ميداس وطبيعة الرغبة البشرية

النهاردة هنتكلم عن أسطورة شهيرة جدًا وهي أسطورة الملك ميداس.

في يوم من الأيام دايونيسوس Dionysus إله الخمر والسكر والعربدة (والمعروف أيضًا باسم باخوس Bacchus) كان عامل قعدة أنس مع أصحابه وأتباعه بيسكروا ويعربدوا فيها براحتهم لدرجة إن واحد من أتباعه اسمه سيلينوس Silenus تقل في الشرب حبتين وفضل هايم على وجهه كده لحد ما أنتهى بيه الحال في حديقة واسعة وأتقلب ونام. المهم الحديقة دي طلعت حديقة الملك ميداس Midas ملك فيرجيا اللي لما عرف بوجود تابع من أتباع دايونيسوس في القصر طلب من الخدم يوفروله مكان ينام فيه ويأكلوه ويشربوه على الرغم من إنهم مكانوش طايقينه وعايزين يطردوه.

دايونيسوس لما عرف إن ميداس استضاف سيلينوس وعامله كويس راحله بنفسه يشكره وقاله أطلب مني أي حاجة هحققهالك. ميداس، اللي كان معروف عنه حبه الشديد للدهب، طلب أول أمنية جات في باله وهي إنه يحول أي حاجة يلمسها لدهب. دايونيسوس استغرب جدًا من الطلب وسأله أنت متأكد ده اللي أنت عايزه؟.. ميداس رد بكل حماس وقال أيوه.

وفعلاً وهب دايونيسوس لميداس القدرة على تحويل أي حاجة يلمسها لدهب. ميداس حب يجرب موهبته الجديدة فلمس وردة اتحولت لدهب، مسك طوبة في الأرض اتحولت لدهب. ميداس مبقاش مصدق نفسه من الفرحة وقعد يحول كل حاجة حواليه لدهب لحد ما جاع وطلب من الخدم يحضروله الأكل. ميداس زي العبيط مسك ثمرة فاكهة اتحولت في إيده لدهب وماعرفش يأكلها.. حب يشرب شوية مياه راحت الكوباية باللي فيها اتحولوا لدهب.

ميداس أخيرًا استوعب المصيبة اللي حط نفسه فيها وإن الحاجة اللي اتمناها هي لعنة ومابقاش عارف يعمل إيه. في الروايات الأحدث للأسطورة يُقال إن بنته الصغيرة دخلت عليه وشافته قاعد حزين ومهموم فحاولت تخفف عنه، ميداس سعد بوجودها جدًا ومن غير مايفكر وبكل عفوية حضنها وغصب عنه لقى بنته بتتحول لتمثال من الدهب بين إيديه. ميداس طبعًا أتجنن وراح لدايونيسوس يترجاه ياخد منه الهبة المهببة اللي أدهاله، دايونيسوس الأول ماوافقش بس إصرار ميداس خلاه يلين وقاله يروح لنهر باكتولس Pactolus يستحمى فيه وهو هيفقد لمسته الذهبية، وكمان قاله يغطس فيه أي حاجة اتحولت لدهب هترجع لأصلها تاني. ويُقال إن علشان كده نهر باكتولس (معروف حاليًا بـ Sart Çayı وموجود على سواحل تركيا) كان مشهور برماله الذهبية وبغناه بالإلكتروم.

أسطورة ميداس لما بتتحكي دايمًا بترتبط بالجشع وإزاي إن جشع ميداس عماه عن فهم طبيعة أمنيته من الأول وبالتالي عقابه كان مبرر ومستحق. اللي مخلي حدوتة ميداس تظهر بالشكل ده هو إن الحاجة اللي بيحبها ميداس – الدهب – مرتبطة بشكل كبير في أذهاننا بالمادة وبالتالي بنربط بين ميداس وبين حب المادة. الفكرة بقى إننا لو طبقنا حب ميداس للدهب وأمنيته “العبيطة” إن أي شيء يلمسه يتحول لدهب على أي حاجة تانية هنلاقي إن دي رغبة طفولية مترسخة جوانا. يعني الأطفال لما بيحبوا حاجة ويقولوا “أنا عايز الدنيا كلها تتحول لغزل بنات” ولا “أنا عايز الناس كلها تبقى ماما” هل ساعتها ممكن نوصفهم بالجشع؟ ولا دي غريزة فينا إننا نشعر بالرغبة العارمة للحاجة اللي بنحبها؟ طيب الراجل اللي بيحب الستات الحلوة ونفسه العالم كله يتحول لستات حلوة أو الشخص اللي بيحب أم علي بالمكسرات فنفسه كل المطاعم تقدم أحلى أم علي بالمكسرات.. هل دول كمان ينفع نتهمهم بالجشع؟

أنا شايفة إن الأسطورة فلسفية في المقام الأول مش أخلاقية خالص وبتلخص طبيعة الرغبة الإنسانية وإزاي إنها بتخلق جوانا صورة مُلحة غير واقعية – ونحط مليون خط تحت غير واقعية دي – للتأكد من استمرار الإنسان في اشتهاء الشيء وبالتالي بتضمن الرغبة استمراريتها في النفس البشرية.. حاجة كده زي الحصان اللي بيربطوله جزرة قدام وشه ويفضل يجري علشان يمسك الجزرة ويأكلها. طول ما هو مش عارف يوصلها الحصان متخيل إن الجزرة هي محور حياته وغالبًا ألذ حاجة ممكن يأكلها ومخه بيفضل يعظمله في الصورة دي (علشان الناس اللي بتتفزلك طبعًا إحنا مش عارفين إيه اللي بيحصل جوا دماغ الحصان بس ده مثال عادي والله) في حين إننا لو فكينا الجزرة وأدينهاله هيأكلها ويفرح وكلها كام ساعة ويُحبط ويجوع تاني وممكن أصلاً يشتهي حاجة غير الجزر.

الراجل اللي بيحب الستات الحلوة ده تخيلوا كده لو قدر يحول كل الستات في الدنيا لستات حلوة – وفقًا لذوقه يعني – طيب ما هو هيجي عليه وقت هيفقد التمييز بين إيه الحلو وإيه اللي مش حلو والكل عنده هيبقى قيمته واحدة من الجمال وفي الأخر مش هيحس بأي تميز أو سعادة. زيه زي الراجل اللي نفسه كل الأكل يتحول لأم علي بالمكسرات، لو مماتش بالسكر يبقى هيموت من الزهق وهيلاقي نفسه بياكل خشاش الأرض.

وليه رابطين الرغبة بالحاجات المادية بس؟ ما هو فيه من الناس رغبتهم النجاح وعايزين حياتهم كلها تبقى نجاح في نجاح، فيه منّا رغبتهم الحب وعايزين حياتهم كلها تبقى حب في حب. دول يختلفوا في إيه عن ميداس اللي كان عايز كل حاجة حواليه دهب في دهب؟ برضه عقلهم بيرسملهم صورة غير واقعية مُلحة عن شكل تحقق الرغبة دي علشان يضمن استمراريتها جواهم، فبيتخيلوا إن الحياة اللي كلها نجاح في نجاح أو حب في حب أو دهب في دهب دي ممكنة فعلاً ولو اتحققت هتتسبب في سعادة غامرة وراحة بال.

وأنا صغيرة كان عندي رغبة متخلفة زيي إني أحوّل أي شخص أكلمه أو أتعامل معاه لإنسان كويس ومبسوط مهما كان وحش أو شرير أو تعيس. طبعًا غير إن الرغبة دي كانت مخلياني حاطة نفسي في منزلة أخلاقية أعلى من غيري فهي كانت رسمالي صورة غير واقعية عن طبيعة اللي أنا عايزاه، وكنت في دماغي متخيلة كل الناس اللي حواليا طيبين وعايشين في سعادة والفراشات حوالينا والهبل ده وكنت بأصيب بالاحباط جدًا لما بفشل في إسعاد حد أو إني أقنع حد يبقى كويس. لما كبرت وقرأت أسطورة ميداس أول حاجة جات في بالي الرغبة الطفولية اللي كانت عندي دي وقد إيه إنها كانت عمياني عن طبيعة الحياة والموجودات ومفهوم السعادة. ساعتها لو كان عندي قدرة ميداس وقدرت فعلاً أحول كل اللي حواليا لناس كويسة ومبسوطة الحياة كانت هتبقى مملة جدًا وهفقد إحساسي بالصح والغلط والسعادة والحزن.. إلخ.

المضحك في الموضوع بقى إن “لمسة ميداس” Midas touch في مجالات الأعمال والتسويق والتنمية البشرية ليها معنى إيجابي وبتطلق على أي شخص عنده القدرة إنه يحول كل مشروع أو علاقة يدخلها لحاجة ناجحة. ومش عارفة والله مين اللي ساعد على انتشار المفهوم البائس ده بس كان محتاج يقرأ الأسطورة لأخرها ويعرف إنها لعنة مش هبة.

ميداس أدرك الطبيعة الخادعة لرغبته لما أكتشف إن مش شطارة إنه يخلي كل اللي حواليه بيبرق وإن مش لازم كل حاجة حواليه تبقى دهب علشان يتبسط وإن الدهب بيستمد قيمته من ندرته، وإن فيه حاجات مش دهب بس أقيم مليون مرة منه. والراجل اللي بيحب الستات الحلوة لازم يدرك إن اختلاف درجات الجمال هو اللي بيدي لما يرغبه من جمال معنى، وإن الجمال قيمته قد لا تتعلق بالشكل أصلاً. والشخص اللي بيحب أم علي بالمكسرات لازم يدرك إنه بيحبها علشان مابيأكلهاش كتير ويمكن الامتناع ده يدفعه لتذوق واكتشاف أطباق أحلى وأطعم.

تعليق سعادتنا على حاجات\فرص\أشخاص معينة والاعتقاد بإن وجودهم الدائم والغامر في حياتنا هيسببلنا السعادة هو وصفة مضمونة لخيبة الأمل وكسرة القلب سواء الرغبة دي اتحققت أو ماتحققتش. الاستسلام للرغبة بيعمينا عن إمكانياتنا وقدراتنا وعن اكتشاف عدد لا متناهي من الاحتمالات وفرص السعادة.

أنا مابقولش إننا نقتل كل الرغبات اللي جوانا، بالعكس! الرغبة من المشاعر الرائعة والمطلوبة كمان لضمان استمراريتنا كجنس بشري.. الفكرة إننا نفهم طبيعتها غير الواقعية ومانخليهاش تسيطر علينا وتتحكم فينا وتحد من العالم جوانا والدنيا حوالينا.

1 تعليق على “ميداس وطبيعة الرغبة البشرية

  1. تعقيب: الملك ميداس وأذنا الحمار: لوحة – هكذا تكلم بهنسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s