التقمص العاطفي

النهاردة هنتكلم عن التعاطف وعلاء والحروب وحاجات كده ملهاش علاقة ببعض.

أحب بس أنوه في الأول إني هستخدم كلمة “تعاطف” للتعبير عن  التقمص العاطفي أو الEmpathy. لو حبينا نعرف التعاطف ممكن نقول إنه قدرة الإنسان على تفهم ومعايشة مشاعر الآخرين، وزي ما أشرت قبل كده مش فاكرة فين فيه فرق شاسع بين الsympathy والempathy.

الsympathy بيتضمن الشعور بالشفقة تجاه الآخرين لما بيمروا بألم أو ظروف سيئة في حين إن الempathy هو تقمص المشاعر اللي بيمر بيها الآخرين تحت الظروف السيئة دي. يعني فيه فرق بين إني لما أشوف طفل بيشحت في الشارع وأقول “يا عيني! أكيد بيتعذب ومش عايش طفولته” وبين إني أتخيل نفسي مكان الطفل ده وأشوف الدنيا من منظوره وأتقمص مشاعره بتفاصيلها وأتخيل هو بيشوف الناس والأطفال غيره إزاي. الأول هو الsympathy والتاني هو الempathy.

الsympathy كمان بيبقى فيه شعرة تعالي كده.. اللي هو أنت بتمر بكرب يا حرام فأكيد أنت حاسس بحاجة أوحش من اللي أنا حاسسها دلوقتي، وعلشان كده غالبًا ردة فعل الsympathy بتبقى اتجاه نحو محاولة تخليص النفس من الشعور بالذنب.. فمثلاً هروح مدي الطفل فلوس وأمشي وأنا حاسس إني عملت اللي عليا وإني برنس في نفس كده خلاص.

الempathy بقى أنا مش بحط نفسي في مرتبة أعلى من الشخص علشان مش بتألم زيه، ولكن بنزل لمستواه وفعلاً بحاول إني أتألم زيه، وعلشان كده ردة فعل الempathy بتبقى أعقد بكتير من الsympathy. ممكن واحد ياخد الطفل ده يتبناه ويرعاه وممكن حد مايعملوش حاجة خالص بس هيفضل متقمص مشاعره لفترة طويلة قد تستمر لأسابيع وشهور وتأثر على حياته هو شخصيًا وقد تحفزه بعدين إنه يفتح دار لأطفال الشوارع مثلاً.

طبعًا الempathy والsympathy كتير الفرق بينهم بيبقى مبهم وبيتم استخدامهم بشكل متبادل، بس الكلام النهاردة هيكون عن الempathy تحديدًا.

الempathy أو التعاطف له نوعين: تعاطف شعوري affective empathy وتعاطف إدراكي cognitive empathy. الفرق بين الاتنين طفيف جدًا بس مهم. النوع الأول بيشير لقدرتنا على تقمص مشاعر الآخرين كما هي، يعني مثلاً أختي عندها امتحان ثانوية عامة بكرة، لما أتعاطف شعوريًا معاها هلاقي نفسي مصابة بالقلق وبيجيلي نوبات خوف وقلبي بينقبض.. إلخ. النوع التاني بقى بيشير لقدرتنا على فهم مشاعر الآخرين مش مجرد معايشتها، يعني لما أتعاطف إدراكيًا مع أختي اللي عندها امتحان ثانوية بكرة، هتفهم تمامًا شعورها الدائم بالقلق وعصبيتها ونوبات الخوف اللي بتجيلها. وطبعًا واضح إن على الرغم من إن النوع الأول مستغرق أكتر في التعاطف إلا إن النوع التاني أفضل لو بنبص على الموضوع من ناحية التوصل لنتائج إيجابية. فيه ناس ممكن تقول لما بمر بمصيبة أحب إن الناس المقربة مني تتعاطف معايا إدراكيًا، فبدل ما تقعد تعيط جنبي تتفهم مشاعري بدون الاستغراق فيها فتساعدني إني أفهم تصرفاتي أو إني أفكر في الموضوع بشكل مختلف (وده اللي بيعمله الدكاترة النفسيين). فيه ناس تانية هتقول لأ أنا مش عايز تعاطف إدراكي أنا عايز حد يحس بالظبط بالألم بتاعي ويشاركني فيه ويقعد يعيط جنبي.

بغض النظر عن نوع التعاطف، محدش يقدر ينكر إنه من أسمى المشاعر الإنسانية لأنه بيخرجنا من الحيز الضيق بتاع مشاعرنا وتفكيرنا وبيحطنا مكان الشخص الآخر مهما كان مختلف عنا. حلو الكلام؟ لأ مش حلو، أو على الأقل ده اللي بيقوله بول بلووم Paul Bloom، أستاذ علم النفس بجامعة ييل.

بلووم عمل كتاب ونشر مجموعة مقالات فحواهم إن ده كله كلام فارغ وإن التعاطف ده شيء غير إنساني وغير أخلاقي وهيودينا كلنا في داهية (وحاجة اللي هو عابوكو كلكم!). بلووم بيقولنا إن فيه أسباب كتيرة خلته يتوصل للنتيجة دي.

أولاً هو شايف إن مشاعر التعاطف غير مدركة لفكرة العدد والنسبة والتناسب وده في الأخر بيؤدي لنتائج غير عادلة. فكروا فيها كده.. لو طلبنا من الناس تتبرع علشان تنقذ طفل مريض اسمه علاء ساكن في شبرا وباباه بيشتغل سواق أتوبيس ومامته بتخسل كلى كل أسبوع..إلخ ووريناهم صورة علاء وعيلته وطلبنا من نفس الناس تتبرع لحملة إنقاذ 50 طفل من نفس المرض بس مايعرفوش عنهم حاجة، التجارب أثبتت إن السواد الأعظم من الناس هيتبرعوا لعلاء وده اللي بلووم بيقولنا عليه تأثير الضحية المعروفة أو the identifiable victim effect، وفكرته إن الناس بتتقمص مشاعر الأشخاص المعروفة بالنسبة لهم أكتر من الأشخاص غير المعروفة حتى لو إن ده معناه، حسابيًا، إن التأثير هيفاضل الفئة الأقل. فهو بيقولنا إن كده النتيجة غير إنسانية والمفروض إننا في المواقف اللي زي دي نحتكم للعقل والمنطق مش المشاعر. وده بيفسر ليه بنتعاطف تحديدًا مع حالات الظلم\العنف\المرض اللي بنشوفها في التلفزيون أو على السوشال ميديا في حين إننا مدركين وجود حالات أبشع منها حوالينا.

السبب التاني، وفقًا للأستاذ بلووم، هو إن التعاطف شعور متحيز بطبيعته وإن احنا بنتعاطف مع الناس أو الحاجات اللي احنا بنحبها أصلاً. فبيقول إن ممكن شخص بيحب الحيوانات يتعاطف مع كلاب وقطط اتعرضت للعنف ويتجاهل تمامًا العنف اللي بيتعرضله الأطفال في مناطق الحرب مثلاً، أو إن شخص يتعاطف مع شخص تاني علشان شكله وظروفه الإجتماعية مشابهة لظروفه وهكذا. فالفكرة إن مشاعر التعاطف دي قايمة على التمييز وبتعزز التحيز عندنا.

ثالثًا، بلووم بيقول إن مشاعر التعاطف مابتراعيش النتائج وإنها سهلة الخداع جدًا (بناءً على السببين اللي فاتوا) وده بيخلي النتائج كارثية أحيانًا. بيدينا مثال إننا لو تعاطفنا مع طفل بيشحت في الشارع هنحاول نساعده بشتى الطرق، المهم المساعدة – اللي احنا شايفنها حاجة إيجابية – قد تؤدي إلى إن أسر فقيرة أكتر تدفع بأطفالها للشوارع طالما خلاص فيه حد هيساعدهم، وممكن يتربحوا من وراهم كمان. بلووم بيدينا مثال تاني من الحروب وإن إزاي مشاعر التعاطف بتاعتنا مع الضحية قد تؤدي لرد فعل عنيف أو انتقامي. لما ألمانيا احتلت بولندا، هتلر كان بيحفز الجنود الألمان عن طريق إثارة مشاعر التعاطف عندهم تجاه الألمان اللي اتقتلوا على أيد البولنديين، وده كان بيخليهم يرتكبوا أعمال عنف بشعة. برضه لما العالم بيشوف صور لأطفال بتموت من الجوع في اليمن مثلاً هتلاقي ناس متحفزة لرد فعل عسكري لتعاطفهم مع الأطفال غير مدركين إن رد الفعل ده نتائجه هتكون أسوأ بمراحل.

رابعًا، استغراقنا في مشاعر الآخر بيأثر على رؤيتنا العاقلة المنطقية للأمور لأننا بنبقى تحت تأثير عنفوان المشاعر اللي بيمر بيها الشخص زيه بالظبط. ده غير إن التقمص العاطفي الزيادة مع كل الناس ده قد يؤثر على صحتنا النفسية والجسدية بالسلب وممكن نوصل لمرحلة نفقد فيها التمييز بين مشاعرنا ومشاعر الأشخاص اللي بنتعاطف معاهم. بيحصل إننا أحيانًا لما بنحب حد والحد ده بيمر بظروف سيئة ممكن احنا شخصيًا نعاني من الاكتئاب بسبب تقمص مشاعر الشخص الآخر.

على الرغم إن كلام الباشمهندس بلووم قد يبدو منطقي إلا إن حجته متشحورة الصراحة. أولاً كده هو عنده خلط واضح جدًا بين الsympathy والempathy وباين إن معظم كلامه مركز أكتر على الsympathy وملهوش أي علاقة بالempathy، وحتى وهو بيتكلم عن الempathy هنلاقيه متبت في التعاطف الشعوري ومتجاهل تمامًا وجود التعاطف الإدراكي.

ثانيًا، بلووم بيتكلم عن الناس بشكل جمعي في حين إن أسلوب التعاطف وردود أفعاله بتختلف بشكل كبير من فرد للتاني، ده غير إن حتى لو تفَرُدنا ده أدي للتحيز زي ما بيقول فهو مطلوب أحيانًا.. لازم يبقى فيه ناس بتتعاطف مع القطط والكلاب زي ما في ناس لازم تتعاطف مع الأطفال وغيرهم مع النباتات.. إلخ، ووجود فئة لا ينفي وجود الأخرى بالعكس ده بيكملها.

فلو احتكمنا لمنطق بلووم فكده كأننا بنقول لنفسنا علشان نوصل لنتائج إنسانية أخلاقية عادلة يا نتعاطف مع الناس كلها بشكل متساوي (وده غير منطقي وغير قابل للتطبيق أصلاً وحتى لو حصل هيضر بصحتنا النفسية) يا نستئصل مشاعر التعاطف خالص ونحتكم للعقل والمنطق فقط (وده هبل طبعًا لأن مين قال إن الاحتكام للمنطق بالضرورة هيؤدي للمساواة أو لتجنب ردود الفعل العنيفة؟ بالعكس، ياما حروب ونزاعات قامت على قرارات تبدو في منتهى العقلانية).

وبرضه علشان مابقاش متحيزة ضد بلووم، أنا متفقة معاه في إننا بقينا نromanticize فكرة التعاطف غير مدركين لجوانبها السلبية الممكنة بس ده مش معناه إننا نرميها من الشباك خالص. الاعتدال مهم.. نتعاطف مع الناس ونتفهم مشاعرهم بس برضه نبقى مدركين لحقيقة مشاعرنا وتأثيرها على نفسنا وعلى الشخص اللي بنتعاطف معاه. كمان أنا شايفة إن الحياة من غير تعاطف لا تطاق وغير ممكنة أصلاً.. لو مفيش تعاطف يبقى مفيش صداقة ولا حب ولا فن ولا أدب والإنسان أحسن بقى نستبدله بترانزستور ولا غسالة بروحين.

فاكرين من قريب لما اتكلمنا عن قصة “البيضة” بتاعت آندي ويير وإنه إزاي كان شايف إن التعاطف هو أسمى مراتب الإدراك الإنساني وأقربهم للألوهية؟ التعاطف جزء لا يتجزأ من تجربتنا الإنسانية ومن الحاجات القليلة اللي بتثبت لنا إننا مرتبطين ببعض وبالكون ككل بشكل يصعب على قوانينا العقلية والوضعية فهمه.

دمتم متعاطفين مع نفسكم ومع غيركم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s