إيجيوس وإدمان المعاناة

النهاردة هنتكلم عن إيجيوس Aegeus وأسطورة إيجيوس من الأساطير اللي قريتها زمان جدًا وعدت عليا مرور الكرام لأسباب هنعرفها حالاً لكن لما رجعتلها تاني ابتديت أشوفها بشكل مختلف.

إيجيوس كان ملك مدينة أثينا في وقت ما وكان شايل طاجن سِتُّه لإنه مابيخلفش بالرغم من إنه أتجوز مرتين، فده معناه إنه مش هيبقى عنده ابن يشيل اسمه ويمسك الحكم من بعده خصوصًا إن أثينا كانت من أكتر المدن الإغريقية المتنازع عليها. إيجيوس في يوم قال مابدهاش بقى وقرر يزور معبد أبوللو (نفس المعبد الشؤم اللي راحه أبو سايكي، فاكرين؟) علشان يعرف من العرافة هيتصرف إزاي. المهم إن النبوءة اللي سمعها من العرافة بعد ما حكى لها مشكلته كانت غريبة جدًا وده نَصها:

“Do not untie the bulging mouth of the wineskin, oh best of men, until you have reached the height of Athens, lest you die of grief.”

ولو ترجمناها ممكن تبقى حاجة زي: “أوعى تفتح وعاء الخمر يا سيد الرجالة قبل ما توصل لأثينا أحسن تموت من الحزن يا كبدي”

طبعًا أيجيوس خرج من المعبد مش فاهم إيه علاقة العبط ده بإنه عايز يخلف ولد، فقرر في طريق عودته يعدي على ملك مدينة ترويزن Troezen واللي كان معروف عنه الحكمة علشان يفسرله النبوءة الغريبة دي. وفعلاً راح وحكى للملك كل حاجة. في الحتة دي من الأسطورة مش واضح بقى إذا كان ملك ترويزن فهم النبوءة وأستعبط ولا فعلاً مافهمش حاجة هو كمان وحب يحوّر على إيجيوس.. المهم إن الملك سمع النبوءة وقاله طيب سيبك من الكلام ده دلوقتي وتعالى اأكلك وأشربك ده أنت ضيفي يا راجل مايصحش! وطبعًا قعد يشرّبه في خمرة لحد ما إيجيوس بقى في البطيخ خالص ومش شايف قدامه، ساعتها بقى الملك نده على بنته إيثرا Aethra وقالها تستغل إن إيجيوس سكران وتنام معاه (ونعم الأبهات)، وده اللي عملته إيثرا فعلاً (علشان طاعة الوالدين برضه). الجميل في الموضوع بقى يُقال إن إيثرا في نفس ذات الليلة نامت مع بوسيدون Poseidon إله البحر وواضح إنها عيلة منتجة مابتضيعش وقت.

إيجيوس بعد ما فاق وأستوعب عملته السودا راح لإيثرا بكل براءة وقالها إنها لو حملت منه وجابت ولد لازم تبعت له الولد ده لما يكبر على أثينا، وراح سايبلها الدرع والسيف والصندل بتوعه ودفنهم تحت صخرة على أساس الحاجات دي هتبقى الأمارة اللي هيعرف بيها الولد لما يجيله.

إيجيوس رجع أثينا وهو ناسي موضوع النبوءة ده خالص أصلاً وعاش حياته لحد ما في يوم من الأيام زار المدينة شاب قوي ومغوار وطبعًا إيجيوس هيتعرف عليه من الصندل والدرع بتاعه وهيكتشف إن ده ابنه من إيثرا (مع إنه ممكن يكون ابن بوسيدون أصلاً). الابن ده هو البطل الشهير ثيسيوس Theseus.

نتوقف هنا شوية علشان لازم نشير إن في الوقت ده أثينا كانت في صراعات مع مدينة كريت Crete بسبب إن ابن ملك كريت أتقتل في أثينا. المهم إن إيجيوس وملك كريت مينوس Minos فضلوا في صراع فترة طويلة لحد ما توصلوا لهدنة بتشترط على إيجيوس يبعت كل سنة سبعة شباب وسبع شابات من أثينا علشان يُقدموا كأضحية للمينوتور Minotaur الكائن اللي كان نصه إنسان ونصه ثور واللي كان محبوس في المتاهة الشهيرة في كريت.

طبعًا لما ثيسيوس عرف بالموضوع طلع زي الفسقلة كده وطلب من باباه إنه يبعته ضمن الشباب علشان يقتل المينوتور ويوقف المهزلة دي. إيجيوس وافق على مضض ولكن بشرط غريب جدًا وهو إن لو ثيسيوس انتصر يغير لون شراع السفينة بتاعته من أسود لأبيض وهو راجع.

الجزء ده من الأسطورة معظمنا عارفه.. ثيسيوس بينجح في قتل المينوتور بمساعدة من ابنة مينوس اللي وقعت في حبه (هنبقى نحكى الموضوع ده بعدين) وبيرجع أثينا تاني. المشكلة بقى إن ثيسيوس كان مقضيها احتفالات وعربدة على السفينة وهو راجع لدرجة إنه نسي يغير شراع السفينة زي ما إيجيوس قاله.

فإيجيوس اللي كان واقف ومستني على نار أي أخبار من كريت شاف من بعيد سفينة ابنه وشراعها الأسود ففهم على طول إن ابنه مات فراح هوب رمى نفسه في البحر والبحر من ساعتها اتسمى على اسمه “بحر إيجة” the Aegean Sea.

أنا مدركة طبعًا إن كل الأساطير غير منطقية بس الأسطورة دي بالذات لما قريتها أول مرة حسيت بجرعة مكثفة من العبط وده اللي خلاني أعدي عليها بسرعة.. حسيت ساعتها إن إيجيوس مثال للشخص المغفل، اللي هو النبوءة بتقول كذا طيب يالا أعمل عكسها، واحد ماعرفهوش جاي يقول إنه ابني يالا أتعلق بيه، ابني الوحيد رجعلي بعد ماعرفش كام سنة يالا ابعته يصارع المينوتور، السفينة شراعها أسود يا نهار أسود يالا أرمي نفسي في البحر بسرعة وأموت. سلسلة من القرارات المغفلة والعبيطة!

بس مؤخرًا ابتديت أستوعب أبعاد أخرى في شخصية إيجيوس كانت تايهة عني، وأدركت إنه مش مغفل زي ما كنت فاكرة وإنما نموذج شخصيته بيمثل كتير مننا وطريقتنا في التعامل مع الحياة.

إيجيوس مكانش شخص حزين علشان الحاجات الوحشة اللي كانت بتحصله وإنما هو كان بيدور على كل حاجة وحشة علشان يبرر حزنه ومعاناته. خلونا نبدأ من الأول: إيجيوس حياته كلها كانت بتتمحور حوالين النقص اللي عنده – عدم وجود أولاد – وده طبعًا كان مسبب له حزن عظيم وده اللي خلاه يروح المعبد من الأساس علشان يسمع النبوءة، ولنا هنا وقفة.

من يومين كده كنت بتكلم مع واحدة صاحبتي على موضوع الرؤى والأحلام وإزاي بالرغم من طبيعتها الرمزية التنبوئية أحيانًا إلا إنها بتعكس رغباتنا ومخاوفنا الدفينة. على سبيل المثال وبدون الدخول في تفاصيل، أعرف شخص معتقد إنه شاف رؤية بإن فيه أربع مشاكل كبيرة جدًا هتقابله في المستقبل القريب – مع العلم إن عنده أربعة أولاد – ومن ساعتها وهو بيفسر أي مصيبة تحصل لأولاده أو بسببهم على إنها واحدة من المشاكل دي وإن الرؤية كانت صادقة. طبعًا واضح جدًا إن “الرؤية” اللي شافها دي كانت انعكاس واضح وصريح لخوفه على أولاده (ومنهم كمان!). الفكرة إن عقله الباطن أنتجله الرؤية علشان يستخدمها كمُبرِر لخوفه غير المُبَرَر، أو بمعنى أصح، علشان يدي لنفسه الvalidation إنه يستمر في خوفه. زيه زي الناس اللي بتشوف حاجة حلوة في الحلم وده بيخليها تصبر وسط المعاناة لأنهم مؤمنين إن اللي في الحلم أو الرؤية هيتحقق، برضه الحلم بيعكس رغبتهم في تحسن الأمور وبيديهم الإيمان المؤقت اللي فشلت النتائج المنطقية في التوصل إليه.

فلو طبقنا ده على إيجيوس هنلاقي إن النبوءة اللي سمعها في المعبد ما هي إلا انعكاس لرغبته الدفينة: الاستغراق في المعاناة. لو رجعنا للنبوءة تاني كده هنلاقيها بتحذره بشكل واضح وصريح من إنه مايشربش الخمر ومايمارسش الجنس (لو فسرنا الbulging mouth of the wineskin دي على إنها عضوه الذكري) إلا لما يرجع أثينا وإلا هيموت من الحزن. إيجيوس على فكرة ماكدبش لما قال إنه مافهمش النبوءة، لإنه بعقله الواعي فعلاً ماستوعبهاش، إنما بعقله اللاواعي رسم خريطة لنفسه يمشي عليها علشان يوصل للنتيجة اللي عايزها ومش قادر يواجه نفسه إنه عايزها ألا وهي المعاناة والموت. وعلشان كده هو خرج من المعبد من هنا وراح بالظبط عمل اللي النبوءة حذرته منه: سكر وتوه عقله ومارس الجنس مع ابنة الملك.

من البداية وإيجيوس بشكل لاواعي كتب على نفسه الحزن والمعاناة.. راح لمعبد أبوللو اللي معروف إن نبوءاته كلها شؤم بنت لذينة.. راح يسكر ويعط مع ست غير مراته وخلاها تحمل منه.. ارتبط عاطفيًا بولد ممكن جدًا مايكنش ابنه أصلاً.. وبعد كده سمحله يروح برجليه للموت.. ولما ابنه رجع تاني ماقدرش يستنى خمس دقايق بالظبط يتأكد وراح ناطط في البحر.

طيب إيه اللي يخلي إنسان يدور على الحزن والمعاناة من غير ما باخد باله بالشكل ده؟

الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي Fyodor Dostoyevsky في روايته العبقرية “مذكرات من العالم السفلي” Notes from Underground بيقولنا إن الإنسان بطبيعته بيستمتع بالمعاناة سواء الجسدية أو النفسية على الرغم من عدم اعترافه بده. بس إيه اللي ممكن يدفع الإنسان إنه يلاقي لذة في الألم (ماتخليش دماغكم تروح شمال) واستمتاع في الحزن؟ فيه أسباب كتيرة ومختلفة: أولاً، المعاناة بتكسب الإنسان تعاطف الآخرين وده شعور محبب ولطيف جدًا بالنسبة لكتير مننا (بدون الدخول في أسبابه اللي أتكونت في مرحلة الطفولة). ثانيًا، التعبير عن المعاناة عند البعض بيتحول لطاقة إبداعية وده بيخليهم يحبوا المعاناة نفسها (فاكرين لما أثينا خرجت من دماغ زيوس؟). ثالثًا، المعاناة بتعمل نوع من تطهير الذنوب للي عايشين بعقدة ذنب ما مش قادرين يتخلصوا منها، فعقلهم اللاواعي بيخلق المشاكل ويحطهم فيها بدافع شعور خفي باستحقاق المعاناة. رابعًا، وأعتقد دي كلنا بنشترك فيها، المعاناة في اللاوعي الجمعي الإنساني ليها هيبة كده، فغصب عننا بنربط الحزن\الشجن بالحكمة والعمق، على عكس السعادة اللي دايمًا أصحابها بيتشافوا أنهم تافهين وسطحيين. ده غير إن المعاناة أحيانًا بتساعدنا على إيجاد معنى للحياة وعبثيتها بشكل أو بآخر.

فيه روايات للأسطورة بتقول إن إيجيوس كان مُتبَنَى على عكس إخواته اللي تخلص منهم بعد سيطرتهم على أثينا علشان هو يمسك الحكم لوحده. أعتقد إن ده سبب كافي جدًا يخلي إيجيوس عايش طول عمره بعقدة الذنب والشعور بعدم الاستحقاق. معاناة إيجيوس الأساسية هي إنه مكانش بيخلف أولاد، وعلى الرغم من كده كان شايف إنه يستحقها. مش بس كده، ده إغراقًا في تعذيب نفسه مهّد ليها كل الطرق إنه يجيب فعلاً ابن علشان يخسره ويحس بالمعاناة أكتر وأكتر.. دي مش مبالغة، اللي عايشين بعقدة ذنب عارفين قد إيه الموضوع ممكن يبقى self-destructive أو مدمر للذات بشكل مفزع، الذنب أحيانًا بيخليهم يتعلقوا باللي هيكسرهم ويمهدوا الأسباب لفشلهم بأيديهم.

لو ده فعلاً اللي بيبرر أفعال إيجيوس، يبقى المشهد الأخير من الأسطورة وجع قلب، ومش قادرة أحدد إذا كان إيجيوس نط في البحر علشان فعلاً ماقدرش يستحمل فكرة فقدانه لابنه ولا علشان أدرك حقيقة نفسه وتعلقه المستميت بالمعاناة. السفينة كانت على مرمى بصره، يعني لو كان استناها شوية على الشط كان هيتأكد من خبر موت ابنه من عدمه، لكن ده زي ما يكون ما صدق.

أنا حطيت نفسي مكان إيجيوس لثواني وتخيلت إن الأفجع من أن يكون ابني مات هو إنه يطلع عايش واضطر أواجه نفسي بحقيقة إنه مكانش السبب في معاناتي، وإني مش مرتبطة بيه عاطفيًا أصلاً لأن ارتباطي الوحيد هو بالذنب المتأصل جوايا اللي مش عارفة أتخلص منه، وأن حزني ومعاناتي هيستمروا سواء ابني عاش أو مات… أعتقد إدراك زي ده يبرر إقدام إيجيوس على الانتحار.

إيجيوس ماشفش في الشراع الأسود موت ابنه وإنما شاف فيه موت أي أمل له في التصالح مع نفسه ومع الحياة.

دامت أشرعتكم بيضاء.

5 تعليقات على “إيجيوس وإدمان المعاناة

  1. تعقيب: كاسندرا وأبولو – هكذا تكلم بهنسي

  2. تعقيب: سفينة ثيسيوس والهوية – هكذا تكلم بهنسي

  3. تعقيب: ثيسيوس وأريادني ومواجهة المينوتور – هكذا تكلم بهنسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s