بيليروفون: عودة أم هروب؟

النهاردة هنتكلم عن ابن ملك مدينة كورينث Corinth البطل الإغريقي المغوار بيليروفون Bellerophon..

بيليروفون كان أمير معروف عنه الوسامة والشهامة والشجاعة، لكن للأسف حصل أنه في يوم قتل واحد في خناقة ونتيجة لفعلته المهببة دي أبوه الملك اضطر ينفيه لمدينة تانية. برويتوس Proetus، ملك المدينة التانية، استقبل بيليروفون بترحاب واستضافه في قصره وكل الناس في القصر والمدينة اجمعوا على أدب وشهامة بيليروفون. مين بقى اللي أُعجب ببيليروفون وهام به حبًا؟ زوجة الملك برويتوس.. الست فضلت تحوم حوالين بيليروفون وتغريه بشتى الطرق والتاني يصدها لحد ما حست بالإهانة وقررت تنتقم منه –  a la امرأة العزيز – وراحت لزوجها الملك وقالت له أن بيليروفون حاول يغتصبها. برويتوس أتجنن طبعًا وقرر يقتله، لكنه أفتكر أن بيليروفون ضيفه (زمان كانوا بيؤمنوا أن قتل الضيوف بيتسبب في غضب الآلهة) وماينفعش يقتله في المكان اللي استضافه. برويتوس بقى فكر في فُكيرة علشان يتحايل على الموقف وأرسل بيليروفون برسالة لحماه الملك أيوباتيس Iobates، وكتب في الرسالة “اقتل حامل هذه الرسالة لأنه حاول أن يتعدى على زوجتي، ابنتك.”

بيليروفون، بكل العبط اللي في الدنيا، أخد الرسالة المقفولة وراح بيها للملك أيوباتيس، وبما أن بيليروفون سمعته الطيبة سابقاه أيوباتيس رحب بيه واستضافه في القصر وأكل معاه عيش وملح، ولما افتكر بقى وقرأ الرسالة اللي باعتها له زوج بنته اتصدم ولقى نفسه واقع في نفس مشكلة برويتوس لأن بيليروفون بقى ضيفه وماينفعش يقتله. فراح فكّر في فكرة جهنمية وبعت بيليروفون في مهمة انتحارية لقتل الوحش الأسطوري الشهير الكيميرا Chimera اللي كان بيروّع العديد من المدن المجاورة. الكيميرا كان وحش كابوسي بثلاث رؤوس في أماكن مختلفة في جسمه: جسده كان جسد أسد وديله رأس ثعبان وطالع من ضهره رأس جَدْي، ده غير إن رأس الأسد كانت بتطلع نار زي التنين كده.

بيليروفون وافق على التحدي ولكنه أدرك أنه مش هيقدر يقتل الكيميرا بطوله كده وهيحتاج مساعدة خارقة ملائمة للمهمة، وبعد السؤال والبحث عرف أنه محتاج يروض الحصان الطائر الشهير بيجاسوس Pegasus وأن الطريقة الوحيدة لترويضه هي طلب المساعدة من الآلهة. بالفعل بيليروفون راح لمعبد آثينا Athena وقعد يدعي طول الليل ويطلب منها المساعدة في ترويض بيجاسوس لحد ما تعب ونام في المعبد، وهناك حِلم بآثينا وهي بتديله لجام ذهبي. بيليروفون صحي من النوم ولقى جنبه على الأرض لجام ذهبي، طبعًا أخد اللجام وراح بيه لبيجاسوس وقدر فعلاً يروضه بسهولة. أنطلق بيليروفون على ظهر بيجاسوس وواجه الكيميرا الكابوسي وقدر فعلاً يقتله بفضل شجاعته وذكائه.

بيليروفون رجع للملك ايوباتيس وهو منتصر، ايوباتيس اتكبس طبعًا فراح بعته في مهمة انتحارية تانية. وفضل الوضع على كده فترة طويلة.. ايوباتيس يبعت بيليروفون في مهمة شبه مستحيلة والتاني يرجع منتصر مرفوع الرأس لحد ما سمعته كأشجع الشجعان وبطل الأبطال انتشرت من مشرق الأرض لمغربها.

ايوباتيس يأس بقى من محاولة التسبب في موت بيليروفون وقرر يسامحه بعد ما اقتنع أن تهمة التعدي على بنته دي كانت كيدية وغير صحيحة بالمرة وزوّجه بنته التانية.

بيليروفون فضل عايش كبطل مشهور وانتصاراته استمرت، وبعد مرور السنين الطويلة انتابه شعور بعدم الرضا وقرر يعمل حاجة غريبة جدًا: بيليروفون أخد حصانه بيجاسوس وحلق بيه في السماء وفضل طاير بيه ناحية جبل الأوليمب علشان ينضم للآلهة. زيوس Zeus لما شاف بيليروفون بيقرب قال في باله “بيعمل إيه ابن العبيطة ده!” وبعت دبانة صغيرة قرصت بيجاسوس فرفص بيليروفون من على ضهره.. بيليروفون وقع من سابع سما وأتدب على الأرض زي البلاص. السقطة تسببت في فقدانه لبصره وإصابته بالعجز (ده غير فقدانه لحصانه الوفي بيجاسوس اللي زيوس قرر يبقيه عنده في جبل الأوليمب)، وبكده كُتب على بيليروفون يقضي بقية أيامه وهو عاجز وأعمى وتايه في الأرض مش عارف يرجع لبيته.

حدوتة بيليروفون دايمًا بتستخدم كتحذير من الغرور ونتائجه.. الراجل كان عنده كل حاجة، نسب وثروة وسلطة وسمعته أشهر من النار على العلم، لكنه ماحسش بالرضا وغروره صور له أن مكانه الطبيعي مع الآلهة في جبل الأوليمب مش على الأرض مع بقية البشر، والنتيجة كانت أنه فقد كل حاجة في حياته مكانش شايف قيمتها.

الأسطورة كمان ليها أبعاد دينية واضحة لأنها بترصد الجانب الروحاني من علاقة الإنسان بالإله أو بمفهوم الإيمان عامًة، وعلشان كده الأسطورة بتلمّس مع القصص في الأديان الإبراهيمية بشكل واضح. في البداية بنشوف إنسان عنده من النعم ما يكفيه ولكنه بيرتكب ذنبًا ما (قتل بيليروفون لشخص آخر من مدينته) والذنب ده اللي هيكون السبب في بداية رحلته للوصول لليقين أو الإيمان، أو أيا كان المسمى. بيبدأ الإنسان بالتكفير عن ذنبه وصده للإغراءات والثبات على موقفه (نفي بيليروفون ورفضه لزوجة برويتوس) والمكافأة بتكون الوصول لليقين المتمثل في بيجاسوس كهدية من الإله. ناخد بالنا أن بيجاسوس كان هو السبب الرئيسي في قدرة بيليروفون على هزيمة الكيميرا وغيرها من الوحوش والمصاعب اللي أيوباتيس حطها في طريقه، وزي ما بيجاسوس بياخد دلالة معنوية فممكن كمان نعتبر أن الوحوش والمصاعب دي بترمز للصراعات النفسية الداخلية.

ومن الحاجات اللي بتدعم التفسير الديني للأسطورة هو وحش الكيميرا نفسه لأنه بيتكون من ثلاث حيوانات مرتبطة بشكل أو بآخر بالشر في الوجدان الجمعي الإنساني. في رسالة بطرس الأولى مثلاً بيتم تشبيه الشيطان بالأسد المفترس.. وفي بعض الأديان الثعبان بيتشاف على إنه الشكل اللي أتخذه إبليس لما أغوى آدم وحواء.. ده غير إن في القصص الشعبي والأديان القديمة الشيطان على طول كان بيتصور كجَدْي بقرون طويلة. وبالتالي فالكيميرا هو الشيطان أو الشر الأعظم اللي بيليروفون بيقدر ينتصر عليه بمساعدة بيجاسوس.

طبعًا الأسطورة مش بتنتهي هنا وبتتحول لعبرة لما الإنسان يغتر بنفسه والإيمان اللي عنده يتحول لغطرسة وإحساس بدونية كل من حوله ويحس إنه إله على الأرض، وده اللي بيحصل مع ناس كتير للأسف، والنتيجة بتبقى إنه بيفقد الإيمان ده (بيجاسوس) وبيعيش في تخبط وتيه.

كلام جميل جدًا، بس بعد قراءة الأسطورة جزء مني فضل متعاطف مع بيليروفون وأشفقت عليه من العقاب البشع ده. وده خلاني أحاول أقرأ الأسطورة بشكل مختلف شوية عن القراءة الوعظية\الدينية\الروحانية الواضحة.

لو تفتكروا كنا اتكلمنا قبل كده عن فكرة “رحلة البطل” في الأساطير الإغريقية وقولنا إنه نمط بيتكرر في العديد من الأساطير وبينقسم لثلاثة أجزاء: 1) انفصال ورحيل البطل عن عالمه المألوف، 2) مواجهة البطل للصعوبات والتحديات في العالم غير المألوف وده بينتج عنه تغير في شخصية البطل، 3) رجوع البطل لعالمه المألوف ومحاولة الاندماج فيه.

وقولنا أن رحلة البطل دي ذات دلالات نفسية في المقام الأول لأنها بتمثل أي تغيير جذري بيحصل في شخصيتنا أو حياتنا وطريقة تعاملنا معاه، وقولنا كمان أن أصعب مرحلة في الرحلة دي مش الصعوبات والتحديات ومواجهة الوحوش، وإنما القدرة على العودة إلى العالم المعتاد بالشخصية الجديدة والتأقلم مع التغيير وتقبل أسبابه.

نرجع لأسطورتنا بقى، بيليروفون انفصل عن عالمه المألوف بسبب قتله للراجل ومن هنا بدأت المرحلة التانية في رحلته وهي مواجهة التحديات والصعوبات واللي اتسببت في تغيير شخصيته – وتقبله لبيجاسوس كجزء لا يتجزأ منها – وتطورها من مجرد أمير وسيم ابن حلال لبطل مغوار كل العالم بيتغنى باسمه. بيليروفون عِطل بقى في المرحلة التالتة (مرحلة العودة)، وناخد بالنا أن العودة هنا مش مقصود بيها مجرد العودة المادية لكورينث وطنه الأم، ولكن المقصود بيها العودة للتعامل مع أهله والناس اللي حواليه والتأقلم معاهم بهويته الجديدة.

مشكلة أوديسيوس Odysseus في المرحلة دي، لما اتكلمنا عليه قبل كده، هي أنه كان خايف يرجع لأن الرجوع لعالمه المألوف هيفكره بقد إيه هو اتغير لكنه في النهاية قدر يتغلب على الخوف ده. مشكلة بيليروفون بقى مختلفة وهي أنه أخطأ في العالم المألوف اللي المفروض يرجع له وبدل ما يرجع لنقطة البداية علشان دائرة التغيير تكتمل، قرر أن عالمه المألوف اللي ابتدى منه غير مناسب أصلاً ولازم يتغير زي ما شخصيته أتغيرت. وهنا لازم أنوه تاني أن العالم المألوف مش بالضرورة مكان مادي وإنما المقصود بيه عودة الإنسان للبيئة النفسية والعوامل اللي تسببت في حدوث التغيير في المقام الأول ومحاولة التصالح معاها. بيليروفون رفض العودة أصلاً لنقطة البداية وقرر أنه يفرض نقطة بداية\نهاية مختلفة (رغبته في الصعود لجبل الأوليمب) متلائمة أكتر مع شخصيته الجديدة غير مدرك أن عمر التغيير ده ما هيكتمل بشكل سوي دون الرجوع لأسبابه. والنتيجة هي أنه فشل في تحقيق التغيير وتقبله، وأصبح نسخة مشوهة من نفسه وبقى ماشي يتخبط مش عارف هو مين ولا رايح فين.

أعتقد علشان كده تعاطفت مع بيليروفون لأني معظم الأوقات بفكر زيه، وكل مرة بيطرأ تغيير في شخصيتي كل اللي بفكر فيه هو الهرب والبحث عن نقطة بداية\نهاية جديدة من غير ما أفكر في أسباب التغيير وأحاول أرجع إليها وأفهمها.

وممكن كمان يكون سبب تعاطفي معاه هو شعوره الدائم بعدم الرضا، ليه كل اللي بيقرأ الأسطورة شايف أن رغبة بيليروفون في الصعود لجبل الأوليمب هي انعكاس لغروره؟ ليه مايكونش السبب هو أنه مش لاقي ما يسعده على الأرض؟ الراجل حقق كل حاجة ممكن تخلي أي إنسان في الدنيا سعيد.. بس برضه فضل حاسس إنه في المكان الغلط. شعور لعين لو تعلمون.
الكاتب الإنجليزي سي. اس. لويس C. S. Lewis له جملة شهيرة بيقول فيها:

“If we find ourselves with a desire that nothing in this world can satisfy, the most probable explanation is that we were made for another world.”

Mere Christianity (1952)

قد يكون بيليروفون أدرك الحقيقة دي وأراد الذهاب بنفسه للعالم الآخر اللي هيلاقي فيه سعادته.. سواء شايفين اللي عمله بيليروفون دليل على اليأس ولا الغباء، هيفضل سقوطه من على بيجاسوس مثير للتعاطف بالنسبة لي لأنه مش بس فقد بصره وقوته، ده كمان فقد أمله في الهروب، واضطراره للعيش مع الواقع، من وجهة نظره، هو التيه والعجز الحقيقيين.

2 تعليقات على “بيليروفون: عودة أم هروب؟

  1. عاجز عن التعليق …. جميل لاقصى حد بغض النظر عن الواقع المؤلم. كتير من صفات هذا ‘البطل’ موجوده فيا وفي غيري. الجميل هو التفسير العميق لنفسية البطل وتوضيح المسير المنتظر. حاسس اني مش لوحدي وده احساس يؤدي للراحة العجيبة. شكرا للمجهود الرائع .

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s