الولد ونصف العملاقة

امبارح وأنا بسمع بودكاست للكاتب مايكل مييد Michael Meade حكى فيه قصة شعبية لطيفة من التراث الأفريقي. القصة بتقول إن كان فيه ولد صغير قرر إنه يسيب بيت أهله علشان يخرج يشوف العالم برة قريته المحدودة اللي ماشفش غيرها طول حياته..

وفعلاً الولد أخد بؤجته والكلب بتاعه وفضل يمشي يمشي لحد ما وصل لمكان فسيح فيه بحيرة كبيرة. الولد شرب من البحيرة هو والكلب وطلع على شجرة وأستخبى فيها وفضل يتفرج على المكان من فوق لحد ما شاف عملاقة بتقرب من بعيد.. وأكتشف إنها نصف عملاقة، برجل واحدة وأيد واحدة وعين واحدة. نصف العملاقة وصلت لحد البحيرة وقعدت تشرب منها لحد ما جفت تمامًا.

فجأة، نصف العملاقة لما اكتشفت إن المياه اللي في البحيرة خلصت قعدت تعيط وتصوت وتقول “مين اللي شرب من المياه بتاعتي! هعيش إزاي وأنا عطشانة كده!” وفضلت نصف العملاقة تعيط وتندب حظها لحد ما هدأت وسابت البحيرة.

الولد حس بفضول شديد جدًا تجاه اللي حصل قدامه وقرر إنه يمشي ورا نصف العملاقة من غير ما تحس بيه. الولد فضل ماشي وراها لحد ما وصلت للكوخ بتاعها والولد برضه استخبى عند شجرة هو والكلب بتاعه. نصف العملاقة ابتدت تحضر الأكل بتاعها في مرجَل (القدرة الكبيرة دي) ولما المياه أوشكت على الغليان ابتدت ترمي في المرجل كل حاجة حواليها.. رز ولحم ونباتات وأي حيوان يعدي جنبها. نصف العملاقة سابت العك ده يستوي ودخلت الكوخ بتاعها، راح الولد أخد حتة لحمة وأكل هو والكلب بتاعه.

بعد شوية نصف العملاقة رجعت وقعدت تأكل اللي في المرجل بنهم شديد لحد ما شطبت عليه خالص. وفجأة بدأت في الصريخ وقعدت تقول بغضب “مين اللي سرق الأكل بتاعي! مين اللي يجرؤ يسرق مني ويسيبني أجوع من غير أكل!” وفضلت في نوبة الغضب والبكاء دي لحد ما تعبت ودخلت الكوخ بتاعها تنام.

الولد أخد الكلب بتاعه ورجع القرية جري ولما سألوه رجعت تاني ليه وشوفت إيه.. قال لهم “خلاص أنا شوفت من العالم اللي يكفيني.”

مايكل مييد بيفسر الحدوتة في إطار نفسي وبيقول إن نصف العملاقة هي رمز للنموذج الأولي للأم في النفس البشرية (استنادًا لنظرية كارل يونج عن النماذج الأولية) وإن التجربة كلها اللي مر بيها الولد هي نوع من انفصال الابن عن الأم الحقيقة ومواجهة أثر أو صورة الأم بداخله متمثلة في العالم الخارجي، ومن هنا بتبدأ الكلاكيع تظهر بقى.

طيب نحط تفسير مييد على جنب دلوقتي ونرجع للحدوتة تاني، أول ما خلصت القصة تبادر لذهني سؤال واحد: هل نصف العملاقة عارفة بالظبط مقدار المياه والأكل اللي عندها وعلشان كده لما نقصوا شوية أدركت إن فيه حد سرق منها، ولا هي مش مدركة أصلاً إنها الشخص اللي خلص المياه والأكل (يعني في حالة إنكار إنها هي اللي شربت وأكلت)؟

لو مشينا مع الاحتمال الأول إنها عرفت إن فيه حد سرق منها فهل المقدار البسيط اللي أخده الولد من الأكل والشرب يستحق نوبات الحزن والغضب الشديد اللي مرت بيها نصف العملاقة؟ أصله ماتفّش مثلاً ولا عمل بيبي في المياه.. ده يدوب أخد اللي يروي عطشه هو والكلب بتاعه، يعني يا يموت من الجوع والعطش يا يتحمل نوبات الحزن والغضب غير المبررة دي وبالتالي يشعر بالذنب إنه السبب فيها. ولو اتفقنا مع مييد في موضوع إن الولد هنا هو الإنسان في مراحل التكوين الأولى فممكن نقول إن نصف العملاقة هي الأب أو الأم أو أي شخص بيمثل صورة الراعي في حياة الطفل. وطبعًا ده مثال للعلاقة المؤذية اللي الطفل فيها بيحاول يحصل على مشاعر الحب والحنان اللي محتاجهم من الراعي لكن بيُقابل بالحزن والغضب، كأنه بيطلب شيء مش من حقه، وبالتالي بيفضل شايل جواه الخوف وعقدة الذنب طول عمره.

ومن هنا ممكن نفهم ليه الشخص الراعي ده تمثل في شكل “نصف” عملاقة لأن هو نفسه غير ناضج عاطفيًا وعدم اكتماله العاطفي ده بيدفعه لرمي المشاعر السلبية من لوم وغضب على من حوله وطبعًا الأطفال هم الأكثر عرضة لاستقبال هذه المشاعر.

حد ممكن يقول طيب الولد بعد ما شرب المياه وشاف غضب نصف العملاقة ليه قبل ما يأخد الأكل ماستأذنش منها أو حاول يواجهها؟ سؤال وجيه وأعتقد بيختلف من شخص للتاني، بس لو حطينا في الاعتبار إن بطل القصة مجرد طفل صغير خايف وجعان وعطشان فموضوع المواجهة ده – خصوصًا إن معظم نتائجه بتبقى كارثية – غير متاح.

نرجع بقى للاحتمال التاني إن نصف العملاقة بتشرب المياه وبتأكل الأكل وبعد ما بيخلصوا مابتدركش إنها هي اللي أكلت وشربت، وأعتقد إنها في الحالة دي تستحق شفقتنا. تخيل حد بيستهلك كل حاجة حواليه، ماديًا وعاطفيًا، وعلى الرغم من كده يشتكي من الحرمان والظلم.. طبيعي هنقول ده شخص مصاب بالبارانويا أو الضلالات، بس إلى حد ما برضه مثير للشفقة. أكيد فيه أشخاص في حياتنا كده، نوعية الناس اللي بتبقى مستهلكة كل اللي حواليهم عاطفيًا وبرضه حاسين بأن محدش بيحبهم ولا مهتم بيهم، كأن احتياجهم للحب والحنان ده حاجة لا يُمكن إشباعها، زي بالظبط العطش والجوع اللي بتحس بيه نصف العملاقة بعد ما بتشرب مياه البحيرة كلها وتأكل محتويات المرجل. لو الاحتمالية دي صحيحة فأعتقد ده يخلينا نفكر ألف مرة قبل ما نحط نفسنا في دور الضحية في أي موقف نمر بيه.. هل احنا فعلاً مظلومين ومحرومين ولا – زي نصف العملاقة – معميين عن واقع الأمور ومدى استهلاكنا واستغلالنا للأشياء والأشخاص اللي حوالينا؟

الحدوتة هنا كمان ممكن تبقى رمز للإنسان وفكره الاستهلاكي الذي لا يُمكن إشباعه.. بنفضل نأتي على الأخضر واليابس وفي الأخر نرجع نشتكي إن محدش أخد كفايته وإننا محتاجين لسه أكتر وأكتر.

وده يورينا إن الإنسان مهما تقدم وتعملق فرؤيته للأمور هتفضل نصف رؤية، وقُدرته على التملك والتحكم هتفضل نصف قُدرة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s