جودايفا ومتعة التلصص

هنبتدي الموضوع النهاردة بحدوتة..

يُقال إن في القرن ال11 أو ال13 (مش مشكلتنا دلوقتي) كان بيحكم مدينة كوفنتري بإنجلترا لورد ظالم اسمه ليوفرك وكان كل يوم عن التاني بيزود الضرايب على أهل المدينة الغلابة. بس مرات اللورد كانت ليدي طيبة وبنت حلال اسمها جودايفا Lady Godiva وطبعًا مكانش عاجبها الوضع وقعدت تقول لجوزها يخفض الضرايب وتترجاه.. يا حبيبي مش كده، طلع عقدك على نفسك مش على الناس! يا موكوس كفاية ضرايب. المهم من كتر الزن اللورد حب يسكتها فقالها طيب أنا هخفض الضرايب بشرط واحد… لو ركبتي حصان ومشيتي بيه في شوارع المدينة في عز الضهر وأنتي عريانة. طبعًا هو قالها الشرط العجيب ده علشان عارف إن مراته ليدي واستحالة تعمل كده.

جيس وات؟ جودايفا ركبت دماغها وفعلاً جت في يوم قلعت هدومها كلها وركبت الحصان بتاعها بس قبل ما تنزل بيه شوارع المدينة بعتت منادي يقول للناس يدخلوا بيوتهم ومايبصوش من الشبابيك. مشيت جودايفا في الشوارع بحصانها كما ولدتها أمها والناس كلها التزمت بكلام المنادي، إلا راجل واحد بس اسمه توم ماقدرش يقاوم يشوف جودايفا وهي عريانة.. يُقال إن توم ده جاتله صاعقة من السما عمته أو موتته (مش فارقة أهو غار في داهية)، وجوز جودايفا أذبهل لما عرف اللي مراته عملته بس التزم بكلمته معاها وخفض الضرايب على الناس فعلاً.

القصة دي مش حقيقية ولكنها أسطورة قايمة على شخصية حقيقية (زي أسطورة الملك آرثر كده). بغض النظر يعني، أنا اللي يهمني من الحدوتة هو توم.. الراجل اللي قرر يتلصص على جودايفا وهي عريانة، لإن توم ده هو مصدر التعبير الشهير peeping Tom أو “توم المتلصص” واللي بيطلق على أي شخص بيثار جنسيًا من التلصص على الآخرين وهما عريانين أو في أوضاع حميمية وده اللي احنا بنسميه دلوقتي voyeurism.

ال voyeurism مش مرض أو اضطراب في الشخصية في حد ذاته علشان أصلا الإنسان بيثار من مشاهدة آخرين في أوضاع حميمية (الأفلام الإباحية نوع واضح وصريح من الvoyeurism)، لكن الأطباء النفسيين بيقولوا إن الحالة دي بتدخل في نطاق الparaphilia أو الاضطرابات الجنسية لما بتتحول لسلوك قهري أو بتكون المصدر الوحيد للإنسان للحصول على المتعة الجنسية.

طيب نرجّع الموضوع PG تاني. مؤخرًا مفهوم الvoyeurism توسع وبقى يشمل ممارسات غير جنسية كمان، العامل المشترك في الممارسات دي إن المُشاهد أو توم المتلصص بيحصل على متعته من مشاهدة حاجات هو المفروض ما يكونش بيشوفها أو مش مسمحوله يشوفها.. فكرة إن أنا لو دخلت على الفيسبوك بتاع واحد معرفهوش بس نشط شوية على مواقع التواصل الإجتماعي وعرفت عنده كام أخ وبيشتغل فين وبيته فيه كام مروحة وملايات السرير لونها إيه دي متعة غزيزية (مش شرط جنسية) في حد ذاتها.. اللي هو أنت متعرفنيش ولا حاسس بوجودي أصلاً بس أنا قادر أتلصص عليك وأعرف تفاصيل حياتك الشخصية، وده بيدي شعور بالقوة ممزوج بالمتعة.. نفس الغريزة اللي بتخلي الأطفال يبصوا من خرم المفتاح أو يحطوا ودنهم على باب الجيران.

طيب ممكن حد يقولي طالما دي غريزة وحاجة طبيعية بتهري في إيه أنتي دلوقتي؟ المشكلة إن النظام الرأسمالي الحبوب بمساعدة التكنولوجيا طبعًا ووسائل الإعلام بقوا يشتغلوا على ال voyeurism كأسلوب تسويق وطريقة للربح والنجاح…

بلاش وسائل التواصل الإجتماعي اللي بقت تتطور كل يوم عن التاني في عملية التلصص دي (الأول كان صور بس وبعد كده فيديو ودلوقتي live streaming)، تعالوا نشوف مثلاً لما بتحصل مصيبة في أي مكان في العالم، كارثة طبيعية أو عمل إرهابي… كل وسائل الإعلام بتشتغل على الvoyeurism وبيتنافسوا مين يحطك في الصف الأول.. لأ وجوا الحدث كمان، في المكان اللي المفروض ماتكونش فيه. كان فيه حادثة دهس في نيس في فرنسا من سنتين أو تلاتة تقريبًا.. المقزز في طريقة نقل الحدث إن معظم القنوات كانوا بيتنافسوا مين هيوريك جثث وأشلاء أكتر.

لو تفتكروا في البوست بتاع جيجك أتكلمت على إن الناس بتحب تتفرج على الحاجات دي علشان توصل لمرحلة من المتعة اسمها ال jouissance ودي اللي بتتحقق لما تقرب من حاجة واقعية جدًا مش مسموح لك تقرب منها. ولنفس السبب الناس بتروح الدييب ويب علشان تتفرج على snuff films وunsimulated pornography

المشكلة إن كلنا اتحولنا لتوم المتلصص وكلنا قاعدين نتفرج على جواديفا وبناكل فيشار بدون ذرة تأنيب ضمير وده بيفقدنا إنسانيتنا حبة في حبة. رغبتنا في إننا نختلس النظر ونبص على حاجات شخصية وناخد أول صف في الأحداث طغى على الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية المصاحبة للمواقف اللي زي دي.

أنا متأكدة إن معظمكم شاف مسلسل بلاك ميرور Black Mirror وهتلاقوا أكتر من حلقة بتتناول موضوع ال voyeurism من أشهرهم White Bear. قصة الحلقة بتدور حول بنت بتصحى تلاقي نفسها مطاردة من ناس شكلهم مجانين عايزين يموتوها. وهي بتحاول باستماتة إنها تهرب منهم بتستنجد بالناس اللي في البيوت واللي في الشارع لكن محدش بينجدها! كل اللي بيعملوه إنهم ماسكين كاميرات وموبايلات وقاعدين يصوروها وهي بتحاول تنقذ حياتها وكإنها في كابوس مش عارفة تصحى منه.

“White Bear,” Black Mirror, 2013

مش هحرق بقية الحلقة للناس اللي ماشفتهاش لكن طبعًا الصورة الكابوسية للقصة بتوضح قد إيه إحنا بقينا مهووسين بالفرجة والتلصص أكتر من المشاركة وده بقى مصدر متعتنا الوحيد.. وكأن العالم بقى حديقة حيوان وبنعامل كل الأشياء والبني آدمين اللي حوالينا على إنهم حيوانات في أقفاص وإحنا بنتلصص عليهم وهم بياكلوا ويشربوا ويناموا وبيمارسوا الجنس.

وأعتقد إني قولت مش فاكرة وأنا بتكلم عن موضوع إيه قبل كده إن الحوار بقى fucked up لدرجة إن الناس بقت تستمتع مش بس بدور المتلصص لأ كمان والمتلصص عليه! some sort of twisted exhibitionism

أحب أكرر بس إن الvoyeurism كغريزة جنسية دي حاجة طبيعية إلا في حالات الاضطرابات الجنسية، لكن لما الموضوع يتطور بالشكل المخيف اللي إحنا عايشينه ولسه هنعيشه يبقى لازم نفتكر توم المتلصص وإيه اللي حصله في القصة.

3 تعليقات على “جودايفا ومتعة التلصص

  1. تعقيب: صورتين – هكذا تكلمت لابانشي

  2. I have always thought that the reason people go above and beyond in exposing others and interfering with details of peoples lives is because we never really like looking at ourselves.
    (excluding narcissist… I think)

    Lets look and point at you because if you look at me then god knows what you may find.

    The God Complex we all have (or had a time)

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s