جيجك والشغف بالواقع

موضوع النهاردة هيكون غريب شوية وده لإننا هنتكلم عن المفكر السلوفيني سلافوي جيجك Slavoj Žižek وهو مفيش أغرب منه الصراحة. طبعًا من المستحيل حصر أفكار جيجك في ثريد واحد لأنه بيتكلم في كل حاجة تقريبًا.. فلسفة، اقتصاد، فن، رياضة، سياسة (ملناش دعوة يا موهيي)، بس أنا قولت نركز على نظرية من نظرياته اللي مرتبطة بشكل ما بكلام بودريار اللي اتكلمنا عنه في الثريد اللي فات، والنظرية دي هي Passion for the Real أو الشغف بالواقع.

زي ما قولنا المرة اللي فاتت، بودريار تنبأ باندثار الواقع وانتشار السميُلاكرا (أو صور الواقع) المتمثلة في مواقع التواصل الإجتماعي والواقع الافتراضي.. إلخ. جيجك بقى فيلسوف معاصر وشاف الكلام ده فعلاً بيحصل قدام عينه. جيجك بيقول إن الإنسان دلوقتي فكرته عن الواقع أو المضمون الحقيقي للأشياء بقت مشوهة تمامًا (يعني مابقاش يعرف يميز بين الواقعي والمتخيل.. الأصل والتقليد) بسبب انتشار النسخ اللي بتقدم حقائق موازية ولكن منزوعة المضمون، وبيدينا أمثلة كتير من السلع اللي موجودة في السوق حاليًا وبيستغرب جدًا إنه عادي إن بقى فيه قهوة بدون كافين وكريمة بدون دسم وبيرة من غير كحول وجنس بدون جنس (يقصد هنا الجنس الافتراضي).. لو فكرتوا فيها هتلاقوا إن الموضوع غريب فعلاً: السلع دي أتنزع منها الصفة المتأصلة اللي بتخليها هي السلعة دي (اللي بيخلي البيرة بيرة هو الكحول!)، وكأن حقيقتها وجوهرها اتشال منها وبتتقدم على إنها نفس السلعة عادي.

وبسبب انتشار الصور وفقد الحقائق لجوهرها، الإنسان المعاصر جتله تربنة في دماغه وبقى حاسس إنه محبوس في مكان افتراضي وده خلق عنده رغبة في الوصول إلى الواقع حتى لو ترتب على ده صدمة عنيفة…

هديكوا مثال، ولد صغير مدمن ألعاب فيديو عن الحرب وبيلعبها ليل نهار فالولد بيوصل لدرجة من التشبع بتخليه يحلم باليوم اللي يجرب يخوض حرب بجد مع إدراكه التام بنتائجها العنيفة. مثال تاني، واحد بيتفرج على أفلام إباحية ليل نهار، أكيد برضه هيجي عليه وقت هيبقى عايز يختبر الجنس بصورة واقعية. أهي السعادة الناتجة عن رغبة الوصول إلى الواقع دي اللي جيجك بيسميها jouissance أي النشوة الجسدية أو الفكرية.. الفرنسي جاك لاكان كان أول من أشار إلى هذا النوع من النشوة وقال إنه دايما بيبقى مصحوب بالألم (حاجة BDSM خالص).

الكلام لحد دلوقتي قد يبدو لكتير منكم بديهي، بس جيجك بيقولنا إن الموضوع مش بالبساطة دي لو طبقناه على نطاق أوسع وبيدينا مثال وهو 11 سبتمبر. جيجك باشا شايف إن اللي حصل اليوم ده برغم بشاعته حقق للكثير من الأمريكان نشوة الوصول إلى الواقع jouissance لإن ده – على حسب كلامه – كان اللي بيحلموا بيه ونفسهم يحصل! فكروا كده في كل أفلام هوليوود ولعب الفيديو اللي بتصور غزو الإرهابيين والفضائيين والوحوش واللي دايمًا بتنتهي بتدمير معالم أمريكا الرئيسية ومنها طبعًا برجي التجارة العالمي.. ده بجانب الخطاب السياسي (الزن على الودان) اللي كان بيأكد على كون أمريكا مطمع للإرهابيين والفضائيين والوحوش… فجيجك بيقول إن طبيعي جدًا بعد التعرض لكل “الصور” دي إن الشعب الأمريكي يبقى عنده شغف لحدوث ده في الواقع فعلاً وينتج عن تحققه نشوة كمان! جيجك بيفكرنا إزاي كل الناس كانت لازقة قدام التلفزيون بتابع الأحداث. طبعًا جزء من ده خوف ولكن الجزء الأكبر كان نشوة التعرض للواقع، “يالهوي أنا بشوف دمار بيحصل قدامي فعلاً!!” وكأنهم بيتفرجوا على فيلم حققلهم the ultimate real effect زي البرامج الواقعية وال snuff pornography بالظبط.

جيجك شايف إن الواقع أتحول للوحش اللي في أخر اللعبة اللي كلنا خايفين منه بس هنموت ونقابله لإنه بيكسر العوالم والصور الافتراضية المتداخلة اللي بقينا محبوسين فيها.. ولنفس السبب بيقول إن الشغف بالواقع ده بقى يتم استخدامه سياسيًا للحفاظ على والترويج لسرديات أيدولوجية معينة، علشان كده مفهوم جيجك للواقع أختلف شوية عن مفهومنا الاعتيادي ليه.

وعلشان يشرح لنا هو يقصد إيه بالواقع، جيجك بيستلف تقسيمة لاكان للوعي الإنساني (المتخيل والرمزي والحقيقي) وبيعدل عليها شوية. بيقولنا إن أي حاجة بتحصل في العالم الخارجي الإنسان بيستوعبها من خلال ثلاثة نطق: النطاق المتخيل the imaginary وهي وجهة النظر الفردية اللي بيضيفها كل إنسان على الأشخاص والأشياء اللي حواليه ودي طبعًا بتبقى غير موضوعية، النطاق الرمزي the symbolic يشير إلى كل القواعد والأعراف والقوانين المتفق عليها والحاكمة للعالم الخارجي، وأخيرًا النطاق الحقيقي أو الواقعي the real اللي بيشير كل شيء يرفض الخضوع للنظام الرمزي وبيؤدي لحدوث شرخ في منظومة الوعي ككل.

جيجك بيدينا مثال حلو جدًا على ده: بيقول نفترض إن فيه اتنين قاعدين يلعبوا شطرنج.. كل لاعب شايف اللاعب التاني إزاي والحركات اللي ممكن هو أو اللاعب التاني يلعبها دي كلها حاجات تقع في النطاق المتخيل، أما قواعد اللعبة اللي الاتنين متفقين عليها تقع في النطاق الرمزي، أما ما يقع في النطاق الحقيقي فهو أي شيء ممكن يبوظ أو يغير السير المتوقع للعبة.. واحد منهم يغش مثلاً.. أو الكلب بتاع التاني يجي يقلبلهم اللعبة.. إلخ.

النطاق الحقيقي ده هو الواقع. على الرغم من خوفنا منه إلا إننا بنرغب في حدوثه بشدة لأنه الحاجة الوحيدة اللي بتثبت لنا إن القوالب الإفتراضية اللي احنا صنعنها بنفسنا ولنفسنا واتحبسنا جواها يكمن كسرها والخروج منها.

الملفت في النظر في كلام جيجك إنه بيورينا إن إدراكنا للواقع أختلف تمامًا عن إدراك اللي قبلنا..اللي قبلنا كانوا شايفين الواقع خانق لكن كل ما هو إفتراضي بالنسبة لهم كان بعبع مغري..في حين إننا دلوقتي مزنوقين جوا الإفتراضي والواقع بقى هو البعبع المغري.

1 تعليق على “جيجك والشغف بالواقع

  1. تعقيب: جودايفا ومتعة التلصص – هكذا تكلمت لابانشي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s