أخيل والتطرف

النهاردة هنتكلم عن البطل الإغريقي أخيل Achilles (ايوه براد بيت في فيلم Troy) وهل هو يستحق لقب بطل فعلاً ولا لأ.

أخيل هو ابن الملك بيليوس Peleus وحورية البحر ثيتيس Thetis اللي كانت بتحب ابنها حب جنوني. أخيل أتولد كطفل بشري عادي جدًا بس يُقال إن من كتر خوف ثيتيس عليه ورغبتها في حمايته أخدته وهو لسه طفل رضيع وغطسته في النهر المقدس ستيكس Styx اللي بيفصل بين عالم الأحياء وعالم الموتى علشان تمنحه مناعة إلهية – وده يفكرنا شوية بطقس تعميد الأطفال في المسيحية Baptism – بس بما إن ثيتيس كانت غشيمة شويتين، مسكت أخيل من كعبه وغطست جسمه كله ما عدا الكعب اللي هي ماسكاه منه زي ما بنسأسأ البقسمطاية في الشاي بلبن كده، ويُقال إنها كانت هتغطس الجسم كله لكن بيليوس شافها وأخد الولد منها. فيه روايات تانية بتقول إنها عملت نفس الحركة بس بدل ما تغطسه في مياه نهر ستيكس نزلته في نار مقدسة بس برضه كانت مشعلقاه من كعب رجله. النتيجة في النهاية يعني إن أخيل بقى فعلاً قوي ولا يُقهر بس نقطة ضعفه الوحيدة هي كعبه.

نجري بالأحداث شوية.. أخيل بقى بطل مغوار وسيرته جايبة الدنيا كلها لدرجة إن لما الملك الإغريقي أجاممنون Agamemnon قرر يحارب طروادة Troy لاسترجاع هيلين Helen مرات أخوه (هنبقى نحكي أسباب الحرب بالتفصيل مرة تانية) طلب أن أخيل يكون معاه. بعد مفاوضات مطولة، أخيل وافق وأخد جنوده واشترك في حرب طروادة الشهيرة اللي استمرت عشر سنين. طبعًا أخيل كان سلاح أجاممنون الأقوى وكان دخوله أي معركة بيضمن فوز الإغريق باكتساح. وفي واحدة من المعارك دي أخيل أسر أميرة اسمها بريسيس Briseis بعد ما قتل عيلتها كلها وأخدها كواحدة من السبايا بتوعه. المشكلة بقى إن أخيل حب بريسيس وأتعلق بيها جدًا لدرجة إن لما أجاممنون طلب ياخدها منه علشان يرجعها للطرواديين بسبب هدنة عقدها معاهم أخيل رفض وقال لأجاممنون إنه لو أخدها منه مش هيحارب في صفوفه تاني وأبقى شوف مين هيفوزك الحرب بقى يا عينيا. عِند بعِند، أجاممنون أخدها وأخيل فعلاً اتقمص وبطّل يخوض معارك وجيش أجاممنون أبتدى يخسر.

مين بقى اللي كان بيتفرج على اللي بيحصل ومش عاجبه الوضع؟ باتروكلس Patroclus ابن عم أخيل وصديقه المقرب، واللي برضه كان مشترك معاه في الحرب. باتروكلس حاول يقنع أخيل يرجع الحرب تاني ويلحق الدنيا اللي بتبوظ دي والتاني رأسه وألف سيف مايرجعش انتقامًا من أجاممنون. ففي يوم من الأيام باتروكلس أخد درع أخيل الشهير ولبسه وراح المعركة على إنه هو علشان يشجع الجنود الإغريق ويحسس الطرواديين بالرعب. طبعًا هي كلها كام ساعة وباتروكلس اتقتل زي البلاص على أيد هيكتور Hector ابن ملك طروادة.

أخيل أول ما عرف بموت باتروكلس هاج وماج وراح موتله المئات من الطرواديين وراح عند أسوار طروادة وطلب يقاتل هكتور في عركة راجل لراجل كده. طبعًا مش محتاجين نقول إن هكتور اتمرمط واتقتل وأخيل أخد جثته علشان يأكلها لكلابه، وده كان شيء مهين جدًا وقتها إنه مايرجّعش جثة الأمير لأهله علشان يودعوه. ملك طروادة بقى راح بنفسه لأخيل وقعد يترجاه يرجع له جثة ابنه ومايمثلش بيها لحد ما أخيل قلبه لان وساب له جثة هيكتور فعلاً.

أخيل فضل طايح في الطرواديين برضه وفي معركة من المعارك باريس Paris، الابن التاني لملك طروادة، رمى أخيل بسهم والسهم جيه في نقطة ضعفه الوحيدة، كعب رجله، ومات.

الأحداث دي كلنا عارفينها خصوصًا اللي شاف الفيلم. نيجي للمهم بقى واللي ممكن نطلع بيه من الأسطورة دي..

الأحداث دي معظمها جيه في ملحمة هوميروس الشهيرة الإلياذة The Iliad اللي سطورها الأولى بتقول:

“Rage—Goddess, sing the rage of Peleus’ son Achilles,
murderous, doomed, that cost the Achaeans countless losses.”

“الغضب” هي أول كلمة بتقابلنا في الملحمة لما هوميروس بيطلب من ربة الشعر إنها تتغنى بغضب أخيل ابن بيليوس وتحكي قصته وإزاي إن الغضب ده أدى لآلام وخسائر لا تُحصى. وده يخلينا نتساءل هل الغضب في أسطورة أخيل هو السبب في سقوطه؟ هل هو الخلل في شخصيته كبطل تراجيدي أو ما يُسمى بال tragic flaw؟ لكن السؤال اللي الحقيقي اللي المفروض نطرحه هو: هل أخيل بطل أصلاً؟

تعالوا نشوف الأحداث بمنظور حيادي كده، أخيل ده واحد الآلهة مدياله شوية عافية مابيستخدمهاش غير في القتل والدمار. في الحرب أزهق أرواح ألوف ودمر مدن واغتصب الكثير من النساء وأخدهم كسبايا وحتى الست اللي حبها قتل عيلتها كلها وكانت سجينته ورفض إنه يديها حريتها. ولما ابن عمه اتقتل – بسببه! – الانتقام أتمكن منه وقعد يقتل ويدمر زي التور الهايج لحد ما مات. بطل إيه ده بقى إن شاء الله؟!

وده خلاني أفكر إيه معايير البطولة؟ إيه اللي بيخلينا نطلق على شخصية بعينها في الأساطير أو في الروايات والأفلام صفة “بطل” وشخصية تانية صفة “شرير”؟ ومن خلال الأسئلة دي ممكن نستنتج إن معايير البطولة مش مستقلة بذاتها وإنها مرتبطة ارتباط وثيق بالمجتمع أو الثقافة أو الوقت التي اتوجدت فيه.

الأستاذ الفاضل كارل يونج Carl Jung بيقول لنا إن نموذج البطل Hero Archetype في الوعي الإنساني الجمعي عبارة عن شخص بيواجه مصاعب عديدة وبيتغلب عليها وفي الأخر بيكتشف حقيقة ما عن نفسه. طبعًا المصاعب العديدة دي بترمز لتغلبه على الشر اللي جواه هو حتى لو الشر ده أتصور بشكل رمزي كوحوش أو كوارث طبيعية أو آلهة مجنونة. ولو تفتكروا لما اتكلمنا عن أوديسيوس Odysseus كمثال لـ“رحلة البطل” وإن رحلة عودته من حرب طروادة الشهيرة وكل ما فيها من صعاب بتمثل ثورته على نفسه ومعرفته لحقيقتها. طيب هل ممكن نطبق الكلام ده على أخيل؟

أخيل رحلته ملهاش نقطة بداية ونهاية واضحة زي أبطال تانيين زي أوديسيوس وهرقل.. أخيل عامل زي البندول بيتمرجح بشكل مستمر ومتطرف بين ما يمكن أن نطلق عليه قيم الخير وقيم الشر. في لحظة بيبقى محارب شجاع ولحظة تانية قتال قتلة مش شايف قدامه.. لحظة الحب يملأ الحب قلبه ولحظة الغيرة والرغبة في التملك يعموه.. لحظة بيقدّر الصداقة والوفاء ولحظة تانية الانتقام بيخليه تور هايج.. لحظة بيمثل بجثث أعدائه ولحظة تانية اللين بيتمكن منه وبيرجع عن قراراته.. حتى التناقض ده متمثل في جسمه اللي كله قوي وخارق في مقابل كعب رجله اللي أضعف من ورك فرخة. شخصية متطرفة جدًا وبتضرب بعرض الحائط كل القيم اللي المفروض البطل يمتلكها.. بندول بيتحرك بشكل متطرف وسرعة كبيرة جدًا بين الخير والشر. وده اللي أنا شايفاه ال tragic flaw بتاعته، مش الغضب زي ما هوميروس قال، إنما التطرف.. التطرف في المشاعر.

والتطرف في المشاعر ده كان من صفات الآلهة في الأساطير الإغريقية، أرجعوا كده لأي أسطورة حكيناها قبل كده هنلاقي إن الآلهة بتغير وتنتقم وتدمر وفي ثانية تسامح وتحب، ده غير إن مفهوم الخير والشر عندهم متداخل فطبيعي إننا نلاقي إن صورة البطل، اللي هي الانعكاس البشري لصورة الإله، فيها نفس الصفات. فلو مجتمع مثلاً شايف إن الإله يمتلك صفات الخير والكرم والتسامح المطلق هنلاقي إن الأبطال في المجتمع ده صفاتهم قريبة من الصفات دي. والموضوع يتشاف كمان بشكل دائري حلزوني لطيف بإن فكرتنا عن الإله ما هو إلا انعكاس لفكرتنا عن نفسنا أو ما نصبوا إليه وبالتالي بنخلق صورة البطل كوسيط بين الفكرة والحقيقة. فكروا كده إزاي رؤيتنا لنفسنا اتغيرت في العصر الحديث وبالتالي فكرتنا عن الدين والإله وإزاي ده أثر على صورة البطل في الأعمال الفنية والأدبية وبالتالي أثر على رؤيتنا لنفسنا… وهكذا!

ومن هنا ممكن نرجع تاني لفكرة “رحلة البطل” وإنها مش بس بتمثل تغلب الإنسان على نفسه ومحاولة فهمها وإنما، بمعنى أكثر شمولية، بتمثل رحلة الإنسان على مر العصور في مطاردة حقيقة إنسانيته.

أخيل بطل لأنه في حياة قصيرة واحدة قدر يختبر الحب والكره بكل ما في المشاعر دي من معاني.. قدر يمارس التسامح والانتقام.. اللين والغضب.. القوة والضعف. كتلة متحركة من المشاعر بدون أي ضوابط منطقية.

أخيل بطل لأنه بيعكس قدرة الإنسان على احتواء هذا الكم الهائل المتناقض من المشاعر الخام المتطرفة في قلبه – نقطة ضعفه – اللي لو كشف عنه وأطلق له العنان هيكون السبب في هلاكه زي ما كان كعب أخيل هو السبب في هلاكه.

2 تعليقات على “أخيل والتطرف

  1. انا مش عارف ابعتلط التوتية يا أستاذة بهنسي فقلت اسبها هنا كتعليق بس اول ما قريتها افتكرت سيادتك يا بهنسي بيه و ما تجودين به علينا من علم في الأدب و الفن و لوحات النهضة و موسيقاها

    مقطوعة موسيقى من لوحة الأرواح المعذبة كانت مكتوبة علي… 😁 Just check the tweet and listen to the music.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s