هيكاتي والثلاثيات

النهاردة هنتكلم عن الربّة الإغريقية هيكاتي Hekate وأشياء أخرى..
هيكاتي من الآلهة اللي كانت عبادتهم منتشرة بين عموم الإغريق وده لأنها مسئولة عن حاجات كتيرة هنتكلم عليها دلوقتي وبالتالي بتلبي احتياجات مختلفة، وبسبب شموليتها الكثير من علماء الأساطير ربطوا بينها وبين آلهة من حضارات مختلفة سابقة ولاحقة.

هيكاتي كانت دايمًا بتُصور على شكل امرأة بثلاثة رؤوس أو – الشكل الأكثر شيوعًا – ثلاث نساء واقفين في ضهر بعض على شكل مثلث. هيكاتي كانت إلهة شاملة لأنها كانت مسئولة عن جوانب مختلفة ومتناقضة من الحياة زي الخصوبة والولادة والجمال والحكمة وفي نفس الوقت السحر والشعوذة والموت، وعلشان كده كانت تُسمى بإلهة مفترق الطرق لوقوفها كوسيط بين الحياة والموت والإعمار والدمار والحكمة والسحر.

طيب ليه تلاتة؟ ليه معظم الرسومات والأساطير اللي بتصور هيكاتي بتصورها على إنها ثلاث نساء في بعض؟ هل التعددية دي دليل على شموليتها وقدرتها على الـ multi-tasking ولا ده ممكن يكون له مدلول آخر؟

فيه نظرية من النظريات بتقول إن هيكاتي بتعكس الجوانب الأساسية في شخصية المرأة: الخصوبة\البراءة والحب\الشهوة والموت\الحكمة. الكاتب البريطاني روبرت جريفز Robert Graves هو أول من لفت انتباهنا إلى الثلاثية دي في كتابه الشهير The White Goddess (1948) واللي بيتناول فيه العديد من الأساطير والحكايات الشعبية الأوروبية لإثبات تشابه صورة الرّبّة في الحضارات والأديان الأوروبية وأن الصورة دي بتعكس رؤيتنا للمرأة بمراحلها الثلاثة:
1- الخصوبة (المرأة بتتولد وبتولد، كفتاة بترمز للبراءة وكأم بترمز للحماية)

2- الحب (المرأة بترتبط هنا بالتزاوج والشهوة)

3- الحكمة (المرأة بتتقدم في العمر وبتمتلك الخبرة والحكمة ولكن أيضًا بتقترب من الموت)

طبعًا مع انتشار الفكرة في الأدب والفنون أصبحت الثلاثية الشهيرة دي المسماة أحيانًا بالـ Mother-Maiden-Crone مبالغ فيها شوية فمثلاً هنلاقي مرحلة الحكمة قلبت على جو الساحرات الشريرات الشمطاوات في حين أنها أصلاً بترمز للقوة المعرفية والحكمة.

كتاب جريفز حقق شهرة واسعة ولكنه أتعرض لهجوم نقدي كبير نتيجة لترويجه أفكار مجحفة بالمرأة وتأكيده للنظرة الذكورية اللي بتصنف المرأة حسب رؤية الرجل لها، الست بالنسبة للرجل يا أم\فتاة بريئة حنونة يا امرأة لعوب تثير غرائزه يا واحدة عجوز حيزبونة. الفكرة أن الموضوع اللي عرضه جريفز في الكتاب مش جديد وهو مجرد إعادة تدوير لأفكار موجودة من قبل كده سواء اتفقنا أو اختلفنا معها.

جان توروب Jan Toorop مثلاً رسم لوحة سنة 1893 اسمها “The Three Brides” بيصور فيها المرأة بمراحلها الثلاثة السالف ذكرها: في أقصى اليسار امرأة تشبه السيدة العذراء كرمز للبراءة والخصوبة والأمومة، في المنتصف امرأة شبه عارية كرمز للرغبة الجنسية والشهوة وفي أقصى اليمين امرأة شعرها أبيض تبدو عليها القوة وحوالين رقبتها جماجم صغيرة كرمز للموت أو للسحر. النرويجي إدفارد مونك Edvard Munch برضه ليه لوحة شهيرة اسمها “The Dance of Life” (1899) بيصور فيها الثلاثية دي لكن بشكل مختلف شوية: على الشمال هنلاقي امرأة لابسة أبيض وبجانبها تنبت الأزهار، في المنتصف امرأة لابسة أحمر ناري وبترقص مع رجل، وعلى اليمين امرأة لابسة اللون الأسود. طبعًا مدلولات الألوان واضحة وضوح الشمس. اللي لفت انتباهي أكتر هو الفرق بين تصوير توروب ومونك للمرحلة الأخيرة.. الأول صورها كلها قوة وتمكن (وشر؟) والثاني صورها كشخص هزيل حزين تنظر للمراحل السابقة ويبدو عليها الهم. خلينا نسيب الفرق بين اللوحتين ده هنا وهنبقى نرجع له تاني.

The Three Brides (1893)
The Dance of Life (1899)

طبعًا نظرية ربط هيكاتي بمراحل المرأة وصورتها في الوعي الجمعي الذكوري ده جميل وكل حاجة بس في رأيي أننا ممكن نوسع رؤيتنا أكتر من كده ونشوف الموضوع من وجهة نظر تانية.

ممكن نطلع من المزنق الجندري ده ونلاحظ أن فكرة الثلاثيات مش مرتبطة بالمرأة بس.. الكائنات الحية بتعيش في واحد من ثلاثة أماكن: يا على الأرض يا في المياه يا في الهوا، الإغريق شافوا الحياة على ثلاثة مستويات: جبل الأوليمب، الأرض، عالم الموتى، المسرحيات زمان ومعظم القصص والأفلام دلوقتي بتتقسم على ثلاثة أجزاء، التصوير فيه حاجة اسمها قاعدة الثلاث، وغيرها كتير أمثلة بتقول لنا إن الإنسان من قديم الأزل وهو بيحب يقسم كل حاجة لثلاثة أجزاء أو بيشوف من كل حاجة ثلاثة جوانب، وده ينطبق عليه هو ذات نفسه كمان.

أفلاطون Plato مثلاً، يجي من 24 قرن فاتوا كده، قسم وجدان الإنسان لثلاثة أجزاء:

العقل Logistikon: وده الجزء العقلاني من الوجدان بتاعنا المسئول عن التفكير المنطقي الواقعي، والجزء المقابل له في جسمنا هو طبعًا المخ.

العاطفة Thymoeides: وده الجزء العاطفي من الوجدان والمسئول عن المشاعر، والجزء المقابل له في جسمنا هو القلب.

الغريزة Epithymetikon: وده الجزء الشهواني المسئول عن الغرائز، والجزء المقابل له في جسمنا منطقة البطن والأعضاء التناسلية.

تقسيمة أفلاطون الثلاثية للوجدان دي مابتفكركوش بحاجة؟ الحقيقة إنها شبه تقسيمة فرويد Freud الشهيرة للنفس جدًا. فرويد قسم نفس الإنسان برضه لثلاثة أجزاء: الأنا Ego والأنا العليا Super-ego والهو Id، الأنا العليا والهو في صراع دائم لأن الأولى تريد تحقيق المثالية والثانية تريد تحقيق الغرائز والأنا هي اللي بتحاول تتحقق التوازن بين الاتنين بما يخدم واقع الفرد.

العقل عند أفلاطون هو شبيه الأنا عند فرويد، والعاطفة عند أفلاطون شبيهة الأنا العليا عند فرويد (ناخد بالنا إن أفلاطون كان معتمد على فكرة “المشاعر” القوية على أنها شيء نبيل إن لم تستخدم لخدمة الغرائز طبعًا، في حين فرويد استبدلها بالمُثل العليا والأنظمة الأخلاقية)، والغريزة عند أفلاطون شبيهة الهو عند فرويد. في النهاية، نموذج أفلاطون ونموذج فرويد الهدف منهم مساعدتنا على فهم نفسنا أكتر ومحاولة السيطرة على الصراع القائم بين أجزائها.

نرجع بقى لهيكاتي ونشوف علاقتها إيه بالرغي ده كله.

هيكاتي بأوجهها الثلاثة قد تكون رمز للوجدان البشري بأقسامه اللي أشار إليهم أفلاطون ومن بعده فرويد.. نرجع تاني كده للمراحل اللي قال عليها جريفز في كتابه: مرحلة الخصوبة والبراءة والحماية والمشاعر القوية هي المعادل للعاطفة عند أفلاطون والأنا العليا عند فرويد، ده الجزء المثالي من النفس اللي بيمجد الطهر والعواطف والأخلاق النبيلة.. مرحلة الحب والشهوة هي المعادل للغريزة عند أفلاطون والهو عند فرويد، ده الجزء من النفس اللي بيجري ورا الغرائز والشهوات دون أي اعتبارات أخرى.. وأخيرًا مرحلة الخبرة والحكمة هي المعادل للعقل عن أفلاطون والأنا عند فرويد، وده الجزء من النفس اللي بيتبع التفكير العلاقني وبيوازن الأمور وبيستفيد من الخبرات السابقة.

وده معناه أن هيكاتي مش بس رمز للمرأة بمراحلها المختلفة، ولكن هي رمز لوجدان الإنسان سواء رجل أو امرأة. علشان كده هيكاتي ربة المتناقضات زي الخصوبة والحياة والحكمة والسحر والإعمار والدمار لأن النفس البشرية هي نفسها بؤرة متناقضات.

نرجع بقى للوحات توروب ومونك.. ممكن جدًا يكون قصد الفنانين هو أجزاء النفس مش مراحل المرأة زي ما قولنا في الأول: (1) المشاعر\المثل العليا و(2) الشهوة وأخيرًا (3) العقلانية\الحكمة. لاحظنا أن كان فيه فرق بين تصوير توروب ومونك لمرحلة الحكمة (الأنا\العقل).. توروب صورها كامرأة قوية شعرها أبيض فيها خبث في حين أن مونك صورها كامرأة هزيلة حزينة. الأخلاق والغرائز بتعتبر أجزاء شبه ثابتة في كل إنسان على اختلاف نوعها طبعًا، اللي بيفرق نفس عن أخرى هي قدرتها على الموازنة بين الغرائز والعواطف\الأخلاق المثلى وده الإنسان مابيعرفش يعمله إلا بعد مرور الوقت والخبرات اللي بتمكنه من اكتساب القدرة دي وتحقيقها. إهمال الغرائز والأخلاق تمامًا والاهتمام الزائد بالأنا قد يؤدي إلى حالة من الهوس بالذات وفقدان التعاطف مع الآخرين ومن هنا جائت فكرة الـ crone الشريرة (وعلشان كده برضه الشخص الأناني بيتسمى egotistical)، وعلى النقيض بقى الاستسلام التام للغرائز أو الأخلاق بيؤدي لشخصية باهتة هزيلة.

هيكاتي هي ربة مفترق الطرق لأنها بتوضح لنا أن الإنسان ذا النفس السليمة هو القادر على الوقوف بين أجزاء وجدانه الثلاثة دون الانحياز لأي منهم. فيه تماثيل كتيرة لهيكاتي كانوا بيصوروها وهي ماسكة في إيديها مصباح ومفتاح وده لاعتقاد القدماء أن عندها القدرة على إرشاد الأرواح لعالم الأحياء والعكس. قد تكون القدرة الميتافزيقية دي هي إشارة لجوانب نفسنا اللي هنفضل طول عمرنا نكتشفها ونفتح أبوابها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s