نظرية العوالم الممكنة

في الفلسفة اليونانية القديمة كانوا بيؤمنوا أن احنا عايشين في نسخة غير مكتملة من العالم الحقيقي True World وعلشان كده دايما بيلازمنا شعور بالنقصان وأن كل حاجة بنختبرها أو بنستخدمها غير مكتملة.. المتدينين من الفلاسفة كانوا شايفين أن العالم الحقيقي اللي هنشعر فيه بالاكتمال ده هو الحياة بعد الموت، وغيرهم كانوا شايفين أن العالم الحقيقي لا يمكن الوصول إليه أصلاً واحنا عايشين في نسخة من النسخ الكتير اللي شبهه. أيا كان، مش هنقدر نختلف أن الشعور بالنقص ده هو السبب في تطور الجنس البشري وبيمثل دافع من دوافع الحياة.

في القرن العشرين بقى جيه فيلسوف أمريكي اسمه ديفيد لويس David Lewis قال مفيش حاجة اسمها عالم واحد حقيقي، الكون بيتكون من عدد لا نهائي من العوالم الممكنة واحنا عايشين في واحد منهم.. كل العوالم دي “ممكنة” بس برضه كلها “حقيقية”. يعني إيه الكلام ده؟ لويس بيقول أن موضوع عالمنا ده هو الواقع ولا لأ بيعتمد على وجهة النظر اللي بنشوف منها العالم..

David Lewis

يعني مثلاً لو افترضنا أن فيه واحد اسمه عليوة وبيشتغل سواق أتوبيس، عيلوة كان حلم حياته يشتغل محاسب بس ماعرفش.. فبالنسبة لـ”عليوة سواق الأتوبيس” العالم اللي هو شغال فيه سواق أتوبيس ده العالم الواقعي والعالم اللي بيشتغل فيه محاسب ده العالم الممكن، في حين ان بالنسبة لـ”عليوة المحاسب” العالم اللي شغال فيه محاسب ده العالم الواقعي والعالم اللي شغال فيه سواق أتوبيس ده عالم ممكن. العالمين حقيقيين وممكنين ولكن صفة الواقعية بتُنسب اعتمادًا على وجهة النظر مش كصفة متأصلة فيهم.

النظرية دي اسمها الواقعية الشكلية Modal Realism واللي لويس كان من روادها. النظرية مش فلسفية بحتة ولكن ليها جذور في علم المنطق واللغة والأدب. النظرية مهمة في علم اللغويات لأن من غيرها مش هنفهم فكرة الـ modality. يعني مثلاً لو قولت “مبروكة ممكن تكون ركبت المترو” الجملة دي بشكل لا واعي بتخلق داخل دماغ المتلقي عالم مبروكة ركبت فيه المترو وعالم آخر مبروكة ركبت فيه تاكسي وعالم تالت مبروكة ركبت فيه أتوبيس وعالم رابع مبروكة مشيت على رجليها.. إلخ، كل العوالم دي ممكنة وبتتواجد داخل دماغ المتلقي في نفس الوقت. ودي بالظبط الحالة بتاعت وجودنا في الكون زي ما لويس ما بيقول.. كوننا موجودين في احتمال من الاحتمالات دي ومقيدين بيه لا ينفي وجود الاحتمالات التانية.

من وجهة نظر أدبية، فعل الكتابة نفسه أو خلق قصة\نص قائم على نظرية العوالم الممكنة دي Possible Worlds Theory. الفيلسوف والكاتب الإيطالي الشهير اومبرتو إكو Umberto Eco بيقول إن بمجرد ما القصة بتتخلق، بيُخلق معاها ثلاثة أنواع من العوالم الممكنة: 1) النوع الأول هو العالم الممكن اللي خلقه الكاتب واللي الشخصيات عايشة فيه. 2) النوع التاني هو كل العوالم الممكنة اللي الشخصيات فاكرة إنها عايشة فيها. 3) النوع التالت هو كل العوالم الممكنة اللي بيتخيلها القارئ وهو بيتلقى القصة وبميلأ من خلالها الفراغات.

Umberto Eco

لو أخدنا قصة “ذات الرداء الأحمر” كمثال كلنا عارفينه: العالم الممكن الأول هو اللي خلقه مؤلف القصة داخل دماغه واللي فيه الذئب بيتكلم وبيفكر وبيروح يتنكر كجدة البنت الصغيرة وده العالم اللي عايش فيه الشخصيات وبالنسبة لهم هو ده الواقع. النوع التاني من العوالم الممكنة موجود داخل دماغ الشخصيات ومن وجهة نظرهم.. يعني بالنسبة للبنت الصغير العالم الممكن ده جدتها فيه بُقها كبير وعندها شعر في وشها وعلى إيديها، وده العالم اللي البنت قررت تختاره وتصدقه وأصبح الواقع بالنسبة لها. أما النوع التالت فبيتمثل في رؤيتنا للي بيحصل كقراء.. كل واحد فينا هيتخيل البنت بشكل والذئب بشكل والبيت بشكل وكل واحد فينا هيتخيل اللي حصل وماتكتبش في القصة بشكل مختلف وبالتالي هيبني عليه تفسيره.. كل دي عوالم ممكنة موجودة داخل العالم الممكن بتاع القصة، ونرجع لكلام لويس تاني أن مفيش عالم منهم حقيقي أكتر من التاني.. كلهم حقيقيين ولكن واقعيتهم بتختلف باختلاف وجهة النظر.

ده معناه أن احنا ممكن نكون شخصيات داخل قصة ذات عالم ممكن (من تأليف الإله أو الكون أيا كان بتؤمن بإيه) واحنا عايشين في واحد بس من العوالم الممكنة اللي خلقها\بيخلقها\هيخلقها المؤلف وشايفين إن عالمنا ده هو العالم الحقيقي الوحيد في حين أن فيه عوالم تانية ممكنة مش بس خارج نطاق إدراكنا ولكن داخل دماغ كل واحد فينا واللي على أساسها بيشوف بيها الآخرين والواقع بتاعه.

بالرغم من أن الكلام عن نظرية العوالم الممكنة عادًة لا يخرج عن نطاق المنطق واللغويات والأدب إلا أن فيه ناس بتاخدها بشكل حرفي، بسبب كلام لويس وبسبب النظريات الفيزيائية المحتملة عن الأكوان المتعددة Multiverse، وده أدى للكلام عن ظواهر ميتافيزيقية زي تأثير مانديلا اللي اتكلمنا عنه قبل كده.

ده بحث أكاديمي لطيف جدًا للي حابب يقرأ أكتر عن الموضوع من ناحية أدبية لغوية:

“Possible Worlds in Recent Literary Theory” by Marie-Laure Ryan

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s