إيكاروس والوسط الذهبي

كان ياما كان.. كان فيه زمان في بلاد الإغريق راجل مهندس وحرفي إيده تتلف في حرير اسمه ديدالوس Daedalus. ديدالوس ده بناءً على أوامر من ملك كريت بنى متاهة معقدة جدًا اللي يدخل منها مايعرفش يخرج أبدًا. ملك كريت خلى ديدالوس يبني المتاهة دي علشان يحبس فيها وحش اسمه المينوتور…

المهم يعني ديدالوس والملك وقعوا مع بعض علشان ديدالوس ساعد واحد إنه يدخل المتاهة ويقتل المينوتور ويخرج منها (بنت الملك كانت بتحبه فوصت ديدالوس عليه). بعيدًا عن الحوارات دي يعني… الملك طبعًا كان مستحلف لديدالوس لدرجة إن ديدالوس قرر يهرب هو وابنه إيكاروس Icarus (كان شغال معاه في الورشة) من الجزيرة عن طريق صنع أجنحة من الريش والشمع.. طريقة غريبة للهرب بس تقريبًا كان يوم عيد وملاقوش تذاكر على مراكب فاضية اليوم ده.

المهم ديدالوس وإيكاروس لبسوا الأجنحة واستعدوا للطيران بس قبل ما يطيروا ديدالوس حذر ابنه من إنه يطير قريب أوي من البحر علشان رطوبة المياه ماتّقلش الأجنحة ولا إنه يطير قريب أوي من الشمس علشان الشمع مايسحش.. من الأخر قاله حافظ على مسافة متوسطة بين البحر والشمس…

طبعًا كلنا عارفين إيه اللي حصل بعد كده.. إيكاروس انبهر بقدرته على الطيران وقعد يحلق ناحية الشمس لحد ما الشمع ساح واتقلب على وشه في البحر ومات.

الأسطورة في الفلسفة بيتم ربطها بفكرة ال Golden Mean أو الوسط الذهبي (أحيانًا بيُطلق عليها Middle Way). والفكرة دي منتشرة في الفلسفات والأديان القديمة. تعالوا نتكلم عن أرسطو مثلاً..

أرسطو بيقول إن الفضيلة أو الحياة الفاضلة في المطلق بتقع بين شيئين نقيضين وإن من أصعب الحاجات اللي بتواجه الإنسان هي قدرته على المشي في الطريق الوسطي ده من غير ما يتشد لأي من الجانبين، بالظبط زي ما ديدالوس نصح إيكاروس. أرسطو بيقول إن الإنسان الطبيعي جسديًا ونفسيًا فُطر على التوازن وإن دي أنسب وأسعد حالة بيكون فيها، يعني لو أكل كتير جدًا هيتعب ولو أكل قليل جدًا هيتعب.. ولو قعد طول النهار يعيط هيتعب وبرضه لو قعد طول النهار يضحك هيتعب. وعلشان كده هو بيقولنا لاحظوا إن كل صفة إحنا شايفنها فاضلة بتقع بين طرفين نقيضين متطرفين (زيادة ونقص): الكرم يقع بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، والتعاطف بين الهوس واللامبالاة.. وهكذا.

بس أرسطو بيقول لازم ناخد بالنا إن الوسط ده مش حاجة ثابتة وإنه نسبي بيختلف من شخص لآخر ومن موقف للتاني، ممكن حاجة تكون بالنسبة لي إسراف وتطرف بس بالنسبة لشخص تاني وسط واعتدال. يعني مثلاً لو مرتبي 10000 جنيه وبصرف منهم ألف على اللبس مش هيعتبر إسراف.. في حين إن نفس الألف دي هتعتبر إسراف لواحد مرتبه ألفين جنيه. ونقيس على ده المعايير الأخلاقية والفكرية والعقائدية كمان، لو أنا رجل دين أكيد الطريق الوسط بتاعي هيبقى مختلف عن الطريق الوسط بتاع رجل سياسي لا ديني مثلاً (ملهاش علاقة بمين “أحسن” من مين).

الموضوع عامل زي اللي ماشي على الحبل، لو ساب نفسه هيقع بسهولة على اليمين أو الشمال وعلشان كده كل مجهوده رايح في تحقيق التوازن علشان يفضل ماشي على الحبل. طبعًا الموضوع محتاج تدريب وفشل ومحاولة.. مفيش حد بيتولد بيعرف يمشي على الحبل!

في سياق آخر، أسطورة إيكاروس بتستخدم للإشارة للطموح الزائد اللي بيؤدي بصاحبه للهلاك أو رغبة الإنسان في الوصول لحكمة الآلهة، ولكن ده هنتكلم عليه في بوست آخر مع بطل أغريقي آخر.

معلش موضوع النهاردة كان قالب على حكم ومواعظ شوية، بس ده أرسطو وهو أبلة فضيلة في نفسه كده.

1 تعليق على “إيكاروس والوسط الذهبي

  1. تعقيب: سقوط إيكاروس: لوحتان – هكذا تكلم بهنسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s