بيرسيفون وهاديس ورحلة النضج

النهاردة هنتكلم عن بيرسيفون وهاديس، وقصة الاختطاف/الاغتصاب الشهيرة.

نبدأ من الأول.. زيوس Zeus كان مخلف من أخته ديميتر Demeter إلهة الزراعة والخصوبة بنت اسمها بيرسيفون  Persephone. بيرسيفون – كالعادة – كانت جميلة جدًا لدرجة إنها كانت بتخطف قلب أي حد يشوفها بجمالها وبراءتها. مين بقى اللى شافها واتهبل عليها؟ بالظبط.. هباب البرك هاديس Hades إله الموتى والعالم السفلي واللي كان برضه عمها وخالها في نفس ذات الوقت لإنه أخو زيوس وديميتر. هاديس راح لزيوس قاله أنا عيني من بيرسيفون وعايزها. زيوس مكانش ممانع بس مشكلته كانت مع ديميتر لإنه عارف إنها متعلقة جدًا ببنتها واستحالة تسمح لهاديس إنه يأخدها معاه العالم السفلي.

في يوم من الأيام وبيرسيفون بتلعب مع الحوريات في الحقول، شافت وردة بديعة ملفتة للنظر جدًا وجريت علشان تقطفها. أول ما بيرسيفون قطفت الوردة الأرض اتشقت وطلع هايدس من باطن الأرض بكامل هيبته وجبروته وأخد بيرسيفون معاه ونزل تاني. طبعًا هايدس أغتصب بيرسيفون وقرر إنها تفضل معاه كزوجة في العالم السفلي.

ديميتر بقى لما سمعت صرخة بنتها جالها هلع وجريت تدور عليها زي المجنونة بس لا حس ولا خبر ولا حد عايز يقولها بنتها راحت فين. فراحت لزيوس وقعدت تشرشحله والتاني عمل نفسه عبيط. الفكرة إن زيوس كان عارف تفاصيل الاختطاف إن مكانش هو اللي مخططه بنفسه مع هاديس. يُقال إن زيوس اتفق مع جدته جايا Gaia – اللي هي الأرض – علشان تنبت الوردة اللي أغرت بيرسيفون وسمحت لهاديس بالخروج واختطافها (عيلة زبالة قولنا).

المهم ديميتر فضلت دايخة على بنتها وتسأل هنا وهناك لحد ما صعبت على هيليوس Helios إله الشمس وحكى لها اللي حصل بالتفصيل. ديميتر شاطت وقالت لزيوس عليا وعلى أعدائي! فسابت جبل الأوليمب ونزلت الأرض ومنعت المحاصيل والمزروعات إنها تطلع وخلتها دندرة على دماغ البشر لمدة سنة. سنة بحالها الأرض بور والبشر مش لاقيين يأكلوا وعايشين في مجاعة، فزيوس قلق طبعًا وكلم هاديس قاله رجع البنت بقى يا زفت البشر هيروحوا مننا ومش هنلاقي حد نحكمه. في الأول هاديس فضل راكب دماغه ولكن بعد مفاوضات بين هاديس وديميتر، زيوس قدر يحدد يوم ويقنعهم يتقابلوا كلهم فيه علشان يحلوا المشكلة.

قبل اليوم الموعود، هاديس السوسة أقنع بيرسيفون إنها تأكل كام حبة رمان من عنده، وبالفعل البنت أكلت علشان كانت جعانة غير مدركة إنها أكلت من طعام العالم السفلي واللي بيأكل منه بيرتبط بالعالم السفلي للأبد.

جيه اليوم المتفق عليه وهاديس طلع جبل الأوليمب ومعاه بيرسيفون علشان يقابلوا زيوس وديميتر. طبعًا لولا وجود زيوس كانت ديميتر هتطبق في زمارة رقبة هاديس. أول حاجة عملها زيوس هو إنه سأل بيرسيفون إذا كانت عايزة تفضل مع هاديس في العالم السفلي ولا تطلع فوق الأرض مع مامتها ديميتر.. في وسط ذهول الجميع، بيرسيفون المسكينة أختارت هايدس. ديميتر أتجننت طبعًا ورفضت إنها توافق على حاجة زي كده وهددت إنها تمنع الزرع من الأرض تاني. المهم بعد جهد جهيد، زيوس اقترح اقتراح حلو وكلهم وافقوا عليه على مضض: الحل هو إن بيرسيفون هتقعد مع هاديس ست شهور (ويُقال أربعة) وهتطلع تقعد مع ديميتر بقية السنة.

ومن ساعتها كل ما بيرسيفون بتسيب العالم السفلي وتطلع فوق، الأرض بتطرح زرع والنباتات بتزهر، ولما بترجع تاني لهاديس الأوراق بتقع والنباتات بتموت.. ومن هنا أصبح وجود بيرسيفون مرتبط بفصلي الصيف والربيع وغيابها مرتبط بالشتاء والخريف، وبقت أسطورة بيرسيفون وهاديس هي الحدوتة اللي بيستخدمها القدماء لتفسير تعاقب الفصول ودورة الموت والحياة اللي بتمر بيها الأرض.

بالرغم من إن الأسطورة بسيطة ونهايتها مش نهاية تراجيدية تليق بالأساطير الإغريقية إلا إن فيها تلات محاور مهمين جدًا من خلالهم نقدر نعيد قراءة الأسطورة.

المحور الأول هو ديميتر.

بما إن عيد الأم كان قريب وكتير هنا كانوا بيتكلموا إزاي إن فيه أمهات علاقاتهم بأولادهم غير صحية بسبب الحب المفرط، حسيت إن ديميتر نموذج مناسب جدًا للنوع ده من الأمهات. حد ممكن يقولي بس حب ديميتر لبيرسيفون مش مفرط ولا حاجة.. دي واحدة بنتها أتخطفت وأغتُصبت وليها حق في كل حاجة عملتها. طبعًا ليها حق لو تعاملنا مع الأسطورة على إنها من تأليف أسامة أنور عكاشة، لكن لو بصينا على الأسطورة كقصة رمزية هنفهم إن اغتصاب بيرسيفون ونزولها للعالم السفلي مع هاديس ما هو إلا إشارة لمرحلة نضوج الابن\الابنة وانفصالهم عن العالم الطفولي الوردي الآمن اللي كانت الأم موفراه ليهم منذ الولادة. انفصال بيرسيفون عن ديميتر مكانش انفصال مكاني فقط ولكن انفصال عاطفي كمان، وده اللي جنن ديميتر وأثار غضبها: البنت فقدت براءتها واكتشفت إن فيه عالم تاني خارج نطاق العالم اللي ماكنتش تعرف غيره واللي الأم بالضرورة جزء منه، وانفصالها عن العالم ده يعني الانفصال عن الأم.

لو شوفنا الموضوع من وجهة نظر ديميتر هنلاقي طبيعي إن الانفصال ده أتصور في شكل اغتصاب أو انتهاك للبراءة وإن بنتها “نزلت” لمكان أسوأ المتمثل في الحياة في العالم السفلي مع هاديس. انفصال الابن\الابنة عن الأم مش بالضرورة بيكون بالبشاعة دي ولكن الأم المفرطة في الحب والحماية بتشوفه كده وبتتخيل إن الانفصال ده أقرب إلي الموت، وكأن الابن\الابنة مش هيقدروا يكملوا حياتهم من غيرها وخارج العالم الآمن بتاعها. وعلشان كده نهاية الأسطورة مُرضية إلى حد كبير لإنها بترغم ديميتر على تقبل الوضع وتقبّل فكرة إن بنتها مش ملكها وإنها مش هتقدر تحتفظ بيها وببراءتها طول العمر. من الأخر، ديميتر كأم بتتعلم إن انفصال بنتها عنها الجسدي والعاطفي ضرورة حتمية وجزء من نضوجها كشخصية مستقلة.

المحور التاني هو هباب البرك هاديس.

ملحوظة ملهاش علاقة بأي حاجة: هاديس من أكتر الآلهة المثيرة للاهتمام بالنسبة لي لأن شخصيته مركبة جدًا وذات عمق مالقتهوش في أي إله تاني. ده غير إنه ذكي وواسع الحيلة (فاكرين عمل إيه مع أورفيوس؟) وفيه كل صفات الanti-hero المنبوذ. ما علينا.. نبقى نتكلم عنه بالتفصيل بعدين.

انجذاب هاديس لبيرسيفون تحديدًا له دلالات كتيرة. أولاً، هي بنت زيوس، والعداوة بينه وبين زيوس قديمة قدم الأزل بسبب اختلافهم على مين هيحكم إيه، فطبيعي إن اختطاف بنته واغتصابها فيه شعرة انتقامية وكأنه أخد جزء منه وتملكه. ثانيًا، لو فكرنا فيها هنلاقي إن بيرسيفون هي نقيض هاديس في كل حاجة، فإذا كان هو الخبث والدهاء والقبح والدونية فهي البراءة والطهارة والجمال والسمو، فتملكه لبيرسيفون هو انعكاس لرغبته في تملك الصفات دي، ومش قصدي بالتملك إنه عايز الصفات دي تبقى فيه ولكن علشان يثبت وجوده ويثبت لنفسه إن له اليد العليا. كتير من الشخصيات الشريرة في الأفلام والروايات بيكون دافعها لارتكاب الشر مفيهوش أي مصلحة غير إنهم يثبتوا إن الشر هو السائد وإن كلنا قابلين للفساد. رغبة شريرة ومرعبة جدًا لكنها بتفسر ليه أفشل طالب في الفصل بيبقى دايمًا عايز يعلم أشطر طالب الانحراف والفشل.. هي رغبة في الvalidation وإثبات الوجود.

بغض النظر تفهمنا دوافع هاديس ولا لأ هتفضل علاقته ببيرسيفون غير سوية. خصوصًا إن موضوع الرمان ده لما قرأته فكرني بالعلاقات اللي بتبقى قائمة على الابتزاز العاطفي emotional blackmail. وده نوع من العلاقات بيبقى فيه طرف متحكم ومسيء للطرف التاني اللي غالبًا بيكون مدرك للإساءة اللي بيتعرض لها بس مابيقدرش يبعد أو يمشي بسبب ارتباطه العاطفي بالشخص المتحكم فيه، وغالبًا الارتباط ده بيبقى قائم على الخوف أو عقدة الذنب المتمثلة في حبات الرمان اللي هاديس أكّلها لبيرسيفون وأجبرتها إنها تفضل معاه كزوجة للأبد. ناس كتير بتبقى في علاقات زي الزفت على دماغها بس مابتقدرش تمشي بسبب خوفها إنها لو مشيت مش هيلاقوا حد يحبهم أو يرغب فيهم تاني أو بسبب عقدة الذنب بإنهم مدينين للطرف المسيء بشكل من الأشكال.

المحور التالت هو بيرسيفون.

أكيد لاحظتوا إن بيرسيفون في الأسطورة مهمشة وملهاش حضور قوي. تفسيري للموضوع ده إن بيرسيفون مش محتاجة يكون لها حضور قوي لإنها هي الأسطورة نفسها، وكل الشخصيات التانية أجزاء منها. يعني إيه الكلام ده؟

الصراحة وأنا بقرأ الأسطورة ماقدرتش أبعد عن دماغي نظرية فرويد عن النفس البشرية وإن قصة بيرسيفون هي أوضح تمثيل لها. فرويد وهو بيشرح الفرق بين الوعي واللاوعي قال لنا إن النفس البشرية بتنقسم لتلات أجزاء بيتحكموا في شخصية الفرد وتصرفاته: الهو Id والأنا Ego والأنا العليا Super-ego. وببساطة شديدة، الهو ده الجزء اللاوعي القائم على مبدأ اللذة واتباع الشهوات بغض النظر عن أي أخلاق أو عواقب، والأنا العليا هي الجزء العقلاني الأخلاقي اللي بيحط القيم والمبادئ قبل كل شيء، وأخيرًا الأنا وده الجزء اللي بيحاول يوازن بين الاتنين أو يشبع رغبات الإنسان ولكن في إطار عقلاني أخلاقي. طبعًا الأنا بيطلع عين اللي خلفوها علشان تقدر توصل للتوازن ده وبتفضل في صراع بين الهو والأنا العليا.

مش محتاجة أقول إن الهو في الأسطورة هو هاديس، والأنا العليا ديميتر، والأنا اللي بتعمل كوسيط بين الاتنين هو زيوس، وإن التلاتة بيتخانقوا علشان يحددوا مصير بيرسيفون.. النفس البشرية اللي التلاتة جزء منها. هاديس “الهو” عايز يخطف بيرسيفون وينزل بيها “تحت”، في حين إن ديميتر “الأنا العليا” عايزاها تفضل معاها على طول “فوق”، وزيوس “الأنا” بيحاول يتوسط بينهم علشان يوصلوا لقرار يرضي جميع الأطراف وهو إن بيرسيفون توازن بين الاتنين، وده بالظبط اللي النفس البشرية السوية المفروض توصله: الموازنة بين إشباع الشهوات والغرائز وإتباع القيم الأخلاقية أو المجتمعية أو الدينية.

فيه تفسير نفسي تاني للأسطورة بيقول إن بيرسيفون هي رمز لنضوج المرأة اللي مابيتمش إلا من خلال تجربتها الجنسية وتواصلها مع الجانب الحسي فيها وتقبلها له. اتكلمنا قبل كده إزاي إن اختطاف هاديس لبيرسيفون هو علامة على انفصال الابن\الابنة عن الأم.. الاختطاف ده برضه قد يكون علامة على انفصال المرأة عن ذاتها الطفولية. طبعًا فكرة الاغتصاب هنا متطرفة ولكن المقصود بيها في الأسطورة فكرة التخلي عن البراءة الجنسية اللي بتتشاف مجتمعيًا على إنها حاجة متطرفة ودونية. وكأن القصة بتقولنا إن المرأة لازم تتواصل مع الجانب الحسي فيها علشان تقدر تزهر وتتفتح، وده اللي كان بيحصل مع بيرسيفون فعلاً لما كانت الأرض بتزدهر أول ما بتطلع من عند هاديس.. وقد يكون ده كناية بسيطة عن الخصوبة والحمل اللي مابيحصلش إلا بعد المرور بالتجربة الجنسية، بس أنا شايفة الكناية دي مقيدة ومحدودة جدًا الصراحة، وإن “الازدهار” و”الخصوبة” المقصود بيهم النضج العقلي والنفسي والقدرة على التواصل مع الذات وبالتالي الإبداع.

دمتم متوازنين، مُزهرين، مبدعين.

2 تعليقات على “بيرسيفون وهاديس ورحلة النضج

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s