عبد الله البري وعبد الله البحري

على سبيل التغيير والتطوير والتنوير قصة النهاردة من “ألف ليلة وليلة” واسمها “عبد الله البري وعبد الله البحري”..

معظمنا عارف إن “ألف ليلة وليلة” متأثرة بشكل كبير بالأساطير اليونانية والمصرية والفارسية والهندية والحواديت الشعبية بتاعت الحضارات دي مع إضافة نكهة عربية إسلامية، وده يورينا قد إيه الدنيا منفدة على بعضها وإن الأدب، خصوصًا الأسطورة، أهم مخزن للتراث والوعي الإنساني.

ما علينا..

القصة بتبدأ بصياد غلبان في حاله اسمه عبد الله شايل طاجن سته علشان بقاله كام يوم بيروح البحر ومابيصطادش ولا سمكة وبالتالي مش عارف يسترزق ويجيب لمراته وأولاده العشرة أكل. كل يوم يروّح البيت لمراته مهموم ويسألها هو ربنا سايبنا إزاي كده؟ هو مش حاسس بينا وبالولاد الصغيرين؟ ومراته تقوله أصبر بس، أكيد ربنا هيفرجها علينا.

المهم في يوم وهو مروح ومعدي جنب دكان الخباز، صاحب الدكان نده عليه وأداله عيش يكفيه هو وعيلته. عبد الله الصياد استغرب ورفض العيش وقاله بس أنا معيش فلوس أدفعلك والشبكة بتاعتي زي ما أنت شايف فاضية، لكن الخباز صمم وقاله خد العيش بس دلوقتي وأبقى أدفع لي بعدين لما ربنا يرزقك. فضل الحال كده لمدة أربعين يوم، الخباز يدي لعبد الله الصياد عيش ببلاش ويقول له أدفع بعدين..

وفي اليوم الواحد وأربعين عبد الله الصياد أخد شبكته وراح البحر كالعادة على أمل إنه يصطاد أي حاجة يسد بيها دينه للخباز ويشتري بيها أكل لمراته وأولاده. وهو قاعد مستني حس إن الشبكة مسك فيها سمكة ضخمة، فانشكح جدًا وأقعد يشد فيها لحد ما شاف إن اللي في الشبكة ده راجل نصه إنسان ونصه سمكة. طبعًا عبد الله الصياد افتكره عفريت وقعد يقرأ قرآن، فالكائن البحري ده سمعه وقال له “ماتخافش أنا عبد من عباد ربنا زيك واسمي عبد الله”.. المهم بعد الاستفسرات والازبهلالات، عبد الله البحري أتفق مع قرينه البري إنه يفك أسره وفي المقابل هيبقوا أصدقاء وده هيجيب له من أحجار البحر الكريمة والتاني هيجيب له من فواكه الأرض اللذيذة.

وبعد كام يوم عبد الله الصياد بقى عنده من الجواهر اللي تكفي يسدد بيها دينه للخباز ويجيب لمراته وأولاده كل اللي عايزينه. المهم الناس ابتدت تتكلم عن عبد الله الصياد اللي اغتنى فجأة ده لحد ما الموضوع وصل للملك وأمر بإحضار الصياد لحد عنده. الملك أول ما شاف عبد الله الصياد اتهمه بإن هو سارق مجهورات الملكة اللي اختفت من القصر مؤخرًا وفعلاً الملكة طلبت تشوف الأحجار الكريمة اللي مع عبد الله الصياد علشان تتأكد إنها بتاعتها.. طبعًا اكتشفت إن المجوهرات دي مش بتاعتها وإنها أحسن وأندر منها بكتير. المهم الملك والملكة أتأسفوا للصياد وهو كمان حكى لهم سبب غناه المفاجئ وقصته مع عبد الله البحري لدرجة إن الملك انبهر بيه جدًا وقرر يعينه وزير ويجوزه بنته (والعرّة وافق يتجوز على الست الغلبانة الطيبة اللي في البيت).

المهم يعني فضل الوضع كده شوية لحد ما في يوم عبد الله البحري عرض على عبد الله الصياد ينزل معاه المياه ويفرجه على الحياة تحت، الصياد وافق بعد ما عبد الله البحري أداله دهان يحطه على جسمه هيسمح له يتنفس تحت المياه (محدش يسألني إزاي)، ونزل فعلاً معاه إلى أعماق البحار وشاف مخلوقات وأسماك شكلها غريب جدًا وشاف مدن وناس عايشين فيها شكلهم زي بني آدم بس أعرافهم وتقاليدهم مختلفة خالص. يعني مثلاً الصياد اتخض جدًا لما شاف إن معظم المدن أهلها عرايا وعبد الله البحري فهمه إنهم بيتعاملوا مع الجسم والعورة بشكل مختلف وقعد يشرح له في قوانينهم وعادتهم وعبد الله الصياد كان مستغرب جدًا ولما يحكي للبحري قد إيه الموضوع مختلف على الأرض التاني يستغرب برضه.

هنتوقف هنا شوية ونحاول نفهم إيه الهبل اللي بيحصل ده.

كتير من الباحثين اللي درسوا “ألف ليلة وليلة” شايفين إن القصة دينية في المقام الأول وإنها استعارة عن الفرق بين الإسلام الشائع – أو أي دين بصورته الشائعة – والإسلام المتصوف – أو برضه التصوف بالمعنى الواسع religious mysticism – والاتنين طبعًا متمثلين في عبد الله البري وعبد الله البحري. عبد الله البري بيمثل الدين بصورته الشائعة التقليدية في حين إن عبد الله البحري بيمثل الدين بصورته الغامضة ذات القوانين المختلفة والغريبة، يعني مثلاً الاتنين وهما تحت المياه عدوا على ناس قاعدة تغني وترقص فلما الصياد سأل عبد الله البحري قال له ده عندهم ميت، التاني استغرب جدًا وقال له إزاي يا جدع! ده إحنا عندنا بنعمل عزا وبنحزن ونعيط، فالبحري رد عليه بإن إزاي تحزنوا على أمانة اتردت لربنا أنتم جاحدين؟ المفروض ترقصوا وتفرحوا زينا.. أهو الاحتفاء بالعلاقة الروحانية وتفضيلها على أي شيء تاني هو اللي خلى الباحثين يرجحوا إن عبد الله البحري بيمثل التصوف. كمان بيقولوا إن القصة بتصور الدين بالمنظور الكلي holistic وإزاي إن مع الاختلافات دي كلها العلاقة بين العبد وربه هتفضل موصولة أي كانت شكلها وطريقة التعبير عنها وبيستدلوا بكده بإن الاتنين اسمهم عبد الله، ده غير إن كمان الملك اسمه عبد الله والخباز – جيس وات؟ – اسمه برضه عبد الله وكأنها صور مختلفة لنفس العلاقة الروحانية.

بعيدًا عن التفسير الديني القصة قد تحمل إحالات نفسية. واضح من أول العنوان إن الحدوتة بتتكلم عن شخصين بيحملوا نفس الاسم ولكن عايشين في مكانين متقابلين: واحد فوق الأرض في النور والتاني تحت المياه في الخفاء. الموضوع مش محتاج أينشتاين علشان نخمن إن الاتنين ممكن يكونوا رمز للوعي واللاوعي لنفس الإنسان. بدون الدخول في تفاصيل التفسير النفسي، عايزة أربط الحتة دي بمقال كنت قرأته من كام يوم (رابط المقال). المقال بيتكلم عن أهمية الأحلام، بصفتها طريقة تعبير العقل الباطن عن نفسه، في العملية الإبداعية وإزاي إن الفنان أو حتى أي إنسان عادي ممكن يستخدم الموضوع ده لصالحه لإثارة الخيال.

المقال بيقول لنا إن الأحلام، وحشة أو حلوة، بتورينا جانب من نفسنا بيبقى غايب عننا في حياتنا الواعية وإن التواصل مع الجانب ده على الرغم من كونه صادم أحيانًا لأننا ممكن نلاقي فيه صورة متناقضة مع الصورة اللي احنا راسمينها لنفسنا إلا إنه بيساعد على تنشيط خيالنا مش بس علشان نتنج فن ولكن بينشط الجانب الإبداعي فينا وبيخلينا نشوف الأمور بشكل مختلف ونلاقي حلول جديدة لمشاكلنا.

نرجع للحدوتة ونشوف إزاي إنها ابتدت بأزمة إيمان اللي كانت متمثلة في شك الصياد في قدرة الإله ويأسه منها بسبب الضائقة المالية اللي كان بيمر بيها. وبعيدًا عن الدين تحديدًا، الإيمان بأي شيء بيحتاج إلى قدر من الخيال لأنك بتحط ثقتك ومجهودك في حاجة يعجز المنطق عن تبرير وجودها وبتحاول تربط خيوطها بالواقع بشكل محكم. فممكن نشوف إن أزمة الصياد دي على إنها أزمة إبداعية ماتحلتش إلا بتواصل الصياد مع جانبه اللاواعي، اللي هو النقيض منه تمامًا، ومحاولة فهمه.

بس هل فعلاً الصياد قدر يفهم نقيضه البحري وعاشوا في تناغم للأبد؟

للأسف لأ. القصة بتخلص على إن الاتنين بيدركوا كمية الاختلافات اللي بينهم وعبد الله البحري بيرجّع عبد الله الصياد للبر وبيقوله ماينفعش نتقابل تاني، وعلى الرغم من محاولات الصياد إنه ينده عليه كل يوم لكنه بيختفي للأبد.

من الناحية الدينية النهاية الحزينة دي بتشير إن على الرغم من إدراك الناس إنهم بيعبدوا إله واحد كل على طريقته إلا إن عمر ما هيحصل توافق بينهم، ومن الناحية النفسية\الإبداعية بتورينا إن التواصل مع اللاوعي ومحاولة فهمه – سواء لأغراض إبداعية أو لأ – محتاج قدر كبير من الخيال ورؤية الذات بكل تناقضاتها ومفاجأتها ودي للأسف حاجة مش كل الناس بتعرف تتقبلها.

الفكرة إننا مش لازم نفضل غطسانين مع قريننا البحري تحت المياه طول الوقت وإلا هنتجنن بس لازم نحافظ على العلاقة معاه ومفيش مانع لو أخدنا غطس من وقت للتاني حتى لو ده معناه إننا هنشوف جانب من نفسنا مش حابين نشوفه أو إننا ندهن جسمنا بمرهم معفن ممكن يجيب تسلخات.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s