بروميثيوس والمعرفة

النهاردة هنرجع للأساطير وهنتكلم عن أول نصير للإنسانية والداعم الأول للفكر والمعرفة، سارق النار بروميثيوس Prometheus..

بروميثيوس كان واحد من العمالقة اللي حبسهم زيوس بعد ما ثار على أبوه كرونوس (اللي كان بيأكل عياله، فاكرين؟) وبعد كده أفرج عنهم بعد حرب طويلة وأتحالف مع بعضهم، منهم بروميثيوس وأخوه إبيميثيوس.

ما علينا ومن غير دخول في تفاصيل، زيوس عمل كل المخلوقات على الأرض، بما فيهم الإنسان، ووكل بروميثيوس وأخوه إبيميثيوس بمهمة توزيع العطايا الإلهية على المخلوقات دي علشان يساعدوهم يعيشوا على الأرض. وبما إن إبيميثيوس، على عكس أخوه بروميثيوس، كان أهطل ومتسرع، وزع العطايا الإلهية – زي الشراسة والسرعة والقدرة على الطيران – على الحيوانات لحد ما خلصها كلها. طبعًا بروميثيوس لقى إن مفيش حاجة باقية للإنسان الغلبان ده، وإن كده بقية المخلوقات هتتفوق عليه وهتفترسه من قبل ما يتعلم يقف على رجليه حتى.

بناءً عليه بروميثيوس أقدم على عمل متهور جدًا وهو إنه طلع جبل الأوليمب وسهّى الآلهة وسرق النار وأهداها للإنسان علشان يحمي بيها نفسه وينور الضلمة ويسوي أكله.. إلخ. طبعًا لما زيوس عرف عملة بروميثيوس السودا أستشاط غضبًا وقرر إنه يعاقب بروميثيوس عقاب أبدي بإنه يربطه في صخرة فوق جبل بحيث يجي نسر كل يوم يأكل كبده وبليل يطلعله كبد جديد ويجي نفس النسر تاني يوم يأكل كبده ويفضل على الحال ده كل يوم لحد ما يبانله صاحب (يُقال إن هرقل كتر خيره هو اللي أنقذه بعدين). المهم إن زيوس ماكتفاش بمعاقبة بروميثيوس وقرر يعاقب الإنسان كمان (أتاخد في الرجلين يا عين أمه) بحيلة غريبة جدًا…

زيوس أمر بخلق أول إمرأة من الطين (نفس العجينة اللي معمول منها الإنسان) وسماها باندورا Pandora وأهداها كزوجة لأخو بروميثيوس العبيط إبيميثيوس… طبعًا باندورا كانت آية في الجمال والرقة، وإبيميثيوس بكل سذاجة وترييل قبل هدية زيوس – على الرغم من تحذيرات أخوه بروميثيوس – ده غير إن باندورا كانت مُزة برضه، وفعلاً أتجوزها. وكهدية لجوازهم، زيوس أدى باندورا صندوق وحذرها من فتحه من غير ما يديها أسباب (مابتفكركوش بحاجة الحتة دي؟). وبما إن الفضول من سماتها الأساسية، باندورا ماقدرتش تمنع نفسها وفعلاً فتحت الصندوق اللي خرج منه الشقاء والمرض والحرب والموت.. الشرور اللي لسه بتجوب الأرض لحد دلوقتي. ويقال إن الأمل كان برضه محبوس في الصندوق لكن باندورا الفقرية قفلت الغطا قبل ما يخرج.

فلسفيًا، النار اللي سرقها بروميثيوس دي بتعبر عن المعرفة والطاقة الإبداعية اللي مكنت الإنسان من إنه يتفوق على بقية المخلوقات على عكس الصفات الغرائزية اللي منحها إبيميثيوس للمخلوقات التانية. وعلشان كده المعنى الأصلي لاسم بروميثيوس Pro+metheus هو forethinker أو المفكر الأول لإن هو من أهدى الإنسان المعرفة والقدرة على الإبداع، في حين إن إبيميثيوس Epi+metheus أو afterthinker اسمه مقترن بالغريزة أو كل ما هو دون الفكر.

الملفت للنظر إن عقاب بروميثيوس على منح المعرفة للبشر كان شديد جدًا وبيدل على إن الإنسان حصل على حاجة مكنش المفروض يحصل عليها ولا كان المفروض يتميز بيها على بقية المخلوقات. فكأن الأسطورة بتقولنا على الرغم من إن رغبة الإنسان في المعرفة والإبداع هي السبب في بقائه وتفوقه على بقية الكائنات إلا إنها لعنته برضه، وعاجلاً أم آجلاً هتؤدي بيه للهلاك سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي.

بروميثيوس (المسؤول عن نشر المعرفة) عقابه إن كبده كان بيتأكل كل يوم، والكبد قديمًا كان هو رمز العاطفة والحب – يعني نفس فكرتنا عن القلب دلوقتي – وكأن التوغل في العلم والهوس بالتقدم المعرفي (التكنولوجيا على سبيل المثال) بيصاحبه تضحية بالمشاعر والعاطفة. والتضحية – أو ممكن نسميها العقاب – ما بتقفش على ناشر المعرفة بس ولكن على المجتمع ككل… زيوس ماعقبش بروميثيوس لوحده، إنما عاقب البشرية كلها بإرسال صندوق باندورا وإطلاق البلاوي اللي فيه. فنعمة المعرفة أصبحت مقترنة بشرور تانية وللأسف الإنسان أتجبر على حب المعرفة والسعي وراها وأتجبر برضه على تحمل شرورها (يعني الأسطورة بتقولنا we’re doomed الحمد لله).

واضح طبعًا إن باندورا هي النسخة الإغريقية من حواء، وإن زي ما حواء في بعض روايات قصة الخلق هي السبب في شقاء آدم ونزوله للأرض علشان أكل التفاحة المحرمة فباندورا ليها دور مشابه بإنها فتحت الصندوق المحرم وأطلقت الشرور اللي فيه. باين كده إن الناس زمان كانت شايلة من الستات جامد علشان دايمًا بيدوها الدور المهمش\المنيل في الروايات اللي زي دي.

المهم إن بروميثيوس في الأدب والفن والفلسفة أصبح رمز للثورة على الإله ونصير المعرفة والإبداع، وشعراء وأدباء الأدب الرومانسي استخدموا شخصيته في أعمالهم علشان يعبروا عن رغبتهم في الخروج عن التقاليد بكل أشكالها يعني مثلاً الشاعر الألماني جوته Goethe كتب قصيدة طويلة عريضة بيتكلم فيها على لسان بروميثيوس، وماري شيلي Mary Shelley كتبت رواية شهيرة كلنا عارفينها وسمتها Frankenstein: The Modern Prometheus يعني شبهت دكتور فرانكنشتاين ببروميثيوس.

المهم إن بروميثيوس والإنسان بيشتركوا في مصير أبدي من العذاب علشان أخدوا حاجة مش بتاعتهم، لكنها نفس الحاجة اللي من غيرها الإنسان كان هيبقى ولا حاجة، الحاجة دي هتفضل للأبد جنته ولعنته…

المعرفة.

2 تعليقات على “بروميثيوس والمعرفة

  1. تعقيب: آيو وصدمة الاغتصاب – هكذا تكلم بهنسي

  2. تعقيب: هرقل – هكذا تكلم بهنسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s