ذنبه في مقابل خدمته للملك يوريثيوس Eurystheus لمدة عشر سنوات، ولو هرقل قدر يخدم الملك على أكمل وجه طوال الفترة دي الآلهة هتكافئه برفعه لجبل الأوليمب والخلود.

هرقل وافق.

طبعًا الشرط كان غريب جدًا والموضوع مش محتاج فكاكة علشان نعرف أن هيرا كانت ورا الخطة الجهنمية دي. يوريثيوس كان من أقارب هرقل والأهم من كده أنه واحد من رعايا هيرا وكانت مراهنة عليه يكون الملك والبطل الأوحد في العصر ده، وكون هرقل هيخدمه فده هيديها فرصة أنها تقدر تتلاعب بهرقل أو تتخلص منه زي ما هي عايزة.. ده غير أنها هتذله قدام قريبه الأضعف منه واللي كان بينه وبين هرقل عداوة واضحة.

المهم أن العشر سنين دول مطوا ل12 سنة، وخلال ال12 سنة يوريثيوس أوكل لهرقل القيام باثنتي عشرة مهمة مستحيلة سُميت فيما بعد ب”مهام هرقل” The Labors of Heracles كل مهمة فيهم أنيل من التانية..

المهمة الأولى (أسد نيميا The Nemean Lion):

يوريثيوس أمر هرقل بقتل أسد شرس في منطقة نيميا وهو على يقين أن هرقل مش هيرجع لأن مفيش حد قدر يقتل الأسد ده قبل كده. أسد نيميا كان ضخم جدًا ومتوحش وجلده سميك لا يُخترق. هرقل أخد الشومة والعِدة بتاعته وأتوكل على الله وراح. هرقل قعد يراقب الأسد لحد ما دخل الكهف بتاعه، فهرقل سد مدخل من مدخلي الكهف وفاجأ الأسد من المدخل التاني علشان يزنقه جوا. طبعًا الأسد هجم على هرقل بس هرقل أداله بالشومة فدروخه شوية وراح مسكه بين دراعه وخنقه (هرقل بقى!). بعد ما هرقل موت الأسد حاول أنه يسلخه علشان ياخد جلده اللي لا يخُترق يستخدمه كدرع بس ماعرفش يقطعه بأي سكينة أو خنجر، فراح عمل إيه بقى؟ خلع ناب من أنياب الأسد واستخدمها لقطع جلد نفس ذات الأسد، ولبس فعلاً جلد الأسد كدرع.

المهمة الثانية (الهيدرا الليرنية The Lernean Hydra):

يوريثيوس لما شاف هرقل راجع بجلد الأسد مابقاش مصدق، فهيرا أوحت له يأمر هرقل بالمهمة الثانية وهي قتل وحش الهيدرا في منطقة ليرنا. وحش الهيدرا ده من أبشع الوحوش الإغريقية وهو أقرب لأفعى ضخمة ذات رؤوس كثيرة، لما بيتقطع رأس منهم بيطلع مكانها اتنين! حاجة كابوسية كده. هرقل في المهمة دي تحديدًا استعان بابن أخوه علشان يعرف يسيطر على الهيدرا ويقطع كل الرؤوس.. فكان أول ما يقطع رأس ابن أخوه يجري يحرق منبت الرقبة فماتطلعش رؤوس تانية وبكده قدروا يقضوا على الهيدرا. قبل ما يمشي، هرقل أخد كميات كبيرة من دم الهيدرا، اللي كان بيعتبر نوع نادر من السموم، علشان يستخدمها في تغطية رؤوس الرماح والسهام بتاعته وبكده بقى عنده سلاح قاتل.

المهمة الثالثة (غزال سيرينيا المقدس The Ceryneian Hind):

المهمة الثالثة قد تبدو في ظاهرها سهلة لكنها أخدت من هرقل وقت ومجهود أكثر من أي مهمة تانية. يوريثيوس أمر هرقل بإحضار غزال مقدس يعيش في مدينة سيرينيا.. خدوا بالكم أنه قال له يمسك الغزال ويجيبه بس، مش يقتله، وهنا تكمن صعوبة المهمة. الغزال المقدس ده تحديدًا كان سريع جدًا، ده غير أنه مقدس.. يعني أي محاولة لإصابته بالسهم أو أي حاجة تانية لإبطاء حركته هتثير غضب الآلهة وهرقل مش ناقص. هرقل فضل يراقب الغزال ويجري وراه لمدة سنة كاملة! سنة كاملة بيدرس حركة الغزال وسرعته وعاداته علشان يقدر يختار الوقت المناسب اللي يمسكه فيه. أخيرًا هرقل قدر يمسك الغزال ورجع بيه لقصر يوريثيوس.

المهمة الرابعة (خنزير إيرمانثيوس البري The Erymanthian Boar):

وزي المهمة اللي قبلها، يوريثيوس برضه أمر هرقل بإحضار – مش قتل – خنزير بري متوحش بيعيش في جبل إيرمانثيوس بمنطقة أركاديا. هرقل أخد بعضه وطلع الجبل وفي الطريق قابل صاحبه القنطور Centaur ودخل في عركة مع أصحابه القناطير بسبب حوار كده مش موضوعنا دلوقتي. المهم يعني أن القنطور نصح هرقل بطريقة سهلة لاصطياد الخنزير وهو أنه يفضل يطارد الخنزير لحد قمة الجبل المغطاة بالثلج وهناك حركة الخنزير هتبقى بطيئة وهرقل هيقدر يمسكه بسهولة. هرقل عمل كده فعلاً ومسك الخنزير ورجع بيه ليوريثيوس اللي كان ميت في جلده لما شاف الحيوان المتوحش.

المهمة الخامسة (حظائر الملك أوجياس The Augean Stables):

المهمة دي قذرة شوية. يوريثيوس قال لهرقل يروح للملك أوجياس ينضف حظائر الماشية بتاعته بشرط أنه يعمل ده في يوم واحد بس. هرقل طبعًا وافق بس طول السكة كان قاعد يقول إيه المهمة الحقيرة اللي ملهاش لازمة دي.. لما راح بقى لحظائر الملك أوجياس اكتشف أنها كبيرة جدًا وأنها ماتنضفتش من ثلاثين سنة (قمة في العفانة يعني!) والمفروض أنه يخليها فلة بتلمع خلال 24 ساعة بس. هرقل قعد يفكر ويفكر لحد ما وصل لخطة: هرقل شاف أن فيه نهرين بيمروا بالقرب من الحظائر فراح حافر مجرى بحيث إن النهرين يمروا من خلال الحظائر ويشيلوا معاهم القرف اللي متكوم بقال ثلاثين سنة ده. الخطة نجحت فعلاً والملك أعطى لهرقل جزء من الماشية بتاعته مقابل اللي عمله.

المهمة السادسة (طيور ستيمفالوس The Stymphalian Birds):

الطيور دي كانت بتعيش عند مستنقع قرب مدينة ستيمفالوس وكان معروف عنها أنها بتأكل البشر وريشها عامل زي النصال الحادة، والمفروض هرقل يروح يقتلهم كلهم. هرقل راح وقدر يخرّج الطيور دي من مخبأها، بمساعدة الربّة أثينا Athena، وبعدين استخدم سهامه المغطاة بدم الهيدرا السام علشان يقتلهم.

المهمة السابعة (ثور مدينة كريت The Cretan Bull):

لو تفتكروا اتكلمنا قبل كده عن أسطورة البطل ثيسيوس Theseus ودخوله للمتاهة علشان يقتل المينوتور Minotaur الكائن اللي نصفه إنسان ونصفه ثور. المينوتور ده كان نتاج تزاوج زوجة ملك مدينة كريت مع ثور كان هدية من بوسيدون. المهم يعني يوريثيوس أمر هرقل يروح يجيب له الثور ده تحديدًا، اللي هو أبو المينوتور. هرقل راح مدينة كريت فعلاً وقعد يصارع الثور بس طبعًا قدر يتغلب عليه ويكتفه ويجيبه في شوال ليوريثيوس.

المهمة الثامنة (خيول الملك دايوميد The Horses of Diomedes):

يُقال إن كان فيه ملك اسمه دايوميد كان مربي الخيول بتاعته على أكل لحم البشر. يوريثيوس قال لهرقل يروح يجيب الخيول دي من الملك غصب عنه. فهرقل عمل إيه بقى؟ راح الأول للملك ورجالته وصارعهم وكتفهم بكل سهولة (هرقل بقى!) وراح مأكلهم للخيول.. وبكده، وبعد ما أداهم كميات كبيرة من اللحم اللي بيحبوه، الخيول بقت مطيعة لهرقل وقدر يرجع بيها لمملكة يوريثيوس.

المهمة التاسعة (حزام الملكة هيبوليت  The Girdle of Hippolyte):

هيبوليت كانت ملكة محاربات الأمازون الشهيرات، والمهمة التاسعة لهرقل كان أنه يروح للملكة هيبوليت وياخد منها الحزام الذهبي بتاعها اللي أهداه لها والدها إله الحرب آريز Ares. هرقل كان رايح ومتوقع عركة كبيرة طبعًا مع نساء الأمازون وكان خايف إنه مايقدرش يهزمهم، بس على عكس توقعاته الملكة هيبوليت قابلته بكل ترحاب وقعدوا يرغوا لساعات وارتاحوا لبعض، ولما سألته عن سبب الزيارة قال لها الحقيقة وشرح لها كل حاجة من الأول. هيبوليت أُعجبت بصراحة هرقل ووافقت أنها تدي له الحزام.

بس طبعًا بما أن هيرا مش هتسيب مهمة تعدي بسلام كده، اتنكرت في شكل واحدة من محاربات الأمازون وقعدت تنشر الشائعات بينهم أن هرقل جاي علشان يقتل الملكة. وبالفعل وهو ماشي خلاص هرقل فوجئ بجيش الأمازون كله بيهجم عليه بما فيهم هيبوليت اللي وصيفاتها اقنعوها بالشائعات. هرقل اضطر يحارب الأمازونيات وللأسف قتل هيبوليت وأخد الحزام وهرب.

المهمة العاشرة (ماشية العملاق جيريون The Cattle of Geryon):

المهمة دي في حد ذاتها مش صعبة بقدر صعوبة رحلة الذهاب والعودة والصعاب اللي واجهها هرقل فيهم. المفروض أن هرقل كان يروح يسرق الماشية بتاعت عملاق اسمه جيريون. جيريون كان عنده ثلاثة رؤوس وستة أزرع وستة أرجل.. يعني كأنه تلات بني آدمين لازقين في بعض. هرقل قدر يقتل جيريون بسهولة لكن المشكلة في طابور الوحوش اللي قابله وهو رايح للمكان اللي جيريون عايش فيه، وطابور الكائنات والآلهة اللي حاولت تسرق الماشية من هرقل وهو راجع، ده غير أن هيرا سلطت ذباب على القطيع فخلته يجري في كل مكان وهرقل مابقاش عارف يسيطر عليه. المهم بعد الدوخة ووجع القلب ده كله، هرقل الحمد لله رجع بقطيع الماشية ليوريثيوس.

المهمة الحادية عشرة (تفاح هيسبيريدس The Apples of the Hesperides):

ودي واحدة من المهام المستحيلة فعلاً واللي كانت هيرا متوقعة أن هرقل عمره ما هيقدر يعملها. المهمة كانت أن هرقل يروح لحديقة بتعيش فيها حوريات الهيسبيرديس بنات العملاق أطلس Atlas (الراجل اللي كان حرفيًا شايل الأرض على كتافه)، الحديقة دي فيها شجرة تفاحها من الذهب، والشجرة دي تحديدًا كانت مهر زيوس لهيرا لما تزوجها. وده لو مش صعب كفاية، فالحديقة موجودة في مكان غير معروف أصلاً ولا يمكن الوصول إليه.

هرقل لما سمع بالمهمة ضرب أخماس في أسداس بس برضه راح لما يشوف أخرتها إيه. وكالعادة قابله في الطريق تشكيلة متنوعة من الصعاب والأهوال بس أهم حاجة في الموضوع إنه قابل سارق النار بروميثيوس Prometheus وخلصه من عذابه الأبدي، ومقابل مساعدته دي بروميثيوس قال لهرقل على طريقة يقدر يحصل بيها على التفاح الذهبي وهي عن طريق خداع العملاق أطلس.

هرقل راح للحديقة وقابل أطلس وقال له إنه مستعد يشيل منه الأرض شوية على شرط أنه يروح بنفسه لبناته ويقطف من الشجرة التفاح الذهبي. أطلس طبعًا وافق على عرض هرقل علشان يرتاح من ثقل الأرض شوية. هرقل شال الأرض كلها على كتفه مكان أطلس. أطلس لما رجع بالتفاح رفض أنه ياخد الأرض تاني من هرقل وقال له إنه هيودي التفاح بنفسه ليوريثيوس (ما صدق لبّس الأرض لحد تاني). هرقل قال له “خلاص ماشي بس خد أمسك مني الأرض ثواني بس كده لحد ما أعدل هدومي وأحط مخدة على كتفي”.. أطلس زي الأهبل أخد منه الأرض تاني فراح هرقل خطف التفاح وحط ديله في سنانه وجري.

المهمة الثانية عشرة (كلب الجحيم سيربيروس The Hell Hound Cerberus):

في أخر مهمة، هيرا ويوريثيوس استخدموا أخر كارت معاهم ورموا على هرقل التقيلة بقى! يوريثيوس أمر هرقل بأنه يحضر له كلب الجحيم سيربيروس حيًا. كنا اتكلمنا قريب على سيربيروس وقولنا أنه كلب كابوسي بثلاثة رؤوس يحرس أبواب العالم السفلي ووظيفته أنه يمنع الموتى من الخروج والأحياء من الدخول. خطورة المهمة دي تحديدًا أن بنزول هرقل لعالم الموتى ممكن جدًا مايعرفش يرجع ويفضل هناك وبكده هيرا تكون حققت اللي هي عايزاه.

وعلشان كده هرقل استعد كويس للمهمة دي وقعد يتعلم عن عالم الموتى ويطلب من آلهة معينة المساعدة في النزول للعالم السفلي وقدم لهم العطايا علشان يضمن لنفسه الحماية والرجوع لعالم الأحياء. هرقل نزل فعلاً وأول حاجة عملها هو أنه طلب مقابلة إله العالم السفلي هاديس Hades. هرقل قال لهاديس الحقيقة وحكى القصة كلها من أولها.. هاديس السوسة قال لهرقل معنديش مشكلة تاخد سيربيروس بشرط أنك تصارعه من غير استخدام أي أسلحة أو أدوات أو دروع.. بطولك كده. هرقل اضطر أنه يوافق وراح يصارع سيربيروس وبعد معركة استمرت ساعات، هرقل نجح في إنهاك سيربيروس وأخده معاه لعالم الأحياء لمملكة يوريثيوس اللي يأس خلاص من محاولة التخلص من هرقل.

بعد 12 سنة خدمة ليوريثيوس، هرقل أتحرر من وعده أخيرًا وقدر يكفّر عن ذنبه، وبعد ما مات، وزي ما وعدته العرافة، هرقل صعد لجبل الأوليمب لينضم للآلهة ويكون واحدًا منهم كراعي للأبطال، وأصبحت بطولاته تزين السماء في صورة أجرام سماوية ومجموعات نجمية كمثال أبدي على القوة والمثابرة.

* * *

بعد ما عرفنا ظروف ولادته وحياته والمصاعب اللي قابلها، أول حاجة ممكن تلفت انتباهنا في حياة البطل هرقل هي العلاقة المركبة اللي بينه وبين هيرا. هيرا هي السبب في تعاسة هرقل وكل المصايب والأهوال اللي أتعرض لها، بس برضه وبشكل غير مباشر هي السبب في صعوده لجبل الأوليمب وخلود سيرته. حتى اسمه باليونانية معناه – وياللسخرية! – “المجد لهيرا”.. وكأن هيرا هي المحرك الأساسي، النار اللي كادت أن تحرق هرقل لكنه نجح في تحويلها إلى الشعلة اللي أنارت طريق المجد.

علاقة هرقل بهيرا بتبدأ من قبل ولادة هرقل، من رفضها لوجود المولود ده بسبب رفضها لزوجها أو لسلوكه عامةً. بس الغريب في الموضوع أن أولاد زيوس من نساء بشريات، أبطال أو غيره، كانوا ماليين الأرض، وهرقل مش أولهم ولا أخرهم. اشمعنى هرقل اللي أديته كل هذا الكم من الاهتمام؟ المثير للجدل في الموضوع ده أن معظم القراءات النفسية للأسطورة بتعتبر هيرا صورة الأم في وجدان هرقل وده بسبب غياب ألكميني من حياة هرقل وحصول هيرا على الحيز الأكبر فيها. طيب ليه أم ممكن تكره ابنها لهذه الدرجة؟ الإجابة الواضحة هي اضطراب العلاقة مع الزوج، زي العلاقة المهببة بين زيوس وهيرا، أو أن الطفل ده بيبقى دليل وتذكرة على فشل العلاقة.. أو الغيرة (اتكلمنا في ده قبل كده في أسطورة أراكني Arachne).. أو ممكن الكراهية تكون بلا أي سبب واضح. العلاقة بين الأم وابنها\بنتها مش دايمًا حب غير مشروط وفراشات زي ما المجتمع والأعراف بيصوروا لنا، فيه علاقات كتير بتشوبها الغيرة والغضب والسخط، وفيه أمهات بيجيلها اكتئاب ما بعد الولادة واللي لو ماتعالجش ممكن جدًا يتطور لشعور الأم بفقدان هويتها وسلطتها وسيطرتها على حياتها بسبب الطفل فبتوجه مشاعر الفقد والغضب دي ناحيته. هرقل كان بيحمل اسم هيرا، يعني كان مِلك لها، ولكن مجرد وجوده كان دليل على فشلها كربّة وزوجة وامرأة، وطول ما هو عايش بتشوف فيه انعكاس لفقدان سلطتها وسيطرتها وهويتها.

طيب نيجي لهرقل بقى، الطفل أو الابن.. ذنبه إيه في الليلة دي؟ الحقيقة إنه ملهوش أي ذنب وإنه للأسف بيضطر يشيل على عاتقه توابع اضطراب العلاقة مع الأم ومسئولية فهم الأسباب. الموضوع صعب، وبتبقى رحلة شاقة محفوفة بالكثير من المخاطر والمصاعب وجلد الذات علشان الابن يوصل للتصالح مع صورة الأم جواه والنفس.. بالظبط زي المصاعب اللي واجهها هرقل علشان في النهاية يوصل لجبل الأوليمب.

وعلى غرار عقدة أوديب، بعض علماء النفس استخدموا قصة هرقل لوصف بعض المشاكل النفسية اللي بتنتج من اضطراب علاقة الأم بابنها وسيطرتها عليه بشكل سلبي واسموها “عقدة هرقل” Heracles Complex. وعلشان نفهم العقدة دي أكتر وتأثيرها على هرقل وحياته محتاجين نرجع لعالم النفس كارل يونج Carl Jung وتحليله للأنماط اللي بتشكل شخصية كل واحد فينا. واحدة من هذه الأنماط هي الأنيما anima أو صورة المرأة في وجدان الرجل واللي بتتشكل منذ الطفولة وبتأثر على شخصية الرجل بشكل غير واعي بعد ذلك. يعني لو علاقة الأم بطفلها سليمة وقايمة على الحب المعتدل من البداية هنلاقي أن الرجل متفهم أكتر للجانب الأنثوي في شخصيته وده بينعكس بشكل صحي على علاقاته مع النساء بعد كده، والعكس صحيح طبعًا.

Carl Jung

هرقل للأسف لقى نفسه في علاقة سامة مع صورة الأم المتجسدة في هيرا. هرقل كان بيحاول يرضي هيرا بشتى الطرق – في الأول علشان يتفادى غضبها وبعدين علشان يكفّر عن ذنبه اللي كان بسببها برضه – وده بالظبط اللي بيحصل مع الطفل اللي بيلاقي نفسه مكروه من الأم، طبيعي أن عقله بيترجم ده على أنه تقصير من ناحيته فبيحس بالذنب وبيحاول يرضي الأم ويتفادى غضبها بشتى الطرق – وعلشان كده هرقل أتسمى الاسم ده – والإحساس بالتقصير والذنب بيفضل معاه كمان لما بيكبر، وحتى بعد ما الأم مابيبقاش لها سلطة عليه أو بيبعد عنها، برضه بيفضل شعوره بقيمة نفسه مربوط بيها وبيعيش خادم للعلاقة المضطربة المؤذية دي.

حتى محاولاته لتأسيس علاقة صحية مع الجنس الآخر بتختل بسبب اختلال وتشوه صورة الأنيما في نفسه. فكّروا كده في علاقات هرقل بالجنس الآخر في الأسطورة: زوجته… قتلها هي وأولاده بسبب الجنون اللي تسببت فيه هيرا. هيبوليت.. قتلها بسبب الشائعات اللي نشرتها هيرا. القتل هنا رمزي طبعًا.. حتى تدخل هيرا رمزي، الفكرة أنه بيقضي على العلاقات دي بنفسه بشكل غير واعي بسبب الصورة المشوهة للأم في وجدانه.

السؤال بقى هنا.. هل المهام اللي قام بيها هرقل دي كانت مجرد بتخدم العلاقة المؤذية مع صورة الأم وبتعقدها أكتر ولا كانت محاولات من ناحيته للتغلب عليها والوصول للتصالح؟ أعتقد إني بميل للإجابة الثانية أكتر. على الرغم من صعوبة المهام وتأكيدها على خضوع هرقل اللاوعي لهيرا، ففي النهاية المهام دي كانت السبب في وصول هرقل لمبتغاه والتصالح مع صورة الأم ومع نفسه واللي بيتمثل في وصوله لجبل الأوليمب وتحوله لواحد من الآلهة. بعد صعوده لجبل الأوليمب علاقة هرقل بهيرا خلاص مابقتش علاقة خادم بيحاول يرضي المخدوم بشتى الطرق، بقت علاقة متساوية قائمة على استقلال الطرفين، وهي دي الفكرة: سواء قررت تقرب أو تبعد عن الأم نفسها، فالمهم هو أنك تحقق الاستقلال من جواك، أنك تتعايش مع نفسك ومع صورتها جواك بشكل سليم. المهام دي للأسف هي الطريق الصعب اللي كل سجين علاقة مؤذية مع الأم بيضطر يمشيه علشان يتصالح مع نفسه، علشان يخلص نفسه من عقد التقصير والتعلق وجلد الذات.. المهام دي هي رحلة البطل الحقيقية.

كل الوحوش والأهوال اللي واجهها هرقل هي تجسد للكلاكيع والمشاكل اللي العلاقة دي سابتها في نفسه، وبإنجاز كل مهمة، هرقل كان بيقرب أكتر للتعافي والتفهم.

أول شيء ممكن نلاحظه في رحلة هرقل البطولية أن مش كل المهام كانت محتاجة قوة، بعضها كان محتاج ذكاء وحيلة زي قتل الهيدرا وتنضيف حظائر الملك أوجياس وإحضار التفاح الذهبي، بعضها كان محتاج صبر ومثابرة زي الإمساك بالغزال المقدس والخنزير البري، وبعضها كان محتاج صراحة ومواجهة زي إحضار حزام هيبوليت والإمساك بسيربيروس.. مهام منهم هرقل تلقى فيها المساعدة من أصحاب وأقرباء وآلهة، ومهام تانية اضطر يخوضها لوحده. وده يوضح لنا أن رحلة التعافي هتحتاج أن الشخص يوظف فيها كل ما يملك من موارد بدنية وعقلية وعاطفية.. هتحتاج أنه يطلب المساعدة أحيانًا، وفي أحيان أخرى أنه يقف بطوله.

الجميل في الموضوع كمان أن المهام مرتبطة ببعض بشكل تصاعدي، بمعنى أن كل مهمة بتساعد هرقل على تخطي المهمة اللي بعدها وبتديله القوة والصفات اللازمة لإكمال الرحلة. قتله للأسد كان صعب، بس بمجرد انتهاء المهمة استفاد من جلد الأسد اللي أصبح درع بيحميه من السهام وأنياب الوحوش في المهام التالية. نفس الموضوع مع الهيدرا، قتلها كان صعب وعنيف، بس بمجرد انتهاء المهمة استفاد من دمها اللي استخدمه في قتل الطيور والعملاق جيريون وغيرهم بعد كده. والصبر اللي أتعلمه في الإمساك بالغزال استفاد بيه في الإمساك بالخنزير البري. كل تجربة سيئة أو تحدي في رحلة التعافي بيضيف شيء لشخصيتنا بيساعدنا على الاستمرار.. بعض التجارب والمواجهات بتخلينا أقوى، بعضها بتخلينا أكثر حرصًا، والبعض الآخر أكثر تفهمًا.. وهكذا.

حاجة كمان بخصوص المهام، نلاحظ أن المهام في أولها كانت أكثر عنفًا من أخرها، بمعنى أن في الأول أوامر يوريثيوس كانت بالقتل والتدمير، وبعدين بالتدريج تحولت للسيطرة على حيوانات أو إحضار أشياء معينة أو الخروج من مواقف معقدة أو تنضيف أماكن. وده يورينا أن الرحلة في أولها بتنطوي على عنف وتدمير – مش مقصود بالعنف هروح أقتل اللي مضايقني! – لأن الإنسان في أول رحلته بيبقى متخبط وعايم في مشاعر الغضب والألم فطبيعي أن ردود الفعل تكون عنيفة تجاه نفسه وتجاه اللي حواليه، بس بمجرد تخطيه المرحلة دي المعارك الداخلية بتبتدي تاخد أشكال مختلفة أقل عنفًا بس أكثر تعقيدًا. مثال: لما تكون في علاقة معقدة مع الأم أو الأب، طبيعي أن هتلاقي نفسك في مرحلة الطفولة والمراهقة بتميل للتمرد والإنفجار والتدمير، وده تعبير عن الرفض طبيعي ومتوقع، بس بمجرد ما بتتخطى المرحلة دي بتبتدي تدور على أسباب الألم والمشاعر السيئة جواك علشان تمسكها وتدرسها وتفهمها، وبعدين بتحاول تغسل رؤيتك لنفسك من كل المشاعر المغلوطة اللي اتعلقت بيها عبر السنين.. كل خطوة بتتجاوز بيها مشاعر الغضب بتسمو بيك ذراعًا نحو التفهم.

وعلشان كده بشوف أن أخر مهمتين في رحلة هرقل هما أهم اتنين. في رحلة حصوله على التفاح الذهبي من الشجرة – كإشارة واضحة للمعرفة الكاملة – هرقل بيضطر حرفيًا يشيل ثقل العالم على كتفيه. الثقل ده في رحلة التصالح هو إدراك أن كل الأطراف بتتألم بشكل أو بآخر.. الثقل ده هو القدرة على رؤية نفسك والأخرين بنفس المقدار من التعاطف والتفهم. القدرة على موازنة كل المشاعر دي بعقلانية هي أقرب لموازنة الأرض على كتفيك. أما المهمة الأخيرة، الإمساك بكلب الجحيم سيربيروس، هي القدرة على تحقيق التوازن ده بما يحقق التصالح مع النفس في النهاية. قبل كده لما تكلمنا على سيربيروس في موضوع سابق قولنا إنه برؤوسه الثلاثة ووجوده بين عالمين بيحتل مكان وسطي شامل قادر على رؤية كل شيء. هرقل لما بيصارع سيربيروس بدون أي أدوات أو مساعدات خارجية فكأنه بيسترجع القدرة على التحكم في جميع جوانب نفسه بشكل كامل: جسده وعقله ومشاعره.. الثلاثة رؤوس. وهي دي بالظبط عملية الـ individuation اللي قال لنا عليه كارل يونج، وهي قدرة الشخص على احتواء جميع أجزاء نفسه ووجدانه الواعية واللاواعية والتصالح معها.

فيه قراءات تانية للأسطورة زي القراءات الفلكية واللي بتشوف أن كل مهمة من مهام هرقل الاثنتي عشرة بتتوافق مع برج من الأبراج الفلكية، فمهمة قتل أسد نيميا مثلاً تتوافق مع برج الأسد، والإمساك بالغزال المقدس مع برج الجدي، والإمساك بثور كريت مع برج الثور، وقتل العملاق جيريون مع الجوزاء.. وهكذا. بس القراءات دي الصراحة مبهوقة شوية وغير مقنعة خصوصًا لغير المتخصصين من أمثالي.

اللي لفت انتباهي في موضوع ربط المهام بالأبراج الفلكية دي هي فكرة التكرار والتواتر.. الأرض بتتعامد مع كل مجموعة نجمية من دول مرة كل سنة.. كل سنة بنمر بالرحلة اللي مر بيها هرقل وبنعدي على كل مهمة قام بيها. وده إن دل فإنما يدل أن الحياة لا تنتهي بالوصول، وإننا لو خلصنا رحلة فلسه قدامنا رحلات تانية كتير في اتجاهات مختلفة.

الكاتبة الأمريكية كوبية الأصل أناييس نين Anaïs Nin بتقول في الجزء الرابع من مذكراتها إننا كبشر لا ننضج على خط زمني مستقيم وإنما بشكل نسبي متفرق، فقد نكون كبارًا في جانب من جوانب حياتنا وأطفالاً في جوانب أخرى، الماضي والحاضر والمستقبل يتداخلون ويتجازبون أطرافنا في جميع الاتجاهات لنكتشف أننا متعددي الطبقات والأبعاد.. كالمجموعات النجمية.

Anaïs Nin

فيه منا بيمر برحلة واحدة في حياته، ومنا بيمر برحلة كل سنة، وفيه اللي بيمر بكذا رحلة في أكتر من اتجاه كل يوم.. في رحلة ممكن نكون لسه في أول مهمة، في رحلة تانية ممكن نكون في الأخيرة، قد نفشل في رحلات وننجح في أخرى، المهم أن كل خطوة بنخطوها وكل مهمة بننجزها نحو الوصول هتُخلّد في سماء وجداننا وهتنور لنا طريقنا مثلما خُلّدت مهام هرقل في سماء عالمنا.

دمتم أبطالاً.

2 تعليقات على “هرقل والمهام المستحيلة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s