كاستور وبولوكس والثنائيات

النهاردة هنتكلم عن التوأمين الأشهر في عالم الأساطير الإغريقية كاستور وبولوكس Castor and Pollux، أو كما يُطلق عليهم أحيانًا الديوسكوري The Dioscuri…

ظروف ولادة كاستور وبولوكس غريبة شوية، ولو تفتكروا إحنا اتكلمنا عليها المرة اللي فات في قصة ليدا Leda والبجعة. اللي حصل إن زيوس كانت عينه من ليدا، الفتاة الإسبرطية الجميلة، فقرر يتنكر في هيئة بجعة وقدر يغويها وينام معاها. بعديها بكام شهر ليدا “باضت” (علشان نامت مع بجعة بقى!) بيضتين، بيضة فقست عن هيلين Helen – ايوه اللي قامت بسببها حرب طروادة – وكليتمنيسترا Clytemnestra، والبيضة التانية فقست عن كاستور وبولوكس.

وعلى الرغم من أن كاستور وبولوكس كانوا مشهورين باسم الديوسكوري أو أبناء الإله – المقصود به هنا زيوس طبعًا – إلا أن واحد فيهم بس كان ابن زيوس، والسبب في ده إن وقت ما زيوس نام مع ليدا هي كانت بالفعل متزوجة من ملك إسبرطة تينداريوس Tyndareus.. فقوم إيه بقى؟ يا سبحان الله توأم طلع ابن زيوس والتوأم التاني اللي من نفس البيضة طلع ابن تينداريوس. طيب هم عملوا تحليل DNA مثلاً ولا عرفوا المعلومة دي إزاي؟ اللي حصل إنهم اكتشفوا إن واحد فيهم بيتمتع بصفة الخلود في حين إن الآخر بشري فاني.. كاستور كان هو الفاني ابن تيندرايوس، وبولوكس هو الخالد ابن زيوس.

كاستور وبولوكس كانوا محبوبين جدًا وكانوا مشهورين بالشجاعة ومهارتهم في المصارعة والفروسية، لكن أهم حاجة بتميزهم هي إنهم كانوا مابيفترقوش عن بعض أبدًا لشدة حبهم وتعلقهم ببعض. ومن أشهر البطولات اللي اشتركوا فيها هي إنهم كانوا من مجموعة الأبطال اللي اصطحبهم جاسون Jason في رحلته الأرجونية الشهيرة The Argonauts.

وبعيدًا بقى عن البطولات والإنجازات، كاستور وبولوكس اتورطوا في خناقة تافهة كده مش هندخل في تفاصيلها مع أقرباء لهم انتهت بأن واحد من الأقرباء دول قتل كاستور على غفلة ولما بولوكس هب للانتقام زي المجنون، زيوس تدخل وضرب الشخص اللي كان بيحاول يقتل ابنه بولوكس بصاعقة. وبالتالي الموضوع انتهى بأن بولوكس قاعد يبكي بحرقة على جثة أخوه كاستور ومش عارف يعمل إيه، وهنا زيوس تدخل للمرة الثانية وخيّر ابنه بين حاجتين: يا يسيب كاستور يروح عالم الموتى ويطلع هو لجبل الأوليمب يعيش مع الآلهة في مكانه المناسب.. يا يقتسم خلوده مع كاستور بحيث إنهم يقعدوا مع بعض يوم في الأوليمب ويوم في عالم الموتى بالتبادل للأبد. بولوكس بدون تفكير اختار إنه يشارك كاستور خلوده ومش مهم يقضوا يوم في أعلى العليين ويوم في أسفل السافلين، المهم يبقوا مع بعض.

ووفقًا للأسطورة، زيوس عمل المجموعة النجمية المسماة بالجوزاء Gemini تخليدًا لذكراهم وذكرى وفائهم وحبهم لبعض. وبالاستعانة ببعض الخيال هنلاقي إن فعلاً شكل النجوم في المجموعة دي متخذة هيئة شخصين ماسكين إيد بعض.. وكأن حلمهم بالبقاء معًا للأبد اتحقق.

الكثير بيشوف العلاقة بين كاستور وبولوكس أنها رمز للعلاقة بين الجسد (كاستور) والروح (بولوكس) وده يفسر تعلقهم ببعض وليه واحد فيهم كان فاني والتاني خالد، وإزاي أن بولوكس حياته على الأرض بقت مستحيلة بعد موت كاستور، وده لأن مفيش روح تقدر تعيش على الأرض من غير الجسد اللي بيحتويها. والنظرية دي بتفسر برضه إشكالية نسبهم، وإزاي أنهم، زي الإنسان بالظبط، الجسد مولود من إنسان آخر ولكن الروح من عند الإله. والجميل في الموضوع كمان إن أكبر نجمين في المجموعة النجمية الجوزاء اسمهم كاستور وبولوكس.. وطبعًا بولوكس (الروح) هو النجم الأكبر والأكثر سطوعًا.

ما علينا، العلاقة بين كاستور وبولوكس شايفاها أعقد من مجرد العلاقة بين الجسد والروح. لو اعتبرنا أن كاستور بيمثل الفناء وبولوكس بيمثل الخلود، فده يخلينا نفكر في العلاقة بين المفهومين المتضادين دول. الطريقة اللي بنشوف بيها الفناء والخلود لا تختلف كثيرًا عن طريقة رؤيتنا للحياة والموت.. علاقة ثنائية ضرورية ولكن متتالية، يعني الاتنين بيأكدوا وجود بعض لكن لازم واحد فيهم يحصل قبل التاني: لازم الواحد يبقى عنده حياة الأول قبل ما يموت.. زي بالظبط ما الجسد لازم يفنى علشان الروح تحظى بالخلود.

الفكرة بقى أن حدوتة كاستور وبولوكس ضربت بفكرة التوالي الزمني ده عرض الحائط وبنلاقي إن الفناء والخلود أو الموت والحياة مش بس اتوجدوا في نفس اللحظة وبيعيشوا متلاصقين طول حياتهم لأ ده كمان اختاروا التقارب ده كحالة أبدية. فناء كاستور ماكنش مشروط بخلود بولوكس، ولا خلود بولوكس كان مشروط بفناء كاستور.. الاتنين حققوا حالة الفناء\الخلود مع بعض في نفس الوقت وحملوا الصفات البشرية والإلهية برضه مع بعض، وده متمثلاً في انتقالهم المستمر بين جبل الأوليمب والعالم السفلي كآلهة وبشر.

تعالوا نوضح الفكرة أكتر ونحدف شوية على نظرية فلسفية فيزيائية ظريفة اسمها الأبدية Eternalism. النظرية دي مبنية على عدة نظريات في فيزياء الكم بتقترح إن الوقت مش بيسير في خط مستقيم زي ما إحنا متخيلين وبينتج عنه الماضي والحاضر والمستقبل.. فكرة التوالي الزمني يعني. النظريات، وبالتالي الفلسفة، بتقول لنا إن الوقت هو بعد رابع وإنه موجود بالفعل زي وجود المكان كده. لو جيت دلوقتي سألتك هل بلكونة بيتكم موجودة على الرغم إنك مش شايفها دلوقتي هتقول إيه؟ أكيد هتقول آه طبعًا موجودة ومش معنى إني مش شايفها دلوقتي إنها مش موجودة! هي دي بالظبط فكرة التعامل مع الزمن كبعد رابع، مش معنى إن فيه حاجة لسه ماحصلتش إنها ماحصلتش فعلاً. الفلسفة بتفترض إن كل حاجة حصلت وبتحصل وهتحصل في العالم حصلت بالفعل ولكن علشان عقلنا محدود مش بنقدر نستوعب كل الأحداث دي إلا بشكل متتالي مقسم إلى ماضي وحاضر ومستقبل.. دي محدوديتنا الزمانية، زي برضه محدوديتنا المكانية اللي بتمنعنا نبقى في أكتر من مكان في نفس الوقت.

نرجع بقى للأسطورة وفكرة تشارك كاستور وبولوكس للحياة والموت والفناء والخلود. اللي حصل مع كاستور وبولوكس هو توضيح لفكرة الفلسفة الأبدية وإن علاقة الموت بالحياة والفناء بالخلود ليست علاقة متوالية تعمل على الاستثناء: إحنا بنموت وقت ما بنتولد، وبنحظى بالحياة وقت ما بنموت.. يعني لحظة ولادتنا هي لحظة موتنا، عقلنا المحدود بس هو اللي بيهيأ لنا إن واحد حصل قبل التاني وإن أحدهما مشروط بحدوث الآخر.

أسطورة كاستور وبولوكس هي تذكرة أن وجودنا كله قائم على الثنائيات: الموت والحياة، الجسد والروح، الخير والشر، الإلهي والبشري.. إلخ. الحاجات دي كلها وجود أحدهما لا يسبق الآخر ولا ينفيه، ولكن وجودهم مع بعض وفي نفس الوقت هو اللي بيعرّف كل شيء عن عالمنا وذواتنا. كاستور وبولوكس مش رمز للتضاد والتناقض زي ما مشهور عنهم. قد تكون محدوديتنا الزمانية دي هي السبب في ابتكارنا لفكرة الأضداد والمتناقضات متخيلين إن حالة معينة قد تنفي وجود الأخرى، في حين إن كل شيء متزامن.. متماسك.. مترابط.. زي كاستور وبولوكس اللي ماسكين إيد بعض للأبد في السماء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s