هانا آرنت وتفاهة الشر

من كام يوم كده كنت بسمع بودكاست لستيفين ويست على Philosophize This (البودكاست اللي بنصح بيه وبشدة لأي حد مهتم بالفلسفة) بيتكلم فيه عن الفيلسوفة الألمانية هانا آرنت Hannah Arendt وفلسفتها عن طبيعة العمل في المنظومة الإنسانية وتحديدًا فكرتها الفلسفية الشهيرة المسماة بضآلة – أو تفاهة – الشر Banality of Evil.

هانا آرنت بتحكي إن أثناء متابعتها لمحاكمات القادة الألمان بعد انتهاء الحرب العالمية التانية كان فيه محاكمة واحدة تحديدًا لفتت انتباهها وهي محاكمة أدولف أيخمان Adolf Eichmann. أدولف أيخمان كان من الرؤوس الكبيرة في الرايخ الألماني ومن أهم منظمي المحارق ومعسكرات الاعتقال وقت الحرب. آرنت، وغيرها كتير، توقعوا إن هيطلع عليهم محمود المليجي بقى وإن أيخمان ده هيبقى الشر متجسدًا في صور إنسان. ولما المحاكمة ابتدت آرنت بتقول إنها ذُهلت من شكل أيخمان وطباعه وردوده على الأسئلة وأسبابه لارتكاب البلاوي اللي عملها دي لأنه بدا كشخص عادي جدًا وموظف بسيط – زي المواطن الأسمر أبو بطيخة عندنا كده – كل هدفه في الحياة هو اتباع الأوامر والحفاظ على منصبه وأكل العيش وخلاص.

الموضوع ده خلى آرنت تفكر في إن مفهومنا عن طبيعة الشر وأسبابه مبالغ فيه وبنتخيل الشر والأشرار كأشياء خارجة عن الطبيعة الإنسانية عارفين تحديدًا هم بيعملوا إيه علشان يعيثوا في الأرض فسادًا ويؤذوا الخلق ويحققوا أجندتهم الشريرة. لكن اللي بيحصل في الواقع إن الشر بيُرتكب لأسباب أتفه من كده بكتير وأحيانًا مرتكبيه مش بيبقوا مدركين إنه شر أصلاً.. وده اللي آرنت أطلقت عليه the Banality of Evil.. وهو إن جذور الشر التافهة الضئيلة دي بتعني إن كلنا، مهما أدعينا الطيبة والفضيلة، قادرين على ارتكاب أفعال غاية في الشر.

طيب نيجي للسؤال المهم اللي آرنت وبعدها فلاسفة كتير طرحوه، هل ضآلة الدوافع المتسببة في الشر أو عدم إدراكنا لحجم نتائجه ينفي وجود الشر بمفهومه الجذري؟ وهل حالة عدم الإدراك دي تعفينا من مسئولية النتائج؟

كنا أتكلمنا قبل كده عن الفرق بين الأخلاق الواجبة والعواقبية وقولنا إن فيه ناس أفعالها مبنية على الأخلاق الواجبة أو الصح والغلط في المطلق دون النظر للعواقب، في حين إن فيه ناس أفعالها مبنية على العواقبية أو النظر لعواقب الفعل بغض النظر الفعل نفسه صح ولا غلط في المطلق. يعني ممكن جدًا إن أدولف أيخمان كان شايف إن اللي عمله وقت الحرب ده “أخلاقي” وكان بيروح بيته كل ليلة يأكل البليلة السخنة وينام مرتاح الضمير لأنه كان بيتبع الأوامر وده الشيء الواجب اللي المفروض كل مرؤوس يعمله بغض النظر نتائج الأوامر دي إيه.

ولو حطينا آرنت وأيخمان على جنب هنلاقي إن فيه ناس حوالينا كتير – واحنا منهم طبعًا – بتقوم بأفعال عواقبها سيئة وبالتالي تُعتبر “شريرة” وهم مش مدركين لده وبدون أدنى اعتبار لواجبات أخلاقية ولا عواقبية ولا مهلبية. هل نعتبر ده شر؟

الحقيقة بقى إن آرنت بتقول لنا آيوه، لأن حتى لو اعتبرنا إن الشر غير متأصل بطبعه أحيانًا فده لا ينفي جثامة العواقب. ممكن آه يدينا نوع من التفهم لمرتكب الأفعال الشريرة لكن ده لا يعفيه من المسئولية لأن المفروض إننا نفكر في دورنا في المجتمع وفي نتائج أفعالنا وكلامنا مهما بانت تافهة وضئيلة. طبعًا أحب أضيف على كلام آرنت إن تفكيرنا في العواقب أحيانًا بيزيد الطين بلة وبيزيد من تخبطنا الأخلاقي لأن الفعل الواحد ممكن يبقى له مليون نتيجة ما بين الخير والشر.

الفكرة بس إن لو اقتنعنا إن evil is banal فلازم برضه نفكر إن banal is evil. زي ما الشر المطلق قد تكون طبيعته تافهة وضئيلة، فالتقليل والتتفيه من حجم الأفعال هو أيضًا شر مطلق.

دمتم متفكرين في منظومتكم الأخلاقية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s