سيزيف وكامو والعبثية

نبدأ النهاردة بأسطورة أغريقية معظمنا عارفها أو على الأقل سمع عنها وهي أسطورة سيزيف Sisyphus. سيزيف ده كان ملك وكان معروف عنه الذكاء وعمل مشاكل مع الآلهة بسبب دهائه… المهم يعني مش هندخل في تفاصيل بس زيوس قرر يموت سيزيف وبعتله إله الموت علشان ياخده معاه عالم الموتى… سيزيف استخدم أقدم حيلة في الكتاب علشان يتهرب من الموت: أول ما جاله إله الموت قاله السلاسل اللي معاك دي مش قوية كفاية أنها تربطني فراح إله الموت (على نياته معلش) قاله لأ دي قوية جدًا ده حتى شوف، وجربها على نفسه! سيزيف طبعًا أخده وحبسه عنده مدة طويلة.. زيوس لاحظ إن خلال الفترة دي محدش على الأرض مات فانتبه لاختفاء إله الموت..المهم سيزيف في الأخر اتجاب من قفاه في عالم الموتى وبسبب الهباب اللي هببه ده الآلهة حكمت عليه بعقاب أبدي من نوع مختلف: إنه يفضل يزق صخرة كبيرة لأعلى قمة جبل وأول ما يوصل الصخرة تقع تاني وينزل يزقها لفوق وهكذا.

ألبير كامو Albert Camus بقى قرأ الأسطورة دي وقال إن العقاب اللي اختارته الآلهة لسيزيف أنسب حاجة بتعبر عن الوجود الإنساني. كامو بيقول إن عبثية العقاب في إن سيزيف يبذل مجهود في حاجة ملهاش أي معنى ويفضل في الحلزونة دي للأبد بتتماثل مع عبثية حياة الإنسان منذ ولادته وحتى موته.. الإنسان بيفضل يهري في نفسه علشان يحقق هدف ورا التاني وفي كل مرة بيكتشف إن مفيش حاجة بتحققله الرضا الكامل (الصخرة عمرها ما بتثبت على القمة) فبيدور على حاجة تانية وهكذا.. عبث! ومن هنا أطلق كامو على فلسفته اسم “العبثية” Absurdism العبثية بتعتبر بناء وتكملة للوجودية.. كامو بيقول إن مش بس الحياة بلا معنى متأصل (الوجودية)، ده كمان كل محاولاتنا لإيجاد معنى هي نوع من العبث. فهو شايف إن كل اللي الفلاسفة بيهروا فيه من ناحية إحنا موجودين ليه ده كله كلام فاضي وإن السؤال الفلسفي الأوحد هو: ننتحر ولا لأ؟

كامو بيقول إن أول ما الإنسان بيدرك عبثية الحياة بيبقى لازم يختار حل من تلاتة:

1- يستسلم تمامًا للعبث ومايحاولش حتى يلاقي تفسير (العدمية)

2- يتجاهل عبثية الكون ويختار المعنى\التفسير المناسب له لسبب وجوده

3- يقاوم العبث وينتحر! (اللي هو لأ أنا مش لاعب معاكم)

الانتحار قد يبدو أنسب الحلول (سيزيف يسيب الصخرة تقع على دماغه ويريحنا!) بس كامو شايف إن برضه ده مش الأسلوب المناسب للرد على عبثية الحياة، ده مجرد هروب من المشكلة، كأنك بتسيب مدينة علشان كل اللي فيها حرامية، كونك سبتها مش هيخلي الحرامية يختفوا، وهتسيبها وتروح فين؟ برضه مش مضمونة.

طيب نتنيل نعمل إيه يا عم كامو؟ إيه الحل؟ الحل عند كامو إننا نتقبل العبثية دي بصدر رحب وناخدها بالحضن كمان. أصل طالما اعترفنا إن كله عبث في عبث، يبقى نستمتع بيه بقى! إحنا عارفين إن الصخرة عمرها ما هتوصل القمة بس نفضل نزق فيها علشان نعمل عضلات أو علشان نتكلم مع الصخرة… أي حاجة. وهو شايف إن تقبلنا للمهام العبيطة دي دون محاولة إضفاء معاني كبرى عليها هو قمة اعترافنا بالعبثية. إنما الانتحار بيدل إنك كنت مؤمن بحاجة أكبر أو متوقع حاجة تانية وقوبلت بالمقاومة.. وده مش حقيقي، وفي الأخر مش هيحل المشكلة برضه زي ما قولت قبل كده.

كامو كتب رواية عظيمة اسمها “الغريب” L’Étranger بطلها شاب – ميرسو – قد يبدو للقارئ أنه مختل نفسيًا أو إجتماعيًا بسبب سلوكه الغريب. ميرسو بينتهز أي فرصة بتديهاله الحياة إنه يعمل أي حاجة من غير ما يفكر في أفعاله ومعانيها ونتايجها.. بنت جميلة اتقربت منه، يوافق يخرج وينام معاها.. وماله. جاره يطلب منه يكتبله جواب هيأذي بيه حد، يكتبه.. وماله. صاحبه قاله يالا نسافر، نسافر.. وماله. الجو كان حر فطلع مسدس يقتل واحد كان صاحبه متخانق معاه.. وماله! الحياة بالنسبة له مش سبب ونتيجة إنما مجموعة من الأحداث بلا أي ارتباط أو معنى. القصة مش بس بتشكك في المعايير القانونية والأخلاقية اللي قايمة عليها المجتعات وإنما بتوضح صراع ميرسو مع العبث وتقبله ليه في النهاية بشكل – تقريبًا – بطولي… زي سيزيف.

اللي بيحب فيكم السينما هيلاحظ إن أكتر مخرج أفلامه بتعبر عن عن الفلسفة الوجودية وامتدادها العبثية هو اليوناني يورجوس لانثيموس. وتعالوا نطبق مثلاً على فيلم من أفلامه زي Kynodontas أو بالإنجليزيةDogtooth

Kynodontas, 2009

الفيلم بيصورلنا أسرة بتتكون من أب وأم وولد وبنتين.. طبعًا إحنا بنقعد حبة حلوين مش فاهمين إيه اللي بيحصل لحد ما بندرك إن الأب والأم عازلين أولادهم تمامًا عن العالم الخارجي ومفهمينهم إن حدود عالمهم الآمن هو البيت ومايقدروش يخرجوا للعالم المتوحش بره إلا لما نابهم يقع. بيتضح إن مفهوم الأولاد دول عن العالم – عالمنا – مغلوط تمامًا بسبب إن كل معرفتهم بيه هي عن طريق الأب والأم… فمثلاً فاكرين أن القطة كائن متوحش وإن الvagina اسمها keyboard وحاجات تانية بالنسبة لنا مضحكة جدًا بس بالنسبة لهم هي الواقع.

طيب ده إيه علاقته بسارتر وكامو؟ النموذج اللي بيقدمه لانثيموس في الفيلم هو مثال مبسط لحياتنا بكل أنظمتها الفكرية واللغوية والعقائدية لو بصينا عليها من بره.. يعني تخيلوا مثلاً إن لو هبط علينا كائن فضائي دلوقتي وقعدنا نشرحله يعني إيه جواز ودين وسياسة وإن الكائن اللي مربينه في البيت ده اسمه كلب… ممكن ينهار من الضحك وغرابة الموقف علشان بالنسبة له الأشياء دي لا تعني أي شيء أو تعني أشياء مختلفة. وده بالظبط هو جوهر الفلسفة الوجودية، إن مفيش معنى متأصل لحياتنا، وكل الحاجات اللي احنا واخدينها على إنها مسلمات هي مجرد معاني احنا أضفناها بنفسنا وكررنها لحد ما حفظناها وافتكرنا إنها موجودة من قبلنا في حين إنها – أصلاً – بلا أي معنى!

لانثيموس عايزنا ندرك إننا احنا الأسرة دي… إحنا الأولاد اللي مضحوك عليهم وفاكرين إن كل اللي يعرفوه عن الحياة هو الواقع أو الحقيقة. المهم يعني إن نهاية الفيلم هتخلي كامو يقوم يتحزم ويرقص في قبره من كتر العبثية بس مش عايزة أحرقهالكم… شوفوا الفيلم وأنتوا هتفهموا.

ليلتكم عبثية سعيدة!

2 تعليقات على “سيزيف وكامو والعبثية

  1. تعقيب: بيناتار واللاإنجابية – هكذا تكلمت لابانشي

  2. تعقيب: تانتالوس والنشوة المستحيلة – هكذا تكلمت لابانشي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s