أورفيوس وضريبة الخيال

أسطورة أورفيوس Orpheus من الأساطير المحببة جدًا ليا لأني كل مرة بقرأها بطلع منها بتفسير مختلف متناسب مع الحالة النفسية اللي بمر بيها، ده غير إن القصة نفسها تخريط بصل كعادة كل الأساطير الإغريقية عن الحب والفقد.

أورفيوس كان شاعر ومغني وعازف للقيثارة، وصوته والموسيقى بتاعته كانوا حلوين لدرجة أن مفيش كائن حي أو جماد بيقدر يقاومهم. موسيقاه كانت بتأسر القلوب، ولما كان بيقعد يغني في الغابة ويعزف على القيثارة بتاعته كانت الحيوانات البرية  بتقرب منه والأشجار والصخور بتتحرك علشان يسمعوه. ويُقال إنه كان مع البطل جاسون وهو بيستعيد الصوف الذهبي وإن موسيقاه هي اللي سحرت التنين اللي بيحمي الصوف.

أورفيوس مكانش إله، بس فيه روايات بتقول إنه ابن أبوللو Apollo وإنه هو اللي أهداه القيثارة الشهيرة بتاعته، عامًة المتفق عليه إن مامته هي كاليوب Calliope أكبر وأقدم ربات الفن Muses وتحديدًا ربة البلاغة والشعر. المهم..

في يوم من الأيام أورفيوس شاف حورية من حوريات الغابة اسمها يوريديس Eurydice وكان حب من أول نظرة من الطرفين وحبهم كان بيتحاكى بيه كل اللي يعرفهم واللي مايعرفهمش. أورفيوس ويوريديس قرروا يتجوزوا وعملوا فرح فعلاً، ويوم الفرح وهم مروحين يوريديس هجم عليها راعي كان عينه منها من زمان وأتغاظ إنها أتجوزت غيره وكان عايز يخطفها أو يغتصبها.. حاجة زي كده (بغل معلش)، المهم إن أورفيوس راجل فنان برضه وملهوش في العركة وشغل الفتوات ده فاللي قدر يعمله أنه أخد يوريديس من دراعها وقعد يجري بيها. وهم بيجروا، يوريديس داست على حية (ثعبان) لدغتها وطبت ميتة في لحظتها.

طبعًا أورفيوس أتصدم صدمة عمره ومكانش مصدق إنه فقد يوريديس للأبد لدرجة إنه طلب من الآلهة النزول لعالم الموتى علشان يرجعها تاني. أكيد لو كان أي شخص عادي طلب حاجة زي كده من الآلهة كانوا نفخوه، بس بما إن أبوللو أتوسطله عند هيدز Hades إله الموتى والعالم السفلي، أورفيوس سُمح له إن ينزل لعالم الموتى ويقابل هيدز بنفسه.

وبالفعل أورفيوس نزل، وأول ما قابل قابل سيربيروس Cerberus كلب هيدز اللي عنده ثلاث رؤوس وبيحرس أبواب عالم الموتى علشان يمنع الأحياء من الدخول والموتى من الخروج. أورفيوس راح مطلع القيثارة بتاعته وقعد يلعب موسيقى لسيربيروس ويغنيله لحد ما هدي خالص وسمحله بالدخول (الموضوع ده مريب جدًا وليه تلميحات مريبة بس ما علينا :D).. المهم أورفيوس دخل فعلاً وقابل هيدز ومراته بيرسيفون Persephone وحكى قصته ووصفلهم قد إيه بيحب يوريديس وطبعًا قعد يغنيلهم لدرجة أن بيرسيفون عيطت. هيدز بقى مكانش عايز يرجع يوريديس بس لما شاف مراته بتعيط وكل اللي حواليهم متأثرين عرض على أورفيوس عرض غريب جدًا (هيدز خبيث ابن لذينة برضه).. قاله أنه ممكن ياخد يوريديس معاه وهو خارج فعلاً بس بشرط واحد: إنها تفضل ماشية ورا أورفيوس طول رحلتهم لعالم الأحياء وهو ما يلتفتش ولا يحاول يبص عليها لحد ما يطلعوا فوق.

أورفيوس وافق طبعًا بدون تفكير وفعلاً أبتدى رحلته لعالم الأحياء ويوريديس ماشية وراه. أورفيوس التزم بكلام هيدز طول الوقت لحد ما وصل لقرب نهاية الرحلة عند سطح الأرض.. ماقدرش يمسك نفسه فغصب عنه وبحركة تلقائية جدًا من فرط سعادته بص وراه علشان يتأكده أن يوريديس لسه معاه.. وفي نفس اللحظة يوريديس اتسحبت تاني للعالم السفلي، والمرة دي أورفيوس فقدها للأبد.

قبل أي حاجة أنا حابة أرجع للعرض الغريب بتاع هيدز واللي على قد ما بيعكس خبثه بيعكس برضه فهمه العميق للنفس البشرية. هيدز كان من حقه وفي مقدرته يقول لأورفيوس أمشي ياض من هنا ماعندناش أرواح بترجع، بس ساعتها كان هيبان كإله شرير يمنع ولا يمنح. وعلشان كده رمى الكورة في ملعب أورفيوس علشان يحول الذنب له ويحسسه إن الموضوع في الأول وفي الأخر يعتمد على إرادته الحرة واختياره وتحكمه في نفسه. هيدز كان مدرك تمامًا إن أورفيوس مش هيقدر يقاوم إغواء النظر ليوريديس وإن الشك هيدفعه للالتفات وراه، بس الموقف هيبان على أن أورفيوس هو المسئول الأول والأخير عن اللي حصل.

فيه فيلم شوفته مؤخرًا (مش هقول اسمه علشان محرقهوش) البطل بيروح جهنم بس الملاك اللي معاه بياخده يفرجه على أسفل درجات جهنم وبيقوله بكل خبث ده مش مكانك أنا جايبك أفرجك بس، المهم أن المكان ده فيه جسر مكسور بيخرّج من جهنم والطريق الوحيد لتخطيه هو تسلق حيطة. البطل بيقرر إنه يتسلق الحيطة على الرغم من تحذير الملاك له بأن كل اللي قبله فشلوا. الجميل في الموضوع إن الملاك حط البطل قدام الإغواء اللي كان متأكد إنه هيضعف قدامه علشان يديله الإحساس الزائف بالagency. طبعًا البطل بيحاول ولكن بيفشل وبيقع في الدرك الأسفل من جهنم اللي في رأيي كان مقدر يترمي فيه من البداية.

وده بالظبط اللي هيدز عمله مع أورفيوس بأنه حطه أمام الإغواء اللي كان عارف إنه هيضعف قدامه وبالتالي حمّله ذنب فقد يوريديس مرتين.

نحط هيدز على جنب بقى ونشوف أورفيوس نفسه…

رمزية نزول أورفيوس لعالم الموتى ومحاولة استرجاع يوريديس قد يحمل العديد من التفسيرات. ممكن نشوف مثلاً يوريديس على إنها الجزء المادي من الإنسان والغريزة الفانية المحبة للبقاء وأن أورفيوس ببراءته وفنه هو الروح الخالدة المحبة للسمو (الأورفية تحولت لحركة فلسفية فعلاً في عصور الإغريق عُرفت بالطابع الروحاني) والاتنين في وقت من الأوقات (العصور الأولى) كانوا عايشين في حب وتناغم لحد ما الغريزة\المادة أتوصمت بالدونية وبقت تنتمي للعالم السفلي. نلاحظ إن سلاح أورفيوس الوحيد لاسترجاع يوريديس هو الموسيقى بتاعته، وكأن الفن وروحانيته هو الوحيد القادر على السمو بالمادة والغريزة وإعادتها لمكانها الصحيح جنبًا إلى جنب مع الروح، بس طبعًا الموضوع بيفشل بسبب تدخل السلطة الفكرية والعقائدية المتمثلة في هيدز.

فيه تفسير آخر بيشوف الأسطورة من منظور نفسي بحت وبيتناول كيفية تعامل الإنسان مع الفقد (فقد إنسان أو جزء من النفس)، وده بيشوف إن بعد فقدان الإنسان لشيء أو شخص بيحبه بيبقى فيه صراع قائم بين العقل الواعي (المتمثل في أورفيوس وعالمه) والعقل اللاواعي (المتمثل في مملكة هيدز). أورفيوس – كضحية الصدمة بعقله الواعي وهو في حالة نكران للفقد – بيحاول يسترجع الشخص أو الشيء المفقود ويمنع تحوله لذكرى أو شعور لا واعي بكل الطرق الممكنة. التفسير ده حزين جدًا لأنه بيورينا إن مهما الفاقد نجح في استرجاع المفقود فده بيزود من بؤسه لأنه في مرحلة ما بيدرك إن الذكرى بتأكدله فقدان الشخص المادي واستحالة رجوعه.. يعني أورفيوس بيتكسر قلبه فعلاً لما ييبص وراه ومايلاقيش يوريديس، مش علشان أتسحبت للعالم السفلي ولكن علشان بيدرك إنها مكانتش موجودة معاه أصلاً طول رحلة رجوعه، وإنه كان متخيل وجودها معاه she was never truly there.

أما التفسير الأخير – وأقربهم إلى قلبي – بيشوف إن أورفيوس هو الفن والقدرة الإبداعية والخيال عند الإنسان. رحلة أورفيوس لعالم الموتى ما هي إلا العملية الإبداعية نفسها اللي – على الرغم من الشقاء اللي فيها – بيفضل من خلالها الفنان على اتصال بروحه (يوريديس) واللي بيحاول يوصّلها للعالم الحقيقي لكن بيفشل. كارل يونج Carl Jung بيقولنا أن فشل أورفيوس في استعادة يوريديس وكسرة قلبه عليها هو التمن اللي لازم يدفعه الإنسان مقابل الخيال، لإن الخيال دايمًا بينتهي بالعودة إلى الواقع.

في رواية Atonement للكاتب الإنجليزي إيان ماك-إيوان Ian McEwan البطلة، صاحبة الخيال الجامح، بتقول جملة عبقرية بتلخص الهري ده كله:

The cost of oblivious daydreaming was always this moment of return, the realignment with what had been before and now seemed a little worse.

 فيما معناه إن ضريبة الانغماس في أحلام اليقظة هو دائمًا لحظة العودة.. التعايش مع ما كان وما يبدو الآن أسوأ قليلاً.

في كل مرة الإنسان بيستسلم للخيال ويتمسك بيه، قدرته على العودة للواقع بتبقى أصعب لإنه بيبص وراه وبيدرك إن يوريديس عمرها ما كانت معاه ولا عمرها هتيجي معاه وإنه لازم يواجه الواقع من غيرها.

يمكن التفسير ده يساعدنا نفهم ليه الفن بيرتبط بالجنون وأن كتير من الفنانين وأصحاب الخيال الواسع انتهى بيهم الأمر بالانتحار. كسرة القلب اللي بتحصل لما الإنسان بيصطدم بالواقع وبيلتفت وراه وبيدرك إن جنته ما هي إلا خيال بتبقى لا توصف، وتكرارها قد يؤدي لاستحالة التعايش مع الواقع.

بعد أورفيوس ما فقد يوريديس للأبد فضل عايش في حزن وشقاء لحد ما جيه يوم قابل فيه مجموعة من النساء أتباع الإله ديونيسوس Dionysus اللي طلبوا منهم يغنيلهم بس رفض، وفي روايات تانية بتقول إنه استفزهم.. المهم إن النتيجة واحدة: اتخانقوا معاه وقطعوه لأشلاء. وأي كان السبب فأنا شايفة إن أورفيوس كان عايز يموت وأن دي كانت فرصته للهروب من قبح الواقع.

دمتم في خيال.

2 تعليقات على “أورفيوس وضريبة الخيال

  1. تعقيب: بيرسيفون وهاديس ورحلة النضج – هكذا تكلم بهنسي

  2. تعقيب: ايكسيون والعجلة الجهنمية – هكذا تكلم بهنسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s